١٠٠ - ٱلْعَادِيَات
100 - Al-Adiyat (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
6
Tafseer
الرازي
تفسير : قال الواحدي: أصل الكنود منع الحق والخير والكنود الذي يمنع ما عليه، والأرض الكنود هي التي لا تنبت شيئاً ثم للمفسرين عبارات، فقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة: الكنود هو الكفور قالوا: ومنه سمي الرجل المشهور كندة لأنه كند أباه ففارقه، وعن الكلبي الكنود بلسان كندة العاصي وبلسان بني مالك البخيل، وبلسان مضر وربيعة الكفور، وروى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن: الكنود هو الكفور الذي يمنع رفده، ويأكل وحده، ويضرب عبده، وقال الحسن: الكنود اللوام لربه يعد المحن والمصائب، وينسى النعم والراحات، وهو كقوله: {أية : وَأَمَّا إِذَا مَا ٱبْتَلَـٰهُ فَقَدَّرَهُ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَيَقُولُ رَبّى أَهَانَنِ }تفسير : [الفجر:16]. واعلم أن معنى الكنود لا يخرج عن أن يكون كفراً أو فسقاً، وكيفما كان فلا يمكن حمله على كل الناس، فلا بد من صرفه إلى كافر معين، أو إن حملناه على الكل كان المعنى أن طبع الإنسان يحمله على ذلك إلا إذا عصمه الله بلطفه وتوفيقيه من ذلك، والأول قول الأكثرين قالوا: لأن ابن عباس قال: إنها نزلت في قرط بن عبد الله بن عمرو بن نوفل القرشي، وأيضاً فقوله: {أية : أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى ٱلْقُبُور}تفسير : [العاديات:9] لا يليق إلا بالكافر، لأن ذلك كالدلالة على أنه منكر لذلك الأمر. الثاني: من الأمور التي أقسم الله عليها قوله: {وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ لَشَهِيدٌ } وفيه قولان: أحدهما: أن الإنسان على ذلك أي على كنوده لشهيد يشهد على نفسه بذلك، أما لأنه أمر ظاهر لا يمكنه أن يجحده، أو لأنه يشهد على نفسه بذلك في الآخرة ويعترف بذنوبه القول الثاني: المراد وإن الله على ذلك لشهيد قالوا: وهذا أولى لأن الضمير عائد إلى أقرب المذكورات والأقرب ههنا هو لفظ الرب تعالى ويكون ذلك كالوعيد والزجر له عين المعاصي من حيث إنه يحصى عليه أعماله، وأما الناصرون للقول الأول فقالوا: إن قوله بعد ذلك: {وَإِنَّهُ لِحُبّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ } الضمير فيه عائد إلى الإنسان، فيجب أن يكون الضمير في الآية التي قبله عائداً إلى الإنسان ليكون النظم أحسن. الأمر الثالث: مما أقسم الله عليه قوله: {وَإِنَّهُ لِحُبّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ } الخير المال من قوله تعالى: {أية : إِن تَرَكَ خَيْرًا } تفسير : [البقرة: 180] وقوله: {أية : وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً } تفسير : [المعارج: 21] وهذا لأن الناس يعدون المال فيما بينهم خيراً كما أنه تعالى سمى ما ينال المجاهد من الجراح وأذى الحرب سوءاً في قوله: {أية : لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء } تفسير : [آل عمران: 174] والشديد البخيل الممسك، يقال: فلان شديدة ومتشدد، قال طرفة:شعر : أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدد تفسير : ثم في التفسير وجوه أحدها: أنه لأجل حب المال لبخيل ممسك وثانيها: أن يكون المراد من الشديدة القرى، ويكون المعنى وإنه لحب المال وإيثار الدنيا وطلبها قوي مطيق، وهو لحب عبادة الله وشكر نعمه ضعيف، تقول: هو شديد لهذا الأمر وقوي له، وإذا كان مطيقاً له ضابطاً وثالثها: أراد إنه لحب الخيرات غير هني منبسط ولكنه شديد منقبض ورابعها: قال الفراء: يجوز أن يكون المعنى وإنه لحب الخير لشديد الحب يعني أنه يحب المال، ويحب كونه محباً له، إلا أنه اكتفى بالحب الأول عن الثاني، كما قال: {أية : ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ } تفسير : [ابراهيم: 18] أي في يوم عاصف الريح فاكتفى بالأولى عن الثانية وخامسها: قال قطرب: أي إنه شديد حب الخير، كقولك إنه لزيد ضروب أي أنه ضروب زيد. واعلم أنه تعالى لما عد عليه قبائح أفعاله خوفه، فقال:
القرطبي
تفسير : هذا جواب القسم؛ أي طبع الإنسان على كفران النعمة. قال ابن عباس: {لَكَنُودٌ } لكفور جَحُود لنعم الله. وكذلك قال الحسن. وقال: يذكر المصائب وينسى النعم. أخذه الشاعر فنظمه: شعر : يٰأيُّها الظالمُ في فِعْلِهِ والظُّلْم مردود على مَنْ ظَلَمْ إلى متى أَنْتَ وحَتَّى متى تشكو المُصيباتِ وتنسى النعم! تفسير : وروى أبو أُمامة الباهِلِيّ: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : الكَنُود، هو الذي يأكل وَحْدَه، ويمنع رِفْده، ويضرب عَبْدَه » تفسير : . وروى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : أَلاَ أُنبِّئُكُمْ بشرارِكُمْ»؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «من نَزَل وحدَه، ومنع رِفْدَه، وجَلَد عبدَه» »تفسير : . خرجهما الترمذي الحكيم في نوادر الأصول. وقد روي عن ابن عباس أيضاً أنه قال: الكَنود بلسان كِندة وحضرموت: العاصي، وبلسان ربيعة ومضر: الكفور. وبلسان كِنانة: البخيل السَّيّء المَلَكة؛ وقاله مقاتل. وقال الشاعر: شعر : كَنود لِنَعماء الرجالِ ومَنْ يكن كَنوداً لنعماء الرجال يُبَعَّدِ تفسير : أي كفور. ثم قيل: هو الذي يكفر اليسير، ولا يشكر الكثير. وقيل: الجاحد للحق. وقيل: إنما سميت كِنْدَة كِندة، لأنها جحدتْ أباها. وقال إبراهيم بن هَرْمَة الشاعر: شعر : دعِ البخلاءَ إن شمخُوا وصَدُّوا وذِكَرى بُخْل غانيةٍ كَنودِ تفسير : وقيل: الكَنود: من كَند إذا قطع؛ كأنه يقطع ما ينبغي أنّ يواصله من الشكر. ويقال: كَنَد الحبلَ: إذا قطعه. قال الأعشى: شعر : أمِيطِي تُمِيطي بصُلْبِ الفؤادِ وَصُولِ حِبالٍ وكَنَّادِها تفسير : فهذا يدل على القطع. ويقال: كَنَدَ يكْنِد كُنوداً: أي كفر النعمة وجحدها، فهو كنود. وامرأة كنود أيضاً، وكُنُدٌ مِثله. قال الأعشى: شعر : أحدِث لها تحدِث لوصلك إنها كُنُد لوصلِ الزائر المعتادِ تفسير : أي كفور للمواصلة. وقال ابن عباس: الإنسان هنا الكافر؛ يقول إنه لكفور؛ ومنه الأرض الكنود التي لا تنبت شيئاً. وقال الضحاك: نزلت في الوليد بن المغيرة. قال المبرد: الكنود: المانع لما عليه. وأنشد لكثير: شعر : أحدِثْ لها تُحْدِثْ لوصلك إنها كُنُدٌ لِوَصل الزائر المعتاد تفسير : وقال أبو بكر الواسطي: الكنود: الذي ينفق نِعم الله في معاصي الله. وقال أبو بكر الوراق: الكنود: الذي يرى النعمة من نفسه وأعوانه. وقال الترمذي: الذي يرى النعمة ولا يرى المنعِم. وقال ذو النون المصري: الهلوع. والكنود: هو الذي إذا مسه الشر جزوع، وإذا مسه الخير منوع. وقيل: هو الحقود الحسود. وقيل: هو الجهول لقدره. وفي الحكمة: من جهِل قدره: هتك سِتره. قلت: هذه الأقوال كلها ترجع إلى معنى الكفران والجحود. وقد فسر النبيّ صلى الله عليه وسلم معنى الكنود بخصال مذمومة، وأحوال غير محمودة؛ فإن صح فهو أعلى ما يقال، ولا يبقى لأحد معه مقال.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلإنسَٰنَ } الكافر {لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ } لكفور يجحد نعمته تعالى.
