Verse. 6147 (AR)

١٠٠ - ٱلْعَادِيَات

100 - Al-Adiyat (AR)

وَالْعٰدِيٰتِ ضَبْحًا۝۱ۙ
WaalAAadiyati dabhan

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«والعاديات» الخيل تعدو في الغزو وتضبح «ضبحا» هو صوت أجوافها إذا عدت.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الضبح أصوات أنفاس الخيل إذا عدت، وهو صوت ليس بصهيل ولا حمحمة، ولكنه صوت نفس، ثم اختلفوا في المراد بالعاديات على قولين: الأول: ما روى عن علي عليه السلام وابن مسعود أنها الإبل، وهو قول إبراهيم والقرظي روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «بينا أنا جالس في الحجر إذ أتاني رجل فسألني عن العاديات ضبحاً، ففسرتها بالخيل فذهب إلى علي عليه السلام وهو تحت سقاية زمزم فسأله وذكر له ما قلت، فقال: ادعه لي فلما وقفت على رأسه، قال: تفتي الناس بما لا علم لك به، والله إن كانت لأول غزوة في الإسلام بدر وما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد والعـاديـات ضبحاً الإبل من عرفة إلى مزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى، يعني إبل الحاج، قال ابن عباس: فرجعت عن قولي إلى قول علي عليه السلام» ويتأكد هذا القول بما روى أبي في فضل السورة مرفوعاً: «من قرأها أعطي من الأجر بعدد من بات بالمزدلفة وشهد جمعاً» وعلى هذا القول: {فَٱلمُورِيَـٰتِ قَدْحاً } أن الحوافر ترمى بالحجر من شدة العدو فتضرب به حجراً آخر فتورى النار أو يكون المعنى الذين يركبون الإبل وهم الحجيج إذا أوقدوا نيرانهم بالمزدلفة {فَٱلْمُغِيرٰتِ } الإغارة سرعة السير وهم يندفعون صبيحة يوم النحر مسرعين إلى منى {فَأَثَرْنَ بِهِ نَفْعاً } يعني غباراً بالعدو وعن محمد بن كعب النقع ما بين المزدلفة إلى منى {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً } يعني مزدلفة لأنها تسمى الجمع لاجتماع الحاج بها، وعلى هذا التقدير، فوجه القسم به من وجوه أحدها: ما ذكرنا من المنافع الكثيرة فيه في قوله: {أية : أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإبِلِ } تفسير : [الغاشية: 17] وثانيها: كأنه تعريض بالآدمي الكنود فكأنه تعالى يقول: إني سخرت مثل هذا لك وأنت متمرد عن طاعتي وثالثها: الغرض بذكر إبل الحج الترغيب في الحج، كأنه تعالى يقول: جعلت ذلك الإبل مقسماً به، فكيف أضيع عملك! وفيه تعريض لمن يرغب الحج، فإن الكنود هو الكفور، والذي لم يحج بعد الوجوب موصوف بذلك، كما في قوله تعالى: {وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ } إلى قوله: {أية : وَمَن كَفَرَ } تفسير : [آل عمران: 97]. القول الثاني: قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وعطاء وأكثر المحققين: أنه الخيل، وروى ذلك مرفوعاً. قال الكلبي: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى أناس من كنانة فمكث ما شاء الله أن يمكث لا يأتيه منهم خبر فتخوف عليها. فنزل جبريل عليه السلام بخبر مسيرها، فإن جعلنا الألف واللام في: {وَٱلْعَـٰدِيَـٰتِ } للمعهود السابق كان محل القسم خيل تلك السرية، وإن جعلناهما للجنس كان ذلك قسماً بكل خيل عدت في سبيل الله. واعلم أن ألفاظ هذه الآيات تنادي أن المراد هو الخيل، وذلك لأن الضبح لا يكون إلا للفرس، واستعمال هذا اللفظ في الإبل يكون على سبيل الاستعارة، كما استعير المشافر والحافر للإنسان، والشفتان للمهر، والعدول من الحقيقة إلى المجاز بغير ضرورة لا يجوز، وأيضاً فالقدح يظهر بالحافر مالا يظهر بخف الإبل، وكذا قوله: {فَٱلْمُغِيرٰتِ صُبْحاً } لأنه بالخيل أسهل منه بغيره، وقد روينا أنه ورد في بعض السرايا، وإذا كان كذلك فالأقرب أن السورة مدنية، لأن الإذن بالقتال كان بالمدينة، وهو الذي قاله الكلبي: إذا عرفت ذلك فههنا مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى إنما أقسم بالخيل لأن لها في العدو من الخصال الحميدة ما ليس لسائر الدواب، فإنها تصلح للطلب والهرب والكر والفر، فإذا ظننت أن النفع في الطلب عدوت إلى الخصم لتفوز بالغنيمة، وإذا ظننت أن المصلحة في الهرب قدرت على أشد العدو، ولا شك أن السلامة إحدى الغنيمتين، فأقسم تعالى بفرس الغازي لما فيه من منافع الدنيا والدين، وفيه تنبيه على أن الإنسان يجب عليه أن يمسكه لا للزينة والتفاخر، بل لهذه المنفعة، وقد نبه تعالى على هذا المعنى في قوله: {أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } تفسير : [النحل: 8] فأدخل لام التعليل على الركوب وما أدخله على الزينة وإنما قال: {صُبْحاً } لأنه أمارة يظهر به التعب وأنه يبذل كل الوسع ولا يقف عند التعب، فكأنه تعالى يقول: إنه مع ضعفه لا يترك طاعتك، فليكن العبد في طاعة مولاه أيضاً كذلك. المسألة الثانية: ذكروا في انتصاب {ضَبْحاً } وجوهاً أحدها: قال الزجاج: والعاديات تضبح ضبحاً وثانيها: أن يكون {وَٱلْعَـٰدِيَـٰتِ } في معنى والضابحات، لأن الضبح يكون مع العدو، وهو قول الفراء وثالثها: قال البصريون: التقدير: والعاديات ضابحة، فقوله: {ضَبْحاً } نصب على الحال.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً } أي الأفراس تعدو. كذا قال عامة المفسرين وأهل اللغة؛ أي تعدو في سبيل الله فتضبح. قال قتادة: تضبح إذا عدت؛ أي تحمحِم. وقال الفراء: الضَّبْح: صوت أنفاس الخيل إذا عَدَوْن. ابن عباس: ليس شيء من الدواب يضْبَح غير الفرس والكلب والثعلب. وقيل: كانت تُكْعَم لئلا تصهَل، فيعلم العدوّ بهم؛ فكانت تتنفس في هذه الحال بقوّة. قال ابن العربي: أقسم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال: { أية : يسۤ * وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ } تفسير : [يۤس: 1 ـ 2]، وأقسم بحياته فقال: { أية : لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } تفسير : [الحجر: 72]، وأقسم بخيله وصهيلها وغُبارها، وقدح حوافرها النار من الحجر، فقال: «والعادِيات ضَبْحا»... الآيات الخمس. وقال أهل اللغة: شعر : وَطَعْنةٍ ذاتِ رَشاشٍ واهِيَهْ طَعَنْتَها عندَ صُدُورِ العَادِيهْ تفسير : يعني الخيل. وقال آخر: شعر : والعادياتُ أَسابِيُّ الدماءِ بها كأنّ أعناقَها أنصاب ترجِيبِ تفسير : يعني الخيل. وقال عنترة: شعر : والخيل تعلم حين تَضْـ ـبَحُ فِي حِياضِ المَوْتِ ضَبْحَا تفسير : وقال آخر: شعر : لَسْتُ بالتُّبَّعِ اليمانِيِّ إنْ لَمْ تَضْبَحِ الخيلُ في سَوادِ العِرَاقِ تفسير : وقال أهل اللغة: وأصل الضَّبْح والضُّباح للثعالب؛ فاستعير للخيل. وهو من قول العرب: ضَبَحَتْه النار: إذا غيرت لونه ولم تبالغ فيه. وقال الشاعر: شعر : فَلَمَّا أَنْ تلْهُوجْنَا شِواءً به اللَّهَبانُ مَقهوراً ضَبِيحاً تفسير : وانضبح لونه: إذا تغير إلى السواد قليلاً. وقال: شعر : عَلِقْتُها قَبل انْضِـباحِ لَوْنِي تفسير : وإنما تَضْبَح هذه الحيوانات إذا تغيرت حالها من فَزَع وتعب أو طمع. ونصب «ضَبْحا» على المصدر؛ أي والعاديات تضبحُ ضَبْحاً. والضَّبِح أيضاً الرّماد. وقال البصريون: {ضَبْحاً } نصب على الحال. وقيل: مصدر في موضع الحال. قال أبو عبيدة: ضَبَحَتِ الخيل ضَبْحاً مثل ضَبَعَتْ؛ وهو السير. وقال أبو عبيدة: الضَّبْح والضَّبْع: بمعنى العدو والسير. وكذا قال المبرد: الضبح مدّ أضباعها في السير. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سَرِيّة إلى أناس من بني كِنانة، فأبطأ عليه خبرها، وكان استعمل عليهم المنذر بن عمرو الأنصاري، وكان أحد النقباء؛ فقال المنافقون: إنهم قُتلوا؛ فنزلت هذه السورة إخباراً للنبيّ صلى الله عليه وسلم بسلامتها، وبشارة له بإغارتها على القوم الذين بعث إليهم. وممن قال: إن المراد بالعاديات الخيل، ابنُ عباس وأنس والحسن ومجاهد. والمراد الخيل التي يغزو عليها المؤمنون. وفي الخبر: « حديث : من لم يعرف حُرْمة فرس الغازي، ففيه شُعبة من النفاق »تفسير : . وقول ثان: أنها الإبل؛ قال مسلم: نازعتُ فيها عكرمة فقال عكرمة: قال ابن عباس هي الخيل. وقلت: قال عليّ هي الإبل في الحج، ومولاي أعلم من مولاك. وقال الشعبيّ: تمارى عليّ وابن عباس في «العاديات»، فقال عليّ: هي الإبِل تعدو في الحج. وقال ابن عباس: هي الخيل؛ ألا تراه يقول {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً } فهل تثير إلا بحوافرها! وهل تَضْبَحُ الإبل! فقال علي: ليس كما قلت، لقد رأيتنا يوم بدر وما معنا إلا فرس أبلق للمقداد، وفرس لمرَثد بن أبي مَرْثَد؛ ثم قال له عليّ: أتفتِي الناس بما لا تعلم! والله إن كانت لأوّل غزوة في الإسلام وما معنا إلا فرسان: فرس للمقداد، وفرس للزُّبير؛ فكيف تكون العادياتِ ضبحا! إنما العادياتُ الإبل من عَرَفَة إلى المزدلِفة، ومن المزدلِفة إلى عرفة. قال ابن عباس: فرجعت إلى قول عليّ، وبه قال ابن مسعود وعبيد بن عمير ومحمد بن كعب والسدّي. ومنه قول صفِية بنت عبد المطلب: شعر : فلا والعادياتِ غَداة جَمْع بأيديها إذا سَطَع الغُبار تفسير : يعني الإبل. وسميت العاديات لاشتقاقها من العدو، وهو تباعد الأرجل في سرعة المشي. وقال آخر: شعر : رأَى صاحبي في العادياتِ نَجِيبةً وأمثالَها في الواضعاتِ القوامِسِ تفسير : ومن قال هي الإبل فقوله «ضبحا» بمعنى ضبعاً؛ فالحاء عنده مبدلة من العين؛ لأنه يقال: ضبعت الإبل وهو أن تمد أعناقها في السير. وقال المبرد: الضبع مدّ أضباعها في السير. والضبح أكثر ما يستعمل في الخيل. والضبع في الإبل. وقد تبدل الحاء من العين. أبو صالح: الضبح من الخيل: الحمحمة، ومن الإبل التنفس. وقال عطاء: ليس شيء من الدواب يَضْبَحُ إلا الفرس والثعلب والكلب؛ وروي عن ابن عباس. وقد تقدّم عن أهل اللغة أن العرب تقول: ضَبَح الثعلب؛ وضبح في غير ذلك أيضاً. قال تَوْبة: شعر : ولو أَنَّ ليلَى الأخيلِية سَلَّمَتْ عَليَّ ودونِي تُرْبة وصفائِح لَسَلَّمْتُ تسليمَ البشاشةِ أَو زَقَا إليها صَدًى من جانب القبرِ ضابحُ تفسير : زقا الصدى يزقو زُقاء: أي صاح. وكل زاقٍ صائح. والزَّقْية: الصيحة. {فَٱلمُورِيَاتِ قَدْحاً } قال عكرمة وعطاء والضحاك: هي الخيل حين تُورِي النار بحوافرها، وهي سنابكها؛ وروي عن ابن عباس. وعنه أيضاً: أورت بحوافرها غُباراً. وهذا يخالف سائر ما روي عنه في قدح النار؛ وإنما هذا في الإبل. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد {وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً * فَٱلمُورِيَاتِ قَدْحاً } قال: قال ابن عباس: هو في القتال وهو في الحج. ابن مسعود: هي الإبل تطأ الحصى، فتخرج منها النار. وأصل القدْحِ الاستخراج؛ ومنه قَدَحْت العين: إذا أخرجت منها الماء الفاسد. واقتدحْت بالزند. واقْتدَحْتُ المرق: غَرفته. ورَكِيَّ قَدُوح: تغترف باليد. والقَديح: ما يبقى في أسفل القِدر، فيغرف بَجهد. والمِقدحة: ما تُقْدَح به النار. والقدّاحة والقدّاح: الحجر الذي يُورِي النار. يقال: وَرَى الزند (بالفتح) يَرِي وَرْياً: إذا خرجت ناره. وفيه لغة أخرى: وَرِي الزند (بالكسر) يَرِي فيهما. وقد مضى هذا في سورة «الواقعة». و«قَدْحاً» انتصب بما انتصب به «ضَبْحاً». وقيل: هذه الآيات في الخيل؛ ولكن إيراءها: أن تهيج الحرب بين أصحابها وبين عدوّهم. ومنه يقال للحرب إذا التحمت: حَمِيَ الوَطِيسُ. ومنه قوله تعالى: { أية : كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ } تفسير : [المائدة: 64]. وروي معناه عن ابن عباس أيضاً، وقاله قتادة. وعن ابن عباس أيضاً: أن المراد بالمُوريات قَدْحاً: مَكْرُ الرجال في الحرب؛ وقاله مجاهد وزيد بن أسلم. والعرب تقول إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه: والله لأمكُرنَّ بك، ثم لأُورِيَنَّ لك. وعن ابن عباس أيضاً: هم الذين يغزُون فيُورون نيرانهم بالليل، لحاجتهم وطعامهم. وعنه أيضاً: أنها نيران المجاهدين إذا كثرت نارها إرهاباً. وكل من قرب من العدوّ يُوقد نيراناً كثيرة ليظنهم العدوّ كثيراً. فهذا إقسام بذلك. قال محمد بن كعب: هي النار تجمع. وقيل: هي أفكار الرجال تُورِي نار المكر والخديعة. وقال عكرمة: هي أَلْسنة الرجال تُورِي النار من عظيم ما تتكلم به، ويَظْهر بها، من إقامة الحُجج، وإقامة الدلائل، وإيضاح الحق، وإبطال الباطل. وروى ابن جُريج عن بعضهم قال: فالمُنجِحات أَمْرا وعملاً، كنجاح الزند إذا أوري. قلت: هذه الأقوال مجاز؛ ومنه قولهم: فلان يُورِي زِناد الضلالة. والأوّل: الحقيقة، وأن الخيل من شِدّة عدوِها تقدح النار بحوافرها. قال مقاتل: العرب تسمي تلك النار نار أبي حُباحِب، وكان أبو حُباحِب شيخاً من مُضَر في الجاهلية، من أبخل الناس، وكان لا يُوقد نار الخبز ولا غيره حتى تنام العيون، فيوقِد نُويرةً تقِد مرّة وتخمد أخرى؛ فإن استيقظ لها أحد أطفأها، كراهية أن ينتفع بها أحد. فشبهت العرب هذه النار بناره؛ لأنه لا يُنتفع بها. وكذلك إذا وقع السيف على البيضة فاقتدحت ناراً، فكذلك يسمونها. قال النابغة: شعر : ولا عيبَ فيهم غيرَ أنّ سُيوفهم بهنّ فَلولٌ مِن قِراع الكتائبِ تَقُدَّ السَّلُوقِيَّ المضاعَف نَسْجُه وتُوقِد بالصُّفَّاحِ نارَ الحُباحِبِ

البيضاوي

تفسير : مختلف فيها، وآيها إحدى عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم {وَٱلْعَـٰدِيَـٰتِ ضَبْحاً } أقسم سبحانه بخيل الغزاة تعدو فتضبح ضبحاً، وهو صوت أنفاسها عند العدو ونصبه بفعله المحذوف، أو بـ {العاديات} فإنها تدل بالالتزام على الضابحات، أو ضبحاً حال بمعنى ضابحة. { فَٱلمُورِيَـٰتِ قَدْحاً } فالتي توري النار، والإِيراء إخراج النار يقال قدح الزند فأورى. {فَٱلْمُغِيرٰتِ } يغير أهلها على العدو. {صُبْحاً } أي في وقته. {فَأَثَرْنَ } فهيجن. {بِهِ } بذلك الوقت. {نَقْعاً } غباراً أو صياحاً. {فَوَسَطْنَ بِهِ } فتوسطن بذلك الوقت أو بالعدو، أو بالنقع أي ملتبسات به. {جَمْعاً } من جموع الأعداء، حديث : روي: أنه عليه الصلاة والسلام بعث خيلاً فمضت أشهر لم يأته منهم خبر فنزلت. تفسير : ويحتمل أن يكون القسم بالنفوس العادية أثر كما لهن الموريات بأفكارهن أنوار المعارف، والمغيرات على الهوى والعادات إذا ظهر لهن مثل أنوار القدس، {فَأَثَرْنَ بِهِ } شوقاً {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً } من مجموع العليين. {إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لِرَبّهِ لَكَنُودٌ } لكفور من كَنَدِ النعمة كنوداً، أو لعاص بلغة كندة، أو لبخيل بلغة بني مالك وهو جواب القسم. {وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ } وإن الإِنسان على كنوده {لَشَهِيدٌ } يشهد على نفسه لظهور أثره عليه، أو أن الله سبحانه وتعالى على كنوده لشهيد فيكون وعيداً. {وَإِنَّهُ لِحُبّ ٱلْخَيْرِ} المال من قوله سبحانه وتعالى: {أية : إِن تَرَكَ خَيْرًا }تفسير : [البقرة: 180] أي مالاً. {لَشَدِيدٌ } لبخيل أو لقوي مبالغ فيه. {أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ} بعث. {مَا فِى ٱلْقُبُورِ} من الموتى وقرىء «بحثر» و «بحت». {وَحُصّلَ} جمع محصلاً في الصحف أو ميز. {مَا فِى ٱلصُّدُورِ } من خير أو شر، وتخصيصه لأنه الأصل. {إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ} وهو يوم القيامة. {لَّخَبِيرٌ } عالم بما أعلنوا وما أسروا فيجازيهم عليه، وإنما قال {مَا} ثم قال {بِهِمُ } لاختلاف شأنهم في الحالين، وقرىء {أن} و «خبير» بلا لام. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة والعاديات أعطى من الأجر عشر حسنات بعدد من بات بالمزدلفة وشهد جمعاً».

ابن كثير

تفسير : يقسم تعالى بالخيل إذا أجريت في سبيله، فعدت وضبحت، وهو الصوت الذي يسمع من الفرس حين تعدو { فَٱلمُورِيَـٰتِ قَدْحاً} يعني: اصطكاك نعالها للصخر، فتقدح منه النار، { فَٱلْمُغِيرَٰتِ صُبْحاً} يعني: الإغارة وقت الصباح؛ كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير صباحاً، ويتسمَّعُ الأذان، فإن سمع أذاناً، وإلا أغار. وقوله تعالى: { فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً} يعني: غباراً في مكان معترك الخيول { فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً} أي: توسطن ذلك المكان كلهن جمع. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبدة عن الأعمش، عن إبراهيم عن عبد الله: { وَٱلْعَـٰدِيَـٰتِ ضَبْحاً} قال: الإبل، وقال علي: هي الإبل. وقال ابن عباس: هي الخيل، فبلغ علياً قول ابن عباس، فقال: ما كانت لنا خيل يوم بدر، قال ابن عباس: إنما كان ذلك في سرية بعثت. قال ابن أبي حاتم وابن جرير: وحدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر عن أبي معاوية البجلي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس حدثه قال: بينا أنا في الحجر جالساً، جاءني رجل فسألني عن: {وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً}، فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل الله، ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم، فانفتل عني فذهب إلى علي رضي الله عنه، وهو عند سقاية زمزم، فسأله عن: {وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً} فقال: سألت عنها أحداً قبلي؟ قال: نعم، سألت ابن عباس، فقال: الخيل حين تغير في سبيل الله، قال: اذهب فادعه لي، فلما وقف على رأسه قال: أتفتي الناس بما لا علم لك؟ والله لئن كان أول غزوة في الإسلام بدر، وما كان معنا إلا فرسان: فرس للزبير، وفرس للمقداد، فكيف تكون العاديات ضبحاً؟ إنما العاديات ضبحاً من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى، قال ابن عباس: فنزعت عن قولي، ورجعت إلى الذي قال علي رضي الله عنه، وبهذا الإسناد عن ابن عباس قال: قال علي: إنما العاديات ضبحاً من عرفة إلى المزدلفة، فإذا أووا إلى المزدلفة، أوروا النيران، وقال العوفي وغيره عن ابن عباس: هي الخيل. وقد قال بقول علي: إنها الإبل، جماعة، منهم: إبراهيم، وعبيد بن عمير، وقال بقول ابن عباس آخرون، منهم: مجاهد وعكرمة وعطاء وقتادة والضحاك، واختاره ابن جرير، وقال ابن عباس وعطاء: ما ضبحت دابة قط إلا فرس أو كلب. وقال ابن جريج عن عطاء: سمعت ابن عباس يصف الضبح: أح أح، وقال أكثر هؤلاء في قوله: { فَٱلمُورِيَـٰتِ قَدْحاً} يعني: بحوافرها، وقيل: أسعرنَ الحرب بين ركبانهن، قاله قتادة. وعن ابن عباس ومجاهد: { فَٱلمُورِيَـٰتِ قَدْحاً} يعني: مكر الرجال. وقيل: هو إيقاد النار إذا رجعوا إلى منازلهم من الليل، وقيل: المراد بذلك نيران القبائل، وقال من فسرها بالخيل: هو إيقاد النار بالمزدلفة. قال ابن جرير: والصواب الأول أنها الخيل حين تقدح بحوافرها. وقوله تعالى: { فَٱلْمُغِيرَٰتِ} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني: إغارة الخيل صبحاً في سبيل الله، وقال من فسرها بالإبل: هو الدفع صبحاً من المزدلفة إلى منى. وقالوا كلهم في قوله: { فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً}: هو المكان الذي حلت فيه، أثارت به الغبار، إما في حج، أو غزو. وقوله تعالى: {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً} قال العوفي عن ابن عباس وعطاء وعكرمة وقتادة والضحاك: يعني جمع الكفار من العدو، ويحتمل أن يكون: فوسطن بذلك المكان جميعهن، ويكون (جمعاً) منصوباً على الحال المؤكدة، وقد روى أبو بكر البزار ههنا حديثاً غريباً جداً، فقال: حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا حفص بن جميع، حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلاً، فأشهرت شهراً لا يأتيه منها خبر، فنزلت: { وَٱلْعَـٰدِيَـٰتِ ضَبْحاً}: ضبحت بأرجلها { فَٱلمُورِيَـٰتِ قَدْحاً} قدحت بحوافرها الحجارة، فأورت ناراً، { فَٱلْمُغِيرَٰتِ صُبْحاً}: صبحت القوم بغارة، { فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً}: أثارت بحوافرها التراب، { فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً} قال: صبحت القوم جميعاً. وقوله تعالى: { إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} هذا هو المقسم عليه، بمعنى: إنه بنعم ربه لكفور جحود. قال ابن عباس ومجاهد وإبراهيم النخعي وأبو الجوزاء وأبو العالية وأبو الضحى وسعيد بن جبير ومحمد بن قيس، والضحاك والحسن وقتادة والربيع بن أنس وابن زيد: الكنود: الكفور، قال الحسن: الكنود هو الذي يعد المصائب، وينسى نعم الله عليه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : { إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} ــــ قال ــــ الكنود الذي يأكل وحده، ويضرب عبده، ويمنع رفده» تفسير : رواه ابن أبي حاتم من طريق جعفر بن الزبير، وهو متروك، فهذا إسناد ضعيف، وقد رواه ابن جرير أيضاً من حديث حريز بن عثمان عن حمزة بن هانىء عن أبي أمامة موقوفاً. وقوله تعالى: { وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ لَشَهِيدٌ} قال قتادة وسفيان الثوري: وإن الله على ذلك لشهيد. ويحتمل أن يعود الضمير على الإنسان، قاله محمد بن كعب القرظي، فيكون تقديره: وإن الإنسان على كونه كنوداً لشهيد، أي: بلسان حاله، أي: ظاهر ذلك عليه في أقواله وأفعاله؛ كما قال تعالى: {أية : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَـهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ} تفسير : [التوبة: 17]. قوله تعالى: { وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} أي: وإنه لحب الخير، وهو المال، لشديد، وفيه مذهبان: (أحدهما) أن المعنى: وإنه لشديد المحبة للمال (والثاني) وإنه لحريص بخيل من محبة المال، وكلاهما صحيح. ثم قال تبارك وتعالى مزهداً في الدنيا، ومرغباً في الآخرة، ومنبهاً على ما هو كائن بعد هذه الحال، وما يستقبله الإنسان من الأهوال: { أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى ٱلْقُبُورِ}؟ أي: أخرج ما فيها من الأموات، { وَحُصِّلَ مَا فِى ٱلصُّدُورِ} قال ابن عباس وغيره: يعني: أبرز وأظهر ما كانوا يسرون في نفوسهم { إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ} أي: لعالم بجميع ما كانوا يصنعون ويعملون، ومجازيهم عليه أوفر الجزاء، ولا يظلم مثقال ذرة. آخر تفسير سورة العاديات، ولله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱلْعَٰدِيَٰتِ } الخيل تعدو في الغزو وتضبح {ضَبْحاً } هو صوت أجوافها إذا عدت.

