Verse. 6214 (AR)

١١٠ - ٱلنَّصْر

110 - An-Nasr (AR)

اِذَا جَاۗءَ نَصْرُ اللہِ وَالْفَتْحُ۝۱ۙ
Itha jaa nasru Allahi waalfathu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إذا جاء نصر الله» نبيَّه صلى الله عليه وسلم على أعدائه «والفتح» فتح مكة.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : {إِذَا جَاء نَصْرُ ٱللَّهِ } في الآية لطائف: إحداها: أنه تعالى لما وعد محمداً بالتربية العظيمة بقوله: {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ }تفسير : [الضحى:5] وقوله: {أية : إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ }تفسير : [الكوثر:1] لا جرم كان يزداد كل يوم أمره، كأنه تعالى قال: يا محمد لم يضيق قلبك، ألست حين لم تكن مبعوثاً لم أضيعك بل نصرتك بالطير الأبابيل، وفي أول الرسالة زدت فجعلت الطير ملائكة ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بخمسة آلاف ثم الآن أزيد فأقول إني أكون ناصراً لك بذاتي: {إِذَا جَاء نَصْرُ ٱللَّهِ } فقال: إلهي إنما تتم النعمة إذا فتحت لي دار مولدي ومسكني فقال: {وَٱلْفَتْحُ } فقال: إلهي لكن القوم إذا خرجوا، فأي لذة في ذلك فقال: {وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوٰجاً } ثم كأنه قال: هل تعلم يا محمد بأي سبب وجدت هذه التشريفات الثلاثة إنما وجدتها لأنك قلت في السورة المتقدمة: {أية : يأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } تفسير : [الكافرون: 1] يشتمل على أمور ثلاثة أولها: نصرتني بلسانك فكان جزاؤه: {إِذَا جَاء نَصْرُ ٱللَّهِ } وثانيها: فتحت مكة قلبك بعسكر التوحيد فأعطيناك فتح مكة وهو المراد من قوله، {والفتح} والثالث: أدخلت رعية جوارحك وأعضائك في طاعتي وعبوديتي فأنا أيضاً أدخلت عبادي في طاعتك، وهو المراد من قوله: {يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوٰجاً } ثم إنك بعد أن وجدت هذه الخلع الثلاثة فابعث إلى حضرتي بثلاث أنواع من العبودية تهادوا تحابوا، إن نصرتك فسبح، وإن فتحت مكة فاحمد وإن أسلموا فاستغفر، وإنما وضع في مقابلة: نصر الله تسبيحه، لأن التسبيح هو تنزيه الله عن مشابهة المحدثات، يعني تشاهد أنه نصرك، فإياك أن تظن أنه إنما نصرك لأنك تستحق منه ذلك النصر، بل اعتقد كونه منزهاً عن أن يستحق عليه أحد من الخلق شيئاً، ثم جعل في مقابل فتح مكة الحمد لأن النعمة لا يمكن أن تقابل إلا بالحمد، ثم جعل في مقابلة دخول الناس في الدين الاستغفار وهو المراد من قوله: {أية : وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } تفسير : [محمد: 19] أي كثرة الأتباع مما يشغل القلب بلذة الجاه والقبول، فاستغفر لهذا القدر من ذنبك، واستغفر لذنبهم فإنهم كلما كانوا أكثر كانت ذنوبهم أكثر فكان احتياجهم إلى استغفارك أكثر الوجه الثاني: أنه عليه السلام لما تبرأ عن الكفر وواجههم بالسوء في قوله: {يا أيها ٱلْكَـٰفِرُونَ } كأنه خاف بعض القوم فقلل من تلك الخشونة فقال: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ } فقيل: يا محمد لا تخف فإني لا أذهب بك إلى النصر بل أجيء بالنصر إليك: {إِذَا جَاء نَصْرُ ٱللَّهِ } نظيره: «زويت لي الأرض» يعني لا تذهب إلى الأرض بل تجيء الأرض إليك، فإن سئمت المقام وأردت الرحلة، فمثلك لا يرتحل إلا إلى قاب قوسين: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ } تفسير : [الإسراء: 16] بل أزيد على هذا فأفضل فقراء أمتك على أغنيائهم ثم آمر الأغنياء بالضحايا ليتخذوها مطايا فإذا بقي الفقير من غير مطية أسوق الجنة إليه: {أية : وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ } تفسير : [الشعراء: 90] الوجه الثالث: كأنه