ابن عبد السلام
تفسير : {لَكَنُودٌ} كنود قيل الذي يكفر اليسير ولا يشكر الكثير أو اللوام لربه يذكر المصائب وينسى النعم أو جاحد الحق قيل إنها سميت كندة لأنها جحدت أباها أو العاصي بلسان كندة وحضرموت أو البخيل بلسان مالك بن كنانة أو الذي ينفق نعم الله في معاصيه أو الذي يضرب عبده ويأكل وحده ويمنع رِفده قيل نزلت في الوليد بن المغيرة.
ابن عادل
تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ}. هذا هو المقسم عليه، و "لرَبِّهِ" متعلق بالخبر، وقدم الفواصل، والكنُود: الجحود. وقيل: الكفور لنعمه، وأنشد: [الطويل] شعر : 5281- كَنُودٌ لِنعْمَاءِ الرِّجَالِ ومَـنْ يَكُـنْ كَنُوداً لِنعْماءِ الرِّجَالِ يُبعَّـدِ تفسير : وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - هو بلسان "كندة" و "حضرموت": العاصي، وبلسان "ربيعة" و "مضر": الكفور، وبلسان "كنانة": البخيل. وأنشد أبو زيد: [الخفيف] شعر : 5282- إنْ تَفُتْنِي فلمْ أطِبْ عَنْـكَ نَفْسـاً غَيْرَ أنِّي أمْسِي بِدهْرٍ كَنُودِ تفسير : وقيل: لسان الجاحد للحق. وقيل: إنما سميت كندة لأنها جحدت أباها. وقيل: الكنود: من كند إذا قطع، كأنه يقطع ما ينبغي أن يواصله من الشكر، ويقال: كند الخيل: إذا قطع؛ قال الأعشى: [المتقارب] شعر : 5283- يُعْطِـي عَطـاءً بِصُلـبِ الفُــؤادِ وصُـولِ حِبَــالٍ وكنَّادِهَــا تفسير : فهذا يدل على القطع، ويقال: كند يكند كنوداً، أي: كفر النعمة وجحدها، فهو كنود، وامرأة كنود أيضاً، وكند مثله؛ قال الأعشى: [الكامل] شعر : 5284- أحْدِثْ لهَا تُحدِثُ لوصْلِكَ إنَّهَا كُنُدٌ لوِصْلِ الزَّائرِ المُعْتَادِ تفسير : أي: كفور للمواصلة، وروى أبو أمامة الباهلي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الكنُودُ: هُو الَّذي يَأكلُ وحدهُ، ويمنعُ رفدهُ، ويَضربُ عَبْدَهُ" تفسير : خرجه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول. وقال الحسن: الكنود اللوام لربه يعد المحن والمصيبات، وينسى النعم والراحات، وهو كقوله تعالى: {أية : وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ} تفسير : [الفجر: 16]. واعلم أن الكنود لا يخرج عن أن يكون كفراً أو فسقاً، وكيفما كان فلان يمكن حمله على كل الناس، فلا بد من صرفه إلى كافر معين، وإن حملناه على الكل فالمعنى أن طبع الإنسان يحمله على ذلك إلا إذا عصمه الله بلطفه وتوفيقه. قال ابن عباس: الإنسان هنا الكافر، يقول: إنه لكفور، ومنه الأرض الكنود التي لا تنبت شيئاً. وقال الضحاك: نزلت في الوليد بن المغيرة. وقال أبو بكر الواسطي: الكنُود: الذي ينفق نعم اللهِ في معاصي الله. وقال ذو النون المصري: الهلوع والكنود: هو الذي إذا مسه الشرُّ جزوعٌ، وإذا مسَّه الخيرُ منوع. وقيل: هو الحسود الحقود. قال القرطبي: "هذه الأقوال كلُّها ترجع إلى معنى الكفران والجحود". وقال ابن عباس - رضي الله عنه - نزلت في قرط بن عبد الله بن عمرو بن نوفل القرشي، لقوله: {أية : أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي ٱلْقُبُورِ} تفسير : [العاديات: 19] ولا يليق إلا بالكافر المنكر لذلك. قوله: {وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ لَشَهِيدٌ}. أي: وإن الله - تعالى - على ذلك من ابن آدم لشهيد، قاله ابن عباس ومجاهد وأكثر المفسرين. وقال الحسن وقتادة ومحمد بن كعب: "وإنَّهُ" أي: وإن الإنسان لشاهدٌ على نفسه بما يصنع كقوله تعالى بعد ذلك: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ}. والأول أولى؛ لأنه كالوعيد والزجر له عن المعاصي. قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ}. اللام متعلقة بـ "شديد" وفيه وجهان: أحدهما: أنها المعدية، والمعنى: وإنه لقوي مطيق لحب الخير أي: المال، يقال: هو شديد لهذا الأمر، أي: مطيق له، ويقال: لشديد: أي: بخيل، ويقال للبخيل: شديد ومتشدِّد؛ قال طرفة: [الطويل] شعر : 5285- أرَى المَوْتَ يَعْتَامُ الكِرَامَ ويَصْطَفِي عَقِيلةَ مَالِ الفَاحشِ المُتَشَددِ تفسير : يقال: اعتامه واعتماه: أي: اختاره، والفاحش: البخيل أيضاً؛ قال تعالى: {أية : وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ} تفسير : [البقرة: 268] أي: البخل. قال ابن زيد: سمى الله المال خيراً، وعسى أن يكون شراً وخيراً، ولكن الناس يعدونه خيراً، فسماه الله تعالى خيراً لذلك، قال تعالى: {أية : إِن تَرَكَ خَيْراً} تفسير : [البقرة: 180] وسمى الجهاد سوءاً، فقال: {أية : فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ} تفسير : [آل عمران: 174] على ما يسميه الناس. الثاني: أن "اللام" للعلة، أي: وإنه لأجل حبِّ المالِ لبخيل. وقيل: "اللام" بمعنى "على". وقال الفراءُ: أصل نظم الآية أن يقال: وإنه لشديد الحب للخير، فلما قدم الحب قال: "لشديد" وحذف من آخره ذكر الحب؛ لأنه قد جرى ذكره، لرءوس الآي، كقوله تعالى: {أية : فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} تفسير : [إبراهيم: 18] والعصوف: للريح لا للأيام، فلما جرى ذكرُ الرِّيحِ قبل اليوم، طرح من آخره ذكر الريح، كأنه قال: في يوم عاصف الريح.