الشوكاني

تفسير : العاديات جمع عادية. وهي الجارية بسرعة، من العدو: وهو المشي بسرعة، فأبدلت الواو ياء لكسر ما قبلها كالغازيات من الغزو. والمراد بها الخيل العادية في الغزو نحو العدوّ. وقوله: {ضَبْحاً } مصدر مؤكد لاسم الفاعل. فإن الضبح نوع من السير، ونوع من العدو. يقال ضبح الفرس: إذا عدا بشدّة، مأخوذ من الضبع، وهو الدفع، وكأن الحاء بدل من العين. قال أبو عبيدة، والمبرد: الضبح من إضباحها في السير ومنه قول عنترة:شعر : والخيل تكدح في حياض الموت ضبحا تفسير : ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال، أي: ضابحات، أو ذوات ضبح، ويجوز أن يكون مصدراً لفعل محذوف، أي: تضبح ضبحاً. وقيل الضبح: صوت حوافرها إذا عدت. وقال الفراء: الضبح صوت أنفاس الخيل إذا عدت، قيل كانت تكعم لئلا تصهل، فيعلم العدوّ بهم، فكانت تتنفس في هذه الحالة بقوّة، وقيل الضبح: صوت يسمع من صدور الخيل عند العدو ليس بصهيل. وقد ذهب الجمهور إلى ما ذكرنا من أن {العاديات ضبحاً} هي الخيل. وقال عبيد بن عمير، ومحمد بن كعب والسديّ: هي الإبل، ومنه قول صفية بنت عبد المطلب:شعر : فلا والعاديات غداة جمع بأيديها إذا صدع الغبار تفسير : ونقل أهل اللغة أن أصل الضبح للثعلب، فاستعير للخيل، ومنه قول الشاعر:شعر : تضبح في الكف ضباح الثعلب تفسير : {فَٱلمُورِيَـٰتِ قَدْحاً } هي الخيل حين توري النار بسنابكها. والإيراء إخراج النار، والقدح الصكّ، فجعل ضرب الخيل بحوافرها كالقدح بالزناد. قال الزجاج: إذا عدت الخيل بالليل، وأصاب حوافرها الحجارة انقدح منها النيران، والكلام في انتصاب {قدحاً} كالكلام في انتصاب {ضبحاً}، والخلاف في كونها الخيل أو الإبل، كالخلاف الذي تقدّم في العاديات. والراجح أنها الخيل، كما ذهب إليه الجمهور، وكما هو الظاهر من هذه الأوصاف المذكورة في هذه السورة ما تقدّم منها وما سيأتي، فإنها في الخيل أوضح منها في الإبل، وسيأتي ما في ذلك من الخلاف بين الصحابة. {فَٱلْمُغِيرٰتِ صُبْحاً } أي: التي تغير على العدوّ وقت الصباح، يقال أغار يغير إغارة إذا باغت عدوّه بقتل، أو أسر، أو نهب، وأسند الإغارة إليها وهي لأهلها للإشعار بأنها عمدتهم في إغارتهم، وانتصاب {صبحاً} على الظرفية. {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً } معطوف على الفعل الذي دلّ عليه اسم الفاعل، إذ المعنى: واللاتي عدون فأثرن، أو على اسم الفاعل نفسه لكونه في تأويل الفعل لوقوعه صلة للموصول، فإن الألف واللام في الصفات أسماء موصولة، فالكلام في قوّة: واللاتي عدون، فأورين، فأغرن، فأثرن، والنقع: الغبار الذي أثرته في وجه العدو عند الغزو، وتخصيص إثارته بالصبح؛ لأنه وقت الإغارة، ولكونه لا يظهر أثر النقع في الليل الذي اتصل به الصبح. وقيل المعنى: فأثرن بمكان عدوهنّ نقعاً، يقال ثار النقع، وأثرته، أي: هاج، أو هيجته. قرأ الجمهور (فأثرن) بتخفيف المثلثة. وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة بالتشديد، أي: فأظهرن به غباراً، وقال أبو عبيدة: النقع رفع الصوت، وأنشد قول لبيد:شعر : فمتى ينقع صراخ صادق يجلبوها ذات جرس وزجل تفسير : يقول. حين سمعوا صراخاً أجلبوا الحرب، أي: جمعوا لها. قال أبو عبيدة: وعلى هذا رأيت قول أكثر أهل العلم انتهى، والمعروف عند جمهور أهل اللغة والمفسرين أن النقع: الغبار، ومنه قول الشاعر:شعر : يخرجن من مستطار النقع دامية كأنّ أذنابها أطراف أقلام تفسير : وقول عبد الله بن رواحة:شعر : عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع من كنفي كداء تفسير : وقول الآخر:شعر : كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه تفسير : وهذا هو المناسب لمعنى الآية، وليس لتفسير النقع بالصوت فيها كثير معنى، فإن قولك أغارت الخيل على بني فلان صبحاً، فأثرن به صوتاً، قليل الجدوى مغسول المعنى بعيد من بلاغة القرآن المعجزة. وقيل النقع: شقّ الجيوب، وقال محمد بن كعب: النقع ما بين مزدلفة إلى منى. وقيل: إنه طريق الوادي. قال في الصحاح: النقع الغبار، والجمع أنقاع، والنقع محبس الماء، وكذلك ما اجتمع في البئر منه، والنقع الأرض الحرّة الطين يستنقع فيها الماء. {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً } أي: توسطن بذلك الوقت، أو توسطن ملتبسات بالنقع جمعاً من جموع الأعداء، أو صرن بعدوهن وسط جمع الأعداء، والباء إما للتعدية، أو للحالية، أو زائدة، يقال: وسطت المكان، أي: صرت في وسطه، وانتصاب جمعاً على أنه مفعول به، والفاآت في المواضع الأربعة للدلالة على ترتب ما بعد كل واحدة منها على ما قبلها. قرأ الجمهور: {فوسطن} بتخفيف السين. وقرىء بالتشديد. {إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لِرَبّهِ لَكَنُودٌ } هذا جواب القسم، والمراد بالإنسان بعض أفراده، وهو الكافر، والكنود: الكفور للنعمة. وقوله: {لِرَبّهِ } متعلق بكنود. قدّم لرعاية الفواصل، ومنه قول الشاعر:شعر : كنود لنعماء الرجال ومن يكن كنوداً لنعماء الرجال يبعد تفسير : أي: كفور لنعماء الرجال. وقيل: هو الجاحد للحقّ. قيل: إنها إنما سميت كندة، لأنها جحدت أباها. وقيل: الكنود مأخوذ من الكند. وهو القطع، كأنه قطع ما ينبغي أن يواصله من الشكر. يقال كند الحبل: إذا قطعه، ومنه قول الأعشى:شعر : وصول حبال وكنادها تفسير : وقيل: الكنود: البخيل، وأنشد أبو زيد:شعر : إن نفسي لم تطب منك نفسا غير أني أمسي بدين كنود تفسير : وقيل: الكنود الحسود. وقيل: الجهول لقدره، وتفسير الكنود بالكفور للنعمة أولى بالمقام؛ والجاحد للنعمة كافر لها، ولا يناسب المقام سائر ما قيل. {وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ لَشَهِيدٌ } أي: وإن الإنسان على كنوده لشهيد يشهد على نفسه به لظهور أثره عليه. وقيل المعنى: وإن الله جلّ ثناؤه على ذلك من ابن آدم لشهيد، وبه قال الجمهور. وقال بالأوّل الحسن، وقتادة، ومحمد بن كعب، وهو أرجح من قول الجمهور لقوله: {وَإِنَّهُ لِحُبّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ } فإن الضمير راجع إلى الإنسان، والمعنى: إنه لحبّ المال قويّ مجدّ في طلبه، وتحصيله متهالك عليه، يقال هو شديد لهذا الأمر وقويّ له: إذا كان مطيقاً له، ومنه قوله تعالى: {أية : إِن تَرَكَ خَيْرًا }تفسير : [البقرة: 180] ومنه قول عديّ بن حاتم:شعر : ماذا ترجى النفوس من طلب الـ ـخير وحبّ الحياة كاربها تفسير : وقيل المعنى: وإن الإنسان من أجل حب المال لبخيل، والأوّل أولى. واللام في: {لِحُبّ } متعلقة بشديد. قال ابن زيد: سمى الله المال خيراً، وعسى أن يكون شرّاً، ولكن الناس يجدونه خيراً، فسماه خيراً. قال الفراء: أصل نظم الآية أن يقال: وإنه لشديد الحبّ للخير، فلما قدّم الحبّ قال: لشديد، وحذف من آخره ذكر الحبّ؛ لأنه قد جرى ذكره، ولرؤوس الآي كقوله: {أية : فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ } تفسير : [إبراهيم: 18] والعصوف للريح لا لليوم، كأنه قال: في يوم عاصف الريح. {أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى ٱلْقُبُورِ } الاستفهام للإنكار، والفاء للعطف على مقدّر يقتضيه المقام، أي: يفعل ما يفعل من القبائح، فلا يعلم، و{بعثر} معناه نثر وبحث، أي: نثر ما في القبور من الموتى، وبحث عنهم وأخرجوا. قال أبو عبيدة: بعثرت المتاع جعلت أسفله أعلاه. قال الفرّاء: سمعت بعض العرب من بني أسد يقول: بحثر بالحاء مكان العين، وقد تقدّم الكلام على هذا في قوله: {أية : وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ } تفسير : [الانفطار: 4]. {وَحُصّلَ مَا فِى ٱلصُّدُورِ } أي: ميز وبيّن ما فيها من الخير والشرّ، والتحصيل التمييز، كذا قال المفسرون، وقيل: حصل أبرز. قرأ الجمهور: {حصل} بضم الحاء، وتشديد الصاد مكسوراً مبنياً للمفعول. وقرأ عبيد بن عمير، وسعيد بن جبير، ويحيـى بن يعمر، ونصر بن عاصم حصل بفتح الحاء والصاد، وتخفيفها مبنياً للفاعل، أي: ظهر. {إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ } أي: إن ربّ المبعوثين بهم لخبير لا تخفى عليه منهم خافية، فيجازيهم بالخير خيراً، وبالشرّ شرّاً. قال الزجاج: الله خبير بهم في ذلك اليوم، وفي غيره، ولكن المعنى: إن الله يجازيهم على كفرهم في ذلك اليوم، ومثله قوله تعالى: {أية : أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ } تفسير : [النساء: 63] معناه: أولٰئك الذين لا يترك الله مجازاتهم. قرأ الجمهور: {إن ربهم} بكسر الهمزة، وباللام في لخبير. وقرأ أبو السماك بفتح الهمزة، وإسقاط اللام من {لخبير}. وقد أخرج البزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والدارقطني في الأفراد، وابن مردويه عن ابن عباس قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلاً، فاستمرّت شهراً لا يأتيه منها خبر، فنزلت: {وَٱلْعَـٰدِيَـٰتِ ضَبْحاً } ضبحت بأرجلها. ولفظ ابن مردويه: ضبحت بمناخرها. {فَٱلمُورِيَـٰتِ قَدْحاً } قدحت بحوافرها الحجارة، فأورت ناراً. {فَٱلْمُغِيرٰتِ صُبْحاً } صبحت القوم بغارة. {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً } أثارت بحوافرها التراب. {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً } صبحت القوم جميعاً. وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عنه قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى العدوّ، فأبطأ خبرها، فشقّ ذلك عليه، فأخبره الله خبرهم، وما كان من أمرهم، فقال: {وَٱلْعَـٰدِيَـٰتِ ضَبْحاً }. قال: هي الخيل». والضبح نخير الخيل حين تنخر. {فَٱلمُورِيَـٰتِ قَدْحاً } قال: حين تجري الخيل توري ناراً أصابت بسنابكها الحجارة. {فَٱلْمُغِيرٰتِ صُبْحاً } قال: هي الخيل أغارت، فصبحت العدوّ {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً } قال: هي الخيل أثرن بحوافرها، يقول تعدو الخيل، والنقع الغبار. {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً } قال: الجمع العدو. وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح قال: تقاولت أنا، وعكرمة في شأن العاديات، فقال: قال ابن عباس: هي الخيل في القتال، وضبحها حين ترخي مشافرها إذا عدت {فَٱلمُورِيَـٰتِ قَدْحاً } أرت المشركين مكرهم. {فَٱلْمُغِيرٰتِ صُبْحاً } قال: إذا صبحت العدو {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً } قال: إذا توسطت العدو. وقال أبو صالح: فقلت قال عليّ: هي الإبل في الحج ومولاي كان أعلم من مولاك. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في كتاب الأضداد، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس قال: بينما أنا في الحجر جالس إذ أتاني رجل يسأل عن {العاديات ضبحاً}، فقلت: الخيل حين تغير في سبيل الله، ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم، فانفتل عني، فذهب إلى عليّ بن أبي طالب، وهو جالس تحت سقاية زمزم، فسأله عن {العاديات ضبحاً}، فقال: سألت عنها أحداً قبلي؟ قال: نعم سألت عنها ابن عباس، فقال: هي الخيل حين تغير في سبيل الله، فقال: اذهب، فادعه لي، فلما وقفت على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك، والله إن كانت لأوّل غزوة في الإسلام لبدر، وما كان معنا إلاّ فرسان فرس للزبير، وفرس للمقداد بن الأسود، فكيف تكون {وَٱلْعَـٰدِيَـٰتِ ضَبْحاً }. إنما العاديات ضبحاً من عرفة إلى المزدلفة، فإذا أووا إلى المزدلفة أوقدوا النيران، والمغيرات صبحاً: من المزدلفة إلى منى، فذلك جمع، وأما قوله: {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً } فهي: نقع الأرض تطؤه بأخفافها وحوافرها. قال ابن عباس: فنزعت عن قولي، ورجعت إلى الذي قال عليّ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود: {وَٱلْعَـٰدِيَـٰتِ ضَبْحاً } قال: الإبل. أخرجه عنه من طريق الأعمش عن إبراهيم النخعي. قال إبراهيم: وقال عليّ بن أبي طالب: هي الإبل. وقال ابن عباس هي الخيل. فبلغ علياً قول ابن عباس: فقال: ما كانت لنا خيل يوم بدر. قال ابن عباس: إنما كانت تلك في سرية بعثت. وأخرج عبد بن حميد عن عامر الشعبي قال: تمارى عليّ، وابن عباس في {العاديات ضبحاً} فقال ابن عباس: هي الخيل؛ وقال عليّ: كذبت يا ابن فلانة، والله ما كان معنا يوم بدر فارس إلاّ المقداد كان على فرس أبلق. قال: وكان يقول هي: الإبل، فقال ابن عباس: ألا ترى أنها تثير نقعاً، فما شيء تثير إلاّ بحوافرها. وأخرج عبد بن حميد، والحاكم وصححه من طريق مجاهد عن ابن عباس {وَٱلْعَـٰدِيَـٰتِ ضَبْحاً } قال: الخيل. {فَٱلمُورِيَـٰتِ قَدْحاً } قال: الرجل إذا أورى زنده. {فَٱلْمُغِيرٰتِ صُبْحاً } قال: الخيل تصبح العدوّ. {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً } قال: التراب. {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً } قال: العدوّ. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد: {وَٱلْعَـٰدِيَـٰتِ ضَبْحاً } قال: قال ابن عباس: القتال. وقال ابن مسعود: الحج. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عمرو بن دينار عن ابن عباس {وَٱلْعَـٰدِيَـٰتِ ضَبْحاً } قال: ليس شيء من الدواب يضبح إلاّ الكلب، أو الفرس. {فَٱلمُورِيَـٰتِ قَدْحاً } قال: هو مكر الرجل قدح، فأورى. {فَٱلْمُغِيرٰتِ صُبْحاً } قال: غارة الخيل صبحاً. {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً } قال: غبار وقع سنابك الخيل. {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً } قال: جمع العدوّ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس: {وَٱلْعَـٰدِيَـٰتِ ضَبْحاً } قال: الخيل ضبحها زحيرها. ألم تر أن الفرس إذا عدا قال: أح أح، فذلك ضبحها. وأخرج ابن المنذر عن عليّ قال: الضبح من الخيل الحمحمة، ومن الإبل النفس. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود: {وَٱلْعَـٰدِيَـٰتِ ضَبْحاً } قال: هي الإبل في الحج. {فَٱلمُورِيَـٰتِ قَدْحاً } إذا سفت الحصى بمناسمها، فضرب الحصى بعضه بعضاً، فيخرج منه النار. {فَٱلْمُغِيرٰتِ صُبْحاً } حين يفيضون من جمع. {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً } قال: إذا سرن يثرن التراب. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال: الكنود بلساننا أهل البلد الكفور. وأخرج ابن عساكر عن أبي أمامة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لِرَبّهِ لَكَنُودٌ } قال لكفور. وأخرج عبد بن حميد، والبخاري في الأدب، والحكيم الترمذي، وابن مردويه عن أبي أمامة قال: الكنود الذي يمنع رفده، وينزل وحده، ويضرب عبده. ورواه عنه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والديلمي، وابن عساكر مرفوعاً، وضعف إسناده السيوطي، وفي إسناده جعفر بن الزبير، وهو متروك، والموقوف أصح؛ لأنه لم يكن من طريقه. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس: {وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ لَشَهِيدٌ } قال: الإنسان {وَإِنَّهُ لِحُبّ ٱلْخَيْرِ } قال: المال. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه: {إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى ٱلْقُبُورِ } قال: بحث {وَحُصّلَ مَا فِى ٱلصُّدُورِ } قال: أبرز.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {والعادياتِ ضَبْحاً}في العاديات قولان: أحدهما: أنها الخيل في الجهاد، قاله ابن عباس وأنس والحسن، ومنه قول الشاعر: شعر : وطعنةٍ ذاتِ رشاشٍ واهيهْ طعنْتُها عند صدور العاديْه تفسير : يعني الخيل. الثاني: أنها الإبل في الحج، قاله عليٌّ رضي الله عنه وابن مسعود ومنه قول صفية بنت عبد المطلب: شعر : فلا والعاديات غَداة جَمْعٍ بأيديها إذا صدع الغبار تفسير : يعني الإبل، وسميت العاديات لاشتقاقها من العدو، وهو تباعد الرجل في سرعة المشي؛ وفي قوله " ضبحاً" وجهان: أحدهما: أن الضبح حمحمة الخيل عند العدو، قاله من زعم أن العاديات الخيل. الثاني: أنه شدة النّفس عند سرعة السير، قاله من زعم أنها الإبل، وقيل إنه لا يضبح بالحمحمة في عدوه إلا الفرس والكلب، وأما الإبل فضبحها بالنفَس؛ وقال ابن عباس: ضبحها: قول سائقها أج أج؛ وهذا قَسَمٌ، {فالموريات قَدْحاً} فيه ستة أقاويل: أحدها: أنها الخيل توري النار بحوافرها إذا جرت من شدة الوقع، قاله عطاء. الثاني: أنها نيران الحجيج بمزدلفة، قاله محمد بن كعب. الثالث: أنها نيران المجاهدين إذا اشتعلت فكثرت نيرانها إرهاباً، قاله ابن عباس. الرابع: أنها تهيج الحرب بينهم وبين عدوهم، قاله قتادة. الخامس: أنه مكر الرجال، قاله مجاهد؛ يعني في الحروب. السادس: أنها الألسنة إذا ظهرت بها الحجج وأقيمت بها الدلائل وأوضح بها الحق وفضح بها الباطل، قاله عكرمة، وهو قَسَمٌ ثانٍ. {فالمغيرات صُبْحاً} فيها قولان: أحدهما: أنها الخيل تغير على العدو صبحاً، أي علانية، تشبيهاً بظهور الصبح، قاله ابن عباس. الثاني: أنها الإبل حين تعدو صبحاً من مزدلفة إلى منى، قاله عليّ رضي الله عنه. {فأثَرنَ به نَقْعاً} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: فأثرن به غباراً، والنقع الغبار، قاله قتادة، وقال عبد الله بن رواحة: شعر : عدمت بُنَيّتي إن لم تَروْها تثير النقْعَ من كنفي كَداءِ تفسير : الثاني: النقع ما بين مزدلفة إلى منى، قاله محمد بن كعب. الثالث: أنه بطن الوادي، فلعله يرجع إلى الغبار المثار من هذا الموضع. {فَوَسَطْنَ به جَمْعاً} فيه قولان: أحدهما: جمع العدو حتى يلتقي الزخف، قاله ابن عباس والحسن. الثاني: أنها مزدلفة تسمى جمعاً لاجتماع الحاج لها وإثارة النقع في الدفع إلى منى، قاله مكحول. {إنّ الإنسانَ لِربِّه لَكَنُودٌ} فيه سبعة أقاويل: أحدها: لكفور قاله قتادة، والضحاك، وابن جبير، ومنه قول الأعشى: شعر : أَحْدِثْ لها تحدث لوصْلك إنها كُنُدٌ لوصْلِ الزائرِ المُعْتادِ تفسير : وقيل: إن الكنود هو الذي يكفر اليسير ولا يشكر الكثير. الثاني: أنه اللوام لربه، يذكر المصائب وينسى النعم، قاله الحسن، وهو قريب من المعنى الأول. الثالث: أن الكنود الجاحد للحق، وقيل إنما سميت كندة لأنها جحدت أباها، وقال إبراهيم بن زهير الشاعر: شعر : دع البخلاءَ إن شمخوا وصَدُّوا وذكْرى بُخْلِ غانيةٍ كَنوُدِ تفسير : الرابع: أن الكنود العاصي بلسان كندة وحضرموت، وذكره يحيى بن سلام. الخامس: أنه البخيل بلسان مالك بن كنانة، وقال الكلبي: الكنود بلسان كندة وحضرموت: العاصي، وبلسان مضر وربيعة: الكفور، وبلسان مالك بن كنانة: البخيل. السادس: أنه ينفق نعم الله في معاصي الله. السابع: ما رواه القاسم عن أبي أمامه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : الكنود الذي يضرب عبده ويأكل وحده ويمنع رفده تفسير : وقال الضحاك: نزلت في الوليد بن المغيرة، وعلى هذا وقع القسم بجميع ماتقدم من السورة. {وإنَّه على ذلك لَشهيدٌ} فيه قولان: أحدهما: أن الله تعالى على كفر الإنسان لشهيد، قاله ابن جريج. الثاني: أن الإنسان شاهد على نفسه، لأنه كنود، قاله ابن عباس. {وإنه لِحُبِّ الخيرِ لشديدٌ} يعني الإنسان، وفي الخير ها هنا وجهان: أحدهما: المال، قاله ابن عباس، ومجاهد وقتادة. الثاني: الدنيا، قاله ابن زيد. ويحتمل ثالثاً: أن الخير ها هنا الاختيار، ويكون معناه: وإنه لحب اختياره لنفسه لشديد. وفي قوله {لشديد} وجهان: أحدهما: لشديد الحب للخير، وشدة الحب قوته وتزايده. الثاني: لشحيح بالمال يمنع حق الله منه، قاله الحسن، من قولهم فلان شديد أي شحيح. {أفَلاَ يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبورِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: من فيها من الأموات. الثاني: معناه مات. الثالث: بحث، قاله الضحاك، وهي في قراءة ابن مسعود: بُحْثِرَ ما في القبور. {وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ميز ما فيها، قاله الكلبي. الثاني: استخرج ما فيها. الثالث: كشف ما فيها. {إنَّ ربَّهم بهم يومئذٍ لَخبيرٌ} أي عالم، ويحتمل وجهين: أحدهما: لخبير بما في نفوسهم. الثاني: لخبير، بما تؤول إليه أمورهم.

ابن عطية

تفسير : اختلف الناس في المراد: بـ {العاديات} ، فقال ابن عباس وقتادة ومجاهد وعكرمة: أراد الخيل لأنها تعدو بالفرسان وتصيح بأصواتها، قال بعضهم: وسببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خيلاً إلى بني كنانة سرية فأبطأ أمرها عليه حتى أرجف بهم بعض المنافقين، فنزلت الآية معلمة أن خيله عليه السلام قد فعلت جميع ما في الآية، وقال آخرون: القسم هو بالخيل جملة لأنها تعدو ضابحة قديماً وحديثاً، وهي حاصرة البلاد وهادمة الممالك، وفي نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وإبراهيم وعبيد بن عمير: {العاديات} في هذه الآية: الإبل لأنها تضبح في عدوها، قال علي: والقسم بالإبل العاديات من عرفة ومن مزدلفة إذا وقع الحاج وبإبل غزوة بدر فإنه لم يكن في الغزوة غير فرسين: فرس المقداد وفرس الزبير بن العوام، والضبح: تصويت جهير عند العدو الشديد ليس بصهيل ولا رغاء ولا نباح، بل هو غير المعتاد من صوت الحيوان الذي يضبح. وحكي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ليس يضبح من الحيوان غير الخيل والكلاب، وهذا عندي لا يصح عن ابن عباس رضي الله عنه، وذلك أن الإبل تضبح والأسود من الحيات والبوم والصدى والأرنب والثعلب، والقوس هذه كلها قد استعملت لها العرب الضبح، وأنشد أبو حنيفة في صفة قوس: [الرجز] شعر : حنانة من نشم أو تالب تضبح في الكف ضباح الثعلب تفسير : والظاهر في الآية، أن القسم بالخيل أو بالإبل أو بهما، قوله تعالى {فالموريات قدحاً} قال علي بن أبي طالب وابن مسعود: هي الإبل، وذلك أنها في عدوها ترجم الحصى بالحصى فيتطاير منه النار فذلك القدح. قال ابن عباس: هي الخيل، وذلك بحوافرها في الحجارة وذلك معروف. وقال عكرمة: {الموريات قدحاً}: هي الألسن، فهذا على الاستعارة أي ببيانها تقدح الحجج وتظهرها. وقال مجاهد: {الموريات قدحاً} ، يريد به مكر الرجال، وقال قتادة: {الموريات}، الخيل تشعل الحرب، فهذا أيضاً على الاستعارة البينة، وقال ابن عباس أيضاً وجماعة من العلماء: الكلام عام يدخل في القسم كل من يظهر بقدحه ناراً، وذلك شائع في الأمم طول الدهر وهو نفع عظيم من الله تعالى، وقد وقف عليه في قوله تعالى: {أية : أفرأيتم النار التي تورون} تفسير : [الواقعة: 71] معناه: تظهرون بالقدح، قال عدي بن زيد: [الخفيف] شعر : فقدحنا زناداً وورينا فوق جرثومة من الأرض نار تفسير : وقوله تعالى: {فالمغيرات صبحاً} قال علي وابن مسعود: هي الإبل من مزدلفة إلى منى أو في بدر، والعرب تقول: أغار إذا عدا جرياً ونحوه، وقال ابن عباس وجماعة كثيرة، هي الخيل واللفظة من الغارة في سبيل الله وغير ذلك من سير الأمم، وعرف الغارات أنها مع الصباح لأنها تسري ليلة الغارة والنقع: الغبار الساطع المثار، وقرأ أبو حيوة: "فأثّرن" بشد الثاء، والضمير في {به} ظاهر أنه للصبح المذكور، ويحتمل أن يكون للمكان والموضع الذي يقتضيه المعنى وإن كان لم يجر له ذكر، ولهذا أمثلة كثيرة، ومشهورة إثارة النقع هو للخيل ومنه قول الشاعر[البسيط] شعر : يخرجن من مستطير النقع دامية كأن آذانها أطراف أقلام تفسير : وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هو هنا الإبل تثير النقع بأخفافها، وقوله تعالى: {فوسطن به جميعاً} قال ابن عباس وعلي: هي الإبل، و {جمعاً}: هي المزدلفة، وقال ابن عباس: هي الخيل، والمراد جمع من الناس هم المغيرون، وقرأ علي بن أبي طالب وقتادة وابن أبي ليلى: "فوسّطن" بشد السين، وقال بشر بن أبي حازم: [الكامل] شعر : فوسطن جمعهم وأفلت حاجب تحت العجاجة في الغبار الأقتم تفسير : وذكر الطبري عن زيد بن أسلم: أنه كان يكره تفسير هذه الألفاظ، ويقول: هو قسم أقسم الله به، وجمهور الأمة وعلماؤها مفسرون لها كما ذكرنا، والقسم واقع على قوله: {إن الإنسان لربه لكنود} وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : "أتدرون ما الكنود؟" قالوا لا يا رسول الله، قال: "هو الكفور الذي يأكل وحده ويمنع رفده، ويضرب عبده." تفسير : وقد يكون من المؤمنين الكفور بالنعمة، فتقدير الآية: إن الإنسان لنعمة ربه لكنود، وأرض كنود لا تنبت شيئاً، وقال الحسن بن أبي الحسن: الكنود اللائم لربه الذي يعد السيئات وينسى الحسنات، والكنود العاصي بلغة كندة، ويقال للخيل كنود، وقال أبو زبيد: [الخفيف] شعر : إن تفتني فلم أطب بك نفساً غير أني أمنى بدهر كنود تفسير : وقال الفضيل: الكنود الذي تنسيه سيئة واحدة حسنات كثيرة ويعامل الله على عقد عوض، وقوله تعالى: {وإنه على ذلك لشهيد} يحتمل الضمير أن يعود على الله تعالى، وقاله قتادة: أي وربه شاهد عليه، وتفسير هذا الخبر يقتضي الشهادة بذلك، ويحتمل أن يعود على {الإنسان} أي أفعاله وأقواله وحاله المعلومة من هذه الأخلاق تشهد عليه، فهو شاهد على نفسه بذلك، وهذا قول الحسن ومجاهد، والضمير في قوله تعالى: {وإنه لحب الخير} عائد على {الإنسان} لا غير، والمعنى من أجل حب الخير إنه {لشديد}، أي بخيل بالمال ضابط له، ومنه قول الشاعر [طرفة بن العبد]: [الطويل] شعر : أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدد تفسير : و {الخير} المال على عرف ذلك في كتاب الله تعالى، قال عكرمة: {الخير} حيث وقع في القرآن فهو المال، ويحتمل أن يراد هنا الخير الدنياوي من ماله وصحة وجاه عند الملوك ونحوه، لأن الكفار والجهال لا يعرفون غير ذلك، فأما المحب في خير الآخرة فممدوح له مرجو له الفوز وقوله تعالى: {أفلا يعلم}، توقيف على المال والمصير أي أفلا يعلم مآله فيستعد له، و "بعثرة ما في القبور": تقصيه مما يستره والبحث عنه، وهذه عبارة عن البحث، وفي مصحف ابن مسعود: "بحث ما في القبور"، وفي حرف أبي: "وبحثرت القبور"، و {تحصيل ما في الصدور}: تمييزه وكشفه ليقع الجزاء عليه من إيمان وكفر ونية، ويفسره قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : يبعث الناس يوم القيامة على نياتهم" تفسير : ، وقرأ يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم: بفتح الحاء والصاد، ثم استؤنف في الخبر الصادق، الجزم بأن الله تعالى خبير بهم {يومئذ} ، ولكن خصص {يومئذ} لأنه يوم المجازاة، فإليه طمحت النفوس، وهذا وعيد مصرح. نجز تفسير سورة "العاديات".

ابن عبد السلام

تفسير : {وَالْعَادِيَاتِ} الخيل في الجهاد "ع" أو الإبل في الحج قاله علي وابن مسعود رضي الله عنهما قال الشاعر: شعر : فلا والعاديات غداة جمع بأيديها إذا سطع الغبار تفسير : من العَدْو وهو تباعد الأرجل في سرعة المشي {ضَبْحاً} حمحمة الخيل عند العَدْو أو شدة النفس عند سير الإبل قيل لا يضج بالحمحمة في العَدْو إلا الفرس والكلب وضج الإبل تنفسها أو ضجها بقول سابقها أح أح "ع".

النسفي

تفسير : مختلف فيها وهي إحدى عشرة آية بسم الله الرحمن الرحيم {وَٱلْعَـٰدِيَـٰتِ ضَبْحاً } أقسم بخيل الغزاة تعدو فتضبح، والضبح: صوت أنفاسها إذا عدون. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه حكاه فقال: أح أح. وانتصاب {ضَبْحاً } على يضبحن ضبحاً {فَٱلمُورِيَـٰتِ } تورى نار الحباحب وهي ما ينقدح من حوافرها {قَدْحاً } قادحات صاكات بحوافرها الحجارة، والقدح: الصك، والإيراء: إخراج النار، تقول: قدح فأورى وقدح فأصلد. وانتصب {قَدْحاً } بماانتصب به {ضَبْحاً } {فَٱلْمُغِيرٰتِ } تغير على العدو {صُبْحاً } في وقت الصبح {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً } فهيجن بذلك الوقت غباراً {فَوَسَطْنَ بِهِ } بذلك الوقت {جَمْعاً } من جموع الأعداء ووسطه بمعنى توسطه. وقيل: الضمير لمكان الغارة أو للعدو الذي دل عليه. {وَٱلْعَـٰدِيَـٰتِ } وعطف{فَأَثَرْنَ } على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه لأن المعنى واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن. وجواب القسم {إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لِرَبّهِ لَكَنُودٌ } لكفور أي إنه لنعمة ربه خصوصاً لشديد الكفران {وَإِنَّهُ} وإن الإنسان {عَلَىٰ ذٰلِكَ } على كنوده {لَشَهِيدٌ } يشهد على نفسه، أو وإن الله على كنوده لشاهد على سبيل الوعيد {وَإِنَّهُ لِحُبّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ } وإنه لأجل حب المال لبخيل ممسك، أو إنه لحب المال لقوي وهو لحب عبادة الله ضعيف {أَفَلاَ يَعْلَمُ } الإنسان {إِذَا بُعْثِرَ } بعث {مَا فِى ٱلْقُبُورِ } من الموتى و«ما» بمعنى «من» {وَحُصِّلَ مَا فِى ٱلصُّدُورِ } ميز ما فيها من الخير والشر {إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ } لعالم فيجازيهم على أعمالهم من الخير والشر، وخص {يَوْمَئِذٍ } بالذكر وهو عالم بهم في جميع الأزمان لأن الجزاء يقع يومئذ والله أعلم.