ابو السعود
تفسير : وقولُه تعالَى: {إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لِرَبّهِ لَكَنُودٌ} أَيْ لكفورٌ مِنْ كندَ النعمةَ كنوداً جوابُ القسمِ والمرادُ بالإنسانِ بعضُ أفرادِه. رُوِيَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بعثَ إلى أناسٍ منْ بنِي كنانةَ سريةً واستعملَ عليَها المنذرَ بنَ عمروٍ الأنصاريَّ وكانَ أحدَ النقباءِ فأبطأ عليهِ الصلاةُ والسلامُ خبرُهَا شهراً فقالَ المنافقونَ إنُهم قُتلوا فنزلتْ السورةُ إخباراً للنبـيِّ عليهِ عليه الصلاةُ والسلامُ بسلامتِها وبشارةً لهُ بإغارتِها على القومِ ونعياً على المُرجفينَ في حقِّهم مَا هُم فيهِ من الكنودِ وفي تخصيصِ خيلِ الغُزاةِ بالإقسامِ بَها منَ البراعةِ ما لا مزيدَ عليهِ كأنه قيلَ: وخيلِ الغُزاةِ التي فعلتْ كيتَ وكيتَ وقد أرجفَ هؤلاءِ في حقِّ أربابِها ما أرجفُوا أنهم مبالغونَ في الكفرانِ {وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ} أيْ وإنَّ الإنسانَ على كنودِه {لَشَهِيدٌ} يشهدُ عَلى نفسِه بالكنودِ لظهورِ أثرِه عليهِ {وَإِنَّهُ لِحُبّ ٱلْخَيْرِ} أي المالِ كمَا في قولِه تعالَى إنْ تركَ خيراً {لَشَدِيدٌ} أيْ قويٌ مطيقٌ مجدٌّ في طلبِه وتحصيلِه متهالكٌ عليهِ يقالُ هُوَ شديدٌ لهذا الأمرِ وقويٌّ لَهُ إذا كانَ مطيقاً لَهُ ضَابطاً وقيلَ: الشديدُ البخيلُ أيْ إنَّه لأجلِ حُبِّ المالِ وثقلِ إنفاقِه عليهِ لبخيلٌ ممسكٌ ولعَلَّ وصفَهُ بهذا الوصفِ القبـيحِ بعدَ وصفِه بالكنودِ للإيماءِ إلى أنَّ من جملةِ الأمورِ الداعيةِ للمنافقينَ إلى النفاقِ حبَّ المالِ لأنَّهم بما يظهرونَ من الإيمانِ يعصمونَ أموالَهُم ويحوزونَ من الغنائمِ نصيباً وقولُه تعالَى: {أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى ٱلْقُبُورِ} الخ تهديدٌ ووعيدٌ والهمزةُ للإنكارِ والفاءُ للعطفِ على مقدرٍ يقتضيهِ المقامُ أي أيفعلُ ما يفعلُ من القبائحِ أو أَلا يلاحظُ فلا يعلمُ حالَهُ إذا بعثَ منْ فِي القبورِ من المَوْتى وإيرادُ ما لكونِهم إذْ ذاكَ بمعزلَ عنْ رتبةِ العقلاءِ وقُرِىءَ بُحْثرَ وبُحِثَ وبَحْثَر وبَحَثَ على بنائهِما للفاعلِ {وَحُصّلَ} أَيْ جمعَ محصلاً أوْ ميز خيرُه من شرِّهِ وقرىء وحَصَّلَ مبنياً للفاعلِ وحَصَلَ مخففاً {مَا فِى ٱلصُّدُورِ} منَ الأسرارِ الخفيةِ التي منْ جُملتِها ما يخفيه المنافقونَ من الكفرِ والمعاصِي فضلاً عن الأعمالِ الجليةِ {إِنَّ رَبَّهُم} أي المبعوثينَ كَنَّى عنْهُم بعدَ الإحياءِ الثاني بضميرِ العُقلاءِ بعدَ مَا عبرَ عنهُمْ قبلَ ذلكَ بَما بناءً على تفاوتِهم في الحالينِ كما فعلَ نظيرَهُ بعد الإحياءِ الأولِ حيثُ التفتَ إلى الخطابِ في قولِه تعالَى: { أية : وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَـٰرَ} تفسير : [سورة النحل، الآية 78] الآيةَ بعدَ قولِه: { أية : ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} تفسير : [سورة السجدة، الآية 9] إيذاناً بصلاحيتِهم للخطابِ بعد نفخِ الروحِ وبعدمِها قبلَه كما أُشيرَ إليهِ هناكَ {بِهِمُ} بذواتِهم وصفاتِهم وأحوالِهم بتفاصيلِها {يَوْمَئِذٍ} يومَ إذْ يكونُ ما ذكرَ من بعثِ ما في القبورِ وتحصيلِ مَا فِي الصدورِ {لَّخَبِيرٌ} أيْ عالمٌ بظواهرِ ما عملُوا وبواطنِه علماً موجباً للجزاءِ متصلاً بهِ كما ينبىءُ عنْهُ تقيـيدُه بذلكَ اليومِ وإلاَّ فمطلقُ علمِه سبحانَهُ محيطٌ بَما كانَ وما سيكونُ وقولُه تعالَى بِهم ويومئذَ متعلقانِ بخبيرٍ قدمَا عليه لمراعاة الفواصلِ واللامُ غيرُ مانعةٍ من ذلكَ وقرأ ابنُ السَّماكِ إنَّ ربَّهم بهمْ يومئذٍ خبـيرٌ. عنِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : مَنْ قرأَ سورةَ والعادياتِ أُعْطِيَ منَ الأجرِ عشرَ حسناتٍ بعددِ منْ باتَ بمزدلفةَ وشهدَ جَمْعاً".
التستري
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ}[6] قال: الكنود الكفور، وهو الذي خالف العهد وجانب الصدق وألف الهوى، فحينئذ يؤيسه الله من كل بر وتقوى.