الخازن

تفسير : قوله عزّ وجلّ: {والعاديات ضبحاً} فيه قولان أحدهما، أنها الإبل في الحج قال عليّ كرم الله وجهه: هي الإبل تعدو من عرفة إلى المزدلفة ومن المزدلفة إلى منى، وعنه قال كانت أول غزاة في الإسلام بدراً، وما كان معنا إلا فرسان فرس للزّبير، وفرس للمقداد بن الأسود، فكيف تكون العاديات؟ فعلى هذا القول يكون معنى ضبحها مد أعناقها في السير وأصله من حركة النار في العود. {فالموريات قدحاً} يعني أن أخفاف الإبل ترمي بالحجارة من شدة عدوها فيضرب الحجر حجراً آخر فيوري النّار، وقيل هي النيران بجمع {فالمغيرات صبحاً} يعني الإبل تدفع بركبانها يوم النّحر من جمع إلى منى والسنة أن لا يدفع حتى يصبح والإغارة سرعة السير، ومنه قولهم أشرق ثبير كيما نغير {فأثرن به نقعاً} أي هيجن بمكان سيرها غباراً.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات {والعاديات ضبحاً} بالإدغام: أبو عمر وغير عباس {فالمغيرات صبحاً} أبو عمرو غير عباس وخلاد عن حمزة. الوقوف: {ضبحا} ه لا {قدحا} ه لا {صبحا} ه لا {نقعاً} ه لا {جمعاً} ه لا {لكنود} ه ج لأن ما بعده يصلح عطفاً واستئنافاً {لشهيد} ه لذلك {لشديد} ه ط {القبور} لا {الصدور} ه لا {لخبير} ه. التفسير: إنه سبحانه ذكر في هذه السورة رداءة ما عليه جبلة الإنسان من قلة الشكر والصبر والحرص على المال بحيث يكاد يشغله عن تحصيل الكمال الحقيقي، وعن المعاد الذي إليه مآل حال العباد، فأقسم على ذلك بالأمور والتي هي مركوزة في خزانة خيالهم ولا تكاد تخلو في الأغلب عن الخطور ببالهم. وفي تفسيرها قولان مرويان: الأول أن العاديات هي الإبل. يروى عن ابن عباس أنه قال: بينا أنا جالس في الحجر إذ جاء رجل فسألني عن {العاديات ضبحاً} ففسرتها بالخيل فذهب إلى علي رضي الله عنه وهو بجنب سقاية زمزم فسأله وذكر له ما قلت فقال: ادعه لي فلما وقفت على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك به والله إن كانت لأول غزوة في الإسلام يعني بدراً وما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد. {والعاديات ضبحاً} الإبل تعدو من عرفة إلى مزدلفة ومن المزدلفة إلى منى، والضبح على هذا مستعار لأن أصل استعماله في الخيل وهو صوت أنفاسها إذا عدون وهذا الصوت غير الصهيل وغير الحمحمة، وانتصابه على " يضبحن ضبحاً " أو بالعاديات لأن العدو لا يخلو عن الضبح، أو على الحال. وهكذا القول في {الموريات قدحاً} لأن الإبل قلما توري أخفافها. يقال: قدح فاورى وقدح فأصلد {فالمغيرات} أي المسرعات يندفعون صبيحة يوم النحر مسرعين إلى منى {فأثرن} من الإثارة أي هيجن وهو حكاية الماضي أو هو نحو {أية : ونادى} تفسير : [الأعراف: 48] {أية : وسيق}تفسير : [الزمر: 72] {به} أو بالعدو أو بذلك الوقت {نقعاً} غباراً {فوسطن} أي توسطن {به} بذلك الوقت أو بالعدو أو متلبسة بالنقع {جمعاً} وهو المزدلفة لاجتماع الحاج بها. القول الثاني عن مجاهد وقتادة والضحاك وأكثر المحققين أن العاديات الخيل، ويروى ذلك مرفوعاً.قال الكلبي: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى ناس من كنانة فمكثت ما شاء الله أن تمكث لا يأتيه منهم خبر، فتخوف عليها فنزل جبرائيل بخبر مسيرها. وعلى هذا فاللام في {العاديات} للعهد. ويحتمل أن يكون للجنس ويدخل خيل السرية فيها دخولاً أولياً. وقوله {فالمغيرات} على هذا يكون من أغار على العدو إذا شن عليهم الغارة والجمع جماعة الغزاة أو الكفرة. وقيل: الإيراء عبارة عن شبيب نيران الحرب وإيقادها كقوله {أية : كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله} تفسير : [المائدة: 64] وقيل: هي نيران الغزاة بالليل لحاجة طعامهم أو غيره. وعن عكرمة: هي الأسنة. وقيل: هي المنجحات في الأمور فيحتمل أن تكون الخيل أو الإبل لأنه وجد بها المقصود من الغزو والحج. ويحتمل أن يراد جماعة الغزاة أنفسهم. يقال للمنجح يف حاجته ورى زنده. وفي إقسام الله تعالى بالإبل دلالة على عظم شأنهن وكثرة منافعهن ديناً ودنيا كما قال {أية : أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت}تفسير : [الغاشية: 17] {أية : وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون}تفسير : [يس: 72] كذا في الإقسام في بالخيل وذلك مشاهد من عدوها وكرها وفرها بحسب مشيئة الراكب ولأمر ما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : الخيل معقود بنواصيها الخير"تفسير : وقالت العقلاء: ظهرها حرز وبطنها كنز. قال الواحدي: أصل الكنود منع الحق والخير بهذا فسر ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة الكنود قالوا: ومنه سمي الرجل المشهور بكندة لأنه كند أباه ففارقه. وعن الكلبي: الكنود بلسان كندة العاصي، وبلسان بني مالك البخيل، وبلسان مضر وربيعة الكفور، وروى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أن الكنود الكفور الذي يمنع رفده، ويأكل وحده، ويضرب عبده " تفسير : وفي تقديم الظرف مزيد تقريع يعني أنه لنعمة ربه خصوصاً لشديد الكفران فكيف نعمة غيره مثل الأبوين ونحوهما؟ وقال الحسن: الكنود اللوام لربه بعد المحن والمصائب وينسى النعم والراحات، والأكثرون على أن الإنسان هو الكافر لقوله بعد ذلك {أفلا يعلم} ويحتمل أن يراد أن جسن الإنس مفطور على ذلك إلا من عصمه الله بلطه وتوفيقه {أفلا يعلم} يجوز أن يكون توبيخاً على أنه لا يعمل بعلمه. والضمير في قوله {وإنه على ذلك} أما أن يعود إلى الرب وهو أقرب فيكون كالوعيد من حيث إن الله يحصى عليه أعماله، وإما أن يعود إلى الإنسان أي أنه على كنوده {لشهيد} لا يقدر أن يجحده لظهور أماراتها عليه، وقد يرجح هذا الوجه بأن الضمير في قوله {وإنه لحب الخير} للإنسان فناسب أن يكون الأول له أيضاً لئلا ينخرم النسق. والخير المال كقوله {أية : إن ترك خيراً}تفسير : [البقرة: 180] والشديد البخيل الممسك يريد إنه لأجل حب المال لبخيل وقيل: الشديد القوي أي إنه لأجل إيثار الدنيا وطلب ما فيها مطيق قوي، ولأجل عبادة ربه عاجز ضعيف. أو إنه لحب الخيرات الحقيقية غير ميسر منبسط ولكنه شديد منقبض. وقال الفراء: إنه لحب الخير لشديد الحب أي أنه يحب المال ويحب كونه محباً له فاكتفى بالحب الأول من الثاني. وقال قطرب: اللام بمنزلة قولك " إنه لزيد ضروب ". والتقدير إنه شديد حب الخير. ثم وبخه وخوفه بالعلم التام الأزلي الأبدي الشامل لأحوال مبدأ الإنسان ومعاده {وبعثر} مثل بحثر كما مر في "انفطرت " وإنما لم يقل من في القبور بل قال {ما في القبور} بحكم التغليب فإن أكثر ما في الأرض ليسوا مكلفين، والذين هم مكلفون يجوز أن يكونوا حال البعثرة أمواتاً غير عقلاء ويصيروا أحياء بعد البعثرة، قال أبو عبيدة {وحصل ما في الصدور} أي ميز ما فيها فلكل واحد من الواجب والمندوب والمباح والمكروه والمحظور حكم خاص. وقيل: معناه جمع ما في الصدور في الصحف أي أظهر محصلاً مجموعاً. وقيل: يكشف ما في البواطن من الأخبار وما في الأستار من الأسرار ويندرج فيه أعمال الجوارح تبعاً. وإنما لم يقل ما في القلوب لأن القلب مطية الروح وهو بالطبع محب لمعرفة اله تعالى إنما المنازع في هذا الباب هو النفس ومحلها ما يقرب من الصدر، وإنما جمع الضمير في قوله {إن ربهم بهم} حملاً على معنى الإنسان. ومعنى تقييد العلم بذلك الزمان حيث قال {يومئذ} وهو عالم بأحوالهم أزلاً وأبداً التوبيخ وكأنه تعالى قال: إن من لم يكن عالماً في الأزل فإنه يصير بعد الاختبار عالماً، فالذي هو عالم في الأزل كيف لا يكون خبيراً بهم في الأبد؟ ويجوز أن يكون سبب التقييد هو أن ذلك وقت المجازاة على حسب العلم بالأعمال والأقوال والأحوال وإليه المصير والمآب.

الثعالبي

تفسير : قال ابنُ عباس وغيره: المرادُ بـ{وَٱلْعَـٰدِيَـٰتِ}: الخيلُ؛ لأَنها تَعْدُو بالفُرْسَانِ، وَتَضْبَحُ بأصْوَاتِها، وعن ابن مسعود وعلي أن {ٱلْعَـٰدِيَـٰتِ} هنا: الإبِلُ لأنها تَضْبَحُ في عَدْوِها، قال علي ـــ رضي اللَّه عنه ـــ: والقَسَمُ بالإبل العادياتِ مِنْ عَرَفَةَ ومِنَ المُزْدَلِفَةِ، إذا دَفَعَ الحاجُّ، وبإبِل غَزْوَةِ بدرٍ، والضَّبْحُ تَصْوِيتٌ جَهِيرٌ عِنْدَ العَدْوِ، قال الداوودي: وهو الصوتُ الذي يُسْمَعُ من أجوافِها وقتَ الرَّكْضِ، انتهى. وقوله تعالى: {فَٱلمُورِيَـٰتِ قَدْحاً} قال علي وابن مسعود هي: الإبلُ؛ وذلك بأنها [في] عَدْوِها تَرْجُمُ الحَصْبَاءَ بالحَصْبَاءِ فَتَتَطَايرُ منهَا النارُ، فذلك القَدْحُ، وقال ابن عباس: هي الخيلُ؛ وذلكَ بِحَوَافِرِها في الحِجَارة، وقال ابن عباس أيضاً وجماعةٌ الكلام عَامٌّ يَدْخُلُ في القَسَمِ كلُّ مَنْ يُظْهِرُ بِقَدْحِه ناراً. * ص *: {قَدْحاً} أبو البقاءِ: مَصْدَرٌ مؤكِّد؛ لأَن المُورِيَ هُوَ القَادِح، انتهى، {فَٱلْمُغِيرٰتِ صُبْحاً} قال علي وابن مسعود هي: الإبلُ مِنْ مزدلفةَ إلى مِنًى، وفي بدرٍ، وقال ابن عباس وجماعة كثيرة: هي الخيلُ، واللَّفْظَةُ منَ الغَارَةِ في سبيلِ اللَّهِ وغير ذلك من سير الأُمَمِ وعُرْفُ الغَارَاتِ أنَّها مَعَ الصَّبَاحِ، والنَّفْعُ الغبارُ الساطِعُ المثَارُ، والضمير في {بِهِ} ظاهرُه أَنَّه للصُّبْحِ المذكورِ، ويحتملُ أنْ يكونَ للمكانِ والموْضِع الذي يقتضيه المعنى، ومشهورٌ إثارةُ النَّقْعِ هو للخيل، وقال علي: هو هنا للإبل. {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً} قال علي وابن مسعود هي: الإبلُ، و{جَمْعاً} هي المزدلفة، وقال ابن عباس وجماعة: هي الخيلُ، والمرادُ جَمْعٌ مِنَ الناسِ هم المَغْزُوُّونَ، والقَسَمُ واقِع على قوله: {إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} ورُوِيَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «حديث : أَتَدْرُونَ مَا الكَنُودُ؟ قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: هُوَ الكَفُورُ الَّذِي يَأْكُلُ وَحْدَهُ، وَيَمْنَعُ رِفْدَهُ، وَيَضْرِبُ عَبْدَهُ»تفسير : ، وقد يَكُونُ في المؤمِنينَ الكَفُورُ بالنِّعْمَةِ فتقديرُ الآيةِ: إنَّ الإنْسَانَ لِنعمةِ ربِّه لَكَنُودٌ، وأَرْضٌ كَنُودٌ: لاَ تُنْبِتُ شَيْئاً، والكَنُودُ: العَاصِي بلُغَةِ كِنْدَة، ويقال للبخيل: كَنُودٌ، وفي البخاريِّ عن مجاهدٍ: الكَنُودُ الكَفُورُ، انتهى.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَٱلْعَادِيَاتِ}، جمع عادية، وهي الجارية بسرعة من العدو، وهو المشي بسرعةٍ، والياء منقلبة عن واو لكسر ما قبلها، نحو: الغازيات، من الغزو، ويقال: عَدا يَعْدُو عَدْواً، فهو عادٍ، وهي عادية. وقد تقدم هذا في سورة "المؤمنين". قال عامة المفسرين: يريد الأفراس تعدو في سبيل الله تعالى. قوله: {ضَبْحاً}، فيه أوجه: أحدها: أنه مصدر مؤكد لاسم الفاعل، فإن الضبح نوعٌ من السير والعدو كالضبع، يقال: ضبح وضبع، إذا عدا بشدة، أخذاً من الضبع وهو الذراع، لأنه يمده عند العدو، وكأن الحاء بدل من العين، وإلى هذا ذهب أبو عبيدة والمبردُ. قال عنترةُ: [مجزوء الكامل] شعر : 5268- والخَيْلُ تَعْلَمُ حِينَ تَضْـ ـبَحُ في حِيَاضِ المَوْتِ ضَبْحَا تفسير : الثاني: أنه مصدر في موضع الحال، أي: ضابحات وذوي ضبح والضبح: صوت يسمع من صدور الخيل عند العدو، وليس بصهيل. وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه حكاه، فقال: أحٍ أحٍ. وقال قتادة: تضبح إذا عدت، أي: تحمحم. وقال الفراء: والضبح: أصوات أنفاسها إذا عدون. وقيل: كانت تكمكم لئلا تصهل، فيعلم العدو بهم، فكانت تتنفس في هذه الحال بقوة. ونقل عن ابن عباسٍ - رضي الله عنهما -: أنه لم يضبح من الحيوان غير الخيل والكلب والثعلب، وهذا ينبغي أن يصحَّ عنه؛ لأنه روي عنه أنه قال: سُئلتُ عنها، ففسرتها بالخيل؛ وكان علي - رضي الله عنه - تحت سقاية زمزم، فسأله، فذكر ما قلت؛ فدعاني، فلما وقفت على رأسه، قال: تفتي الناس بغير علمٍ، والله إنها لأولُ غزوةٍ في الإسلامِ، وهي بدر، ولم يكن معنا إلا فرسان: فرسٌ للمقدادِ، وفرس للزبير، فكيف تكون العاديات ضبحاً؟ إنما العاديات الإبل من "عرفة" إلى "المزدلفة"، ومن "المزدلفة" إلى "منى" يعني إبل الحاج. قال ابن عباسٍ: فرجعت إلى قول علي - رضي الله عنه - وبه قال ابن مسعود، وعبيد بن عمير، ومحمد بن كعب، والسديُّ رضي الله عنهم. ومنه قول صفية بنت عبد المطلب: [الوافر] شعر : 5269- فَلاَ والعَاديَاتِ غَداةَ جَمْعٍ بأيْديهَا إذا سَطعَ الغُبَارُ تفسير : إلا أن الزمخشري، قال بعد ذلك: "فإن صحت الروايةُ، فقد استعير الضبحُ للإبل، كما استعير المشافر والحافر للإنسان، والشفتان للمُهْرِ". ونقل غيره: أن الضبح، يكون في الإبل، والأسود من الحيَّات، والبُوم، والصدى، والأرنب، والثعلب، والفرس. وأنشد أبو حنيفة رضي الله عنه: [الرجز] شعر : 5270- حنَّانةٌ من نشَمٍ أو تَألَبِ تَضْبَحُ في الكفِّ ضُباحَ الثَّعْلبِ تفسير : قال شهاب الدين: وهذا عندي من الاستعارة، ونقل أهل اللغة أن أصل الضبح في الثعلب فاستعير للخيل، وهو ضبحته النار، إذا غيرت لونه ولم تبالغ وانضبح لونه تغير لسواد قليل، والضبح أيضاً الرماد. الثالث من أوجه النصب: أن يكون منصوباً بفعل مقدر، أي: يضبح ضبحاً، وهذا الفعل حال من "العَاديَاتِ". الرابع: أنه منصوب بـ "العَادِياتَ"، وإن كان المراد به الصوت. قال الزمخشري: "كأنه قيل: والضابحات، لأن الضبح يكون مع العدو". قال أبو حيَّان: "وإذا كان الضَّبح مع العدو، فلا يكونُ معنى والعاديات معنى الضابحات فلا ينبغي أن يفسر به" انتهى. قال شهاب الدين: لم يقل الزمخشري إنه بمعناه، إنما جعله منصوباً، لأنه لازم لا يفارقه، فكأنه ملفوظ به. وقوله: كأنه قيل؛ تفسير التلازم لا أنه هو هو. فصل في هذا القسم قال ابن العربي: أقسم الله تعالى بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال: {أية : يسۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ} تفسير : [يس: 1، 2]، وأقسم بحياته فقال: {أية : لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} تفسير : [الحجر: 72]، وأقسم بخيله وصهيلها وغبارها، وقدح حوافرها النار من الحجر، فقال: {وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً}. وقال الشعبيُّ: تمارى عليٌّ وابن عباس في "العَادِياتَ" فقال علي: هي الإبل تعدو في الحج. وقال ابن عباس: هي الخيلُ، ألا تراه يقولُ: "فأثَرْنَ بِهِ نَقْعاً" فهل تثير إلا بحوافرها, وهل تضبح الإبل؟. فقال علي رضي الله عنه: ليس كما قلت, لقد رأيتنا يوم بدر وما معنا إلا فرس أبلق للمقداد، وفرس لمرثد بن أبي مرثد. وعلى هذا فالقول: {فَٱلمُورِيَاتِ قَدْحاً} أي: الحافر يرمي بالحجر من شدة العدو، فيضرب به حجارة أخرى فتوري النار، أو يكون المعنى: الذين يركبون الإبل، وهم الحجيج إذا أوقدوا نيرانهم بـ "المزدلفة"، وقوله تعالى: {فَٱلْمُغِيرَاتِ صُبْحاً}، والإغارة: سرعة السير، وهم يدفعون صبيحة يوم النحر مسرعين إلى "منى". {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً} يعني "مزدلفة"، لأنها تسمى بجمع، لاجتماع الحاجِّ بها، وعلى هذا التقدير، فوجه القسم بها ما تقدم ذكره من المنافع الكثيرة في قوله تعالى: {أية : أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإِبْلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} تفسير : [الغاشية: 17]. وأيضاً: الغرض بذكر إبل الحج: الترغيب في الحج، فإن الكنود: هو الكفور، والذي لم يحج بعد الوجوب موصوف بذلك، كما في قوله تعالى: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [آل عمران: 97]. ومن قال: هي الخيل، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك وعطاء وأكثر المحققين، قال: إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى أناس من بني كنانة، فأبطأ عليه خبرها، وكان استعمل عليها المنذر بن عمرو الأنصاري، وكان أحد النقباء، فقال المنافقون: إنهم قتلوا فنزلت هذه السورة إخباراً للنبي صلى الله عليه وسلم بسلامتها، وبشارة له بإغارتها على القوم، فالمراد: الخيل التي يغزو عليها المؤمنون. تفسير : وفي الخبر: "حديث : مَنْ لمْ يَعرفْ حُرمَةَ فرسِ الغَازي، ففيهِ شُعبةٌ مِنَ النِّفاقِ"تفسير : ، وعلى هذا القول، فالسورة مدنية، لأن الإذن في القتال إنما كان بـ "المدينة". قوله: {فَٱلمُورِيَاتِ قَدْحاً}، قال عكرمة وعطاء والضحاك: هي الخيلُ حين توري النار بحوافرها وهي سنابكها. و "قَدْحاً" يجوز أن يكون مصدراً مؤكداً؛ لأن الإيراء من القدح، يقال: قدح فأورى، وقدح فأصلد. ويجوز أن يكون حالاً، فالمعنى: "قادحات"، أي: ضابحات بحوافرها ما توري النار، ويقال: قدحت الحجر بالحجر، أي: صككته به. وقال الزمخشريُّ: انتصب "قدحاً" بما انتصب به "ضبحاً" وكأنه جوّز في نصبه ثلاثة أوجه: النصب بإضمار فعله، والنصب باسم الفاعل قبله لأنه ملازمه، والنصب على الحال، وتسمى تلك النار التي تخرج من الحوافر: نار الحباحب. قال: [الطويل] شعر : 5271- تَقُدُّ السَّلوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجهُ وتُوقِدُ بالصُّفَّاحِ نَارَ الحُباحِبِ تفسير : فصل في معنى الموريات روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أورت بحوافرها غباراً، وهذا يخالف سائر ما روي عنه في قدحِ النارِ، وإنما هذا في الإبل [وروى ابن نجيح عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: {فَٱلمُورِيَاتِ قَدْحاً} قال هي في القتال وهو في الحج، قاله ابن مسعود هي الإبل تطأ الحصى فيخرج منه النار]. وأصل القدح: الاستخراج، ومنه قدحت العين: إذا أخرجت منها الماء الفاسد، واقتدحت بالزّند، واقتدحت المرق: غرفته. ورَكيٌّ قدوح: يغرف باليد. والقديح: ما يبقى في أسفل القدر، فيغرف بجهد، والمقدحة: ما تقدح به النار. والقداحة والقداح: الحجر الذي يُورِي النار. يقال: وَرَى الزند - بالفتح - يري ورْياً: إذا خرجت ناره، وفيه لغة أخرى، ورِي الزند - بالكسر - يرى فيهما، وقد مضى في سورة "الواقعة". وقيل: هذه الآيات في الخيل، ولكن إيراءها: أن تهيج الحرب بين أصحابها، وبين عدوهم. ويقال للحرب إذا التحمت: حَمِيَ الوطيس، ومنه قوله تعالى: {أية : كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ} تفسير : [المائدة: 64]. قال ابن عباس: المراد بـ {فَٱلمُورِيَاتِ قَدْحاً} مكر الرجال في الحرب، وقاله مجاهد وزيد ين أسلم: والعربُ يقولون إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه: والله لأمكرن بك، ثم لأورين لك. وعن ابن عباس أيضاً: هم الذين يغزون فيورون نيرانهم بالليل، لحاجتهم وطعامهم. وعنه أيضاً أنها نيران المجاهدين إذا كثرت نارها إرهاباً، ليظنها العدو كثيراً. وقيل: هي أفكار الرجال توري النار من عظيم ما تتكلم به ويظهر بها من إقامة الحججِ، وإقامةِ الدَّلائلِ، وإيضاح الحق، وإبطال الباطلِ. قال القرطبي: هذه الأقوال مجاز، ومنه قولهم: فلان يُوري زناد الضلالة، والأول: الحقيقة، وأن الخيل من شدة عدوها تقدح النَّار بحوافرها. قال مقاتل: العرب تسمي تلك النَّار نار أبي حُبَاحب، وكان أبو حباحب شيخاً من مضر في الجاهلية، من أبخل الناس، وكان لا يُوقد نار الخبز ولا غيره حتى تنام العيون، فيوقد نُويْرَة تقد مرة، وتخمد أخرى، فإن استيقظ لها أحد أطفأها، كراهية أن ينتفع بها أحدٌ، فشبهت هذه النار بناره؛ لأنه لا ينتفع بها. وكذلك إذا وقع السيف على البيضة فاقتدحت ناراً فكذلك يسمونها. قال النابغة: [الطويل] شعر : 5272- ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ فُلولٌ من قِرَاعِ الكَتائبِ تَقُدُّ السَّلوقِيَّ المُضاعفَ نَسْجهُ وتُوقِدُ بالصُّفَّاحِ نَارَ الحُبَاحِبِ تفسير : قوله: {فَٱلْمُغِيرَاتِ صُبْحاً} ظرف؛ أي: التي تغير وقت الصبح، يقال: أغار يغير إغارة وغارةً: إذا باغت عدواً نهباً وقتلاً وأسراً؛ قال: [البسيط] شعر : 5273- فَليْتَ لِي بِهمُ قَوماً إذَا رَكِبُوا شَنُّوا الإغَارَة فُرْسَاناً ورُكْبَانَا تفسير : وأغار وغار أيضاً: نزل الغور، وهو المنهبط من الأرض. قوله: {فَأَثَرْنَ}. عطف الفعل على الاسم، لأن الاسم في تأويل الفعل لوقوعه صلى لـ "أل". قال الزمخشريُّ: "معطوف على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه، يعني في الأصل؛ إذ الأصل: واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن". قوله: {بِهِ}. في الهاء أوجه: أحدها: أنه ضمير الصبح، أي: فأثرن في وقت الصبح غباراً. وهذا حسن، لأنه مذكور بالتصريح. الثاني: أنه عائد على المكان، وإن لم يجر له ذكر؛ لأن الإشارة لا بد لها من مكان، والسياق والعقل لا يدلان عليه، وإذا علم بالمعنى جاز أن يكون عما لم يجري له ذكر بالصريح كقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ} تفسير : [ص: 32]. وفي عبارة الزمخشري: "وقيل: الضمير لمكان الغارةِ"، وهذا على تلك اللغيَّة وإلا فالفصيح أن تقول: الإغارة. الثالث: أنه ضمير العدو الذي دل عليه "والعَادِيَاتِ". وقرأ العامة: بتخفيف الثاء، أثار كذا إذا نشره وفرقه من ارتفاع. وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة: بتشديدها. وخرجه الزمخشري على وجهين: الأول: بمعنى فأظهرن به غباراً؛ لأن التأثير فيه معنى الإظهار. الثاني: قلب "ثورن" إلى "وثَرْنَ"، وقلب الواو همزة انتهى. يعني: الأصل "ثَوّرنَ" من ثور يثور - بالتشديد - عداه بالتضعيف كما يعدى بالهمزة في قولك: أثاره ثم قلب الكلمة بأن جعل العين وهي الواو موضع الفاء وهي الثاء، ووزنها حينئذ "عفلن" ثم قلب الواو همزة، فصار: "أثَرْنَ"، وهذا بعيد جداً، وعلى تقدير التسليم، فقلب الواو المفتوحة همزة لا ينقاس، إنما جاءت منه ألفاظ كـ "احد وأناة" والنقع: الغبار. وأنشد: [البسيط] شعر : 5274- يَخْرُجْنَ مِنْ مُسْتَطَارِ دَائمَةً كَأنَّ آذَانهَا أطْرافُ أقْلامِ تفسير : وقال ابن رواحة: [الوافر] شعر : 5275- عَدِمتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَروْهَا تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَنفَيْ كَدَاءِ تفسير : وقال أبو عبيدة: النقع، رفع الصوت؛ قال لبيدٌ: [الرمل] شعر : 5276- فَمتَى يَنْقَعْ صُراخٌ صَادِقٌ يُحْلبُوهَا ذَاتَ جَرْسٍ وزَجَلْ تفسير : يروى: "يجلبوها" أيضاً، يقول: متى سمعوا صراخاً أجلبوا الحرب، أي: جمعوا لها، وقوله: "ينقع صراخ" يعني رفع الصوت. قال الزمخشري: ويجوز أن يراد بالنَّقع: الصياح، من قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : لَمْ يكُنْ نَقعٌ ولا لَقلَقةٌ ". تفسير : وقول لبيد: [الرمل] شعر : 5277- فَمتَى يَنْقَعْ صُراخٌ صادِقٌ تفسير : أي: فهيجن في المغار عليهم صياحاً وجلبة. وقال أبو عبيد: وعلى هذا رأيت قول أكثر أهل العلم، انتهى. فعلى هذا تكون الباء بمعنى "في" ويعود الضمير على المكان الذي فيه الإغارة، كما تقدم. وقال الكسائيُّ: قوله: "نقْعٌ ولا لقْلقَةٌ" النّقع: صنعة الطعام، يعني في المأتم يقال منه: نقعت أنقع نقعاً. قال أبو عبيد: ذهب بالنقع إلى النقيعة، وإنما النقيعة عند غيره من العلماء: صنعة الطعام عند القدوم من سفر، لا في المأتم. وقال بعضهم: يريد عمرو بالنقع وضع التراب على الرأس فذهب إلى أن النقع هو التراب. قال القرطبي: ولا أحسب عمراً ذهب إلى هذا، ولا خافه منهن، وكيف يبلغ خوفه ذا، وهو يكره لهن القيام، فقال: وهو الذي لا أدري ما هو من الحديث ولا أعرفه، وليس النقع عندي في هذا الحديث إلا الصوت الشديد، وأما اللَّقلقة: فشدة الصوت، ولم أسمع فيه اختلافاً. [قال محمد بن كعب القرظي: النقع بين "مزدلفة" إلى "منى". وقيل: إنه طريق الوادي، ولعله يرجع إلى الغبار المثار من هذا الموضع. وفي "الصحاح" النقع الغبار، والجمع: النقاع والنقع محبس الماء، وكذلك ما اجتمع في البئر منه. وفي الحديث: أنه نهى أن يمنع نقع البئر. والنقع: الأرض الحرة الطين يستنقع فيها الماء، والجمع: نقاع وأنقع، مثل: بحار وبحر وأبحر]. قوله: {فَوَسَطْنَ}. العامة على تخفيف السين. وفي الهاء في "به" أوجه: أحدها: أنها للصبح. والثاني: أنها للنَّقع، أي: وسطن النقع الجمع، أي: جعلن الغبار وسط الجمع. والباء للتعدية، وعلى الأول هي ظرفية. الثالث: الباء للحالية، أي فتوسطن ملتبساً بالنقع، أي: بالغبار، جمعاً من جموع الأعداء. وقيل: الباء مزيدة نقله أبو البقاء. و "جَمْعاً" على هذه الأوجه: مفعول به. الرابع: أن المراد بـ "جمع" "المزدلفة" وهي تسمى جمعاً، والمراد: أن الإبل تتوسط جمعاً الذي هو "المزدلفة"، كما مرَّ عن أمير المؤمنين فالمراد بالجمع مكان، لا جماعة الناس، كقول صفية: [الوافر] شعر : 5278- فَلا والعَاديَاتِ غَداةَ جَمْعٍ تفسير : وقول بشر بن أبي خازم: [الكامل] شعر : 5279- فَوَسَطْنَ جَمعهُمُ وأفْلتَ حَاجبٌ تَحْتَ العَجاجَةِ في الغُبَارِ الأقْتَمِ تفسير : و "جَمْعاً" على هذا منصوب على الظرف، وعلى هذا فيكون الضمير في "به" إما للوقت أي في وقت الصبح، وإما للنقع، وتكون الباء للحال، أي: ملتبسات بالنقع، إلا أنه يشكل نصب الظرف المختص إذ كان حقه أن يتعدى إليه بـ "في". وقال أبو البقاء: إن "جمعاً" حال، وسبقه إليه مكي. وفيه بعد؛ إذ المعنى على أن الخيل توسطت جمع الناس. وقرأ علي، وزيد بن علي، وقتادة، وابن أبي ليلى: بتشديد السين، وهما لغتان بمعنى واحد. وقال الزمخشري: التشديد للتعدية، والباء مزيدة للتأكيد، كقوله تعالى: {أية : وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً} تفسير : [البقرة: 25] وهي مبالغة في وسطن" انتهى. وقوله: "وهي مبالغة" تناقض قوله أولاً للتعدية، لأن التشديد للمبالغة لا يكسب الفعل مفعولاً آخر، تقول: "ذبحت الغنم" مخففاً، ثم تبالغ فتقول: "ذبَّحتها" - مثقلاً - وهذا على رأيه قد جعله متعدياً بنفسه، بدليل جعله الباء مزيدة، فلا تكون للمبالغة. فصل في معنى الآية المعنى: فوسطن بركبانهن العدو، أي: الجمع الذين أغاروا عليهم. وقال ابن مسعود: "فوسَطْنَ بِهِ جَمْعاً" يعني "مزدلفة"، وسميت جمعاً لاجتماع الناس فيها. ويقال: وسطت القوم أسطهم وسطاً وسطة، أي: صرت وسطهم، وقد أكثر الناس في وصف الخيل وهذا الذي ذكره الله أحسن. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الخَيْلُ معْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ"تفسير : . وقال أيضاً: "حديث : ظهرها حرز وبطنها كنز ". تفسير : ويروى أن بنت امرئ القيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، هل أنزل عليك ربُّك كلاماً في صفةِ الخَيْل كلاماً أفصح مما قاله جدِّي؟ فقال - عليه الصلاة والسلام -: "وما قال جدّكِ".؟ قالت: [الطويل] شعر : 5280-مِكَرٍّ مُقْبلٍ مُدبِرٍ معاً كجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّهُ السَّيْلُ مِنْ عَل تفسير : فقال -عليه الصلاة والسلام -: {وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً} الآيات فأسلمت.