السلمي
تفسير : قال القاسم: هو الذى تشهد بأحواله على أحواله لأن الحق تولاها فى أزليته قبل أن يخلقها، وسيرها بتقديره، وأخرجها إلى الكون بتدبيره وفى عرضة القيامة يسوقها إلى المحشر كما ساقتها فى الأزل، والأبد دون غيره فانطلق بما شاء ما شاء فى تسييره فى الدارين، وأخرس من شاء عما شاء بتدبيره. وقال بعضهم فى قوله: {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} قال: رأسه على وسادة النعمة، وقلبه فى ميدان الغفلة. وقال بعضهم: يرى ما منه، ولا يرى ما إليه. قال عمر بن عبد العزيز: قيدوا نعم الله بالشكر، وشكرها ترك المعصية فإن الإنسان لربه لكنود يَعُد المصائب وينسى النعمة. قال الواسطى رحمه الله: يطالع ما جرى منه فى ذات الله، ولا يطالع ما جرى من الله إليه فإذا شاهدت الأرواح حق استحقاقه نسيت قيامها بالطاعات عند مشاهدته. قوله تعالى: {وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ لَشَهِيدٌ} [الآية: 7]. قال بعضهم: أمرها راجع إلى الله، أى: إن الله شهيد على أسراره، وأحواله، وأفعاله.
القشيري
تفسير : {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ}. هذا هو جوابُ القَسَمِ. {لَكَنُودٌ}: أي لكَفُور بالنعمة. {وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ لَشَهِيدٌ}. أي: وإنه على كنوده لشهيد. {وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ}. أي: وإنه لبخيلٌ لأجل حُبِّ المال. قوله جلّ ذكره: {أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي ٱلْقُبُورِ}. أي: بُعِثَ الموتى. {وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ}. بُيِّنَ ما في القلوب من الخير والشرِّ. {إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ}. أفلا يعلم أن اللَّهَ يُجازيهم - ذلك اليومَ - على ما أسلفوا، ثم قال عَلَى الاستئناف: {إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ}. ويقال في معنى الكَنُود: هو الذي يَرَى ما إليه مِنْ البَلْوَى، ولا يرى ما هو به مِنْ النُّعْمَى. ويقال: هو الذي رأسُه على وسادة النعمة، وقَلبُه في ميدان الغفلة. ويقال: الكَنُود: الذي ينسى النِّعَم ويَعُدُّ المصائب. وقوله: {وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ لَشَهِيدٌ}، يحتمل: وإِنَّ اللَّهَ على حاله لشهيد.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ لَشَهِيدٌ} شهد الحق على اسرار الخلق فى الازل قبل ايجادها لا يغرب عن علمه ذرة من العرش الى الثرى والانسان لا يعرف ما اعطاه الله من نعمة بالحقيقة وانه لكفور اذ لا يعرف منعه قال القسيم هو الذى يشهد باحواله وعلى احواله لان الحق تولاها فى ازليته قبل ان خلقها وسيرها بتقديره واخرجها الى الكون بتدبيره وفى عرصة القيامة يسوقها الى المحشر كما ساقها فى الازل والابد دون غيره فانطلق ما شاء بما شاء فى يسيره فى الدارين واخرس ما شاء عما شاء بتدبيره قال الواسطى فى قوله ان الانسان لكنود بعد مامنه من الطاعات وينسى ما من الله به عليه من الكرامات.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الانسان لربه لكنود} جواب القسم يقال كند النعمة كنودا كفر بها فالكنود بالضم كفران النعمة وبالفتح الكفور ومنه سمى كندة بالكسر وهو لقب ثور بن عفيرابى حى من اليمن لأنه كند ابوه النعمة ففارقه ولحق باخواله وقال الكلبى الكنود بلسان كندة العاصى وبلسان بنى مالك البخيل وبلسان مضر وربيعة الكفور والمراد بالانسان بعض افراده اى انه لنعمة ربه خصوصا لكفور اى شديد الكفران فقوله لربه متعلق بكنود قدم عليه لافادة التخصيص ومراعاة الفواصل روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الى ناس من بنى كنانة سرية واستعمل عليها المنذر بن عمرو الانصارى رضى الله عنه وكان احد النقباء فابطأ عليه صلى الله عليه وسلم خبرها شهرا فقال حديث : المنافقون انهم قتلوا تفسير : فنزلت السورة اخبارا للنبى عليه السلام بسلامتها وأشارة له باغارتها على القوم ونعيا على المرجفين فى حقهم ما هم فيه من الكنود فاللام فى العاديات ان كانت للعهد كان المقسم به خيل تلك السرية وان كانت للجنس كان ذلك قسما بكل خيل عدت فى سبيل الله واتصفت بالصفات المذكورة وعلى التقديرين فهى مستحقة لأن يقسم بها لاتصافها بتلك الصفات الشريفة وفى تخصيص خيل الغزاة بالاقسام بها من البراعة ما لا مزيد عليه كأنه قيل وخيل الغزاة التى فعلت كيت وكيت وقد ارجف هؤلاء فى حق اربابها ما ارجفوا انهم مبالغون فى الكفران واذا كان شرف خيل الغزاة بهذه المرتبة حتى اقسم الله بها فما ظنك بشرف الغزاة وفضلهم عند الله تعالى وعنه عليه السلام حديث : الكنود هو الذى يضرب عبده ويأكل وحده ويمنع رفدهتفسير : اى عطاه فيكون بخيلا يقال كان ثلاثة نفر من العرب فى عصر واحد احدهم آية فى السخاء وهو حاتم الطائى والثانى آية فى البخل وهو ابو حباحب وبخله انه كان لا يوقد النار للخبز الا اذا نام الناس فاذا انتبهوا اطفأ ناره لئلا ينتفع بها احد والثالث آية فى الطمع وهو اشعب بن جبير مولى لمصعب بن الزبير بن العوام قرأ صبى فى المكتب وعنده اشعب جالس ان ابى يدعوك فقام وليس نعليه فقال الصبى انا اقرأ حزبى وكان اذا رأى انسانا يحك عنقه يظن أنه ينتزع قميصه ليدفعه اليه وكان اذا رأى دخانا ارتفع من دار ظن أن اهلها تأتى بطعام وكان اذا رأى عروسا تزف الى موضع جعل يكنس باب داره لكى تدخل داره قال ما رأيت اطمع منى الا كلبا تبعنى على مضغ العلك فرسخا وقال الحسن لكنود اى لوام لربه يذكر المصيبات وينسى النعم وقال ابوعبيدة قليل الخير من الارض الكنود التى لا تنبت شيأ كأنه مقلوب النكد وقال القاشانى لكفور لربه باحتجابه بنعمه عنه ووقوفه معها وعدم استعماله لها فيما ينبغى ليتوصل بها اليه وفى التأويلات النجمية لكنود بنعمة الوجود والصفات والاسماء لادعائها لنفسه بالاستقلال والاستبداد او لعاص باستعمالها فى غير محالها او لبخيل لاختصاصها لنفسه وعدم ايثارها على الخلق بطرق الارشاد.