البقاعي

تفسير : لما ختم الزلزلة بالجزاء لأعمال الشر يوم الفصل، افتتح هذه ببيان ما يجر إلى تلك الأعمال من الطبع، وما ينجر إليه ذلك الطبع مما يتخيله من النفتع، موبخاً من لا يستعد لذلك اليوم بالاحتراز التام من تلك الأعمال، معنفاً من أثر دنياه على أخراه، مقسماً بما لا يكون إلا عند أهل النعم الكبار الموجبة للشكر، فمن غلب عليه الروح شكر، ومن غلب عليه الطبع - وهم الأكثر - كفر فقال: {والعاديات} أي الدواب التي من شأنها أن تجري بغاية السرعة، وهي الخيل التي ظهورها عز وبطونها كنز، وهي لرجل وزر ولرجل أجر، فمن فاخر بها ونادى بها أهل الإسلام وأبطره عزها حتى قطع الطريق وأخاف الرفيق كانت له شراً، ومن جعلها في سبيل الله كانت له أجراً، ومن حمل عليها ولم ينس حق الله في رقابها وظهورها وكانت له ستراً، وإنما أقسم بها ليتأمل ما فيها من الأسرار الكبار التي باينت به أمثالها من الدواب كالثور مثلاً والحمار ليعلم أن الذي خصها بذلك فاعل مختار واحد قهار، فالقسم في الحقيقة به سبحانه. ولما كانت دالة على الضابحات بالالتزام، قال ناصباً به أو بـ"تضبح" مقدراً: {ضبحاً *} والضبح صوت جهير من أفواهها عند العدو الشديد، ليس بصهيل ولا حمحمة ولا رغاء وهو النفس، وليس شيء من الدواب يضبح غير الفرس والكلب والثعلب، وأصله للثعلب واستيعر للخيل، وحكاه ابن عباس رضي الله عنهما فقال: أح أح، أو الضبح عدو دون التقريب. ولما ذكر عدوها، أتبعه ما ينشأ عنه، فقال عاطفاً بأداة التعقيب لأن العدو بحيث يتسبب عنه ويتعقبه الإيراء: {فالموريات} أي المخرجات للنار بما يصطك من نعلها بالأحجار، لا سيما عند سلوك الأوعار. ولما كان الإيراء أثر القدح قال: {قدحاً *} أي تقدح ضرباً بعنف كضرب الزند ليوري النار، ونسب الإيراء إليها لإيجادها صورته وإن لم يكن لها قصد إليه. ولما ذكر العدو وما يتأثر عنه، ذكر نتيجته وغايته فقال: {فالمغيرات} أي بإغارة أهلها عليها على العدو والإغارة والركض الشديد لإرادة القتل والنهب. ولما كانت الإغارة الكائن عنها الثبور والويل أروع ما تكون في أعقاب الليل قال: {صبحاً *} أي ذات دخول في الصباح. ولما كان الأعداء حال الإغارة يكون مختلفاً تارة يميناً وتارة شمالاً وتارة أماماً وتارة وراء بحسب الكر والفر في المصاولة والمحاولة تارة أثر الهارب، وأخرى في مصاولة المقبل المحارب، فينشأ عنها الغبار الكثير لإثارة الهواء له واصطدام بعضه ببعض لتعاكسه بقوة الدفع من قوائمها وما تحركه منه، وكان المقسم به منظوراً فيه إلى ذاته ونتيجة القسم منظوراً فيها إلى الفعل بادىء بدء مع قطع النظر بالأصالة عن الذات، عطف على اسم الفاعل بعد حله إلى أن وصلتها فقال: {فأثرن به} أي بفعل الإغارة ومكانها وزمانها من شدة العدو {نقعاً *} أي غباراً مع الاعناق والصياح والزجر بالعنق حتى صار ذلك الغبار منحبكاً ومنعقداً عليها. ولما كان المغير يتوسط الجمع عند اختلال حالهم فيفرق شملهم لأنهم متى افترقوا حصل فيهم الخلل، ومتى اختلفوا تخللهم العدو ففرق شملهم قال: {فوسطن به} أي بذلك النقع أو الفعل والوقت والموضع {جمعاً} أي وهو المقصود بالإغارة، فدخلت في وسط ذلك الجمع لشجاعتها وقوتها وطواعيتها وشجاعة فرسانها. ولما أقسم بالخيل التي هي أشرف الحيوان كما أن الإنسان المقسم لأجله أشرف ما اتصف منه بالبيان، وتجري به أفكاره كخيل الرهان، وتقدح المعاني تارة مقترنة بأشرف اللمعان، وأخرى بأخس ما يقع به الاقتران، من الزور والبهتان، والإلحاد والطغيان، وتغير منه ثواقب الأذهان، تارة على شبه الخصوم بالبرهان، وأخرى بما يغير به من الشبه الملتبسة في وجوه المعاني الحسان، وينثر تارة المعاني الصحيحة على أهل الطغيان، من ذوي البدع والكفران، وأخرى الفاسدة على حزب الملك الديان، وتتوسط تارة جمع أولي الطغيان، وأخرى جمع أولي الإيمان، وكانت الإغارة في الغالب لأجل قهر المغار عليهم على أموالهم عدواناً إن كان ذلك في غير الجهاد، وإن كانت في الجهاد فقل من يخلص في ذلك الحال، فيكون عمله ليس إلا لله كما أشار إليه الحديث القدسي:"حديث : إن عبدي كل عبدي للذي يذكرني عند لقاء قرنه"تفسير : قال مجيباً للقسم بذكر المقسم عليه حاكماً على النوع باعتبار عد المخلص لقلته عدماً، مؤكداً لما لهم من تكذيب ذلك فإن كل أحد يتبرأ من مثل هذا الحال: {إن الإنسان} أي هذا النوع بما له من الأنس بنفسه والنسيان لما ينفعه {لربه} أي المحسن إليه بإبداعه ثم إبقائه وتدبيره وتربيته {لكنود *} أي كفور نكد لسوء المعاملة حيث يقدم بما أحسن به الله إليه من الصافنات الجياد وبما آتاه من قوة الجنان والأركان على ما نهاه عنه، ومصدره الكنود بالضم وهو كفران النعمة، فالمراد هنا - بالتعبير عنه بهذه الصيغة التي هي للمبالغة - من يزدري القليل ولا يشكر الكثير، وينسى كثير النعمة بقليل المحنة، ويلوم ربه في أيسر نقمة، وقال الفضيل بن عياض: هو من أنسته الخصلة الواحدة من الإساءة الخصال الكثيرة من الإحسان، والشكور ضده. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: أقسم سبحانه على حال الإنسان بما هو فقال: {إن الإنسان لربه لكنود} أي لكفور، يبخل بما لديه من المال كأنه لا يجازي ولا يحاسب على قليل ذلك وكثيره من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وكأنه ما سمع بقوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} {وإنه لحب الخير} أي المال {لشديد} لبخيل، {وإنه على ذلك لشهيد} فإن الله على ذلك لمطلع فلا نظر في أمره وعاقبة مآله {إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور} أي ميز ما فيها من الخير والشر ليقع الجزاء عليه {إن ربهم بهم يومئذ لخبير} لا يخفى عليه شيء من أمرهم {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره} - انتهى. ولما كان إقدام الإنسان على الظلم عجباً، فإذا كان يشهد على نفسه بالظلم كان أعجب، قال مؤكداً لما لأكثر الخلق قبل البعث والمحاققة من إنكار كفرانه: {وإنه} أي الإنسان {على ذلك} أي الكنود العظيم حيث أقدم على مخالفة الملك الأعظم المحسن مع الكفر لإحسانه {لشهيد *} لأنه مقر إذا حوقق بأن جميع ما هو فيه من إحسان ربه وبأن ربه نهاه عن المخالفة، أو أنه لا أمر عنده منه بما فعل، وأنه لا ينبغي لعاقل أن يتحرك بحركة يمكن أن يكرهها الملك الذي هو في خدمته ولا شيء له إلا منه بغير إذنه، وأنه إن تحرك بغير ذلك كان كافراً لإحسانه مستحقاً لعقابه، لا يقدر على إنكار شيء منه. ولما كان من العجائب أن يكفر أحد إحسان المنعم، وهو شاهد على نفسه، ذكر الحامل له على ذلك حتى هان عليه فقال: {وإنه} أي الإنسان من حيث هو مع شهادته على نفسه بالكفر الذي يقتضي سلب النعم {لحب} أي لأجل حب {الخير} أي المال الذي لا يعد غيره لجهله خيراً {لشديد *} أي بخيل بالمال ضابط له ممسك عليه، أو بليغ القوة في حبه لأن منفعته في الدنيا وهو متقيد بالعاجل الحاضر المحسوس مع علمه بأن أقل ما فيه أنه يشغله عن حسن الخدمة لربه وهو معرض عن الدين حيث كانت منفعته آجلة غائبة مع علمه بأن المعرّف بما يرضى من خدمة ربه الحاث عليها الداعي إليها فهو لحب عبادة الله ضعيف متقاعس، وكان حبه الخير يقتضي عنه الشكر الذي يتقاضى الزيادة، ولا يتخيل أن شديداً عامل في الحب لأن ما بعد اللام لا يعمل فيها قبلها، وإنما ذلك المتقدم دليل على المعمول المحذوف. ولما كان المال فانياً لا ينبغي لعاقل أن يعلق أمله به فضلاً عن أن يؤثرة على الباقي، نبهه على ذلك بتهديد بليغ، فقال مسبباً عن ذلك معجباً، موقفاً له على ما يؤول إليه أمره: {أفلا يعلم} أي هذا الإنسان الذي أنساه أنسه بنفسه. ولما كان الحب أمراً قلبياً، لا يطلع عليه إلا عالم الغيب، وكان البعث من عالم الغيب، وكان أمراً لا بد منه، وكان المخوف مطلق كونه، لم يحتج إلى تعيين الفاعل، فبنى للمفعول قوله مهدداً مؤذناً بأنه شديد القدرة على إثارة الخفايا، معلقاً بما يقدره ما يؤول إليه أمره من أن الله يحاسبه ويجازيه على أعماله، وأنه لا ينفعه مال ولا غيره، ولا ينجيه إلا ما كان من أعماله موافقاً لأمر ربه مبنياً على أساس الإيمان واقعاً بالإخلاص: {إذا بعثر} أي أثير بغاية السهولة وأخرج وفرق ونظر وفتش بغاية السهولة. ولما كان الميت قبل البعث جماداً، عبر عنه بأداة ما لا يعقل فقال: {ما في القبور *} أي أخرج ما فيها من الموتى الذين تنكر العرب بعثهم فنشروا للحساب، أو من عظامهم ولحومهم وأعصابهم وجلودهم وجميع أجسامهم، وقلب بعضه على بعض حتى أعيد كل شيء منه على ما كان عليه، ثم أعيدت إليه الروح، فكان كل أحد على ما مات عليه. ولما كان المخوف إنما هو ما يتأثر عن البعث من الجزاء على الأعمال الفاسدة قال: {وحصل} أي أخرج وميز وجمع فعرف أنه معلوم كله بغاية السهولة كما أشار البناء للمفعول {ما في الصدور *} أي من خير أو شر مما يظن مضمره أنه لا يعلمه أحد أصلاً، وظهر مكتوباً في صحائف الأعمال، وهذا يدل على أن النيات يحاسب بها كما يحاسب على ما يظهر من آثارها. ولما كان علم ما في الصدور أمراً باهراً للعقل، قال جامعاً نظراً إلى المعنى لما عبر عنه بالإفراد بالنظر إلى اللفظ، لأن العلم بالكل يلازمه العلم بالبعض بخلاف العكس مؤكداً إشارة إلى أنه مما لا يكاد يصدق، معللاً للجملة المحذوفة الدالة على الحساب: {إن ربهم} أي المحسن إليهم بخلقهم وزرقهم وتربيتهم وجعلهم أقوياء سويين {بهم} قدم هذا الجار والمجرور لا للاختصاص، بل للاشارة إلى نهاية الخبر. ولما كانت الخبرة للإحاطة بالشيء ظاهراً وباطناً، وكان يلزم من الخبرة بالشيء بعد كونه بمدد طوال الخبرة به حال كونه من باب الأولى قال: {يومئذ} أي إذ كانت هذه الأمور وهو يوم القيامة {لخبير *} أي محيط بهم من جميع الجهات عالم غاية العلم ببواطن أمورهم، فكيف بظواهرها جواهر وأعراضاً، أقوالاً وأفعالاً، خفية كانت أو ظاهرة، سراً كانت أو علانية، خيراً كانت أو شراً، ومن المعلوم أن فيها الظلم وغيره، ومنهم المحسن وغيره، فلأجل علمه سبحانه بذلك غاية العلم يحاسبهم لئلا يقع ما ينافي الحكمة وهو أن تستوي الحسنة والسيئة، فالقصد بالقيد وتقديم الظرف الإبلاغ في التعريف بأنه سبحانه وتعالى محيط العلم بذلك كما إذا قيل لك: تعرف فلاناً؟ فقلت: ولا أعرف إلا هو، فإن قصدك بذلك أن معرفتك به في غاية الإتقان، لا نفي معرفة غيره، وفيه إشعار بأن كل أحد يعرف غاية المعرفة في ذلك اليوم أنه سبحانه وتعالى عالم بأحواله لا ذهول له عن شيء من ذلك كما يقع في هذه الدار من أن الإنسان يعمل أشياء كثيرة وهو غافل عن أن ربه سبحانه مطلع عليه فيها، ولو نبه لعلم، فلإحاطته سبحانه وتعالى بجميع أحوالهم كان عالماً بأن الإنسان لربه لكنود، وقد رجع آخرها إلى أولها، وتكفل مفصلها بشرح مجملها - والله الهادي للصواب.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ نزلت والعاديات بمكة‏.‏ وأخرج أبو عبيد في فضائله عن الحسن قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏ ‏{‏إذا زلزلت‏}‏ ‏[‏الزلزلة‏:1]‏ تعدل بنصف القرآن ‏{‏والعاديات‏}‏ تعدل بنصف القرآن‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج محمد بن نصر من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ حديث : ‏{‏إذا زلزلت‏} تعدل نصف القرآن ‏{‏والعاديات‏}‏ تعدل نصف القرآن و ‏{‏قل هو الله أحد‏}‏ ‏[الاخلاص‏]‏ تعدل ثلث القرآن و ‏{‏قل يا أيها الكافرون‏}‏ ‏[سورة الكافرون:1‏]‏ تعدل ربع القرآن‏ "‏‏. تفسير : وأخرج البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني في الافراد وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلاً فاستمرت شهراً لا يأتيه منها خبر فنزلت ‏{‏والعاديات ضبحا‏ً} ‏ ضبحت بأرجلها ولفظ ابن مردويه ضبحت بمناخيرها ‏ {‏فالموريات قدحا‏ً} ‏ قدحت بحوافرها الحجارة فأورت ناراً ‏{‏فالمغيرات صبحاً‏} ‏ صبحت القوم بغارة ‏ {‏فأثرن به نقعا‏ً}‏ أثارت بحوافرها التراب ‏{‏فوسطن به جمعا‏ً} ‏ صبحت القوم جميعا‏ً.‏ وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس قال‏:‏‏ حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى العدو فأبطأ خبرها، فشق ذلك عليه، فأخبره الله خبرهم، وما كان من أمرهم فقال‏:‏ ‏{‏والعاديات ضبحا‏ً} ‏ قال‏: هي الخيل، والضبح‏:‏ نخير الخيل حين تنخر ‏ {‏فالموريات قدحا‏ً} ‏ قال‏:‏ حين تجري الخيل توري ناراً أصابت بسنابكها الحجارة‏ {‏فالمغيرات صبحا‏ً} ‏ قال‏: هي الخيل أغارت فصبحت العدو‏ {‏فأثرن به نقعا‏ً} ‏ قال‏:‏ هي الخيل أثرن بحوافرها يقول تعدو الخيل، والنقع الغبار {‏فوسطن به جمعا‏ً} ‏ قال‏:‏ الجمع العدوّ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح قال‏:‏ تقاولت أنا وعكرمة في شأن العاديات فقال‏:‏ قال ابن عباس هي الخيل في القتال، وضبحها حين ترخي مشافرها إذا أعدت ‏{‏فالموريات قدحاً‏}‏ قال‏:‏ أرت المشركين مكرهم ‏{‏فالمغيرات صبحاً‏}‏ قال‏:‏ إذا صبحت العدو ‏{‏فوسطن به جمعا‏ً}‏ قال‏:‏ إذا توسطت العدو‏.‏ قال أبو صالح‏:‏ فقلت‏:‏ قال علي‏ّ:‏ هي الإِبل في الحج، ومولاي كان أعلم من مولاك‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ بينما أنا في الحجر جالس إذ أتاني رجل فسأل عن العاديات ضبحاً فقلت‏:‏ الخيل حين تغير في سبيل الله ثم تأوي إلى الليل فيصنعون طعامهم ويورون نارهم، فانفتل عني فذهب عني إلى علي بن أبي طالب وهو جالس تحت سقاية زمزم، فسأله عن العاديات ضبحاً‏.‏ فقال‏:‏ سألت عنها أحداً قبل‏؟‏ قال نعم‏.‏ سألت عنها ابن عباس‏.‏ فقال‏:‏ هي الخيل حين تغير في سبيل الله‏.‏ فقال‏:‏ اذهب فادعه لي‏.‏ فلما وقفت على رأسه قال‏:‏ تفتي الناس بما لا علم لك والله إن أول غزوة في الإِسلام لبدر، وما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد بن الأسود، فكيف يكون العاديات ضبحاً إنما العاديات ضبحاً من عرفة إلى المزدلفة، فإذا أدوا إلى المزدلفة أوروا إلى النيران ‏{‏والمغيرات صبحا‏ً}‏ من المزدلفة إلى منى فذلك جمع وأما قوله‏:‏ ‏ {‏فأثرن به نقعا‏ً}‏ فهو نقع الأرض حين تطؤه‏‏ بخفافها وحوافرها‏.‏ قال ابن عباس فنزعت عن قولي ورجعت إلى الذي قال علي‏ّ.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق الأعمش عن إبراهيم عن عبد الله ‏{‏والعاديات ضبحا‏ً}‏ قال‏:‏ الإِبل قال إبراهيم‏:‏ وقال علي بن أبي طالب‏:‏ هي الإِبل‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ هي الخيل فبلغ علياً قول ابن عباس فقال‏:‏ ما كانت لنا خيل يوم بدر. قال ابن عباس‏:‏ إنما كان ذلك في سرية بعثت‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عامر قال‏:‏ تمارى عليّ وابن عباس في العاديات ضبحاً فقال ابن عباس‏:‏ هي الخيل، وقال عليّ‏:‏ كذبت يا ابن فلانة، والله ما كان معنا يوم بدر فارس إلا المقداد، وكان على فرس أبلق‏.‏ قال‏:‏ وكان عليّ يقول‏:‏ هي الإِبل‏.‏ فقال ابن عباس‏:‏ ألا ترى أنها تثير نقعاً فما شيء تثيره إلا بحوافرها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه من طريق مجاهد عن ابن عباس ‏ {‏والعاديات ضبحا‏ً} ‏ قال‏:‏ الخيل ‏ {‏فالموريات قدحا‏ً} ‏ قال‏:‏ الرجل إذا أورى زنده ‏ {‏فالمغيرات صبحاً‏}‏ قال‏:‏ الخيل تصبح العدوّ ‏ {‏فأثرن به نقعا‏ً}‏ قال‏:‏ التراب ‏ {‏فوسطن به جمعا‏ً} ‏ قال‏:‏ العدو ‏{‏إن الإِنسان لربه لكنود‏} ‏ قال‏:‏ لكفور‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ‏ {‏والعاديات ضبحا‏ً}‏ قال‏:‏ قال ابن عباس في القتال، وقال ابن مسعود‏:‏ في الحج‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس ‏ {‏والعاديات ضبحاً‏}‏ قال‏:‏ ليس بشيء من الدواب يضبح إلا كلب أو فرس ‏{‏فالموريات قدحا‏ً} ‏ قال‏:‏ هو مكر الرجل قدح فأورى ‏{‏فالمغيرات صبحا‏ً}‏ قال‏:‏ غارت الخيل صبحاً ‏ {‏فأثرن به نقعا‏ً}‏ قال‏:‏ غبار وقع سنابك الخيل ‏ {‏فوسطن به جمعا‏ً} ‏ قال‏:‏ جمع العدو‏.‏ قال عمرو‏:‏ وكان عبيد بن عمير يقول‏:‏ هي الإِبل‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ‏ {‏والعاديات ضبحا‏ً} ‏ قال‏:‏ الخيل ضبحها زجرها ألم تر أن الفرس إذا عدا قال‏:‏ أح أح فذاك ضبحها‏.‏ وأخرج ابن جرير عن علي قال‏:‏ الضبح من الخيل الحمحمة ومن الإِبل النفس‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ‏{‏والعاديات ضبحا‏ً} ‏ قال‏:‏ هي الخيل تعدو حتى تضبح ‏ {‏فالموريات قدحا‏ً} ‏ قال‏:‏ قدحت النار بحوافرها ‏ {‏فالمغيرات صبحا‏ً}‏ غارت حين أصبحت ‏ {‏فأثرن به نقعا‏ً} ‏ قال‏:‏ غبار ‏{‏فوسطن به جمعا‏ً}‏ قال‏:‏ جمع القوم ‏ {‏إن الإِنسان لربه لكنود‏} ‏ قال‏:‏ لكفور‏. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد ‏{‏والعاديات ضبحا‏ً} ‏ قال‏:‏ الخيل ألم تر إلى الفرس إذا أحري كيف يضبح، وما ضبح بعير قط ‏ {‏فالموريات قدحا‏ً} ‏ قال‏:‏ المكر تقول العرب إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه‏:‏ أما والله لأقدحن لك، ثم لأورين ‏ {‏فالمغيرات صبحاً‏}‏ قال‏:‏ الخيل ‏ {‏فأثرن به نقعا‏ً}‏ قال‏:‏ التراب مع وقع الخيل ‏ {‏فوسطن به جمعا‏ً} ‏ قال‏:‏ جمع العدو ‏ {‏إن الإِنسان لربه لكنود‏} ‏ قال‏:‏ لكفور‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عطية ‏ {‏والعاديات ضبحا‏ً} ‏ قال‏:‏ الخيل ألم ترها إذا عدت تزحر يقول تنحر ‏{‏فالموريات قدحا‏ً}‏ قال‏:‏ الكر ‏ {‏فالمغيرات صبحا‏ً} ‏ قال‏:‏ الخيل ‏ {‏فأثرن به نقعا‏ً} ‏ قال‏:‏ الغبار ‏ {‏فوسطن به جمعاً‏} ‏ قال‏:‏ جمع المشركين ‏{‏إن الإِنسان لربه لكنود‏}‏ قال‏:‏ لكفور‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ‏{‏فالموريات قدحا‏ً}‏ قال‏:‏ كان مكر المشركين إذا مكروا قدحوا النار حتى يروا أنهم كثير‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: ‏أخبرني عن قوله‏‏ عز وجل ‏{‏فأثرن به نقعا‏ً} ‏ قال‏:‏ النقع ما يسطع من حوافر الخيل‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت حسان بن ثابت وهو يقول‏:‏ شعر : عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء تفسير : قال‏:‏ فأخبرني عن قوله‏‏ ‏ {‏إن الإِنسان لربه لكنود‏} ‏ قال‏:‏ الكنود الكفور للنعمة وهو الذي يأكل وحده ويمنع رفده ويجيع عبده‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول‏:‏ شعر : شكرت له يوم العكاظ نواله ولم أك للمعروف ثم كنودا تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود ‏ {‏والعاديات ضبحا‏ً} ‏ قال‏:‏ هي الإِبل في الحج ‏ {‏فالموريات قدحا‏ً} ‏ إذا استفت الحصى بمناسمها تضرب الحصى بعضه بعضاً فيخرج منه النار ‏{‏فالمغيرات صبحاً‏} ‏ حين يفيضون من جمع ‏ {‏فأثرن به نقعا‏ً}‏ قال‏:‏ إذا صرن يثرن التراب‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عطاء ‏ {‏والعاديات ضبحا‏ً} ‏ قال‏:‏ الإِبل ‏{‏فالموريات قدحا‏ً} ‏ قال‏:‏ الخيل ‏{‏فوسطن به جمعا‏ً}‏ قال‏:‏ القوم ‏{‏إن الإِنسان لربه لكنود‏} ‏ قال‏:‏ لكفور‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب القرظي ‏{‏والعاديات ضبحا‏ً}‏ قال‏:‏ الدفعة من عرفة ‏ {‏فالموريات قدحا‏ً}‏ قال‏:‏ النيران تجمع ‏ {‏فالمغيرات صبحا‏ً} ‏ قال‏:‏ الدفعة من جمع ‏{‏فأثرن به نقعا‏ً} ‏ قال‏:‏ بطن الوادي ‏ {‏فوسطن به جمعا‏ً}‏ قال‏:‏ جمع منى. وأخرج عبد بن حميد وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال‏:‏ الكنود بلساننا أهل البلد الكفور‏.‏ وأخرج ابن عساكر عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏{‏إن الإِنسان لربه لكنود‏} ‏ قال‏:‏ لكفور‏.‏ وأخرج عبد بن حميد والبخاري في الأدب والحكيم الترمذي وابن مردويه عن أبي أمامة قال‏:‏ الكنود الذي يمنع رفده وينزل وحده ويضرب عبده‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر بسند ضعيف عن أبي أمامة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏أتدرون ما الكنود‏؟ قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ هو الكفور الذي يضرب عبده ويمنع رفده ويأكل وحده‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن قتادة والحسن في قوله‏:‏ ‏{‏إن الإِنسان لربه لكنود‏}‏ قال‏:‏ الكفور للنعمة، البخيل بما أعطى، والذي يمنع رفده ويجيع عبده ويأكل وحده، ولا يعطي النائبة تكون في قومه، ولا يكون كنوداً حتى تكون هذه الخصال فيه‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن ‏ {‏إن الإِنسان لربه لكنود‏} ‏ قال‏:‏ لكفور يعدد المصيبات وينسى نعم ربه عز وجل‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏وإنه على ذلك لشهيد‏}‏ قال‏:‏ الإِنسان ‏ {‏وإنه لحب الخير‏}‏ قال‏:‏ المال‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {‏وإنه على ذلك لشهيد‏} ‏ قال‏:‏ الله عز وجل‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ‏{‏وإنه على ذلك لشهيد‏}‏ قال‏:‏ هذه من مقاديم الكلام يقول وإن الله على ذلك لشهيد، وإن الإِنسان لحب الخير لشديد‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة ‏ {‏وإنه لحب الخير‏}‏ قال‏:‏ هو المال‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب ‏{‏وإنه على ذلك لشهيد‏} ‏ قال‏:‏ الإِنسان شاهد على نفسه ‏{‏أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور‏} ‏ قال‏:‏ حين يبعثون ‏ {‏وحصل ما في الصدور‏} ‏ قال‏:‏ أخرج ما في الصدور‏.‏ وأخرج ابن عساكر من طريق البختري بن عبيد عن أبيه عن أبي هريرة قال‏:‏ ‏"‏حديث : قال رجل يا رسول الله‏:‏ ما العاديات ضبحا‏ً؟‏ فأعرض عنه ثم رجع إليه من الغد فقال‏:‏ ما الموريات قدحا‏ً؟‏ فأعرض عنه، ثم رجع إليه الثالثة فقال‏:‏ ما المغيرات صبحا‏ً؟‏ فرفع العمامة والقلنسوة عن رأسه بمخصرته فوجده مقرعاً رأسه فقال‏: لو وجدتك حالقاً رأسك لوضعت الذي فيه عيناك ففزع الملأ من قوله، فقالوا يا نبي الله ولم‏؟‏ قال‏:‏ إنه سيكون أناس من أمتي يضربون القرآن بعضه ببعض ليبطلوه ويتبعون ما تشابه ويزعمون أن لهم في أمر ربهم سبيلاً، ولكل دين مجوس، وهم مجوس أمتي وكلاب النار‏"‏تفسير : فكأنه يقول‏:‏ هم القدرية‏.‏ قال الذهبي في الميزان‏:‏ البختري ضعفه أبو حاتم وأعله غيره وقال أبو نعيم‏:‏ روي عن أبيه موضوعات‏.‏

ابو السعود

تفسير : مختلف فيها، وآيُها إحدى عشرة {وَٱلْعَـٰدِيَـٰتِ} أقسمَ سبحانَهُ بخيلِ الغُزاةِ التي تعدُو نحوَ العدوِّ وقولُه تعالَى: {ضَبْحاً} مصدرٌ منصوبٌ إما بفعلِه المحذوفِ الواقعِ حالاً منَها أي تضبحُ ضَبْحاً وهُو صوتُ أنفاسِها عندَ عدوها أوْ بالعادياتِ فإن العدوَ مستلزمٌ للضبحِ كأنَّه قيلَ: والضابحاتِ أو حالٌ على أنَّه مصدرٌ بمعنى الفاعلِ أيْ ضابحاتٌ {فَٱلمُورِيَـٰتِ قَدْحاً} الإيراءُ إخراجُ النَّارِ والقدحُ الصَّكُّ يقالَ قدحَ فأَوْرَى أيْ فالتي تُورِى النارَ منْ حوافرِها وانتصابُ قَدحاً كانتصابِ ضبحاً على الوجوهِ الثلاثةِ {فَٱلْمُغِيرٰتِ} أسند الإغارةَ التي هيَ مباغتةُ العدوِّ للنهبِ أو للقتلِ أو للأسرِ إليَها وهيَ حالُ أهلِها وإيذاناً بأنَّها العمدةُ في إغارتِهم {صُبْحاً} أي في وقتِ الصبحِ وهو المعتادُ في الغاراتِ يعدونَ ليلاً لئلا يشعرُ بهمْ العدوّ ويهجمونَ علهيمْ صباحاً ليَرَوا مَا يأتونَ ومَا يذرونَ وَقَولُه تعالَى: {فَأَثَرْنَ بِهِ} عطفٌ على الفعلِ الذي دلَّ عَلَيهِ اسمُ الفاعلِ إذِ المَعْنى واللاتِي عدونَ فأورينَ فأغرنَ فأثرنَ بهِ أيْ فهيجنَ بذلكَ الوقتِ {نَقْعاً} أيْ غُباراً وتخصيصُ إثارتِه بالصُّبحِ لأنَّه لا يثورُ أو لا يظهرُ ثورانُه بالليلِ وبهذا ظهرَ أنَّ الإيراءَ الذي لا يظهرُ في النهارِ واقعٌ في الليلِ ولله درُّ شأنِ التنزيلِ وَقيلَ النقعُ الصياحُ والجَلَبةُ وقُرِىءَ فأثَّرنَ بالتشديدِ بمَعْنى فأظهرنَ بهِ غُباراً لأنَّ التأثيرَ فيهِ مَعْنى الإظْهارِ {فَوَسَطْنَ بِهِ} أي توسطنَ بذلك الوقتِ أو توسطنَ ملتبساتٍ بالنقعِ {جَمْعاً} من جموعِ الأعداءِ والفاءاتُ للدلالةِ عَلَى ترتبِ ما بعدَ كُلَ مِنْها عَلى ما قبلَها كَما في قولِه: شعر : يَا لهفَ زيّابةَ للحارثِ الصَّابحِ فالغَانمِ فالآيبِ تفسير : فإنَّ توسطَ الجمعِ مترتبٌ عَلى الإثارةِ المترتبةِ على الإغارةِ المترتبةِ على الإيراءِ المترتبِ على العدوِ.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً}. {وَٱلْعَادِيَاتِ}: الخيلُ التي تعدو. {ضَبْحاً} أي إِذا ضَبحن ضبحاً، والضبحُ: هو صوتُ أجوافها إِذا عَدَوْنَ. ويقال: ضبحُها هو شِدةُ نَفسِها عند العَدْوِ. وقيل: {وَٱلْعَادِيَاتِ}؛ الإبل. وقيل: أقسم الله بأفراسِ الغزاة. {فَٱلمُورِيَاتِ قَدْحاً}. تورى بحوافرها النار إِذا عَدَتْ وأصابَتْ سنابِكُها الحجارة بالليل. ويقال: الذين يورون النار بعد انصرافهم من الحرب. ويقال: هي الأسِنَّة. {فَٱلْمُغِيرَاتِ صُبْحاً}. تُغِير على العدوِّ صباحاً. {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً}. أي: هَيَّجْنَ به غباراً. {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً}. أي: تَوَسَّطْنَ المكان، أي: تتوسط الخيل بفوارسها جَمْعَ العَدُوِّ.

البقلي

تفسير : اقسم الحق سبحانه بافراس قلوب المحبين اذا صحبت باصوات الوصلة من تراكم مواجيد المشاهدة فى ميادين الوحدة حين عاينت مشاهدة السرمدية وهى الموريات انوار المعارف من قداح الكواشف ثم اقسم لواردات كشوف صفاته حين اغارت ارواح العاشقين عند طلوع صباح مشاهدته.

اسماعيل حقي

تفسير : {والعاديات} جمع عادية وهى الجارية بسرعة من العدو وهو بالفارسية دويدن. وياؤها مقلوبة عن الواو لكسرة ما قبلها اقسم سبحانه بخيل الغزاة التى تعدو نحو العدو {ضبحا} مصدر منصوب اما بفعله المحذوف الواقع حالا منها اى تضبح ضبحا على تأويل العاديات بالجماعة وهو صوت انفاسها عند عدوها يعنى صوتا يسمع من افواه الفرس واجوافها اذا عدون وهو صوت غير الصهيل والحمحمة وهى صوت البرذون عند الشعير أو بالعاديات فان العدو مستلزم للضبح كأنه قيل والضابحات ضبحا او حال على أنه مصدر بمعنى الفاعل اى ضابحات.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {والعادياتِ ضَبْحاً}، أقسم تعالى بخيل الغزاة تعدو فتضبَح، والضبح: صوت أنفاسها إذا عَدَون، وحكى صوتها ابنُ عباس، فقال: أحْ، أحْ. وانتصاب "ضبحاً" على المصدر، أي: يضبحن ضبحاً، أو: بالعاديات، فإنَّ العَدْو يستلزم الضبح، كأنه قيل: والضابحات ضبحاً، أو: حال، أي: ضابحات. {فالمُورِيات قَدْحاً}, الإيراء: إخراج النار, والقدح: الصكّ, يقال: قدح فأوْرى، أي: فالتي تُوري النارَ من حوافرها عند العَدْو. وانتصاب "قدحاً" كانتصاب ضبحاً. {فالمُغيراتِ} التي تغير على العدوّ، {صُبْحاً} أي: وقت الصبح، وهو المعتاد في الغارات، يعدون ليلاً لئلا يشعر بهم العدو، ويهجمون عليهم صباحاً ليروا ما يأتون وما يذرون. وإسناد الإغارة ـ التي هي متابعة العدو، والنهب والقتل والأسر ـ إلى الخيل، وهي حال الراكب عليها، إيذاناً بأنها العمدة في إغارتهم. وقوله تعالى: {فأثَرْنَ به نَقْعاً} أي: غباراً، عطف على الفعل الذي دلّ عليه اسم الفاعل، إذا المعنى: واللاتي عدون فأَوْرَين فأغرن فأثرن، أي: هيّجن به غباراً، وتخصيص إثارته بالصُبح لأنه لا تظهر إثارته بالليل، كما أنَّ الإيراء الذي لا يظهر بالنهار واقع بالليل. والحاصل: أنّ العَدْو كان بالليل وبه يظهر أثر القدح من الحوافر، ولا يظهر النقع إلاّ في الصبح. {فَوسَطْنَ به} أي: فوسطن بذلك الوقت {جَمْعاً} من جموع الأعداء, والفاء لترتيب ما بعد كل على ما قبله، فإنَّ توسط الجمع مترتب على الإثارة المترتب على الإغارة، المترتبة على الإيراء، والمترتب على العدْو. وجواب القسم: قوله تعالى: {إِنَّ الإِنسانَ لِربه لَكَنُود} أي: لَكفور، من: كند النعمة: كَفَرها. وقيل: الكنود هو الذي يمنع رفده، ويأكل وحده، ويضرب عبده. وقيل: اللوّام لربه، يَعْد المحنَ والمصائبَ، وينسى النعم والراحات. وعلى كل حالٍ فلا يخرج عن أن يكون فسقاً أو كفراً أو تقصيراً في شكر الله على نعمه، وتقصيراً وتفريطاً في الاستعداد للقائه، وفي التعظيم لجنابه، وبالجملة فهو القليل الخير، ومنه: الأرض الكنود، التي لا تُنبت شيئاً. قال: في الحاشية الفاسية: والظاهر من سياق السورة أنّ الكنود هو مَن اهتمامه بدنياه دون آخرته، ولذلك كان حريصاً على المال، ويرتكب المشاق في جمعه، ولا يُبالي بآخرته، ولا يستعد لمآله ولا لآخرته، ولا يُقَدِّم لها، وذلك لغفلته وجهله بربه وما أراده منه، وطلبه من السعي للآخرة، وقد ضَمِنَ له رزقه، فلذلك بعد أن عدّد مذامّه هدّده ورهّبه بقوله: {أفلا يعلم...} الآية. هـ. والآية إمّا في جنس الإنسان إلاَّ مَن عصمه الله، وهو الأظهر، أو في مُعَيَّن، كالوليد أو غيره. قيل: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى أُناس من بني كنانة سرية، واستعمل عليها المُنذر بن عمرو الأنْصاريّ، وكان أحد النقباء، فأبطأ خبره عنه صلى الله عليه وسلم شهراً، فقال المنافقون: إنهم قُتلوا، فنزلت السورة بسلامتها، بشارةً له صلى الله عليه وسلم ونعياً على المرجفين وهذا يقتضي أن السورة مدنية، وهو خلاف قول الجمهور، كما تقدّم. {وإِنه} أي: الإنسان {على ذلك} أي: على كنوده {لَشَهِيدٌ} يشهد على نفسه بالكنود، لظهور أثره عليه، {وإِنه لِحُبّ الخير} أي: المال {لَشَدِيدٌ} أي: قويٌّ مُطيق مُجد في طلبه، متهالك عليه، وقيل: لشديد: لبخيل، أي: وإنه لأجل حب المال وثقل إنفاقه عليه لبَخِيل مُمْسِك، ولعل وصفه بهذا الوصف اللئيم بعد وصفه بالكنود للإيماء إلى أنَّ مِن جملة الأمور الداعية المنافقين إلى النفاق حب المال؛ لأنهم بما يُظهرون من الإيمان يعصمون أموالهم، ويحوزون من الغنائم نصيباً. ثم هدّد الكَنود، فقال: {أفلا يعلمٌ إِذا بُعْثِر ما في القبور} أي: بُعث فيها، و"ما" بمعنى "من"، {وحُصِّلَ ما في الصدور}؛ مُيِّز ما فيها من الخير والشر، أي: أفلا يعلم مصيره، وأنَّ الله مُطلع عليه، في سيرته وسريرته، فيُجازيه على تفريطه في جنبه وطاعته واتباع هواه وشهواته، فآثر العاجلةَ على الآخرة، وحظوظَه, على حقوق ربه والقيام بعبوديته. {إِنَّ ربهم بهم يومئذٍ لَخبير} أي: عالم بظواهر ما عمِلوا وباطنه، عِلماً موجباً للجزاء، متصلاً به، كما يُنبىء عنه تقييده بذلك اليوم، إلاَّ فعلمه سبحانه مطلق محيط بما كان وما سيكون. وقوله: "بهم" و"يومئذ" يتعلقان بـ"بخبير" قُدما لرعاية الفواصل, واللام غير قادحة، وذلك لما يغتفر في المجرورات، وقرأ ابن السمّاك: "أن ربهم بهم يومئذ خبير". الإشارة: أقسم تعالى بأرواح المتوجهين، التي تعدو على الخواطر الردية، فتمحوها بقهرية المراقبة، وتقدح من زند القلب نور الفكرة والنظرة، وتُغِير على أعدائها من الدنيا والهوى والنفس والشيطان، فتقهرهم بسيوف المخالفة عند سطوع المشاهدة، وتُثير غبار المساوىء والذنوب بريح الهداية والتوبة، فيذهب في الهواء، وتوسط جمعاً من العلوم والأسرار، فتحوزهم في خزانة قلبها وسِرها، غنيمةً وذخيرةً، وجوابه: إنّ الإنسان لربه لكنود، مع أنه مغروق في النعم، وهو لا يشعر ولا يشكر، لغفلته وعدم تفكُّره، وهذا الإنسان هو الغافل الجاهل. قال الورتجبي: الإنسانُ لا يعرف ما أعطاه الله من نعمه بالحقيقة، وإنه لكفور إذ لا يعرف مُنعمه، ثم قال عن الواسطي: الكنود يعدّ ما مِنه من الطاعات، وينسى ما مّن الله به عليه من الكرامات. هـ. وإنه على ذلك لشهيد؛ يشهد كفره وعصيانه وبُخله بحسب جبلته، وإنه لِحُب الخير لشديد, يأثره على معرفة مولاه، فخسر خسراناً مبيناً، أفلا يعلم ما يحلّ به إذا بُعثر ما في القبور، فتظهر الأبطال من الأرذال، وحُصِّل ما في الصدور من المعارف وأنواع الكمال، إنّ ربهم بهم يومئذ لخبير، فيُجازي أهلَ الإحسان وأهل الخذلان، كُلاًّ بما يليق به. وبالله التوفيق وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.

الطوسي

تفسير : قوله {والعاديات ضبحاً} قسم من الله تعالى بالعاديات. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعطاء: يعني الخيل تضبح ضبحاً، فضبحاً نصب على المصدر. وقال عبد الله بن مسعود: يعني الابل، فعلى قول ابن عباس أراد ضبح الخيل فى الجهاد والحرب. وقال ابن مسعود: أراد ضبح الابل فى طريق الحج. وروي عن علي عليه السلام أن المراد به الابل، لانه لم يكن يومئذ خيل للمسلمين. والضبح فى الخيل اظهر عند أهل اللغة. وروي عن علي عليه السلام أن الضبح فى الخيل الحمحمة عند العدو وقيل الضبح شدة النفس عند العدو. وضبحت الخيل تضبح ضبحاً وضباحاً. وقال أبو عبيدة: ضبح وضبع بمعنى واحد أي تمد أضباعها فى السير. وقوله {فالموريات قدحاً} معناه المظهرات بسنابكها النار قدحاً، يقال: أورى القادح النار يوري ايراء إذا قدح قدحاً، وتسمى تلك النار نار الحباحب لضعفها، قال النابغة: شعر : تجذ السلوقي المضاعف نسبحه ويوقدن بالصفاح نار الحباحب تفسير : وهو رجل بخيل كانت نارة ضعيفة لئلا براها الاضياف. وقال قتادة والضحاك وعطاء {فالموريات قدحاً} الخيل حين توري النار بسنابكها، وقال ابن عباس: هم الذين يورون النار بعد إنصرافهم من الحرب، وقال مجاهد: يعني ابطال الرجال. وقال عكرمة: الاسنة. وقوله {فالمغيرات صبحاً} قال ابن عباس: يعني الخيل فى سبيل الله. وقيل: إنما ذكر {صبحاً} لانهم كانوا يسيرون إلى العدو ليلا فيأتوهم صبحاً، وقيل: إنهم لعزهم أغاروا نهاراً. وقيل إنما أقسم بالمغيرات صبحاً لعظم شأنها في الغارة على أعداء الله من المشركين ومعناه أمر الغارة عظيم، وإنما القسم تنبيه على عظم الشأن وتأكيد للاخبار. وقوله {فأثرن به نقعاً} إخبار منه تعالى أن هذه الخيل تثير الغبار بعدوها وسمي الغبار النقع، لانه يغوص فيه صاحبه كما يغوص فى الماء يقال: نقعه ينقعه نقعاً، فهو ناقع، واستنقع إستنقاعاً وانتقع انتقاعاً. وقال قتادة: النقع الغبار. وقيل: الهاء في قوله "به" عائد إلى معلوم أي بالمكان أو بالوادي وقوله {فوسطن به جمعاً} قال قتادة: يعني وسطن بذلك المكان جمع العدو. وقال مجاهد: يعني جمع الفريقين. وقوله {إن الإنسان لربه لكنود} جواب القسم ومعناه - فى قول ابن عباس وقتادة والحسن ومجاهد وابن زيد - لكفور، فالكنود الكفور ومنه الارض الكنود التي لا تنبت شيئاً، وأصله منع الحق والخير، قال الاعشى: شعر : احدث لها تحدث لوصلك إنها كند لوصل الزائر المعتاد تفسير : وقيل: إنها سميت كند لقطعها إياها عن سماك. وقوله {وإنه على ذلك لشهيد} قال الحسن: معناه إن حسن الانسان على ذلك لشاهد. وقال قتادة: تقديره وإن الله على ذلك لشهيد. وقوله {وإنه لحب الخير لشديد} قيل تقديره وإنه لشديد الحب للخير. وقيل: معناه وإنه لشديد الحب للمال، فهو يظلم الناس بمنعه. وقال الحسن: لشديد معناه لشحيح يمنع منه حق الله. وقال المبرد والربيع: معناه من أجل حب الخير الذي هو المال أو الملك لبخيل ثم قال على وجه التنكير على الانسان والوعيد له {أفلا يعلم} يعني الانسان الذي وصفه {إذا بعثر ما في القبور} معناه اثير ما فى القبور وأخرج، ومثله بحثر. وقوله {وحصل ما في الصدور} قال سفيان: معناه ميز الحق من الباطل. وقال غيره: معناه جمع وأبرز. وقوله {إن ربهم بهم يومئذ لخبير} اخبار من الله تعالى واعلام لخلقه أن الذي خلقهم ودبرهم في ذلك اليوم بهم لعالم خبير بأحوالهم لا يخفى عليه شيء من ذلك. وكان سبب نزول هذه السورة أن النبي صلى الله عليه وآله بعث سرية إلى حيّين من كنانة واستعمل عليهم أحد النقباء: المنذر بن عمرو الانصاري، فغابت عن النبي صلى الله عليه وآله ولم يعلم لها مخبر فانزل الله تعالى السورة وأخبر بحال القوم.

الجنابذي

تفسير : {وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً} اقسم بالخيل العاديات فى الجهاد، والضّبح صوت انفاس الخيل وهو مفعول مطلق للعاديات فانّها مستلزمة للضّبح، او لفعله المحذوف، او حال بمعنى ضابحاتٍ.