الأعقم
تفسير : {إن الإنسان لربه} هذا جواب القسم {لكنود} قيل: لكفور أي جحود لنعم الله، وقيل: هو الذي يأكل وحده ويمنع رفده ويضرب عبده، وبلسان بني مالك البخيل {وإنه على ذلك لشهيد} قيل: الله شاهد عليه بأنه كنود، والهاء كناية عن اسم الله تعالى، وقيل: الهاء راجعة الى الانسان أي هو شاهد على نفسه بما صنع، وقيل: أفعاله شاهدة على ما في قلبه من الرضى والسخط، وقيل: تنطق جوارحه {وإنه لحب الخير لشديد} الخير المال وتقديره لشديد لحب الخير {أفلا يعلم} يعني الانسان {إذا بعثر ما في القبور} أي أخرج ما فيها من الأموات {وحصّل ما في الصدور} أي جمع وأبرز ما فيها من خيرٍ أو شرٍ، وقيل: أظهر ما فيها {إن ربهم بهم يومئذ لخبير} لعالم بهم فيجازيهم على أعمالهم.
الهواري
تفسير : {إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ}. تفسير العامة: الكَنود. الكَفور، وهي بلسان ربيعة، الكَفور للنعمة، الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ويجيع عبده، ولا يعطي النائبة في قومه. وقال الحسن هو الذي يلوم ربه، ويستبطىء الإِجابة. وتفسير عمرو عن الحسن: إنه المشرك؛ وهو مثل قوله تعالى: (أية : فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّآ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ) تفسير : [الفجر:15-16]. قال عز وجل: {وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ} أي: على كفره يوم القيامة. وقال الحسن: يشهد على نفسه أنه يلوم ربه. {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ} أي: المال {لَشَدِيدٌ} [أي لبخيل]. {أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ} أي: أخرج ما فيها من الأموات {وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ} أي ميّز، وهو مثل قوله تعالى: (أية : يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآئِرُ) تفسير : [الطارق:9] وحصل، أي: شق عما في الصدور {إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ} أي: لعالم.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} كفور لربه جاحد له أو كفور لنعمه وقيل أقسم بالنفوس العاديات اثر كما لهن بالموريات بافكارهن انوار المعارف والمغيرات على الهوى والعاديات إذ ظهر لهن فيرى انوارا القدس فأثرن به شوقا فوسطن به جمعا من جموع علتين وقيل الكنود العاصي وهو لغة كندة قيل سمي كندة لانه كند أباه وفارقه وقيل الذي يعد المصائب وينسى النعم وعن الفضل الذي انسته الخصلة الواحدة من الاساءة الخصال الكثيرة من الإحسان وضده الشكور الذي انسته الخصلة الواحدة من الاحسان الخصال الكثيرة من الاساءة وقيل البخيل قال الكلبي هو لغة بني مالك وقيل قليل الخير من قولهم أرض كنود أي لا تنبت والجمهور على الأول بوجهيه قال الكلبي الكنود في لغة ربيعة ومضر الكفور للنعمة الذي يأكل وحده ويمنع رفده ويجيع عبده ولا يعطي النائبة في قومه وقال الحسن الذي يلوم ربه ويستبطئ الإجابة وروي عنه الوجه الأول وهو أنه المشرك وعنه صلى الله عليه وسلم حديث : أَتدرون ما الكنود قالوا لا يا رسول الله قال هو الكفور الذي ياكل وحده ويمنع رفده ويضرب عبده تفسير : وكل نعمة من الله ولو جرت على يد مخلوق وأجل ما أنعم به على الإنسان من مثله نعمة أبويه.
اطفيش
تفسير : جواب القسم والكنود عن الجمهور الكفور النعم كما قال ابن عباس ورواه أبو إمامة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث : أتدرون ما الكنود قالوا الله ورسوله أعلم، قال هو الكفور الذى يضرب عبده ويمنع رفده ويأكل وحدهتفسير : ، رواه الطبرانى، وللبخارى موقوفاً على أبى إمامة يضرب عبده وينزل وحده ويمنع رفده، وعن الحسن الكنود اللائم لربه عز وجل يعد المصيبات السيئات وينسى النعم الحسنات وهو راجع إلى التفسير بكفر النعم المذكور أولا، وعن ابن عباس الكنود بلسان كندة وحضرموت العاصى وبلسان ربيعة ومضر الكفور وبلسان كنانة البخيل السىء المملكة، وقيل الكنود القليل الخير مأخوذ من الأرض الكنود التى لا تنبت شيئاً والتفسير بلغة مضر أليق لأن القرآن بلسانهم فهو الكفور للنعم كما مر ولفظ الكلبى بلسان كندة وبنى مالك وهم أهل حضرموت، والمراد بالناس المجموع لا الجميع إذ فيهم مشركون كفورون للنعم بل هم الأكثر والذى يظهر لى فى مثل هذا من حين البلوغ كل الناس حاشى من يستثنى بمعنى أن ذلك كالطبيعة فيهم ألا ترى أن كل أحد يجزع مما أصابه وينسى عند الإصابة ما تقدم له من خير وما هو فيه منه إلاَّ أن من وفقه الله تعالى يتوب، وقيل المراد قرط بن عبد الله بن عمرو بن نوفل القريشى وأنت خبير بأن سبب النزول لا يكون مخصصاً ولا يعترض التعميم بقوله تعالى أفلا يعلم. الخ كما قيل لأنه يوعظ المؤمن بما يوعظ الكافر كما تقول للموحد العاصى أو البخيل أفلا تعلم أنك تموت فتجازى وفى الآيات مدح للغزاة إذ خالفوا طبعهم بالغزو ولربه متعلق بكنود قدم للفاصلة وللحصر للمبالغة كأنه لم يكند إلاَّ ربه أو للحصر الإضافى أى إنما كند ربه لا نفسه فإنه راض عنها مادح لها وحامد وبطريق الاهتمام لأن الذم البليغ إنما هو كنوده الله أى نعمه ولام خبر إن لا صدر لهما واللام للتقوية وفى تعليقها قولان يقال كند النعمة أى كفرها.