فرات الكوفي

تفسير : قال [حدثنا] أبو القاسم قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر إلى غزوة ذات السلاسل فأعطاه الراية فردّها ثم دعا عمر فأعطاه الراية فردها ثم دعا خالد بن الوليد فأعطاه الراية فرجع [ب: فردها] فدعا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فأمكنه من الراية فسيرهم معه وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوه. قال: فانطلق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالعسكر وهم معه حتى انتهى إلى القوم فلم يكن بينه وبينهم إلا جبل. قال: فأمرهم أن ينزلوا في أسفل الجبل فقال لهم: اركبوا دوابكم. فقال خالد بن الوليد: يا أبا بكر وأنت يا عمر ما ترون إلى هذا الغلام أين أنزلنا؟! أنزلنا في وادٍ كثير الحيات كثير الهام كثير السباع، نحن منه على إحدى ثلاث خصال إما سبع يأكلنا ويأكل دوابنا وإما حيات تعقرنا وتعقر دوابنا وإما يعلم بنا عدونا فيقتلنا، قوموا بنا إليه. قال: فجاؤوا إلى علي وقالوا: يا علي أنزلتنا في وادٍ كثير السباع كثير الهام كثير الحيات نحن منه على إحدى ثلاث خصال: إما سبع يأكلنا ويأكل دوابنا أو حيات تعقرنا وتعقر دوابنا أو يعلم عدونا فيلينا [ب: فيأتينا] فيقتلنا. قال: فقال لهم علي: أليس قد أمركم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تسمعوا لي وتطيعوني؟ قالوا: بلى قال: فانزلوا. [قال:] فرجعوا فأبت [ر: وأبت] تحملهم الأرض فاستفزهم خالد بن الوليد قال: قوموا بنا إليه. قال: فجاؤوا إليه فردوا عليه ذلك الكلام فقال: أليس قد أمركم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تسمعوا لي وتطيعوني؟ قالوا: بلى. قال: فارجعوا. [قال: فرجعوا] قال: فأبوا أن ينقادوا واستفزهم خالد [بن الوليد. أ] ثالثة فقالوا له مثل ذلك الكلام فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تسمعوا لي وتطيعوا [أمري. ر]؟ قالوا: بلى. قال: فانزلوا بارك الله فيكم ليس عليكم بأس. قال: فنزلوا وهم مرعوبين. قال: وما زال علي [عليه السلام. ب] ليلته قائماً يصلي حتى إذا كان في السحر قال لهم: اركبوا بارك الله فيكم. قال: فركبوا واطلع الجبل حتى إذا انحدر على القوم وأشرف [ر: فأشرف] عليهم قال لهم: انزعوا أكمة دوابكم قال: فشمت الخيل ريح الإناث قال: فصهلت يسمع [ب: فسمع] الخيل صهيل خيلهم [أ: خيولهم] فولوا هاربين. قال: فقتل مقاتلهم [ب: مقاتليهم] وسبى ذراريهم. قال: فهبط جبرئيل عليه السلام على رسول الله [أ، ب: النبي] صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد {والعاديات ضبحاً فالموريات قدحاً فالمغيرات صبحاً فأثرن به نقعاً فوسطن به جمعاً} [لآية. أ، ب] قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تخالط القوم ورب الكعبة. قال: وجاءه البشارة. فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد وجعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وغيره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقرع بين أهل الصفّة فبعث منهم ثمانين رجلاً ومن غيرهم إلى بني سليم وولّى عليهم وانهزموا مرة بعد مرة فلبث بذلك أياماً يدعو عليهم. قال: ثم دعا بلالاً فقال له: ائتني ببردي النجراني وقبائي الخطية فأتاه بهما فدعا علياً وبعثه في جيش إليهم وقال: لقد وجهته كراراً غير فرارٍ. قال: فسار علي وخرج معه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يشيعه فكأني أنظر إليه [ر: إليهم] عند مسجد الأحزاب وعليّ على فرس أشقر وهو يوصيه ثم ودعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانصرف. قال: وسار علي فيمن معه متوجهاً نحو العراق وظنوا أنه يريد بهم غير ذلك الوجه حتى أتاهم الوادي ثم جعل يسير الليل ويكمن النهار فلما دنا من القوم أمر أصحابه فعلموا الخيل وأوقفهم وقال [أ، ب: فقال]: لا تبرحوا إذا نبذ بإمامهم فرام بعض أصحابه الخلاف وأبى بعض حتى إذا طلع الفجر أغار عليهم عليٌّ فمنحه الله أكتافهم وأظهره عليهم، فأنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم الآية: {والعاديات ضبحاً} [قال. أ]: فخرج النبي لصلاة الفجر وهو يقول: ضج والله جمع القوم ثم صلى بالمسلمين فقرأ: {والعاديات ضبحاً} قال: فقتل منهم ماءة وعشرين رجلاً وكان رئيس القوم الحارث بن بشر وسبى منهم ماءة وعشرين ناهداً. وعلى سيدي السلام!. فرات قال: حدثني علي بن محمد بن علي بن عمر الزهري معنعناً: عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: بينما نحن أجمع ما كنا حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما خلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فإنه كان في منبر في الحار [خ: بالجار] إذ أقبل أعرابي بدوي يتخطّا صفوف المهاجرين والأنصار حتى جثى بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: السلام عليك [يا رسول الله. ر] فداك أبي وأمي يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: وعليك السلام من أنت يا أعرابي؟ قال: رجلٌ من بني لجيم يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما وراك يا أخا لجيم؟ قال: يا رسول الله خلفت خثعماً وقد تهيؤا وعبؤا كتائبهم وخلفت الرايات تخفق فوق رؤوسهم يقدمهم الحارث بن مكيدة الخثعمي في خمسماءة من رجال خثعم يتألون باللات والعزى أن لا يرجعوا حتى يردوا المدينة فيقتلونك ومن معك يا رسول الله. قال: فدمعت عينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى أبكى جميع أصحابه ثم قال: معاشر الناس سمعتم مقالة الأعرابي؟ قالوا: كل قد سمعنا يا رسول الله. قال: فمن منكم يخرج إلى هؤلاء القوم قبل أن يطؤنا في ديارنا وحريمنا لعلّ الله يفتح على يديه وأضمن له على الله الجنة؟ قال: فوالله ما قال أحدنا [ب: أنا] يا رسول الله. قال: فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قدميه وهو يقول: معاشر أصحابي هل سمعتم مقالة الأعرابي؟ قالوا: كل قد سمعنا يا رسول الله. قال: فمن منكم يخرج إليهم قبل أن يطؤنا في ديارنا وحريمنا لعلّ الله أن يفتح على يديه وأضمن له على الله اثنى عشر قصراً في الجنة؟ قال: فوالله ما قال أحدنا [ب: أنا] يا رسول الله. قال: فبينما النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. أ] واقف إذ أقبل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فلمّا نظر إلى النبي [وهو. أ] واقف ودموعه تنحدر كأنها جمان انقطع سلكه على خديه لم يتمالك أن رمى [أ: يرمى] بنفسه عن بعيره إلى الأرض ثم أقبل يسعى نحو النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمسح بردائه الدموع عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: ما الذي ابكاك لا أبكى الله عينيك يا حبيب الله هل نزل في أمتك شيء من السماء؟ قال: يا علي ما نزل فيهم إلا خير ولكن هذا الأعرابي حدثني عن رجال خثعم بأنهم قد عبؤا كتائبهم وخفقت الرايات فوق رؤوسهم، يكذبون قولي ويزعمون بأنهم لا يعرفون ربي يقدمهم الحارث بن مكيدة الخثعمي في خمسماءة من رجال خثعم يتألون باللات والعزى لا يرجعون حتى يردوا المدينة فيقتلوني ومن معي وأني قلت لأصحابي: من منكم يخرج إلى هؤلاء القوم من قبل أن يطؤنا في ديارنا وحريمنا لعل الله أن يفتح على يديه وأضمن له على الله أثنى عشر قصراً في الجنة. فقال علي عليه السلام: فداك أبي وأمي يا رسول الله صف لي هذه القصور؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي بناء هذه القصور لبنة من ذهب ولبنة من فضة ملاطها المسك الأذفر والعنبر، حصباؤها [ب: حصاها] الدر والياقوت ترابها الزعفران وكثيبها الكافور، في صحن كل قصر من هذه القصور أربعة أنهار نهرٌ من عسل ونهر من خمرٍ ونهرٌ من لبن ونهرٌ من ماء، محفوف بالأشجار، والمرجان على حافتي [أ، ب، ر: حاوى] كل نهرٍ من هذه الأنهار، وخلق فيها خيمة من درة بيضاء لاقطع فيها ولا فصل قال لها كوني فكانت، يرى باطنها من ظاهرها وظاهرها من باطنها، في كل خيمة سرير مفضض بالياقوت الأحمر، قوائمه من الزبرجد الأخضر، على كل سرير حوراء من الحور العين، على كل حوراء سبعون حلة خضراء وسبعون حلة صفراء، يرى مخ ساقها خلف عظامها وجلدها وحليها وحللها كما ترى الخمرة! الصافية في الزجاجة البيضاء، مكللة بالجوهر، لكل حوراء سبعون ذوابة كل ذوابة بيد وصيف، وبيد كل وصيف مجمر [خ: مجمرة] تبخر تلك [ر: بتلك] الذوابة، يفوح من ذلك المجمر بخار لا يفوح بنار ولكن بقدرة الجبار. قال: فقال علي [عليه السلام. ر]: فداك أبي وأمي يا رسول الله أنا لهم. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا عليّ هذا لك وأنت له، انجد إلى القوم. فجهزه رسول الله [أ: النبي] صلى الله عليه وآله وسلم في خمسين وماءة رجل من الأنصار والمهاجرين فقام ابن عباس! رضي الله عنه وقال: فداك أبي وأمي يا رسول الله تجهز ابن عمي في خمسين وماءة رجل من العرب إلى خمسماءة رجل وفيهم الحارث بن مكيدة يعد بخمسماءة فارس؟! فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: امط عني يا ابن عباس فوالذي بعثني بالحق لو كانوا على عدد الثرى وعلي وحده لأعطى الله علياً عليهم النصرة حتى يأتينا بسبيهم أجمعين. فجهزه النبي وهو يقول: إذهب يا حبيبي حفظ الله من تحتك ومن فوقك وعن يمينك وعن شمالك والله خليفتي عليك. فسار علي بمن معه حتى نزلوا بوادٍ خلف المدينة بثلاثة أميال يقال له: وادي ذي خشب. قال: فوردوا الوادي ليلاً فضلّوا الطريق قال: فرفع علي رأسه إلى السماء وهو يقول: يا مهدي كل ضال ويا منقذ كل غريق ويا مفرج كل مغموم، لا تقوّ علينا ظالماً ولا تظفر بنا عدونا واهدنا إلى سبيل الرشاد. قال: فإذا الخيل تقدح بحوافرها من الحجارة النار حتى عرفوا الطريق فسلكوه فأنزل الله [تعالى. ر] على نبيّه محمد صلى الله عليه وآله وسلم: {والعاديات ضبحاً} يعني الخيل {فالموريات قدحاً} قال: قدحت الخيل بحوافرها من الحجارة النار {فالمغيرات صبحاً} قال: صبحهم علي مع طلوع الفجر وكان لا يسبقه أحد إلى الأذان فلما سمع المشركون الأذان قال بعضهم لبعض: ينبغي أن يكون راعٍ في رؤوس هذه الجبال يذكر الله. فلما أن قال: أشهد أنّ محمداً رسول الله قال بعضهم لبعض: ينبغي أن يكون الراعي من أصحاب الساحر الكذاب وكان علي [عليه السلام. ر] لا يقاتل حتى تطلع الشمس وتنزل ملائكة النهار. قال: فلما أن ترجّل النهار التفت علي إلى صاحب راية النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: ارفعها. فلما أن رفعها ورآها المشركون عرفوها وقال بعضهم لبعض: هذا عدوكم الذي جئتم تطلبونه، هذا محمد وأصحابه. قال: قال: فخرج غلام من المشركين من أشدهم بأساً وأكثرهم كفراً فنادى أصحاب النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب]: يا أصحاب الساحر الكذاب أيكم محمد فليبرز إلي فخرج إليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وهو يقول: ثكلتك أمك وأنت الساحر الكذاب، محمد جاء بالحقّ من عند الحق. قال له: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب أخو رسول الله وابن عمه وزوج ابنته. قال: لك هذه المنزلة من محمد؟ قال له علي: نعم. قال: فأنت ومحمد شرع واحد ما كنت أبالي لقيتك أو لقيت محمداً [قال. ب] ثم شدّ على علي وهو يقول: شعر : لاقيت ليثاً يا علي ضيغماً قرماً كريماً في الوغى مشرماً ليثاً شديداً من رجال خثعما ينصر ديناً معلماً ومحكما من يلقني يلق غلاماً طال ما كاد القروم فأتته سلما تفسير : فأجابه علي عليه السلام وهو يقول: شعر : لاقيت قرماً هاشمياً ضيغما ليثاً شديداً في الوغى غشمشما أنا علي سأبين خثعما بكل خطي يرى النقع دما وكل صارم ضروب قمما تفسير : [قال. ب]: ثم حمل كل واحد منهما على صاحبه فاختلف بينهما ضربتان فضربه علي [عليه السلام. أ] ضربة فقتله وعجل الله بروحه إلى النار، ثم نادى علي: هل من مبارز؟ فبرز أخٌ للمقتول وهو يقول: شعر : أقسم باللات والعزى قسم إنى لدى الحرب صبور ما ارم من يلقني أذقه أنواع الألم تفسير : فأجابه علي عليه السلام وهو يقول: شعر : بالله ربي انني لأقسم قسم حق ليس فيه مأثم انكم من شرنا لن تسلموا تفسير : وحمل كل واحد منهما على صاحبه فضربه علي ضربة فقتله وعجل الله بروحه إلى النار، ثم نادى علي: هل من مبارز؟ فبرز له الحارث بن مكيدة وكان صاحب الجمع وهو يعد بخمسماءة فارس وهو الذي أنزل الله تعالى فيه: {إنّ الإنسان لربّه لكنود} قال: كفور {وإنه على ذلك لشهيد} قال: شهيد عليه بالكفر {وإنه لحب الخير لشديد} قال: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يعني باتباعه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم. قال: فبرز الحارث وهو يحرض على الله ورسوله وهو يقول: شعر : لأنصرنّ اللاّت نصراً حقّاً بكلّ عضب وازال الحلقا! بكلّ صارم يرى منعقاً! تفسير : فأجابه علي عليه السلام وهو يقول: شعر : أذود كم بالله عن محمد بقلب سيف قاطع مهند أرجو بذاك الفوز يوماً أرد على إلهي والشفيع أحمد تفسير : ثم حمل كل واحد منهما على صاحبه فضربه علي ضربة قتله وعجل الله بروحه إلى النار، ثم نادى علي: هل من مبارز؟ فبرز إليه ابن عم له [ر: ابن عمه] يقال له: عمرو بن الفتاك وهو يقول: شعر : إني عمرو، وأبي الفتاك ونصل سيف بيدي هتاك يقطع رأساً لم يزل كذاك! تفسير : فأجابه علي عليه السلام وهو يقول: شعر : فهاكها مترعة دهاقاً كاس دهاق مزجت زعاقا إني أنا المرء الذي إن لاقى أقد هاماً وأجذ ساقاً تفسير : ثم حمل كل واحد منهما على صاحبه فضربه علي ضربة فقتله وعجل الله بروحه إلى النار، ثم نادى علي: هل من مبارز؟ فلم يبرز إليه أحد فشد أمير المؤمنين عليه السلام حتى توسط جمعهم فذلك قول الله: {فوسطن به جمعاً} فقتل علي مقاتلهم [أ: مقاتليهم] وسبى ذراريهم وأخذ أموالهم وأقبل بسبيهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبلغ ذلك النبي فخرج وجميع أصحابه حتى استقبل علياً على ثلاثة أميال من المدينة وأقبل النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب] يمسح الغبار عن وجه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بردائه ويقبل بين عينيه ويبكي وهو يقول: حديث : الحمد لله يا علي الذي شد بك أزري وقوى بك ظهري يا علي إنني [أ: فإنني] سألت الله فيك كما سأل أخي موسى بن عمران [صلوات الله وسلامه عليه] أن يشرك هارون في أمره وقد سألت ربي أن يشد بك أزري. ثم التفت إلى أصحابه وهو يقول: معاشر أصحابي لا تلوموني في حب [أ: حبي] علي بن أبي طالب فإنما حبي علياً من أمر الله والله أمرني أن أحب علياً وأدنيه، يا علي من أحبك فقد أحبني ومن أحبني فقد أحبّ الله ومن أحب الله أحبه الله وكان حقيقاً [ب: حقاً] على الله أن يسكن محبيه الجنة، يا علي من أبغضك فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله ومن أبغض الله أبغضه الله ولعنه، وكان حقيقاً [ب: حقاً] على الله أن يوقفه يوم القيامة موقف البغضاء ولا يقبل منه صرف ولا عدل ولا إجارة . تفسير : [فرات قال: حدثني] عبد الله بن بحر بن طيفور معنعناً: عن جعفر بن محمد عليهما السلام في قول الله [تبارك و.أ] تعالى: {والعاديات ضبحاً} قال: هذه السورة في أهل وادي اليابس. قيل: يا ابن رسول الله وما كان حالهم وقصتهم؟ قال: إن أهل وادي اليابس اجتمعوا اثنى عشر ألف فارس وتعاهدوا وتعاقدوا أن لا يتخلف رجل عن رجل ولا يخذل أحدٌ أحداً ولا يفر رجل عن صاحبه حتى يموتوا كلهم على خلقٍ واحد ويقتلون محمداً وعلياً، فنزل جبرئيل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بقصتهم وما تعاهدوا عليه وتواثقوا [ر، ق: وتوافقوا] وأمره أن يبعث أبا بكر إليهم [ر: عليهم] في أربعة آلاف فارس من المهاجرين والأنصار فصعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنبر فحمد الله [تعالى. ر] وأثنى عليه ثم قال: حديث : يا معشر المهاجرين والأنصار إن جبرئيل عليه السلام أخبرني أن أهل الوادي! اليابس [في. ب] اثنى عشر ألف فارس قد استعدوا وتعاهدوا وتواثقوا [ر: وتوافقوا] أن لا يغدر رجل بصاحبه ولا يفر عنه ولا يخذله حتى يقتلوني أو يقتلون أخي علي [بن أبي طالب] وأمرني أن أسير إليهم أبا بكر في أربعة آلاف فارس، فخذوا في أمركم واستعدوا لعدوكم وانهضوا إليهم على اسم الله وبركته يوم الإثنين إن شاء الله . تفسير : فأخذ المسلمون عدتهم وتهيأ وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر بأمر وكان فيما أمره به: أن إذا رآهم أن يعرض عليهم الإسلام فإن تابعوه وإلا واقعهم فقتل مقاتليهم وسبى ذراريهم واستباح أموالهم وأخرب ديارهم. فمضى أبو بكر ومن معه من المهاجرين والأنصار في أحسن عدة وأحسن هيئة يسير بهم سيراً رفيقاً حتى انتهوا إلى أهل الوادي اليابس فلما بلغ القوم نزول القوم عليهم ونزول أبي بكر وأصحابه قريباً منهم خرج إليهم من وادي اليابس ماءتا رجل مدججين في السلاح فلمّا صادفوهم قالوا لهم: من أين أقبلتم وأين تريدون ليخرج إلينا صاحبكم حتى نكلمه فخرج إليهم أبو بكر ونفر من المسلمين فقال لهم أبو بكر: أنا صاحب رسول الله [ص. ب] فقالوا: ما أقدمك علينا؟ قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أعرض عليكم الإسلام [و. ب] أن تدخلوا فيما دخل فيه المسلمون ولكم ما لهم وعليكم ما عليهم وإلا فالحرب بيننا وبينكم. قالوا له: أما واللات والعزى لولا رحمٌ بيننا وبينك و قرابة قريبة لقتلناك وجميع أصحابك حتى يكون [ب: تكون] حديثاً لمن يأتي بعدكم ارجع أنت [وأصحابك. أ، ب] ومن معك وارغبوا في العافية فإنا نريد صاحبكم [بعينه. أ، ب] وأخاه علي بن أبي طالب. فقال أبو بكر لأصحابه: يا قوم [إن القوم. ب] أكثر منا أضعافاً وأعدّ منكم عدّة وقد نأت داركم [ر: دياركم] عن إخوانكم من المسلمين فارجعوا نعلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحال القوم. فقالوا له جميعاً خالفت يا أبا بكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما أمرت به فاتق الله وواقع القوم ولا تخالف قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: إني أعلم مالا تعلمون والشاهد يرى مالا يرى [ب: يراه] الغائب. فانصرف الناس وانصرفوا أجمعين. فأخبر جبرئيل عليه السلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما قال (ب: بمقالة) القوم وما رد عليهم أبو بكر فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا أبا بكر خالفت [أمري. ب] ولم تفعل ما أمرتك [به. ب] وكنت لي عاصياً فيما أمرتك. فقام النبي (ص) [وصعد المنبر] فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا معاشر [ب: معشر] المسلمين إني أمرت أبا بكر أن يسير إلى أهل وادي اليابس وأن يعرض عليهم الإسلام ويدعوهم إلى الله وإليّ فإن أجابوا وإلا واقعهم وأنه سار إليهم فخرج إليه منهم ماءتا رجل فلما سمع كلامهم وما استقبلوه به انفتح سحره [ب، ق: انتفخ صدره] ودخله الرعب منهم وترك قولي ولم يطع أمري وإن جبرئيل عليه السلام أمرني عن الله [تبارك و. أ. تعالى. أ، ب] أن أبعث عمر مكانه في أصحابه في أربعة آلاف فارس فسِرْ يا عمر باسم الله ولا تعمل ما عمل أبو بكر أخوك فإنه قد عصى الله وعصاني. وأمره بما أمر به أبا بكر. فخرج عمر والمهاجرون والأنصار الذين كانوا مع أبي بكر يقصد بهم في مسيره [ر: سيره] حتى شارف القوم [فكان قريباً. أ، ر] حيث يراهم ويرونه حتى خرج إليهم ماءتا رجل من [أهل. ب] وادي اليابس فقالوا له ولأصحابه مثل مقالتهم لأبي بكر فانصرف عنهم وانصرف الناس معه وكاد أن يطير قلبه لما رأى من نجدة القوم وجمعهم ورجع. فنزل جبرئيل عليه السلام [على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخبره. ب] بما صنع عمر وأنه قد انصرف وانصرف المسلمون معه فصعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم المنبر فحمد الله [تعالى. ر] وأثنى عليه وأخبر [هم. ب] بما صنع عمر وما كان منه وأنه قد انصرف بالمسلمين معه مخالفاً لأمري عاصياً لقولي فقام [ق: فقدم] إليه عمر. وأخبره [بمثل ما أخبره به صاحبه. ب] فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا عمر قد عصيت الله في عرشه وعصيتني وخالفت أمري وعملت برأيك ألا قبح الله رأيك وإن جبرئيل عليه السلام أمرني عن الله أن أبعث علي بن أبي طالب عليه السلام في هؤلاء المسلمين وأخبرني أن الله تعالى يفتح عليه وعلى أصحابه. ثم نزل فدعا علي بن أبي طالب عليه السلام فأوصاه بما أوصى به أبا بكر وعمر وأصحابه أربعة آلاف فارس وأخبره أن الله سيفتح عليه وعلى أصحابه. فخرج علي عليه السلام ومعه المهاجرون والأنصار فسار بهم [سيراً غير. ب] سير أبي بكر وعمر وذلك أنه أعنف بهم في السير حتى خافوا أن يتقطعوا من التعب وتحفى دوابهم فقال لهم: لا تخافوا فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرني بأمرٍ وأنا منته إلى أمره، وأخبرني أن الله تبارك وتعالى سيفتح عليّ وعليكم، ابشروا فإنكم غادون إلى خير. فطابت أنفسهم وسكنت قلوبهم فساروا كل ذلك في السير والتعب الشديد حتى باتوا قريباً منهم حيث يراهم ويرونه وأمر أصحابه أن ينزلوا وسمع أهل الوادي اليابس بقدوم علي بن أبي طالب عليه السلام فخرج منهم إليه ماءتا فارس شاكين في السلاح فلما رآهم علي عليه السلام خرج [ر، أ: فخرج] إليهم في نفر من أصحابه فقالوا لهم: من أنتم ومن أين أقبلتم وأين تريدون؟ قال: أنا أمير المؤمنين! علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخوه ورسوله إليكم أن ندعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً [عبده ورسوله] [ر: رسول الله] ولكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم من الخير والشر. فقالوا: إياك أردنا وأنت طلبتنا قد سمعنا مقالتك وما أردت [خ، ر: عرضت]، وهذا الأمر [خ، ر: أمر] لا يوافقنا وتباً لك ولأصحابك وخذ حذرك واستعد للحرب ولكنّا قاتلوك وقاتلوا أصحابك، والموعد فيما بيننا وبينكم غداً سحراً [ب: ضحوة] و قد أعذرنا فيما بيننا وبينكم. فقال لهم علي عليه السلام: ويلكم تهددوني بكثرتكم وجمعكم؟!! وأنا أستعين بالله وملائكته وبالمسلمين عليكم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فانصرفوا إلى مراكزهم [ر: مراكزكم] وانصرف علي إلى مركزه. فلما جنه الليل أمر علي أصحابه أن يحسو دوابهم ويقضمونها [ويحبسونها. أ، ر] ويسرجونها، فلما أسفر عمود الصبح صلى بالناس بغلس فمر [خ: ثم غار] عليهم بأصحابه فلم يعلموا حتى توطأتهم الخيل فما أدرك آخر أصحابه حتى قتل مقاتليهم وسبى ذراريهم واستباح أموالهم وأخرب ديارهم وأقبل بالأسارى والأموال معه. ونزل جبرئيل عليه السلام فأخبر النبي [ب: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم] بما فتح الله على [يدي. أ] أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وجماعة المسلمين فصعد المنبر وحمد الله تعالى وأثنى عليه وأخبر الناس بما فتح الله تعالى على المسلمين وأعلمهم أنه لم يصب منهم إلا رجلان. فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستقبل علياً وجميع أهل المدينة من المسلمين حتى لقيه على [ثلاثة. أ، ب] أميال من المدينة فلما رآه علي مقبلاً نزل عن دابته ونزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى التزمه وقبل النبي [صلى الله عليه وآله وسلم. ب] بين عينيه ونزل جماعة المسلمين إلى علي حيث نزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأقبل بالغنيمة والأسارى وما رزقهم الله تعالى من أهل الوادي [ب: وادي] اليابس. ثم قال جعفر بن محمد عليهما السلام: فما غنم المسلمون مثلها قط إلا أن يكون خيبر فإنها مثل خيبر وأنزل الله تعالى في ذلك اليوم: {والعاديات ضبحاً} يعني بالعاديات الخيل تعدو بالرجال والضبح ضبحاً [خ: ضبحتها. ق: صيحتها] في أعنتها ولجمها، {فالموريات قدحاً} قال: قدحت الخيل، {فالمغيرات صبحاً} أخبرك أنها أغارت عليها صبحاً، {فأثرن به نقعاً} يعني بالخيل أثرن بالوادي نقعاً، {فوسطن به جمعاً}: جمع القوم، {إنّ الإنسان لربّه لكنود} قال: لكفور {وإنه على ذلك لشهيد} قال: يعنيهما جميعاً قد شهدا جمع وادي [أ: الوادي] اليابس وتمنيا الحياة، {وإنه لحب الخير لشديد} يعني أمير المؤمنين عليه السلام، {أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور إنّ ربهم بهم يومئذٍ لخبير} قال: نزلت هاتان الآيتان فيهما خاصة كانا يضمران ضمير السوء ويعملان به فأخبر الله تعالى خبرهما. فهذه قصة أهل وادي [ر: الوادى] اليابس وتفسير السورة.

الأعقم

تفسير : {والعاديات ضبحاً} العاديات خيل الغزاة، وقيل: الخيل تعدو في سبيل الله عن ابن عباس وأبي علي، وعن أمير المؤمنين علي (عليه السلام): "هي الابل تعدو في سبيل الله" وقيل: هي ابل الحاج تعدو من عرفة الى مزدلفة الى منى، والخيل أظهر بظاهر التلاوة، وقال ابن عباس: ليس شيء من الدواب تضبح غير الفرس، وقيل: هو صوت أحرف الخيل، من شدة العدو، وقيل: الحمحمة {فالموريات قدحاً} يعني الخيل يخرج من سنابكها النار، وقال: شعر : نكحت سنابكها الصفا فتولدت بين السنابك والصفا النار تفسير : وقيل: أمكار الرجال رواه الحاكم ورواه صاحب الغرائب والعجائب {فالمغيرات صبحاً} والغارة سرعة السير قيل: هي الخيل، وانما قال صُبحاً لأنهم كانوا يسرون الى العدو ليلاً ويأتونهم صبحاً {فأثرن به نقعاً} أي هيجن الغبار الحوافر من الأرض أو النقع العيَاط {فوسطن به جمعاً} أي تخللن في وسطهم، والجمع جمع العدو، وقيل: جمع الفريقين، وقيل: جمع المزدلفة ومنى.

الهواري

تفسير : تفسير سورة والعاديات، وهي مكية كلها، وقيل إنها مدنية {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله عز وجل: {وَالْعَادِيَاتِ} وهي الخيل في تفسير ابن عباس. وقال علي: هي الإِبل. قال عز وجل: {ضَبْحاً} وضبحها أنفاسها إذا جرت. قال: {فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً} أي: تصيب الحجارة بحوافرها فتخرج منها النار. قال تعالى: {فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً}، قال الحسن: هي الخيل تغير على العدو إذا أصبحت. [قال أنس بن مالك إن قوماً كان بينهم وبين النبي عليه السلام عهد فنقضوه، وهم أهل فدك. فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيله فصبحوهم، وهم الذين أنزل الله فيهم {وَالْعَادِيَاتِ ضبْحاً}]. قال عز وجل: {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً} أي تثير الغبار بحوافرها {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً} قال الحسن: تغير صبحاً فتتوسط العدو. وقال بعضهم: غداة جمعها وقال عكرمة {فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً} قال: الأسنة في الحروب. وهذا كله قسم.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {وَالْعَادِيَاتِ} الخيل التي تعد في الغزو والعدو نوع من المشية وذلك قول ابن عباس وقال على الابل تعدو من عرفة الى المزدلفة ومن المزدلفة الى منى قال اول من غزو في الاسلام غزو بدر وما كان معنا الا فرسان فرس للزبير وفرس للقداد بن الاسود فكيف تكون العاديات. وروي عنه ان المراد الابل المذكور وابل غزوة بدر وقال ابن مسعود الابل مطلقا وقيل بعث الرسول صلى الله عليه وسلم سارية الى حي من كنانة واستعمل عليهم المنذر بن عمر والانصاري فأبطأ خبرهم شهرا فقال المنافقون قتلوا جميعا فاخبر الله عنها بهذه السورة قلت والمراد ببدر بدر الكبرى لكن ذلك بعضهم ان معهم فرسا ل ثالثا لمرتد الغنوي. *{ضَبْحاً} مفعول مطلق الحال محذوفة اي تضبح ضبحا او ضابحات ضبحا او للعاديات لاستلزام العدو الضبح او حال بمعنى ضابحات او ذوات ضبح والضبح صوت جهير عند العدو وعند الداودي الصوت الذي يسمع من اجوافها عند الركض وحكاه ابن عباس اح اح وفسر بعضهم ضبح الابل بعد اعناقها في السير وقال ان اصلها من تحرك النار في العود.

اطفيش

تفسير : {وَالْعَادِيَاتِ} والخيل العاديات الجاريات بسرعة والياءِ عن واو لانكسار ما قبلها. {ضَبْحاً} مفعول مطلق لحال محذوفة من المستتر فى عاديات أى يضبحن ضبحاً أو ضابحات ضبحاً والضبح صوت أنفاس الفرس عند عدوها وقد فسره ابن عباس بقوله ا ح ح حكاية له أو يقدر ذات ضبح أو يؤول بضابحات، وعن على ضبح الخيل حمحمتها وضبح الابل التنفس والضبح مختص بالخيل واستعماله فى غيرها مجاز، وعن ابن عباس ليس يضبح من الحيوان غير الخيل والكلاب واعترض بأَن هذه الرواية عنه لا تصح وبأَن العرب استعملته فى الابل والخيل والأسود من الحيات والبوم والأرنب والثعلب ويجاب بأن استعمالها فى غير الخيل مجاز وتوسع حتى استعملت فى القوس قال: شعر : حنانة من نشم أو تألب تصبح فى الكف ضباح الثعلب تفسير : وقيل أصله فى الثعلب فاستعير للخيل، وعن أبى عبيدة اللغوى الضبح العدو الشديد فهو مفعول مطلق للعاديات.

الالوسي

تفسير : {وَٱلْعَـٰدِيَـٰتِ } الجمهور على أنه قسم بخيل الغزاة في سبيل الله تعالى التي تعدو - أي تجري بسرعة - نحو العدو وأصل العاديات العادوات بالواو فقلبت ياء لانكسار ما قبلها. وقوله تعالى: {ضَبْحاً } مصدر منصوب بفعله المحذوف أي تضبح أو يضبحن ضبحاً والجملة في موضع الحال وضبحها صوت أنفاسها عند عدوها وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس الخيل إذا عدت قالت أح أح فذلك ضبحها وأخرج ابن جرير عن علي كرم الله تعالى وجهه الضبح من الخيل الحمحمة ومن الإبل التنفس وفي «البحر» ((تصويت جهير عند العدو الشديد ليس بصهيل ولا رغاء ولا نباح بل هو غير الصوت المعتاد من صوت الحيوان الذي ينسب هو إليه)) وعن ابن عباس ليس يضبح من الحيوان غير الخيل والكلاب ولا يصح عنه فإن العرب استعملت الضبح في الإبل والأسود من الحيات والبوم والأرنب والثعلب وربما تسنده إلى القوس أنشد أبو حنيفة في صفتها: شعر : حَنَّانة من نَشَمٍ أو تألب تَضْبَحُ في الكَفِّ ضُبَاحَ الثعلبِ تفسير : وذكر بعضهم أن أصله للثعلب فاستعير للخيل كما في قول عنترة: شعر : والخيل تكدح حين تضـ بح في حياض الموت ضبحا تفسير : وأنه من ضبحته النار غيرت لونه ولم تبالغ فيه ويقال انضبح لونه تغير إلى السواد قليلاً وقال أبو عبيدة الضبح وكذا الضبع بمعنى العدو الشديد وعليه قيل إنه مفعول مطلق للعاديات وليس هناك فعل مقدر وجوز على تفسيره بما تقدم أن يكون نصباً على المصدرية به أيضاً لكن باعتبار أن العدو مستلزم للضبح فهو في قوة فعل الضبح ويجوز أن يكون نصباً على الحال مؤولاً باسم الفاعل بناءً على أن الأصل فيها أن تكون غير جامدة أي والعاديات ضابحات.

سيد قطب

تفسير : يجري سياق هذه السورة في لمسات سريعة عنيفة مثيرة، ينتقل من إحداها إلى الأخرى قفزاً وركضاً ووثباً، في خفة وسرعة وانطلاق، حتى ينتهي إلى آخر فقرة فيها فيستقر عندها اللفظ والظل والموضوع والإيقاع! كما يصل الراكض إلى نهاية المطاف! وتبدأ بمشهد الخيل العادية الضابحة، القادحة للشرر بحوافرها، المغيرة مع الصباح، المثيرة للنقع وهو الغبار، الداخلة في وسط العدو فجأة تأخذه على غرة، وتثير في صفوفه الذعر والفرار! يليه مشهد في النفس من الكنود والجحود والأثرة والشح الشديد! ثم يعقبه مشهد لبعثرة القبور وتحصيل ما في الصدور! وفي الختام ينتهي النقع المثار، وينتهي الكنود والشح، وتنتهي البعثرة والجمع.. إلى نهايتها جميعاً. إلى الله. فتستقر هناك: {إن ربهم بهم يومئذ لخبير}.. والإيقاع الموسيقي فيه خشونة ودمدمة وفرقعة، تناسب الجو الصاخب المعفر الذي تنشئه القبور المبعثرة، والصدور المحصل ما فيها بشدة وقوة، كما تناسب جو الجحود والكنود، والأثرة والشح الشديد.. فلما أراد لهذا كله إطاراً مناسباً، اختاره من الجو الصاخب المعفر كذلك، تثيره الخيل العادية في جريها، الصاخبة بأصواتها، القادحة بحوافرها، المغيرة فجاءة مع الصباح، المثيرة للنقع والغبار، الداخلة في وسط العدو على غير انتظار.. فكان الإطار من الصورة والصورة من الإطار {والعاديات ضبحا، فالموريات قدحا، فالمغيرات صبحا، فأثرن به نقعا، فوسطن به جمعا.. إن الإنسان لربه لكنود. وإنه على ذلك لشهيد. وإنه لحب الخير لشديد...} يقسم الله سبحانه بخيل المعركة، ويصف حركاتها واحدة واحدة منذ أن تبدأ عدوها وجريها ضابحة بأصواتها المعروفة حين تجري، قارعة للصخر بحوافرها حتى توري الشرر منها، مغيرة في الصباح الباكر لمفاجأة العدو، مثيرة للنقع والغبار. غبار المعركة على غير انتظار. وهي تتوسط صفوف الأعداء على غرة فتوقع بينهم الفوضى والاضطراب! إنها خطوات المعركة على ما يألفه المخاطبون بالقرآن أول مرة.. والقسم بالخيل في هذا الإطار فيه إيحاء قوي بحب هذه الحركة والنشاط لها، بعد الشعور بقيمتها في ميزان الله والتفاته سبحانه إليها؟ وذلك فوق تناسق المشهد مع المشاهد المقسم عليها والمعقب بها كما أسلفنا. أما الذي يقسم الله ـ سبحانه ـ عليه، فهو حقيقة في نفس الإنسان، حين يخوى قلبه من دوافع الإيمان. حقيقة ينبهه القرآن إليها، ليجند إرادته لكفاحها، مذ كان الله يعلم عمق وشائجها في نفسه، وثقل وقعها في كيانه: {إن الإنسان لربه لكنود. وإنه على ذلك لشهيد. وإنه لحب الخير لشديد}.. إن الإنسان ليجحد نعمة ربه، وينكر جزيل فضله. ويتمثل كنوده وجحوده في مظاهر شتى تبدو منه أفعالاً وأقوالاً، فتقوم عليه مقام الشاهد الذي يقرر هذه الحقيقة. وكأنه يشهد على نفسه بها. أو لعله يشهد على نفسه يوم القيامة بالكنود والجحود: {وإنه على ذلك لشهيد}.. يوم ينطق بالحق على نفسه حيث لا جدال ولا محال! {وإنه لحب الخير لشديد} فهو شديد الحب لنفسه، ومن ثم يحب الخير. ولكن كما يتمثله مالا وسلطة ومتاعاً بأعراض الحياة الدنيا.. هذه فطرته. وهذا طبعه. ما لم يخالط الإيمان قلبه. فيغير من تصوراته وقيمه وموازينه واهتماماته. ويحيل كنوده وجحوده اعترافاً بفضل الله وشكراناً. كما يبدل أثرته وشحه إيثاراً ورحمة. ويريه القيم الحقيقية التي تستحق الحرص والتنافس والكد والكدح. وهي قيم أعلى من المال والسلطة والمتاع الحيواني بأعراض الحياة الدنيا.. إن الإنسان ـ بغير إيمان ـ حقير صغير. حقير المطامع، صغير الاهتمامات. ومهما كبرت أطماعه. واشتد طموحه، وتعالت أهدافه، فإنه يظل مرتكساً في حمأة الأرض، مقيداً بحدود العمر، سجيناً في سجن الذات.. لا يطلقه ولا يرفعه إلا الاتصال بعالم أكبر من الأرض، وأبعد من الحياة الدنيا، وأعظم من الذات.. عالم يصدر عن الله الأزلي، ويعود إلى الله الأبدي، وتتصل فيه الدنيا بالآخرة إلى غير انتهاء.. ومن ثم تجيء اللفتة الأخيرة في السورة لعلاج الكنود والجحود والأثرة والشح، لتحطيم قيد النفس وإطلاقها منه. مع عرض مشهد البعث والحشر في صورة تنسي حب الخير، وتوقظ من غفلة البطر: {أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور؟}.. وهو مشهد عنيف مثير. بعثرة لما في القبور. بعثرة بهذا اللفظ العنيف المثير. وتحصيل لأسرار الصدور التي ضنت بها وخبأتها بعيداً عن العيون. تحصيل بهذا اللفظ العنيف القاسي.. فالجو كله عنف وشدة وتعفير! أفلا يعلم إذا كان هذا؟ ولا يذكر ماذا يعلم؟ لأن علمه بهذا وحده يكفي لهز المشاعر. ثم ليدع النفس تبحث عن الجواب، وترود كل مراد، وتتصور كل ما يمكن أن يصاحب هذه الحركات العنيفة من آثار وعواقب! ويختم هذه الحركات الثائرة باستقرار ينتهي إليه كل شيء، وكل أمر، وكل مصير: {إن ربهم بهم يومئذ لخبير}.. فالمرجع إلى ربهم. وإنه لخبير بهم {يومئذ} وبأحوالهم وأسرارهم.. والله خبير بهم في كل وقت وفي كل حال. ولكن لهذه الخبرة {يومئذ} آثار هي التي تثير انتباههم لها في هذا المقام.. إنها خبرة وراءها عاقبة. خبرة وراءها حساب وجزاء. وهذا المعنى الضمني هو الذي يلوح به في هذا المقام! إن السورة مشوار واحد لاهث صاخب ثائر.. حتى ينتهي إلى هذا القرار.. معنى ولفظاً وإيقاعاً، على طريقة القرآن!

ابن عاشور

تفسير : أقسم الله بــــ {العاديات} جمع العادية، وهو اسم فاعل من العَدْو وهو السيْر السريع يطلق على سير الخيل والإِبل خاصة. وقد يوصف به سير الإِنسان وأحسب أنه على التشبيه بالخيل ومنه عَدَّاؤُو العرب، وهم أربعة: السُّلَيْك بن السُّلَكَة، والشَّنْفَرى، وتَأَبَّطَ شَرّاً، وعَمْرو بن أمية الضّمْري. يضرب بهم المثل في العَدْو. وتأنيث هذا الوصف هنا لأنه من صفات ما لا يعقل. والضَّبح: اضطراب النفَس المتردد في الحنجرة دون أن يخرج من الفم وهو من أصوات الخيل والسباع. وعن عطاء: سمعت ابن عباس يصف الضبح أحْ أحْ. وعن ابن عباس ليس شيء من الدواب يضبح غير الفرس والكلْب والثعلب، وهذا قول أهل اللغة واقتصر عليه في «القاموس». روى ابن جرير بسنده إلى ابن عباس قال: «بينما أنا جالس في الحِجْر جاءني رجل فسألني عن {العاديات ضبحاً} فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل الله ثم تأوي إلى الليل فيصنعون طعامهم ويُورون نارهم، فانفتل عني فذهب إلى علي بن أبي طالب وهو تحت سِقاية زمزم فسأله عنها، فقال: سألتَ عنها أحداً قبلي؟ قال: نعم، سألتُ ابن عباس فقال: الخيلُ تغزو في سبيل الله، قال: اذهب فادعُه لي، فلما وقفتُ عند رأسه. قال: تُفتي الناس بما لا علم لك به واللَّهِ لَكانتْ أول غزوة في الإِسلام لبدر وما كان معَنا إلا فَرسَان فرسٌ للزبير وفرس للمِقداد فكيف تكون العادياتِ ضَبحا، إنما العاديات ضَبحا الإِبل من عَرفة إلى المزدلفة ومن المزدلفة إلى منى (يعني بذلك أن السورة مكية قبل ابتداء الغزو الذي أوله غزوة بدر) قال ابن عباس: فنزعت عن قولي ورجعت إلى الذي قال علي». وليس في قول علي رضي الله عنه تصريح بأنها مكية ولا مدنية وبمثل ما قال علي قَال ابن مسعود وإبراهيمُ ومجاهد وعُبيد بن عمير. والضبح لا يطلق على صوت الإِبل في قول أهل اللغة. فإذا حمل {العاديات} على أنها الإِبل، فقال المبرد وبعض أهل اللغة: من جعلها للإِبل جعل {ضبحا} بمعنى ضَبعا، يقال: ضبحت الناقة في سيرها وضبَعت، إذا مدت ضبعيها في السير. وقال أبو عبيدة: ضبحت الخيل وضبعت، إذا عَدَت وهو أن يمد الفرس ضبعيه إذا عدا، أي فالضبح لغة في الضبع وهو من قلب العين حاء. قال في «الكشاف»: «وليس بثبت». ولكن صاحب «القاموس» اعتمده. وعلى تفسير {العاديات} بأنها الإِبل يكون الضبح استعير لصوت الإِبل، أي من شدة العدو قويت الأصوات المتردّدة في حناجرها حتى أشبهت ضبح الخيل أو أريد بالضبح الضبع على لغة الإِبدال. وانتصب {ضبحاً} فيجوز أن يجعل حالاً من {العاديات} إذا أريد به الصوت الذي يتردد في جوفها حين العدو، أو يجعل مبيناً لنوع العدو إذا كان أصله: ضبحا. وعلى وجه أن المقسم به رواحل الحج فالقَسم بها لتعظيمها بما تُعين به على مناسك الحج. واختير القسم بها لأن السامعين يوقنون أن ما يقسم عليه بها محقق، فهي معظمة عند الجميع من المشركين والمسلمين. والموريات: التي توري، أي توقد. والقَدْح: حكّ جسم على آخر ليقدح ناراً، يقال: قدح فأورَى. وانتصب {قدحا} على أنه مفعول مطلق مُؤكّد لعامله. وكل من سنابك الخيل ومناسم الإِبل تقدح إذا صَكَّت الحجر الصَّوَّان ناراً تسمى نار الحُباحب، قال الشنفرى يشبِّه نفسه في العدو ببعير: شعر : إذا الأمْعَز الصَّوَّان لاقَى مَناسمي تَطَايَر منه قَادح ومُفلَّل تفسير : وذلك كناية عن الإِمعان في العدو وشدة السرعة في السير. ويجوز أن يراد قَدح النيرَان بالليل حين نزولهم لحاجتهم وطعامهم، وجُوز أن يكون {الموريات قدحاً} مستعار لإِثارة الحرب لأن الحرب تشبَّه بالنار. قال تعالى: { أية : كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها اللَّه } تفسير : [المائدة: 64]، فيكون {قدحاً} ترشيحاً لاستعارة {الموريات} ومنصوباً على المفعول المطلق لــــ {الموريات} وجُوز أن يكون {قدحاً} بمعنى استخراج المرق من القِدر في القداح لإِطعام الجيش أو الركْب، وهو مشتق من اسم القَدَح، وهو الصحفة فيكون {قدحاً} مصدراً منصوباً على المفعول لأجله. والمغيرات: اسم فاعل من أغار، والإِغارة تطلق على غزو الجيش داراً وهو أشهر إطلاقها فإسناد الإِغارة إلى ضمير {العاديات} مجاز عقلي فإن المغيرين راكبوها ولكن الخيل أو إبل الغزو أسباب للإِغارة ووسائل. وتطلق الإِغارة على الاندفاع في السير. و{صُبحاً} ظرف زمان فإذا فسر «المغيرات» بخيل الغزاة فتقييد ذلك بوقت الصبح لأنهم كانوا إذا غزوا لا يغيرون على القوم إلا بعد الفجر ولذلك كان مُنذر الحَيِّ إذا أنذر قومه بمجيء العدوّ نادى: يا صَبَاحاه، قال تعالى: { أية : فإذا نَزَل بساحتهم فساء صباح المنذرين } تفسير : [الصافات: 177]. وإذا فسر «المغيرات» بالإِبل المسرعات في السير، فالمراد: دفعها من مزدلفة إلى منى صباحَ يوم النحر وكانوا يدفعون بكرة عندما تُشرق الشمس على ثبير ومن أقوالهم في ذلك: «أشْرِق ثَبير كيما نغير». «وأثَرنَ به نقعاً»: أصعَدْن الغبار من الأرض من شدة عدْوِهن، والإِثارة: الإِهاجة، والنقع: الغبار. والباء في {به} يجوز أن تكون سببية، والضمير المجرور عائد إلى العَدْوِ المأخوذ من {العاديات}. ويجوز كون الباء ظرفية والضمير عائداً إلى {صبحاً}، أي أثرن في ذلك الوقت وهو وقت إغارتها. ومعنى: «وسَطْن»: كُنَّ وسط الجمع، يقال: وسط القومَ، إذا كان بينهم. و{جَمْعاً} مفعول: «وسَطْن» وهو اسم لجماعة الناس، أي صِرْن في وسط القوم المغزوون. فأما بالنسبة إلى الإِبل فيتعين أن يكون قوله: {جمعاً} بمعنى المكان المسمى {جمعاً} وهو المزدلفة فيكون إشارة إلى حلول الإِبل في مزدلفة قبل أن تغير صبحاً منها إلى عرفة إذ ليس ثمة جماعة مستقرة في مكان تصل إليه هذه الرواحل. ومن بديع النظم وإعجازه إيثار كلمات «العاديات وضبحاً والموريات وقدحا، والمغيرات وصبحاً، ووسطن وجمعاً» دون غيرها لأنها برشقاتها تتحمل أن يكون المقسم به خيل الغزو ورواحل الحج. وعطفت هذه الأوصاف الثلاثة الأولى بالفاء لأن أسلوب العرب في عطف الصفات وعطف الأمكنة أن يكون بالفاء وهي للتعقيب، والأكثر أن تكون لتعقيب الحصول كما في هذه الآية، وكما في قول ابن زيَّابة: شعر : يا لهفَ زيَّابةَ للحارِث الصَّــــ ــــابح فالغانم فالآيب تفسير : وقد يكون لمجرد تعقيب الذِّكر كما في سورة الصافات. والفاء العاطفة لقوله: {فأثرن به نقعاً} عاطفة على وصف «المغيرات». والمعطوف بها من آثار وصف المغيرات. وليست عاطفة على صفة مستقلة مثل الصفات الثلاث التي قبلها لأن إثارة النقع وتوسط الجمع من آثار الإِغارة صُبحاً، وليسا مُقْسماً بهما أصالةً وإنما القَسم بالأوصاف الثلاثة الأولى. فلذلك غُير الأسلوب في قوله: {فأثرن به نقعاً فوسطن به جمعاً} فجيء بهما فعلين ماضيين ولم يأتيا على نسق الأوصاف قبلهما بصيغة اسم الفاعل للإِشارة إلى أن الكلام انتقل من القَسَم إلى الحكاية عن حصول ما تَرتَّبَ على تلك الأوصاف الثلاثة ما قُصد منها من الظفَر بالمطلوب الذي لأجله كان العَدو والإِيراء والإِغارة عقبه وهي الحلُول بدار القوم الذين غزَوهم إذَا كان المراد بــــ {العاديات} الخيل، أو بلوغُ تمام الحج بالدفع عن عرفة إذا كان المراد بــــ {العاديات} رواحل الحجيج، فإن إثارة النقع يشعرون بها عند الوصول حين تقف الخيل والإِبل دفعة، فتثير أرجلها نقعاً شديداً فيما بينهما، وحينئذ تتوسطن الجمع من الناس. وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون المراد بقوله: {جمعاً} اسم المزدلفة حيث المشعر الحرام. ومناسبة القسم بهذه الموصوفات دون غيرها إن أريد رواحل الحجيج وهو الوجه الذي فسر به علي بن أبي طالب هو أن يصدّق المشركون بوقوع المقسم عليه لأن القسم بشعائر الحج لا يكون إلا باراً حيث هم لا يصدقون بأن القرآن كلام الله ويزعمونه قول النبي صلى الله عليه وسلم. وإن أريد بــــ {العاديات} وما عطف عليها خيل الغزاة، فالقسم بها لأجل التهويل والترويع لإِشعار المشركين بأنَّ غارة تترقبهم وهي غزوة بدر، مع تسكين نفس النبي صلى الله عليه وسلم من التردد في مصير السرية التي بعث بها مع المُنذر بن عَمْرو إذا صحّ خبرها فيكون القسم بخصوص هذه الخيل إدماجاً للاطمئنان. وجملة: {إن الإنسان لربه لكنود} جواب القسم. والكَنود: وصف من أمثلة المبالغة من كَند ولغات العرب مختلفة في معناه فهو في لغة مضر وربيعةَ: الكفور بالنعمة، وبلغة كنانة: البخيل، وفي لغة كِندة وحضرموت: العاصي. والمعنى: لشديد الكفران لله. والتعريف في {الإنسان} تعريف الجنس وهو يفيد الاستغراق غالباً، أي أن في طبع الإنسان الكُنود لربه، أي كفرانَ نعمته، وهذا عارض يعرض لكل إنسان على تفاوتٍ فيه ولا يسلم منه إلا الأنبياء وكُمَّل أهل الصلاح لأنه عارض ينشأ عن إيثار المرء نفسه وهو أمر في الجبلة لا تدفعه إلا المراقبة النفسية وتذكُّرُ حق غيره. وبذلك قد يذهل أو ينسَى حق الله، والإِنسان يحس بذلك من نفسه في خطراته، ويتوانى أو يغفل عن مقاومته لأنه يشتغل بإرضاء داعية نفسه والأنفس متفاوتة في تمكن هذا الخُلق منها، والعزائم متفاوتة في استطاعة مغالبته. وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: {وإنه على ذلك لشهيد وإنه لحب الخير لشديد} فلذلك كان الاستغراق عرفياً أو عامّاً مخصوصاً، فالإِنسان لا يخلو من أحوال مآلها إلى كفران النعمة، بالقول والقصد، أو بالفعل والغفلة، فالإِشراك كنود، والعِصيان كنود، وقِلة ملاحظة صَرف النعمة فيما أعطيت لأجله كنُود، وهو متفاوت، فهذا خلق متأصل في الإِنسان فلذلك أيقظ الله له الناس ليَريضوا أنفسهم على أمانة هذا الخلق من نفوسهم كما في قوله تعالى: { أية : إن الإنسان خلق هلوعاً } تفسير : [المعارج: 19] وقوله: { أية : خُلق الإنسان من عجل } تفسير : [الأنبياء: 37] وقوله: { أية : إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى } تفسير : [العلق: 6، 7] وقد تقدمت قريباً. وعن ابن عباس: تخصيص الإنسان هنا بالكافر فهو من العموم العرفي. وروي عن أبي أمامة الباهلي بسند ضعيف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : الكنود هو الذي يأكل وحْدَه ويمنع رفده ويضْرب عبده » تفسير : وهو تفسير لأدنى معاني الكنود فإن أكله وحده، أي عدم إطعامه أحداً معه، أو عدم إطعامه المحاويج إغضاء عن بعض مراتب شكر النعمة، وكذلك منعه الرفد، ومثله: ضربه عبده فإن فيه نسياناً لشكر الله الذي جعل العبد ملكاً له ولم يجعله ملكاً للعبد فيدل على أن ما هو أشد من ذلك أولى بوصف الكَنود. وقيل التعريف في {الإنسان} للعهد، وأن المراد به الوليد بن المغيرة، وقيل: قرطة بن عبد عمرِو بن نوفل القرشي. واللام في {لربه} لام التقوية لأن (كَنود) وصف ليس أصيلاً في العمل، وإنما يتعلق بالمعمولات لمشابهته الفعل في الاشتقاق فيكثر أن يقترن مفعوله بلام التقوية، ومع تأخيره عن معموله. وتقديم {لربه} لإِفادة الاهتمام بمتعلق هذا الكنود لتشنيع هذا الكنود بأنه كنود للرب الذي هو أحق الموجودات بالشكر وأعظم ذلك شرك المشركين، ولذلك أكد الكلام بلام الابتداء الداخلة على خبر (إنَّ) للتعجيب من هذا الخبر. وتقديم {لربه} على عامله المقترن بلام الابتداء وهي من ذوات الصدر لأنهم يتوسعون في المجرورات والظروف، وابنُ هشام يرى أن لام الابتداء الواقعة في خبر (إنَّ) ليست بذات صدارة. وضمير {وإنه على ذلك لشهيد} عائد إلى الإنسان على حسب الظاهر الذي يقتضيه انتساق الضمائر واتحاد المتحدث عنه وهو قول الجمهور. والشهيد: يطلق على الشاهد وهو الخبر بما يُصدِّق دعوى مدع، ويطلق على الحاضر ومنه جاء إطلاقه على العالم الذي لا يفوته المعلوم، ويطلق على المقر لأنه شهد على نفسه. والشهيد هنا: إما بمعنى المقر كما في «أشْهد أن لا إلٰه إلا الله». والمعنى: أن الإنسان مقر بكنوده لربه من حيث لا يقصد الإِقرار، وذلك في فلتات الأقوالِ مثل قول المشركين في أصنامهم: { أية : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللَّه زلفى } تفسير : [الزمر: 3]. فهذا قول يلزمه اعترافهم بأنهم عبدوا ما لا يستحق أن يُعبد وأشركوا في العبادة مع المستحق للانفراد بها، أليس هذا كنوداً لربهم، قال تعالى: { أية : وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } تفسير : [الأنعام: 130]، وفي فلتات الأفعال كما يعرض للمسلم في المعاصي. والمقصود من هذه الجملة تفظيع كنود الإنسان بأنه معلوم لصاحبه بأدنى تأمل في أقواله وأفعاله. وعلى هذا فحرف {على} متعلق بــــ «شهيد» واسم الإِشارة مُشار به إلى الكُنود المأخوذ من صفة «كَنود». ويجوز أن يكون «شهيد» بمعنى (عليم) كقول الحارث بن حِلَّزة في عمرو بن هند: شعر : وهو الربُّ والشهيدُ على يَوْ م الخيَارَيْنِ والبَلاء بَلاء تفسير : ومتعلق «شهيد» محذوفاً دلّ عليه المقام، أي عليم بأن الله ربه، أي بدلائل الربوبية، ويكون قوله: {على ذلك} بمعنى: مع ذلك، أي مع ذلك الكُنود هو عليم بأنه ربه مستحق للشكر والطاعة لا للكنود، فحرف {على} بمعنى (مع) كقوله: { أية : وآتى المال على حبه } تفسير : [البقرة: 177] و { أية : يطعمون الطعام على حبه } تفسير : [الإنسان: 8] وقول الحارث بن حلزة: شعر : فبقِينَا على الشَّناءَةِ تنْمِـــــ ــــنَا حصون وعِرة قعساء تفسير : والجار والمجرور في موضع الحال وذلك زيادة في التعجيب من كنود الإِنسان. وقال ابن عباس والحسن وسفيان: ضمير {وإنَّه} عائد إلى «ربه»،أي وأن الله على ذلك لشهيد، والمقصود أن الله يعلم ذلك في نفس الإِنسان، وهذا تعريض بالتحذير من الحساب عليه. وهذا يسوغه أن الضمير عائد إلى أقرب مذكور ونقل عن مجاهد وقتادة كلا الوجهين فلعلهما رأيا جواز المحملين وهو أولى. وتقديم {على ذلك} على «شهيد» للاهتمام والتعجيب ومراعاة الفاصلة. والشديد: البخيل. قال أبو ذؤيب راثياً: شعر : حَذَرْنَاه بأثواب في قَعر هوة شَديدٍ على ما ضُمَّ في اللحد جُولُها تفسير : والجول بالفتح والضَّم: التراب، كما يقال للبخيل المتشدد أيضاً قال طرفة: شعر : عقيلة مال الفاحش المتشدد تفسير : واللام في {لِحُب الخير} لام التعليل، والخير: المال قال تعالى: { أية : إن ترك خيراً } تفسير : [البقرة: 18]. والمعنى: إن في خُلق الإِنسان الشُّحّ لأجل حبه المال، أي الازدياد منه قال تعالى: { أية : ومن يُوقَ شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون } تفسير : [الحشر: 9]. وتقديم {لحب الخير} على متعلَّقه للاهتمام بغرابة هذا المتعلق ولمراعاة الفاصلة، وتقديمه على عامله المقترن بلام الابتداء، وهي من ذوات الصدر لأنه مجرور كما علمت في قوله: {لربه لكنود}. وحب المال يبعث على منع المعروف، وكان العرب يعيِّرون بالبخل وهم مع ذلك يبْخَلون في الجاهلية بمواساة الفقراء والضعفاء ويأكلون أموال اليتامى ولكنهم يسرفون في الإِنفاق في مظان السمعة ومجالس الشرب وفي الميسر قال تعالى: { أية : ولا تحاضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلاً لَمَّا وتحبون المال حباً جماً } تفسير : [الفجر: 18 ـــ 20].

الشنقيطي

تفسير : قال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في إملائه: العاديات: جمع عادية، والعاديات: المسرعات في مسيرها. فمعنى العاديات: أقسم بالمسرعات في سيرها. ثم قال: وأكثر العلماء على أن المراد به الخيل، تعدو في الغزو، والقصد تعظيم شأن الجهاد في سبيل الله. وقال بعض العلماء: المراد بالعاديات: الإبل تعدو بالحجيج من عرفات إلى مزدلفة ومنىً. ومعنى قوله: ضبحاً: أنها تضبح ضبحاً، فهو مفعول مطلق، والضبح: صوت أجواف الخيل عند جريها. وهذا يؤيد القول الأول الذي يقول هي الإبل، ولا يختص الضبح بالخيل. فالموريات قدحاً: أي الخيل توري النار بحوافرها من الحجارة، إذا سارت ليلاً. وكذلك الذي قال: العاديات: الإبل. قال: برفعها الحجارة فيضرب بعضها بعضاً. ويدل لهذا المعنى قول الشاعر: شعر : تنفي يداها الحصا في كل هاجرة نفي الدراهم تنقاد الصياريف تفسير : فالمغيرات صبحا، الخيل تغير على العدو وقت الصبح. وعلى القول الأول: فالإبل تغير بالحجاج صبحاً من مزدلفة إلى منى يوم النحر. فأثرن به نقعاً: أي غباراً. قال به. أي: بالصبح أو به. أي بالعدو. والمفهوم من العاديات: توسطن به جمعاً، أي دخلن في وسط جمع أي خلق كثير من الكفار. ونظير هذا المعنى قول بشر بن أبي حازم: شعر : فوسطن جمعهم وأفلت حاجب تحت العجاجة في الغبار الأقتم تفسير : وعلى القول الثاني الذي يقول: العاديات الإبل تحمل، الحجيج. فمعنى قوله: {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً}، أي صرن بسبب ذلك العدو، وسط جمع. وهي المزدلفة، وجمع اسم من أسماء المزدلفة. ويدل لهذا المعنى قول صفية بنت عبد المطلب، عمة النَّبي صلى الله عليه وسلم وأم الزبير بن العوام رضي الله عنهما: شعر : فلا والعاديات مغبرات جمع بأيدها إذا سطع الغبار تفسير : وهذا الذي ساقه الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، قد جمع أقوال جميع المفسرين في هذه الآيات، وقد سقته بحروفه لبيانه للمعنى كاملاً. ولكن مما قدمه رحمة الله تعالى علينا وعليه أن من أنواع البيان في الأضواء: أنه إذا اختلف علماء التفسير في معنى وفي الآية قرينة. ترد أحد القولين أو تؤيد أحدهما فإنه يشير إليه. وقد وجد اختلاف المفسرين في هذه الآيات في نقطة أساسية من هذه الآيات مع اتفاقهم في الألفاظ، ومعانيها والأسلوب وتراكيبه. ونقطة الخلاف هي معنى الجمع الذي توسطن به، أهو المزدلفة لأن من أسمائها جمعاً كما في الحديث: "حديث : وقفت ها هنا وجمع كلها موقف"تفسير : . وهذا مروي عن علي رضي الله عنه، في نقاش بينه وبين ابن عباس. ساقه ابن جرير. أم بالجمع جمع الجيش في القتال على ما تقدم، وهو قول ابن عباس وغيره. حكاه ابن جرير وغيره. وقد وجدنا قرائن عديدة في الآية تمنع من إرادة المزدلفة بمعنى جمع، وهي كالآتي: اولاً وصف الخيل أو الإبل على حد سواء بالعاديات، حتى حد الضبح وروى النار بالحوافر وبالحصا، لأنها أوصاف تدل على الجري السريع. ومعلوم أن الإفاضة عن عرفات ثم من المزدلفة لا تحتمل هذا العدو، وليس هو فيها بمحمود، لأنه صلى الله عليه وسلم كان ينادي "حديث : السكينة السكينة" تفسير : فلو وجد لما كان موضع تعظيم وتفخيم. ثانياً: أن المشهور أن إثارة النقع من لوازم الحرب، كما قاله بشار: شعر : كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه تفسير : أي: لشدة الكر والفر. ثالثاً: قوله تعالى: {أية : فَٱلْمُغِيرَاتِ صُبْحاً فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً} تفسير : [العاديات: 3-5]، جاء مرتباً بالفاء، وهي تدل على الترتيب والتعقيب. وقد تقدم المغيرات صبحاً، وبعدها فوسطن به جمعاً. وجمع هي المزدلفة، وإنما يؤتى إليها ليلاً. فكيف يقرن صبحاً، ويتوطن المزدلفة ليلاً. وعلى ما حكاه الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، أنهم يغيرون صبحاً من المزدلفة إلى منى، تكون تلك الإغارة صبحاً بعد التوسط بجمع، والسياق يؤخرها عن الإغارة ولم يقدمها عليها. فتبين بذلك أن إرادة الزدلفة غير متأتية في هذا السياق. ويبقى القول الآخر وهو الأصح. والله تعالى أعلم. ولو رجعنا إلى نظرية ترابط السور فيها ترشيحاً لهذا المعنى، وهو أنه في السورة السابقة، ذكرت الزلزلة وصدور الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم. وهنا حث على أفضل الأعمال التي تورث الحياة الأبدية والسعادة الدائمة في صورة مماثلة، وهي عدوهم أشتاتاً في سبيل الله لتحصيل ذاك العمل الذي يحبون رؤيته في ذلك الوقت، وهو نصرة دين الله أو الشهادة في سبيل الله، والعلم عند الله تعالى.