الالوسي
تفسير : أي لكفور جحود من كند النعمة كفرها ولم يشكرها وأنشدوا:شعر : كنود لنعماء الرجال ومن يكن كنوداً لنعماء الرجال يبعد تفسير : وعن ابن عباس ومقاتل الكنود بلسان كندة وحضرموت العاصي وبلسان ربيعة ومضر الكفور وبلسان كنانة البخيل السيء الملكة ومنه الأرض الكنود التي لا تنبت شيئاً وقال الكلبـي نحوه إلا أنه قال وبلسان بني مالك البخيل ولم يذكر حضرموت بل اقتصر على كندة وتفسيره بالكفور هنا مروي عن ابن عباس والحسن وأخرجه ابن عساكر عن أبـي أمامة مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية أخرى عن الحسن أنه قال هو اللائم لربه عز وجل يعد السيآت وينسى الحسنات وروى الطبراني وغيره بسند ضعيف عن أبـي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أتدرون ما الكنود قالوا الله تعالى ورسوله أعلم قال هو الكفور الذي يضرب عبده ويمنع رفده ويأكل وحده»تفسير : وأخرج البخاري في «الأدب المفرد» والحكيم الترمذي وغيرهما تفسيره بالذي يمنع رفده وينزل وحده ويضرب عبده موقوفاً على أبـي أمامة والجمهور على تفسيره بالكفور وكل مما ذكر لا يخلو عن كفران والكفران المبالغ فيه يجمع صنوفاً منه. وأل في (الإنسان) للجنس والحكم عليه بما ذكر باعتبار بعض الأفراد وقيل المراد به كافر معين لما روي عن ابن عباس أنها نزلت في قرط بن عبد الله بن عمرو بن نوفل القرشي وأيد بقوله تعالى بعد: {أية : أَفَلاَ يَعْلَمُ}تفسير : [العاديات: 9] الخ لأنه لا يليق إلا بالكافر وفي الأمرين نظر وقيل المراد به كل الناس على معنى أن طبع الإنسان يحمله على ذلك إلا إذا عصمه الله تعالى بلطفه وتوفيقه من ذلك واختاره عصام الدين وقال فيه مدح للغزاة لسعيهم على خلاف طبعهم. و{لِرَبِه} متعلق بكنود واللام غير مانعة من ذلك وقدم للفاصلة مع كونه أهم من حيث إن الذم البالغ إنما هو على كنود نعمته عز وجل وقيل للتخصيص على سبيل المبالغة.
الشنقيطي
تفسير : هذا الجواب قال القرطبي: الكنود: الكفور الجحود لنعم الله، وهو قول ابن عباس. وقيل الحسن: يذكر المصائب وينسى النعم، أخذه الشاعر فنظمه: شعر : يا أيها الظالم في فعله والظلم مردود على من ظلم إلى متى أنت وحتى متى تشكو المصيبات وتنسى النعم تفسير : وروى أبو أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الكنود هو الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده ". تفسير : وروى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا أبشركم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: من نزل وحده، ومنع رفده، وجلد عبده" تفسير : خرجهما الترمذي الحكيم في نوادر الأصول. وروى ابن عباس أيضاً أنه قال: "حديث : الكنود بلسان كندة وحضرموت: العاصي، وبلسان ربيعة ومضر: الكفور، وبلسان كِنانة: البخيل السيء الملكة ". تفسير : وقال مقاتل. وقال الشاعر: شعر : كنود لنعماء الرجال ومن يكن كَنوداً لنعماء الرجال يُبعّد تفسير : أي كفور. ثم قيل: هو الذي يكفر اليسير، ولا يشكر الكثير. وقيل: الجاحد للحق. وقيل: سميت كندة كندة، لأنها جحدت أباها. وقال إبراهيم بن هرمة الشاعر: شعر : دع البخلاء إن شمخُوا وصَدوا وذكري بخل غانيةٍ كنود تفسير : في نقول كثيرة وشواهد. ومنها: الكنود الذي ينفق نعم الله في معصية الله. وعن ذي النون: الهلوع والكنود: هو الذي إذا مسه الشر جزوعاً، وإذا مسه الخير منوعاً. وقيل: الحسود الحقود. ثم قال القرطبي رحمه الله في آخر البحث: قلت: هذه الأقوال كلها ترجع إلى معنى الكفران والجحود. وقد فسر النَّبي صلى الله عليه وسلم معنى الكنود بخصال مذمومة، وأحوال غير محمودة، فإن صح فهو أعلى ما يقال، ولا يبقى لأحد معه مقال. اهـ. وهكذا كما قال: إن صح الأثر فلا قول لأحد، ولكن كل هذه الصفات من باب اختلاف التنوع، لأنها داخلة ضمن معنى الجحود للحق أو للنعم. وقد استدل ذو النون المصري بالآية الكريمة، وهي مفسرة للكنود على المعاني المتقدمة بأنه هو الهلوع {أية : إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً} تفسير : [المعارج: 20-21]. ومثلها قوله: {أية : فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ} تفسير : [الفجر: 15-16]. وقد عقب عليه هناك بمثل ما عقب عليه هنا. فهناك قال تعالى: {أية : كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً} تفسير : [الفجر: 17-20]. وهنا عقب عليه بقوله: {أية : وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} تفسير : [العاديات: 8]، والله تعالى أعلم. وقوله: إن الإنسان عام في كل إنسان، ومعلوم أن بعض الإنسان ليس كذلك، كما قال تعالى: {أية : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الليل: 5-6]، مما يدل على أنه من العام المخصوص. وأن هذه الصفات من طبيعة الإنسان إلا ما هذبه الشرع، كما قال تعالى: {أية : وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ} تفسير : [النساء: 128]. وقوله: {أية : وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تفسير : [الحشر: 9]. ونص الشيخ في إملائه أن المراد به الكافر. قوله تعالى: {وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ لَشَهِيدٌ}. اختلف في مرجع الضمير في: وإنه، فقيل: راجع للإنسان، ورجحه الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب، مستدلاً بقوله تعالى بعده {أية : وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} تفسير : [العاديات: 8]. وقيل: راجع إلى رب الإنسان. واختار هذا القرطبي وقدمه. وجميع المفسرين يذكرون الخلاف، وقد عرفت الراجح منها، وعليه، فعلى أنه راجع لرب الإنسان فلا إشكال في هذه الآية، وعلى أنه راجع للإنسان ففيه إشكال أورده الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الإضطراب وأجاب عليه. وهو أنه جاءت نصوص تدل على أنه ينكر ذلك، وأنه كان يجب أن يحسن صنعاً، ونحو ذلك. ومن الجواب عليه: أن شهادته بلسان الحال. وقد أورد بعض المفسرين شهادتهم بلسان المقال في قوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} تفسير : [التوبة: 17]، إلا أن هذه الشهادة بالكفر هي الشرك. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ}. الخير عام، كما تقدم في قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} [الزلزلة: 7]. ولكنه هنا خاص بالمال، فهو من العام الذي أريد به لخاص من قصر العام على بعض أفراده، لأن المال فرد من أفراد الخير، كقوله تعالى: {أية : إِن تَرَكَ خَيْراً} تفسير : [البقرة: 180]، أي مالاً، لأن عمل الخير يصحبه معه ولا يتركه. وفي معنى هذا وجهان: الأول وإنه لحب الخير أي بسبب حبه الخير لشديد بخيل، شديد البخل. كما قيل: شعر : أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدد تفسير : أي شديد البخل على هذه الرواية من هذا البيت. والوجه الثاني: وإنه لشديد حب المال. قالهما ابن كثير. وقال: كلاهما صحيح، والواقع أن الثاني يتضمن الأول. ويشهد للوجه الثاني، قوله تعالى: {أية : وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً * وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً} تفسير : [الفجر: 19-20] وقلنا إن الثاني يتضمن الأول، لأن من أحب المال حباً جماً سيحمله حبه على البخل. وفي هذا النص مذمة حب المال وهو جبلة في الإنسان، إلا من هذبه الإسلام، إلا أن الذم ينصب على شدة الحب التي تحمل صاحبها على ضياع الحقوق أو تعدي الحدود. وهذه الآية وما قبلها نازلة في الكفار كما قدمنا كلام الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في إملائه.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلإِنسَانَ} (6) - ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى مَا أَقْسَمَ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنَّ الإِنْسَانَ لَشَدِيدُ الكُفْرَانِ وَالجُحُودِ لأَِنْعُمِ اللهِ. كَنُودٌ - كَفُورٌ جَحُودٌ. (حديث : وَعَرَّفَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الكَنُودَ فَقَالَ: الكَنُودُ الذِي يَأْكُلُ وَحْدَهُ، وَيَضْرِبُ عَبْدَهُ، وَيَمْنَعُ رِفْدَهُ).
الثعلبي
تفسير : {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع: لكفور جحود لنِعم اللّه تعالى. قال الكلبي: هو بلسان كندة وحضرموت، وبلسان معد كلهم: العاصي، وبلسان مضر وربيعة وقضاعة: الكفور، وبلسان بني مالك البخيل. وروى شعبة عن سماك أنه قال: إنما سميت كندة؛ لأنها قطعت أباها. وقال ابن سيرين: هو اللوّام لربه. وقال الحسن: هو الذي يعدّ المصائب وينسى النعم، أخذه الشاعر فقال: شعر : يا أيها الظالمُ في فعله والظلم مردودٌ على من ظَلَمْ إلى متى أنت وحتى متى تشكو المصيبات وتنسى النِّعم تفسير : وأخبرنا أبو القمر بن حبيب في صفر سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن سعد الرازي قال: حدّثنا العباس بن حمزة قال: حدّثنا أحمد بن محمد قال: حدّثنا صالح بن محمد قال: حدّثنا سلمة عن جعفر بن الزبير عن القميّ عن أبي أمامة عن رسول اللّه (عليه السلام) في هذه الآية: {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} قال رسول اللّه (عليه السلام): "حديث : أتدرون ما الكنود؟"، فقالوا: اللّه ورسوله أعلم، قال: "الكنود [قال: هو الكفور الذي] يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده ". تفسير : وقال عطاء: الكنود الذي لا يعطي في النائبة مع قومه. وقال أبو عبيدة: هو قليل الخير، والأرض الكنود التي لا تنبت شيئاً قال أبو ذبيان: شعر : إن نفسي ولم أطب عنك نفساً غير أنّي أُمنى بدهر كنود تفسير : وقال الفضيل بن عياض: الكنود الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإحسان الخصال الكثيرة من الإساءة. وقال أبو بكر الورّاق: الكنود الذي يرى النعمة من نفسه وأعوانه. محمد بن علي الترمذي: هو الذي يرى النعمة ولا يرى المنعم، وقال أبو بكر الواسطي: هو الذي ينفق نعم اللّه سبحانه في معاصي اللّه، وقال بسّام بن عبد اللّه: هو الذي يجادل ربّه على عقد العوض. ذو النّون: تفسير الهلوع والكنود قوله: {أية : إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلْخَيْرُ مَنُوعاً} تفسير : [المعارج: 20-21]. وقيل: هو الذي يكفر باليسير ولا يشكر الكثير، وقيل: الحقود، وقيل: الحسود. وقيل: جهول القدر. وفي الحكمة من جهل قدره هتك ستره. وقال بعضهم والحسن: رأسه على وسادة النعمة وقلبه في ميدان الغفلة. وقيل: يرى ما منهُ ولا يرى ما إليه، وجمع الكنود كُند. قال الأعشى: شعر : أحدث لها [تحدث] لوصلك أنّها كند لوصل الزائر المعتاد تفسير : {وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ لَشَهِيدٌ} قال أكثر المفسّرين: وإن اللّه على كنود هذا الإنسان وصنيعه لشاهد، وقال ابن كيسان: ال (هاء) راجعة إلى الإنسان، يعني أنّه شاهد على نفسه بما يصنع، {وَإِنَّهُ} يعني الإنسان {لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ} أي المال. وقال ابن زيد: سمّى اللّه المال خيراً وعسى أن يكون خبيثاً وحراماً ولكن الناس يعدّونه خيراً فسمّاه اللّه خيراً؛ لأن الناس يسمّونه خيراً وسمي الجهاد سوءاً فقال: {أية : فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ} تفسير : [آل عمران: 174] أي قتال. وليس هو عند اللّه بسوء ولكن سمّاه اللّه سوءاً؛ لأنّ الناس يسمّونه سوءاً. ومعنى الآية وإنه من أجل حبّ المال {لَشَدِيدٌ} بخيل، ويقال للبخيل: شديد ومتشدّد، قال طرفة: شعر : أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدّد تفسير : والفاحش: البخيل أيضاً قال اللّه سبحانه: {أية : وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ} تفسير : [البقرة: 268] أي البخل، وقيل: معناه: وإنّه لحب الخير لقويّ، وقال الفرّاء: كان موضع الحب أن يكون بعد شديد وأن يضاف شديد إليه فيقال: وإنّه لشديد الحبّ للخير، فلمّا يقدم الحبّ قبل شديد وحذف من آخره لمّا جرى ذكره في أوله، ولرؤوس الآيات كقوله سبحانه: {أية : فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} تفسير : [إبراهيم: 18] والعصوف لا يكون للأيّام إنّما يكون للريح، فلمّا جرى ذكر الريح قبل اليوم طرحت من آخره كأنه قيل: في يوم عاصف الريح. {أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ} يُحث وأثير، قال الفرّاء: وسمعت بعض أعراب بني أسد يقرأ: بُحثر بالحاء وقال: هما لغتان. {مَا فِي ٱلْقُبُورِ} فأُخرجوا منها {وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ} أي مُيَّز وأُبرز ما فيها من خير أو شرّ، وقرأ عبيد بن عمير وسعيد بن جُبير حَصَل بفتح الحاء وتخفيف الصاد أي ظهر. {إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ} جمع الكناية لانّ الإنسان اسم الجنس. {يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ} عالم، والقراءة بكسر الألف لأجل اللام، ولولاها لكانت مفتوحة بوقوع العلم عليها. وبلغني أن الحجاج بن يوسف قرأ على المنبر هذه السورة يحضُّ الناس على الغزو فجرى على لسانه: أنّ ربهم بفتح الألف ثم استدركها من جهة العربية فقال: خبير، وأسقط اللام.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} معناه لَكَفورٌ. ويقال: هو الذي يَأكلُ وَحدَهُ، ويَمنعُ رِفدَهُ ويَضرِبُ عَبدَهُ. ويقال: الذي يَعدّ المَصائبَ ويَنسى نِعمةَ رَبهِ.