الواحدي

تفسير : {والعاديات} يعني: الخيل في الغزو {ضبحاً} تضبح ضبحاً، وهو صوت أجوافها إذا عدت. {فالموريات} وهي الخيل التي تُوري النَّار {قدحاً} بحوافرها إذا عدت في الأرض ذات الحجارة باللَّيل. {فالمغيرات صبحاً} يعني: الخيل تُغير على العدوِّ وقت الصبح، وإنما يُغير أصحابها ولكن جرى الكلام على الخيل. {فأثرن} هيَّجن {به} بمكان عدوها {نقعاً} غباراً. {فوسطن} توسطن {به} بالمكان الذي هي به {جمعاً} من النَّاس أغارت. عليهم، يريد: صارت في وسط قومٍ من العدوِّ تُغير عليهم. {إن الإنسان} جواب القسم {لربه لكنود} لكفورٌ. يعني: الكافر يجحد نعم الله تعالى. {وإنه} وإنَّ الله تعالى {على ذلك} على كنوده {لشهيد}. {وإنّه لحب الخير} لأجل حبِّ المال {لشديد} لبخيلٌ. {أفلا يعلم} هذا الإنسان {إذا بعثر} قُلب فَأُثير {ما في القبور} يعني: إذا بُعث الموتى. {وحصِّل} بيِّن وأُبرز {ما في الصدور} [من الكفر والإيمان. {إنَّ ربهم بهم يومئذٍ لخبير} عالمٌ فيجازيهم على كفرهم في ذلك اليوم، وإنَّما قال "بهم" لأنَّ الإِنسان اسم الجنس].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- أقسم بخيل الجهاد المسرعات، يسمع لأنفاسها صوت هو: الضبح. 2- بالخيل التى تخرج شرر النار من الأرض بوقْع حوافرها واندفاعها فى سيرها. 3- بالخيل التى تغير على العدو قبل طلوع الشمس. 4- فأثارت هذه الخيل فى مواقع العدو غباراً كثيفاً لا يشق. 5- فجعلن الغبار يتوسط جمع العدو حتى يصيبه الرعب والفزع. 6- إن الإنسان لنعم ربه التى لا تحصى لشديد الكفران والجحود. 7- وإنه على ذلك فى الآخرة لشهيد على نفسه معترف بذنوبه. 8- وإنه لحبه المال وحرصه عليه لبخيل به لا يؤدى ما وجب فيه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: والعاديات: أي والخيل تعدو في الغزو. ضبحا: أي تضبح ضبحا والضبح صوت الخيل إذا عدت أي جرت. فالموريات قدحا: أي الخيل توري النار بحوافرها إذا سارت بالليل. فالمغيرات صبحا: أي الخيل تغير على العدو صباحا. فأثرن به نقعا: هيجن به أي بمكان عدوها نقعا أي غبارا. فوسطن به جمعا: أي بالنقع جمع العدو أي حيث تجمعاته. لكنود: لكفور بجحد نعمه تعالى عليه. لشهيد: أي يشهد على نفسه بعمله. وإنه لحب الخير: أي المال. إذا بعثر: أي أثير وأخرج ما في القبور. وحصل ما في الصدور: بيّن وأفرز ما في الصدور من الإِيمان والكفر. معنى الآيات: قوله تعالى {وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً} الآيات إلى قوله {أَفَلاَ يَعْلَمُ} تضمنت قسما إلهيا عظيما على حقيقة كبرى يجهلها كثير من الناس وهي كفر الإِنسان لربه ولنعمه عليه يعد المصائب وينسى النعم والفواضل وهذا بيان ما أقسم تعالى به وهو العاديات ضبحاً وهي الخيل تضبح أي تخرج صوتا خاصا غير الصهيل المعروف فالموريات قدحا أي الخيل توري النار بحوافرها إذا مشت فوق الحجارة ليلا ويدخل ضمن هذا كل قادحة للنار فالمغيرات صبحا أي جماعات الخيل يركبها فرسانها للإغارة على العدو بها صباحا. وقوله فأثرن به نقعا فوسطن به جمعا اي فأثارت الخيل النقع وهو الغبار والتراب عند سيرها بفرسانها فتوسطت جمع العدو وكتائبه لقتال أعداء الله الكافرين بالله وآياته ولقائه المفسدين في الأرض بالشرك والمعاصي هذا ما أقسم الله تعالى به وهو الخيل ذات الصفات الثلاث: العدو والإِوراء والإِغارة والمقسم عليه قوله {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} المراد من الإِنسان الكافر والجاهل بربّه تعالى الذي لم تتهذب روحه بمعرفة الله ومحابه ومكارهه ولم يزك نفسه بفعل المحاب وترك المكاره هذا الإِنسان أقسم تعالى على أنه كفور لربه تعالى ولنعمه عليه أي شديد الكفر كثيره بذكر المصائب ويشعر بها ويصرخ لها ويصر عليها وينسى النعم والفواضل عليه فلا يذكرها ولا يشكر الله تعالى عليها. فالكنود الكفور. وقوله تعالى وإنه على ذلك لشهيد أي وإن الله تعالى على هذا الوصف في الإِنسان لشهيد فأخبر تعالى بما علمه من الإِنسان وشهد به عليه كما أن الإِنسان شهيد بأعماله وصنائع أقواله وأفعاله شهيد على نفسه بالكفر والجحود. وقوله وإنه لحب الخير لشديد هذا مما أقسم تعالى عليه أيضا وهو وصف للإِنسان الكنود وهو أنه شديد حب المال وسمّي المال خيرا تسمية عرفية إذ تعارف الناس على ذلك كما أنه خير من حيث أنه يحصل به الخير الكثير إذا أنفق في مرضاة الله تعالى. وقوله تعالى {أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي ٱلْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ} أي أيكفر الإِنسان بربه ويجحد نعمه عليه وإحسانه إليه ويحب المال أشد الحب فيمنع حقوق الله فيه ويكتسبه مما حرم الله عليه وقوله تعالى {أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي ٱلْقُبُورِ} أي بعثرت القبور وأخرج ما فيها من البشر للحساب والجزاء ووقفوا بين يدي الله تعالى وأفرز وبيّن ما كان خفيا في الصدور من الاعتقادات والنيات الصالحة والفاسدة ولا يخفى على الله تعالى منهم شيء حيث {إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ} كما هو اليوم خبير إلا أنها ساعة الحساب والمجازاة فذكر فيها علم الله تعالى وخبرته بالظواهر والبواطن والضمائر والسرائر فلا يخفى على الله من ذلك شيء وسيتم الجزاء العادل بحسب هذا العلم وتلك الخبرة الإِلهية. فلو علم الكفور من الناس المحب للمال هذا وأيقنه لعدّل من سلوكه وأصلح من اعتقاده ومن أقواله وأعماله فالآيات دعوة إلى مراقبة الله تعالى بعد الإِيمان والاستقامة على طاعته. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- الترغيب في الجهاد والإعداد له كالخيل أمس، ونفاث الطائرات اليوم. 2- بيان حقيقة وهي أن الإِنسان كفور لربه ونعمه عليه يذكر المصيبة إذا أصابته وينسى النعم التي غطته إلا إذا آمن وعمل صالحا. 3- بيان أن الإِنسان يحب المال حبا شديدا إلا إذا هذّب بالإِيمان وصالح الأعمال. 4- تقرير عقيدة البعث والجزاء.

القطان

تفسير : العاديات: الخيل التي تجري بسرعة، والفعلُ عدا يعدو عَدْواً جرى... ضَبحا: الضبح صوت انفاس الخيل. فالمورياتِ قَدحا: أورى النارَ اوقَدها، فالموريات هي الخيلُ حين تُسرع فتضرب الحجارةَ بحوافرها فتقدَحُ النارُ منها. وَقدح النارَ من الزند: أخرجها. المُغيرات: واحدها مغيرة، والفعل أغار على العدو إذا هجم عليه بغتة. فأثرنَ به نقعا: فهيّجن الغبارَ، والنقع: الغبار. فوسَطْن به جمعا: توسّطت الخيل في جَمع العدو.. اخترقْته. لَكنود: كفور، كَنَدَ النعمةَ كفرها. بُعثر ما في القبور: فُتحت القبور وقلبت حتى يخرج من فيها، يقال بعثرتُ المتاعَ: إذا جعلتُ أسفلَه أعلاه. {وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً فَٱلمُورِيَاتِ قَدْحاً فَٱلْمُغِيرَاتِ صُبْحاً فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً}. أقسَم الله تعالى بالخَيْل المسرِعة التي يُسمع لأنفاسها صوتٌ شديد، والتي توري النارَ من الحجارة بحوافرِها، وتُغِيرُ صباحاً على العدوّ لِتَبْغَتَه وتفاجئَه. وهذه عادةٌ معروفة في الغارات. وعندما تُغير الخيل مسرعةً تُثير الغبارَ الكثيف حتى لا تكادُ تُرى. وبعد ذلك تتوسَّط جموعَ الأعداء فتثيرُ فيهم الفَزَعَ والرعب. لقد أقسم الله تعالى بالخيل التي عدَّد صفاتِها آنفاً أن الإنسانَ لِنَعَمِ ربِّه لَجَحود. {وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ لَشَهِيدٌ وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} إنه لَشاهد على جحوده وكُفره للنِعم التي لا تُحصى، كما أنه شديدُ الحُبّ للمال حريصٌ على جمعه من اي طريق. وبعد أن عدّد هذه الخصالَ بيّن لذلك الإنسان الغافل عن واقعِه أنه سيترك كل ما جَمَعَه، وسيقفُ يومَ القيامة للحساب، حيث تُبْرَزُ جميعُ حسناته وسيئاته ولا يستطيع ان يُنكرَ منها شيئا. {أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي ٱلْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ} أجَهِلَ كلَّ هذا فلا يعلَم إذا نُشر كلُّ من في القبور، وجُمعت أعمالُهم - بأن الله يعلم ما يُسِرّون وما يُعلنون، لا تخفى عليه منهم خافية؟ إن المرجعَ الى الله.. وهو خبيرٌ بالأعمالِ والأسرار.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْعَادِيَاتِ} (1) - يُقْسِمُ اللهُ تَعَالَى بِالخَيْلِ التِي تَجْرِي فِي سَبِيلِ اللهِ، فَيُسْمَعُ لَهَا زَفِيرٌ شَدِيدٌ لِشِدَّةِ عَدْوِهَا. (وَيُقْسِمُ تَعَالَى بِالخَيْلِ لِيُعْلِيَ مِنْ قَدْرِهَا فِي نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ مِنْ عِبَادِهِ، لِيَعْتَزُّوا بِهَا، وَيُكَرِّمُوهَا، وَيَتَّخِذُوهَا لِلجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ تَعَالَى). العَادِيَاتُ - الخَيْلُ. ضَبْحاً - زَفِيرَ الخَيْلِ الشَّدِيدَ حِينَمَا تَرْكُضُ.

الثعلبي

تفسير : {وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً} قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وعكرمة والحسن والكلبي وأبو العالية والربيع وعطية وقتادة ومقاتل وابن كيسان: هي الخيل التي تعدو في سبيل اللّه وتضبح وهو صوت أنفاسها إذا أجهدت في الجري فيكثر الربو في أجوافها من شدة العدو، قال ابن عباس: ليس شيء من الدواب يضج غير الفرس والكلب والثعلب. قال أهل اللغة: أصل الضبح والضباح للثعالب فاستُعير في الخيل، وهو من قول العرب: ضبحته النار إذا غيّرت لونه، وإنّما تضبح هذه الحيوانات إذا تغيّرت حالها من تعب أو فزع أو طمع، ونصب قوله: {ضَبْحاً} على المصدر ومجازه: والعاديات تضبح ضبحاً قال الشاعر: شعر : لستُ بالتُبِّع اليماني إن لم تضبح الخيل في سواد العراقِ تفسير : وقال آخر: شعر : والعاديات أسابي الدماء بها كأن أعناقها أنصاب ترجيب تفسير : يعني الخيل. قال مقاتل: بعث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سرية إلى حي من كنانة واستعمل عليهم المنذر بن عمر الأنصاري أحد النقباء فتأخر خبرهم، وقال المنافقون: قتلوا جميعاً فأخبره اللّه سبحانه عنها فقال: {وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً} يعني تلك الخيول غدت حتى ضبحت، وهو صوت ليس بصهيل ولا حمحمة، وقال الحكماء: هو تقلقل الجرذان في القُنب. وقيل: هو صوت إرخاء مشافرها إذا عدت، قال أبو الضحى: وكان ابن عباس يقول: ضباحها أُج أُج. وقال قوم: هي الإبل. أنبأني عبد اللّه بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن أبي سعيد قال: حدّثنا الحسن بن محمد بن الصباح قال: حدّثنا مروان بن معاوية قال: حدّثنا إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح في قوله سبحانه: {وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً} قال: ما رأى فيه عكرمة؟ فقال عكرمة: قال ابن عباس: هي الخيل في القتال، فقلت أنا: (قال علي: هي الإبل في الحجّ)، وقلت: مولاي أعلم من مولاك. وقال الشعبي تمارى علي بن عباس في قوله: {وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً} فقال ابن عباس: هي الخيل، ألا تراه يقول: {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً} فهل تُثير إلاّ بحوافرها، وهل تضبح الإبل؟ وإنما تضبح الخيل، فقال علي: ليس كما قلت لقد رأيتنا يوم بدر وما معنا إلاّ فرس أبلق للمقداد بن الأسود. وفي رواية أُخرى وفرسٌ لمرثد بن أبي مرثد الغنوي. وأخبرني عقيل بن أبي الفرج، أخبرهم عن أبي جرير قال: حدّثني يونس قال: أخبرنا بن وهب قال: حدّثنا أبو صخر عن أبي لهيعة البجلي عن سعيد بن حسين عن ابن عباس حدّثه قال: بينما أنا في الحجر جالس أتاني رجل فسأل عن العاديات ضبحاً، فقال له: الخيل حين تغير في سبيل اللّه ثم تأوي إلى الليل فيصنعون طعامهم ويورون نارهم، فانفتل عني وذهب إلى علي بن أبي طالب وهو تحت سقاية زمزم وسأله عن العاديات ضبحاً فقال: "سألت عنها أحداً قبلي". قال: نعم، سألت عنها ابن عباس وقال: هي الخيل تغير في سبيل اللّه قال: "اذهب فادعه لي"، فلمّا وقف على رأسه قال: "تفتي الناس بما لا علم لك به، واللّه إن كانت لأول غزوة في الإسلام بدر، وما كان معنا إلاّ فَرَسان: فرس للزبير وفرس للمقداد بن الأسود، فكيف تكون العاديات الخيل، بل العاديات ضبحاً الإبل من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى مِنى". قال ابن عباس: فنزعت عن قولي ورجعت إلى الذي قال علي، وإلى قول علي ذهب ابن مسعود ومحمد بن عمير ومحمد بن كعب والسدي. وقال بعضهم: من قال: هي الإبل قال ضبحاً يعني ضبعاً بمدّ أعناقها في السير وضبحت وضبعت بمعنى واحد، قالت صفية بنت عبد المطّلب: شعر : فلا والعاديات غداة جمع بأيديها إذا سطع الغبار تفسير : {فَٱلمُورِيَاتِ قَدْحاً} قال عكرمة وعطاء والضّحاك: هي الخيل توري النار بحوافرها إذا سارت في الحجارة والأرض المحصبة. وقال مقاتل والكلبي: والعرب تُسمي تلك النار نار أبي حباحب. وكان أبي حباحب شيخاً من مُضر في الجاهلية وكان من أبخل الناس، وكان لا يوقد ناراً لخبز ولا غيره حتى تنام كل ذي عين، فإذا نام أصحابه وقَدَ نويرة تقد مرّة وتخمد مرّة، فإذا استيقظ بها أحد أطفأها كراهية أن ينتفع بها أحد، فشبّهت العرب هذه النار بناره، أي لا ينتفع به كما لا يُنتفعُ بنار أبي حباحب. ومجاز الآية: والقادحات قدحاً فخالف بين الصدر والمصدر. وقال قتادة: هي الخيل تهيج للحرب ونار العداوة بين أصحابها وفرسانها. وروى سعيد بن حسن عن ابن عباس قال: هي الخيل تغير في سبيل اللّه ثم تأوي إلى الليل فيصنعون طعامهم ويورون نارهم. مجاهد وزيد بن أسلم: هي مكر الرجل والعرب تقول إذا أراد الرجل أن يمكر لصاحبه قال: أما واللّه لأقدحنّ لك ثم لأُورينَّ لك. سعيد بن جُبير: يعني رجال الحرب. عكرمة: هي ألسنة الرجال توري النار من عظيم ما تتكلّم به. ابن جريج عن بعضهم: فالمنجّحات عملا كنجاح الوتد إذا أُوريَّ. محمد بن كعب: هي النيران بجمع. {فَٱلْمُغِيرَاتِ صُبْحاً} يعني الخيل، تغير بفرسانها على العدو وقت الصبح، هذا قول أكثر المفسّرين. قال القرظي: هي الأبل تدفع بركبانها يوم النحر من جمع إلى منى، والسنّة أن لا يدفع حتى يصبح، والإغارة سرعة السير، ومنه قولهم: أشرق ثبير كما نغير. {فَأَثَرْنَ} فيهيَّجنَ. وقرأ أبو حيوة فأثرن بالتشديد من التأثير به أي بذلك المكان الذي انتهين إليه كناية عن غير مذكور؛ لأن المعنى مفهوم مشهور. {نَقْعاً} أي غباراً {فَوَسَطْنَ بِهِ} أي دخلن به وسطهم يقال: وسطت القوم، بالتخفيف، ووسطّتهم بالتشديد، وتوسطتهم كلّها بمعنى واحد، وقرأ قتادة فوسّطن، بالتشديد {جَمْعاً} أي جمع العدو وهم الكتيبة، وقال القرظي: يعني جمع منى.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً} [الآية: 1]. يعني: الخيل تضبح. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَٱلمُورِيَاتِ قَدْحاً} [الآية: 2]. يعني: مكر الرجال. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَٱلْمُغِيرَاتِ صُبْحاً} [الآية: 3]. قال: يعني الخيل. قال: وذاك في القتال. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن مسعود في قوله: {فَٱلْمُغِيرَاتِ صُبْحاً} [الآية: 3]. قال: يعني الخيل. قال: وذاك في الحج.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {ضَبْحاً} الضبح: صوت أنفاس الخيل إِذا عدت قال عنترة : والخيلُ تكدح حين تضبح في حياض الموت ضبحاً {أَثَرْنَ} هيَّجن {نَقْعاً} النقعُ: الغبار {كَنُودٌ} كفور جحود لنعمة الله من كند النعمة إِذا كفرها ولم يشكرها قال الشاعر: شعر : كنودٌ لنعماء الرجال ومن يكن كنوداً لنعماء الرجالِ يبعَّد تفسير : {بُعْثِرَ} أثير وقلب من بعثرت المتاع إِذا جعلت أسفله أعلاه. التفسِير: {وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً} أي أُقسمُ بخيل المجاهدين المسرعات في الكرّ على العدو، يُسمع لأنفاسها صوتٌ جهير هو الضبحُ قال ابن عباس: الخيل إِذا عدت قالت: أُحْ، أُحْ فذلك ضبحها قال أبو السعود: أقسم سبحانه بخيل الغزاة التي تعدو نحو العدو وتضبح ضبحاً وهو صوت أنفاسها عند عدوها {فَٱلمُورِيَاتِ قَدْحاً} أي فالخيل التي تخرج شرر النار من الأرض بوقع حوافرها على الحجارة من شدة الجري {فَٱلْمُغِيرَاتِ صُبْحاً} أي فالخيل التي تغير على العدو وقت الصباح قبل طلوع الشمس قال الألوسي: هذا هو المعتادُ في الغارات، كانوا يعدون ليلاً لئلا يشعر بهم العدو، ويهجمون صباحاً ليروا ما يأتون وما يذرون {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً} أي فأثارت الخيل الغبار الكثيف لشدة العدو، في الموضع الذي أغرن به {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً} أي فتوسطن به جموع الأعداء، وأصبحن وسط المعركة.. أقسم سبحانه وتعالى بأقسام ثلاثة على أمور ثلاثة، تعظيماً للمقسم به وهو خيل المجاهدين في سبيل الله، التي تسرع على أعداء الله، وتقدح النار بحوافرها، وتُغير على الأعداء وقت الصباح، فتثير الغبار، وتتوسط العدو فتصيبه بالرعب والفزع، أما الأمور التي أقسم عليها فهي قوله {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} أي إِن الإِنسان لجاحد لنعم ربه، شديد الكفران قال ابن عباس: جاحدٌ لنعم الله وقال الحسن: يذكر المصائب وينسى النعم {وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ لَشَهِيدٌ} أي وإِن الإِنسان لشاهد على كنوده، لا يقدر أن يجحده لظهور أثره عليه {وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} أي وإِنه لشديد الحب للمال حريصٌ على جمعه، وهو لحب عبادة الله وشكر نعمه ضعيفٌ متقاعس.. ثم بعد أن عدَّد عليه قبائح أفعاله خوَّفه فقال {أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي ٱلْقُبُورِ} أفلا يعلم هذا الجاهل إِذا أُثير ما في القبور وأُخرج ما فيها من الأموات {وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ} أي وجمع وأبرز ما في الصدور من الأسرار والخفايا التي كانوا يسرونها {إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ} إي إنَّ ربهم لعالم بجميع ما كانوا يصنعون، ومجازيهم عليه أوفر الجزاء، وإِنما خص علمه بهم في ذلك اليوم - يوم القيامة - لأنه يوم الجزاء، بقصد الوعيد والتهديد، فهو تعالى عالم بهم في ذلك اليوم وغيره. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي: 1- التأكيد بإِنَّ واللام في مواضع مثل {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} {وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} {إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ} زيادة في التقرير والبيان. 2- الجناس غير التام بين {لَشَهِيدٌ} و{لَشَدِيدٌ} وكذلك {ضَبْحاً} و{صُبْحاً}. 3- الاستفهام الإِنكاري للتهديد والوعيد {أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي ٱلْقُبُورِ}؟ 4- التضمين {إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ} ضمَّن لفظ {لَّخَبِيرٌ} معنى المجازاة أي يجازيهم على أعمالهم. 5- توافق الفواصل مثل {شَهِيدٌ}، {شَدِيدٌ} و{ٱلصُّدُورِ}، {ٱلْقُبُورِ} الخ. ويسمى "السجع المرصَّع" وهو من المحسنات البديعية.

زيد بن علي

تفسير : عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً} فالعَادياتُ: الخَيلُ ويقال: هي الإِبلُ اي تَضبحُ

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً} هذه السورة مكية لما ذكر فيما قبلها ما يقتضي تهديداً ووعيداً بيوم القيامة اتبع ذلك بتعنيف لمن لا يستعد لذلك اليوم ومن آثر أمر دنياه على أمر آخرته {وَٱلْعَادِيَاتِ} الجاريات بسرعة والضبح تصويت جهير عند العدو الشديد ليس بصهيل ولا غراء. {فَٱلمُورِيَاتِ قَدْحاً} الإِيراء إخراج النار أي تقدح بحوافرها الحجارة فيتطاير منها النار لصك بعض الحجارة ببعض. {فَٱلْمُغِيرَاتِ صُبْحاً} أي تغير على العدو في الصبح وفي هذا دليل على أن هذه الأوصاف لذات واحدة لعطفها بالفاء التي تقتضي التعقيب والضمير في به عائد في الأول على الصبح أي هيجن في ذلك الوقت غباراً وفي به الثاني على الضبح قيل أو النقع أي وسطن النقع الجمع فتكون الباء للتعدية وقيل الضمير في به يعود على المكان الذي يقتضيه المعنى وإن لم يجر له ذكر لدلالة {وَٱلْعَادِيَاتِ} وما بعدها عليه والظاهر أن المقسم به هو جنس العاديات وليست ال فيه للعهد والمقسم عليه. {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} الذي أكل وحده ويمنع رفده ويضرب عبده والظاهر عود الضمير في: {وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ لَشَهِيدٌ} أي لشهيد على كنوده ولا يقدر أن يجحده لظهور أمره. {وَإِنَّهُ} أي وان الإِنسان. {لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ} أي المال. {لَشَدِيدٌ} أي قوي في حبه وقيل له لبخيل بالمال ضابط. {أَفَلاَ يَعْلَمُ} توقيف على ما يؤول إليه الإِنسان ومفعول يعلم محذوف وهو العامل في الظرف أي فلا يعلم مآله إذا بعثر ويجوز أن تكون يعلم معلقة والجملة المعلقة قوله: {إِنَّ رَبَّهُم} كما تقول علمت ان زيداً لقائم فالجملة في موضع نصب {وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ} أي جمع.

الجيلاني

تفسير : {وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً} [العاديات: 1] أقسم سبحانه بالنفوس المقدسة الزكية عن مطلق الرذائل والأنسية، وشبَّهها في سرعة العدو والجري بالخيول الجياد العادية، المجاوزة عن مضائق بقعة الإمكان، ومحابس نشأة الناسوت نحو فضاء الوجوب، ومراتب عوالم اللاهوت، شوقاً إليها وتحنناً نحوها؛ لذلك كلمَّا قطعت عقبة من العقبات الناسوتية تضبح ضبحاً. والضبح: هو صوت أنفاس الفرس عند العدو، وتلك النفوس تضبح تشوقاً إلى مقعد الوجوب، وتنفساً عن كروب الإمكان وأحزان الهيولى والأركان. {فَٱلمُورِيَاتِ قَدْحاً} [العاديات: 2] أي: النفس الممتحنة للسرعة، المستعجلة نحو الموطن الأصلي بالميل الجبلِّي، سيما بعد الجذب الإلهي الموري لحوافر مراكب الشوق عند عدوها على أحجار الطبائع وجنادل الهيولى والأركان، نار المحبة والمودة من شدة تشوقها وتلذذها إلى النيل والوصول، واستنشاقها من نسائم روائح الحضور والقبول. {فَٱلْمُغِيرَاتِ صُبْحاً} [العاديات: 3] أي: النفوس التي تغير في المبادرة والمسابقة نحو عالم اللاهوت، وتجتهد وتسعى أن تصل إليها قبل كل واحدة من النفوس المبادرة إياها والساعية نحوها. {فَأَثَرْنَ بِهِ} أي: هيجن وحركن في ذلك الوقت الذي وصلن إليه {نَقْعاً} [العاديات: 4] ليكون علامة تدل على وصولهن. {فَوَسَطْنَ بِهِ} أي: دخلن بذلك الوقت {جَمْعاً} [العاديات: 5] سكان علام اللاهوت؛ أي: المطلقين عن جميع القيود الناسوتية.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : اعلم يا طالب الهمة العالية أن الله تعالى أقسم بالهمم العالية في كتابه القدير، حيث قال: {وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً} [العاديات: 1]؛ أي: وحق الهمم العالية التي تعدو في سبيل إلى حد يخرج من جوف اشتياقها صوت الدعاء من شدة العدو أو غاية الاشتياق، بحيث تسمع الملائكة السماوية صيح تضرعها في دعائها والتماسها من مالكها؛ ليسهل عليها سلوك الطريق الوعر الذي يتعلق بجبال القالب. {فَٱلمُورِيَاتِ قَدْحاً} [العاديات: 2]؛ أي: الموريات من حجر الجبال بنور شوقي نار الهداية المستكنة في حجر القالب وقت لتخمير اللطيفة؛ وهي حوافز تلك الهمم وحوافز الذكر، {فَٱلْمُغِيرَاتِ صُبْحاً} [العاديات: 3]؛ يعني: إذا وصلت الهمة بعد سلوكها في جبال القالب الراسية في ظلام الليل القالبي، وعبورها عنها على أفق عالم النفس، وتنفس صبح النفس أغار أصحاب الهمم العالية على الخواطر النفسية واستوائها. {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً} [العاديات: 4]؛ يعني: هيجن غبار خواطر النفس محملة الذكر في الكرة الأولى؛ لئلا يختفي خاطر من خواطرها. {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً} [العاديات: 5]؛ يعني: وسط الهمم العالية وجنود القوى القلبية، وحزب الخواطر الذكرية التي هي حزب الرحمن في وسط عالم النفس، مجتمعين منصورين ذاكرين، [رمح] الذكر فوق سطح النفس، ناجين أعلام الهداية في سوق الهوى، ضاربين طبل النصرة على أبواب حضرة الإمارة، آسرين قوى النفس الأمارة صاحبها بمخالفة المولى، الصافة مواجهة صف القوى القلبية باستظهار جند الهوى.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أقسم الله تبارك وتعالى بالخيل، لما فيها من آيات الله الباهرة، ونعمه الظاهرة، ما هو معلوم للخلق. وأقسم [تعالى] بها في الحال التي لا يشاركها [فيه] غيرها من أنواع الحيوانات، فقال: { وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا } أي: العاديات عدوًا بليغًا قويًا، يصدر عنه الضبح، وهو صوت نفسها في صدرها، عند اشتداد العدو. { فَالْمُورِيَاتِ } بحوافرهن ما يطأن عليه من الأحجار { قَدْحًا } أي: تقدح النار من صلابة حوافرهن [وقوتهن] إذا عدون، { فَالْمُغِيرَاتِ } على الأعداء { صُبْحًا } وهذا أمر أغلبي، أن الغارة تكون صباحًا، { فَأَثَرْنَ بِهِ } أي: بعدوهن وغارتهن { نَقْعًا } أي: غبارًا، { فَوَسَطْنَ بِهِ } أي: براكبهن { جَمْعًا } أي: توسطن به جموع الأعداء، الذين أغار عليهم. والمقسم عليه، قوله: { إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ } أي: لمنوع للخير الذي عليه لربه. فطبيعة [الإنسان] وجبلته، أن نفسه لا تسمح بما عليه من الحقوق، فتؤديها كاملة موفرة، بل طبيعتها الكسل والمنع لما عليه من الحقوق المالية والبدنية، إلا من هداه الله وخرج عن هذا الوصف إلى وصف السماح بأداء الحقوق، { وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ } أي: إن الإنسان على ما يعرف من نفسه من المنع والكند لشاهد بذلك، لا يجحده ولا ينكره، لأن ذلك أمر بين واضح. ويحتمل أن الضمير عائد إلى الله تعالى أي: إن العبد لربه لكنود، والله شهيد على ذلك، ففيه الوعيد، والتهديد الشديد، لمن هو لربه كنود، بأن الله عليه شهيد. { وَإِنَّهُ } أي: الإنسان { لِحُبِّ الْخَيْرِ } أي: المال { لَشَدِيدُ } أي: كثير الحب للمال. وحبه لذلك، هو الذي أوجب له ترك الحقوق الواجبة عليه، قدم شهوة نفسه على حق ربه، وكل هذا لأنه قصر نظره على هذه الدار، وغفل عن الآخرة، ولهذا قال حاثًا له على خوف يوم الوعيد: { أَفَلا يَعْلَمُ } أي: هلا يعلم هذا المغتر { إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ } أي: أخرج الله الأموات من قبورهم، لحشرهم ونشورهم. { وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ } أي: ظهر وبان [ما فيها و] ما استتر في الصدور من كمائن الخير والشر، فصار السر علانية، والباطن ظاهرًا، وبان على وجوه الخلق نتيجة أعمالهم. { إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ } أي مطلع على أعمالهم الظاهرة والباطنة، الخفية والجلية، ومجازيهم عليها. وخص خبره بذلك اليوم، مع أنه خبير بهم في كل وقت، لأن المراد بذلك، الجزاء بالأعمال الناشئ عن علم الله واطلاعه.

همام الصنعاني

تفسير : 3679- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً}: [الآية: 1]، قال: هي الخيل تعدو حتَّى تَضْبَحَ. 3680- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَٱلمُورِيَاتِ قَدْحاً}: الآية: 2]، قال: هيَ الخيل قدحت النارَ بحوافرها. قَالَ معمر، قال الكلبي: هي الخيل تقدم بحوافرها حتى تخرج منها النار. 3681- حدثنا عدب الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَٱلْمُغِيرَاتِ صُبْحاً}: [الآية: 3]، قال: أغارت حين أصبحت. {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً}: [الآية: 4]، فأثرن به غباراً، {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً}: [الآية: 5]، قال: فوسطْن جمع القوم. 3682- عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء ابن عباس قال: {وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً} [الآية: 1]، قال: ليس شيء من الدواب يَضْبَحُ إلا كلب أو فرس. {فَٱلمُورِيَاتِ قَدْحاً}: [الآية: 2]، قال: هو مكر الرجل. {فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً}: [الآية: 4]، قال: غباراً. {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً}: [الآية: 5]، قال: جمع العدو، وقال عمرو: وكان عبيد بن عمير يقول: هي الإبل. 3683- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن عُيَيْنَة، عن إسماعيل، عن أبي صالح، عن علي أنه كَانَ يَقُولُ: هي الإبل، فقال له عكرمة، كان ابن عباس يقول: هي الخيل، فقال أبو صالح: مولاي أفقه من مولاك.