الجيلاني
تفسير : وبالجملة: بحق هذه المقسمات العظام {إِنَّ ٱلإِنسَانَ} المجبول على الكفران والنسيان {لِرَبِّهِ} الذي ربَّاه بأنواع الكرم والإحسان {لَكَنُودٌ} [العاديات: 6] كفور مبالغ في الكفران والطغيان. {وَإِنَّهُ} أي: الإنسان نفسه {عَلَىٰ ذَلِكَ} أي: كنوديته وكفرويته {لَشَهِيدٌ} [العاديات: 7] لظهور آثار الكفران والطغيان عليه دائماً، وبالجملة: هو نفسه شاهد على كفره وكفرانه، وشركه وطغيانه، إلى حيث يلوح أثر عصيانه عليه. {وَإِنَّهُ} من شدة بغيه وعدوانه وغفلته على الله وإحسانه {لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ} أي: المَّال والجاه والثروة، والسيادة المبعدة له عن كنف مولاه {لَشَدِيدٌ} [العديات: 8] قوي، مبالغ فيه، مباهٍ فيه، حريص في طلبه، متعب نفسه في تحصيله، وحبُّه هذا ما هو إلاَّ من غاية كفرانه بنعم الله وحرمانه عن مقتضى كرمه وضعف يقينه بالله وموائد إنعامه وإحسانه. وبالجملة: {أَفَلاَ يَعْلَمُ} الإنسان الكفور، الكنود، المحب للجاه والمَّال {إِذَا بُعْثِرَ} أي: بُعث ونُشر وحُشر {مَا فِي ٱلْقُبُورِ} [العاديات: 9] من الموتى. {وَحُصِّلَ} أي: جُمِّع وميِّز {مَا فِي ٱلصُّدُورِ} [العاديات: 10] من المكنونات، خيراً كان أو شراً. {إِنَّ رَبَّهُم} الذي أظهرهم من كتم العدم وربَّاهم بأنواع الكرم {بِهِمْ يَوْمَئِذٍ} وهو يوم القيامة التي فيه تبلى السرائر وتكشف الضمائر {لَّخَبِيرٌ} [العاديات: 11] بصير بعموم ما جرى عليهم في نشأة الاختبار خيراً كان أو شراً، فيجازيهم على متقضى علمه وخبرته بلا فوت شيء من ذلك، ومع علمه سبحانه بهم وبما صدر عنهم، يعملون عملاً سيؤاخذون عليه. نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. خاتمة السورة عليك أيها الإنسان الكامل المجبول على حكمة المعرفة والإيقان أن تشمِّر ذيلك إلى ما جُبلت لأجله، وتخلِّي خلدك عن مطلق الأشغال العائقة عن التوجه الحقيقي نحو الحق، فلك أن ترى يوم الجزاء بين يديك ونصب عينيك، وبالجملة: لا تغفل عن الله، فإنه يرقبك في أولاك وأخراك.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {إِنَّ ٱلإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات: 6]؛ يعني: إن الإنسان لا يرضى بهذا الفتح لأنه كنود، ويدخل مني الإذن بدخوله في عالم القلب، فالواجب على صاحب الهمم العليّة أن يشكر الله على نعمة الفتح والنصرة في هذا المقام، ثم يسأل منه التوفيق للدخول في عالم القلم وكنوده من علق همته، وعجلته من غاية اشتياقه، وبهاتين الخصلتين اللتين إن ظهرتا تتبدلا بالهمة، والسرعة المحمودة التي أشار إليها الله تعالى حيث قال في كتابه: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ}تفسير : [آل عمران: 133]، صار الإنسان أشرف الموجودات، وإن لم يكن هاتان الخصلتان موجودتان في ابن آدم، ويمكن له التجاوز عن مقامه، مثل الملائكة الذين يقولون: {أية : وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}تفسير : [الصافات: 164]، وظلمه وجهلة وكفرانه أيضاً من الواجبات العالية الهمة في سلوك الطريقة. كما أن الكنود والعجلة من الموجبات أيضاً إذا ظهر صار صفتين حميدتين معينتين لصاحبهما على قطع الطريق والغلبة على العدو، وبعلو الهمة التي هي نتيجة الكنود المطهر من تلويثات الهوى النفسية، وبسرعة السير لغلبة الإشتياق التي هي من خصائص صفة العجلة المزكاة من كدورات القوى القالبية، بحيث يسير في عمره القصير سيراً باستعداد العجلة، ويصل إلى مطلوبه في سيره، وينتهي سيره في مدة يسيرة إلى ما لا يمكن الوصول لمنتهاه إلا بخمسين ألف سنة لغيره، فذلك الجهل؛ لأنه من جهلة تثقل الأمانة قلبه وحملها حيث أبت الكائنات حملها وقبولها، كما يقول تعالى: {أية : وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً}تفسير : [الأحزاب: 72] على نفسه، {جَهُولاً} [الأحزاب: 72] بحقيقة ثقل الأمانة. ولولا صفة ظلوميته لما حارب بنفسه وما قاتلها، ولما اجتهد في قلع أشجار خواطرها، وما شد عليها مشربها من ينبوع الهوى، ولولا صفة كفرانه لما التفت إلى تربيته طبيعتها له ورحم عليها، وما حملها على ترك مألوفاتها، وقطع النظر عن مشتهياتها، وما أمرها بالمجاهدة في خلع عاداتها ورفض محبوبتها طباعها، ونفض الأيدي من الدنيا ومتاعها، فكفرانه بنعمة تربيته اللطيفة، وبالنفس التي رباني في حجرها من زمان تعلق الروح بالعلة إلى أن بلغ مبلغ الرجال، وعلم أن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وطفق ينفي الباطل ويثبت الحق، وسلك الطريق وعرف المظلوم من المحمود على سبيل التحقيق، سير له قهر النفس وهواها وأضعف الطبيعة وأقواها؛ لأنها أرضعته من الصغر إلى الكبر. {وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ لَشَهِيدٌ} [العادات: 7]؛ يعني: أن الحق شهيد بما أودعه من الصفات الجديدة في أجبال قالبه ومعدن نفسه ليكون له استعداد المحاربة وقت الجهاد، ثم يحصل له من هذه الجديدة المرآة التي هي المقصودة من إيجاد المكونات. {وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العادات: 8]؛ يعني: أن الإنسان لحب المعارف لشديد؛ ولأجل هذه يبخل السالك بمعارفه ولو لم تكن صفة البخل فيه يكون إفشاء لأسرار الطريقة في بداية وصوله إلى المعارف القلبية؛ لقلة عمله فإن إفشاء سر الطريقة لا يجوز، وإظهار علاماتها لغير أهلها منهى عنه، وينبغي للسالك في مقام كشف المعارف القلبية ألاَّ يلتفت إليها ويجتهد في السلوك، ويبالغ في نفي المعارف؛ لئلا ينقطع بالمعارف عن المعروف. {أَفَلاَ يَعْلَمُ} [العاديات: 9] السالك {إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي ٱلْقُبُورِ} [العاديات: 9]؛ أي: بعثر ما في قبور القلب، وأبين وأخرج ما في معدته مستكن مستودع.
همام الصنعاني
تفسير : 3684- عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن في قوله: {لَكَنُودٌ}: [الآية: 6]، قال: لكفور.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):