سبحانه قال: يا محمد إن الدنيا لا يصفو كدرها ولا تدوم محنها ولا نعيمها فرحت بالكوثر فتحمل مشقة سفاهة السفهاء حيث قالوا: أعبد آلهتنا حتى نعبد إلهك فلما تبرأ عنهم وضاق قلبه من جهتهم قال: أبشر فقد جاء نصر الله فلما استبشر قال: الرحيل الرحيل أما علمت أنه لا بد بعد الكمال من الزوال، فاستغفره أيها الإنسان لا تحزن من جوع الربيع فعقيبه غنى الخريف ولا تفرح بغنى الخريف فعقيبه وحشة الشتاء، فكذا من تم إقباله لا يبقى له إلا الغير ومنه: شعر : إذا تم أمر دنا نقصه توقع زوالا إذا قيل تم تفسير : إلهي لم فعلت كذلك قال: حتى لا نضع قلبك على الدنيا بل تكون أبداً على جناح الارتحال والسفر الوجه الرابع: لما قال في آخر السورة المتقدمة: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ } فكأنه قال: إلهي وما جزائي فقال: نصر الله فيقول: وما جزاء عمي حين دعاني إلى عبادة الأصنام فقال: {أية : تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ } تفسير : [المسد: 1] فإن قيل: فلم بدأ بالوعد قبل الوعيد، قلنا: لوجوه أحدها: لأن رحمته سبقت غضبه والثاني: ليكن الجنس متصلاً بالجنس فإنه قال: {وَلِىَ دِينِ } وهو النصر كقوله: {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ } تفسير : [آل عمران: 106]، وثالثها: الوفاء بالوعد أهم في الكرم من الوفاء بالانتقام، فتأمل في هذه المجانسات الحاصلة بين هذه السور مع أن هذه السور مع أن هذه السورة من أواخر ما نزل بالمدينة وتلك السورة من أوائل ما نزل بمكة ليعلم أن ترتيب هذه السور من الله وبأمره الوجه الخامس: أن في السورة المتقدمة لم يذكر شيئاً من أسماء الله، بل قال: ما أعبد بلفظ ما، كأنه قال: لا أذكر اسم الله حتى لا يستخفوا فتزداد عقوبتهم، وفي هذه السورة ذكر أعظم أساميه لأنها منزلة على الأحباب ليكون ثوابهم بقراءته أعظم فكأنه سبحانه قال لا تذكر اسمي مع الكافرين حتى لا يهينوه واذكره مع الأولياء حتى يكرموه الوجه السادس: قال النحويون: {إذاً}منصوب بسبح، والتقدير: فسبح بحمد ربك إذا جاء نصر الله، كأنه سبحانه يقول: جعلت الوقت ظرفاً لما تريده وهو النصر والفتح والظفر وملأت ذلك الظرف من هذه الأشياء، وبعثته إليك فلا ترده علي فارغاً، بل املأه من العبودية ليتحقق معنى: «تهادوا تحابوا» فكأن محمداً عليه السلام قال: بأي شيء أملأ ظرف هديتك وأنا فقير، فيقول الله في المعنى: إن لم تجد شيئاً آخر فلا أقل من تحريك اللسان بالتسبيح والحمد والاستغفار، فلما فعل محمد عليه الصلاة والسلام ذلك حصل معنى تهادوا، لا جرم حصلت المحبة، فلهذا كان محمد حبيب الله الوجه السابع: كأنه تعالى يقول: إذا جاءك النصر والفتح ودخول الناس في دينك، فاشتغل أنت أيضاً بالتسبيح والحمد والاستغفار، فإني قلت: {أية : لئن شكرتم لأزدينكم}تفسير : [إبراهيم: 7] فيصير اشتغالك بهذه الطاعات سبباً لمزيد درجاتك في الدنيا والآخرة، ولا تزال تكون في الترقي حتى يصير الوعد بقولي: {إنا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } الوجه الثامن: أن الإيمان إنما يتم بأمرين: بالنفي والإثبات وبالبراءة والولاية، فالنفي والبراءة قوله: {لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } والإثبات والولاية قوله: {إِذَا جَاء نَصْرُ ٱللَّهِ } فهذه هي الوجوه الكلية المتعلقة بهذه السورة. واعلم أن في الآية أسراراً، وإنما يمكن بيانها في معرض السؤال والجواب. السؤال الأول: ما الفرق بين النصر والفتح حتى عطف الفتح على النصر؟ الجواب: من وجوه أحدها: النصر هو الإعانة على تحصيل المطلوب، والفتح هو تحصيل المطلوب الذي كان متعلقاً، وظاهر أن النصر كالسبب الفتح، فلهذا بدأ يذكر النصر وعطف الفتح عليه وثانيها: يحتمل أن يقال: النصر كمال الدين، والفتح الإقبال الدنيوي الذي هو تمام النعمة، ونظير هذه الآية قوله: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى }تفسير : [المائدة: 3] وثالثها: النصر هو الظفر في الدنيا على المنى، والفتح بالجنة، كماقال: {أية : وَفُتِحَتْ أَبْوٰبُهَا }تفسير : [الزمر: 73] وأظهر الأقوال في النصر أنه الغلبة على قريش أو على جميع العرب. السؤال الثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبداً منصوراً بالدلائل والمعجزات، فما المعنى من تخصيص لفظ النصر بفتح مكة؟ والجواب: من وجهين أحدهما: المراد من هذا النصر هو النصر الموافق للطبع، إنما جعل فظ النصر المطلق دالاً على هذا النصر المخصوص، لأن هذا النصر لعظم موقعه من قلوب أهل الدنيا جعل ما قبله كالمعدوم، كماأن المثاب عند دخول الجنة يتصور كأنه لم يذق نعمة قط، وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله تعالى: {أية : وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ }، تفسير : [البقرة: 214] وثانيهما: لعل المراد نصر الله في أمور الدنيا الذي حكم به لأنبيائه كقوله: {أية : إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَاء لاَ يُؤَخَّرُ }تفسير : [نوح: 4] السؤال الثالث: النصر لا يكون إلا من الله، قال تعالى: {أية : وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 126] فما الفائدة في هذا التقييد وهو قوله: {نَصْرُ ٱللَّهِ }؟ والجواب معناه نصر لا يليق إلا بالله ولا يليق أن يفعله إلا الله أو لا يليق إلا بحكمته ويقال: هذا صنعة زيد إذا كان زيد مشهوراً بإحكام الصنعة، والمراد منه تعظيم حال تلك الصنعة، فكذا ههنا، أو نصر الله لأنه إجابة لدعائهم: {مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ } فيقول هذا الذي سألتموه. السؤال الرابع: وصف النصر بالمجيء مجاز وحقيقته إذا وقع نصر الله فما الفائدة في ترك الحقيقة وذكر المجاز؟ الجواب فيه إشارات: إحداها: أن الأمور مربوطة بأوقاتها وأنه سبحانه قدر لحدوث كل حادث أسباباً معينة وأوقاتاً مقدرة يستحيل فيها التقدم والتأخر والتغير والتبدل فإذا حضر ذلك الوقت وجاء ذلك الزمان حضر معه ذلك الأثر وإليه الإشارة بقوله: {أية : وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ }تفسير : [الحجر: 21]، وثانيها: أن اللفظ دل على أن النصر كان كالمشتاق إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن ذلك النصر كان مستحقاً له بحكم الوعد فالمقتضى كان موجوداً إلا أن تخلف الأثر كان لفقدان الشرط فكان كالثقيل المعلق فإن ثقله يوجب الهوى إلا أن العلاقة مانعة فالثقيل يكون كالمشتاق إلى الهوى، فكذا ههنا النصر كان كالمشتاق إلى محمد صلى الله عليه وسلم وثالثها: أن عالم العدم عالم لا نهاية له وهو عالم الظلمات إلا أن في قعرها ينبوع الجود والرحمة وهو ينبوع جود الله وإيجاده، ثم انشعبت بحار الجود والأنوار وأخذت في السيلان، وسيلانها يقتضي في كل حين وصولها إلى موضع ومكان معين فبحار رحمة الله ونصرته كانت آخذة في السيلان من الأزل فكأنه قيل: يا محمد قرب وصولها إليك ومجيئها إليك فإذا جاءتك أمواج هذا البحر فاشتغل بالتسبيح والتحميد والاستغفار فهذه الثلاثة هي السفينة التي لا يمكن الخلاص من بحار الربوبية إلا بها، ولهذا السبب لما ركب أبوك نوح بحر القهر والكبرياء استعان بقوله: {أية : بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } تفسير : [هود: 41] السؤال الخامس: لا شك أن الذين أعانوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على فتح مكة هم الصحابة من المهاجرين والأنصار، ثم إنه سمى نصرتهم لرسول الله: {نَصْرُ ٱللَّهِ } فما السبب في أن صار الفعل الصادر عنهم مضافاً إلى الله؟ الجواب: هذا بحر يتفجر منه بحر سر القضاء والقدر، وذلك لأن فعلهم فعل الله، وتقريره أن أفعالهم مسندة إلى ما في قلوبهم من الدواعي والصوارف، وتلك الدواعي والصوارف أمور حادثة فلا بد لها من محدث وليس هو العبد، وإلا لزم التسلسل، فلا بد وأن يكون الله تعالى، فيكون المبدأ الأول والمؤثر الأبعد هو الله تعالى، ويكون المبدأ الأقرب هو العبد. فمن هذا الاعتبار صارت النصرة المضافة إلى الصحابة بعينها مضافة إلى الله تعالى، فإن قيل: فعلى هذا التقدير الذي ذكرتم يكون فعل العبد مفرعاً على فعل الله تعالى، وهذا يخالف النص، لأنه قال: {أية : إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ } تفسير : [محمد: 7] فجعل نصرنا له مقدماً على نصره لنا والجواب: أنه لا امتناع في أن يصدر عن الحق فعل، فيصير ذلك سبباً لصدور فعل عنا، ثم الفعل عنا ينساق إلى فعل آخر يصدر عن الرب، فإن أسباب الحوادث ومسبباتها متسلسلة على ترتيب عجيب يعجز عن إدراك كيفيته أكثر العقول البشرية. السؤال السادس: كلمة: {إِذَا} للمستقبل، فههنا لما ذكر وعداً مستقبلاً بالنصر، قال: {إِذَا جَاء نَصْرُ ٱللَّهِ } فذكر ذاته باسم الله، ولما ذكر النصر الماضي حين قال: {أية : وَلَئِنْ جَاء نَصْرٌ مّن رَّبّكَ لَيَقُولُنَّ } تفسير : [العنكبوت: 10] فذكره بلفظ الرب، فما السبب في ذلك؟ الجواب: لأنه تعالى بعد وجود الفعل صار رباً، وقبله ما كان رباً لكن كان إلهاً. السؤال السابع: أنه تعالى قال: {أية : إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ } تفسير : [محمد: 7] وإن محمداً عليه السلام نصر الله حين قال: {قُلْ يأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } فكان واجباً بحكم هذا الوعد أن ينصره الله، فلا جرم قال: {إِذَا جَاء نَصْرُ ٱللَّهِ } فهل تقول بأن هذا النصر كان واجباً عليه؟ الجواب: أن ما ليس بواجب قد يصير واجباً بالوعد، ولهذا قيل: وعد الكريم ألزم من دين الغريم، كيف ويجب على الوالد نصرة ولده، وعلى المولى نصرة عبده، بل يجب النصر على الأجنبي إذا تعين بأن كان واحداً اتفاقاً، وإن كان مشغولاً بصلاة نفسه، ثم اجتمعت هذه الأسباب في حقه تعالى فوعده مع الكرم وهو أرأف بعبده من الوالد بولده والمولى بعبده وهو ولي بحسب الملك ومولى بحسب السلطنة، وقيوم للتدبير وواحد فرد لا ثاني له فوجب عليه وجوب الكرم نصرة عبده، فلهذا قال: {إِذَا جَاء نَصْرُ ٱللَّهِ }. أما قوله تعالى: {وَٱلْفَتْحُ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: نقل عن ابن عباس أن الفتح هو فتح مكة وهو الفتح الذي يقال له: فتح الفتوح.روي أنه لما كان صلح الحديبية وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أغار بعض من كان في عهد قريش على خزاعة وكانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء سفير ذلك القوم وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك عليه، ثم قال: حديث : أما إن هذا العارض ليخبرني أن الظفر يجيء من الله، ثم قال لأصحابه: أنظروا فإن أبا سفيان يجيء ويلتمس أن يجدد العهد فلم تمض ساعة أن جاء الرجل ملتمساً لذلك فلم يجبه الرسول ولا أكابر الصحابة فالتجأ إلى فاطمة فلم ينفعه ذلك ورجع إلى مكة آيساً وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسير لمكة، ثم يروى أن سارة مولاة بعض بني هاشم أتت المدينة فقال عليه السلام لها: جئت مسلمة؟ قالت: لا لكن كنتم الموالي وبي حاجة، فحث عليها رسول الله بني عبد المطلب فكسوها وحملوها وزودوها فأتاها حاطب بعشرة دنانير واستحملها كتاباً إلى مكة نسخته: اعلموا أن رسول الله يريدكم فخذوا حذركم، فخرجت سارة ونزل جبريل بالخبر، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً عليه السلام وعماراً في جماعة وأمرهم أن يأخذوا الكتاب وإلا فاضربوا عنقها، فلما أدركوها جحدت وحلفت فسل علي عليه السلام سيفه، وقال: الله ما كذبنا فأخرجته من عقيصة شعرها، واستحضر النبي حاطباً وقال: ما حملك عليه؟ فقال: والله ما كفرت منذ أسلمت ولا أحببتهم منذ فارقتهم، لكن كنت غريباً في قريش وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم فخشيبت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يداً، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال: وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ففاضت عينا عمر، ثم خرج رسول الله إلى أن نزل بمر الظهران، وقدم العباس وأبو سفيان إليه فاستأذنا فأذن لعمه خاصة فقال أبو سفيان: إما أن تأذن لي وإلا أذهب بولدي إلى المفازة فيموت جوعاً وعطشاً فرق قلبه، فأذن له وقال له: ألم يأن أن تسلم وتوحد؟ فقال: أظن أنه واحد، ولو كان ههنا غير الله لنصرنا، فقال: ألم يأن أن تعرف أني رسوله؟ فقال: إن لي شكاً في ذلك، فقال العباس: أسلم قبل أن يقتلك عمر، فقال: وماذا أصنع بالعزى، فقال عمر: لولا أنك بين يدي رسول الله لضربت عنقك، فقال: يا محمد أليس الأولى أن تترك هؤلاء الأوباش وتصالح قومك وعشيرتك، فسكان مكة عشيرتك وأقارب، و(لا) تعرضهم للشن والغارة، فقال عليه السلام: هؤلاء نصروني وأعانوني وذبوا عن حريمي، وأهل مكة أخرجوني وظلموني، فإن هم أسروا فبسوء صنيعهم، وأمر العباس بأن يذهب به ويوقفه على المرصاد ليطالع العسكر، فكانت الكتيبة تمر عليه، فيقول من هذا؟ فيقول العباس هو فلان من أمراء الجند إلى أن جاءت الكتيبة الخضراء التي لا يرى منها إلا الحدق، فسأل عنهم، فقال العباس: هذا رسول الله، فقال: لقد أوتي ابن أخيك ملكاً عظيماً، فقال العباس: هو النبوة، فقال هيهات النبوة، ثم تقدم ودخل مكة، وقال: إن محمداً جاء بعسكر لا يطيقه أحد، فصاحت هند وقالت: اقتلوا هذا المبشر، وأخذت بلحيته فصاح الرجل ودفعها عن نفسه، ولما سمع أبو سفيان أذان القوم للفجر، وكانوا عشرة آلاف فزع لذلك فزعاً شديداً وسأل العباس، فأخبره بأمر الصلاة، ودخل رسول الله مكة على راحلته ولحيته على قربوس سرجه كالساجد تواضعاً وشكراً، ثم التمس أبو سفيان الأمان، فقال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقال: ومن تسع داري، فقال: ومن دخل المسجد فهو آمن فقال: ومن يسع المسجد؟ فقال: من ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ثم وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على باب المسجد، وقال: لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ثم قال: يا أهل مكة ما ترون إني فاعل بكم، فقالوا: خير أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء فأعتقهم، فلذلك سمي أهل مكة الطلقاء ومن ذلك كان علي عليه السلام يقول لمعاوية: أنى يستوي المولى والمعتق يعني أعتقناكم حين مكننا الله من رقابكم ولم يقل:اذهبوا فأنتم معتقون، بل قال: الطلقاء، لأن المعتق يجوز أن يرد إلى الرق، والمطلقة يجوز أن تعاد إلى رق النكاح وكانوا بعد على الكفر، فكان يجوز أن يخونوا فيستباح رقهم مرة أخرى ولأن الطلاق يخص النسوان، وقد ألقوا السلاح وأخذوا المساكن كالنسوان، ولأن المعتق يخلى سبيله يذهب حيث شاء، والمطلقة تجلس في البيت للعدة، وهم أمروا بالجلوس بمكة كالنسوان، ثم إن القوم بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فصاروا يدخلون في دين الله أفواجاً، روي أنه عليه السلام صلى ثمان ركعات: أربعة صلاة الضحى، وأربعة أخرى شكراً لله نافلة، فهذه هي قصة فتح مكةتفسير : ، والمشهور عند المفسرين أن المراد من الفتح في هذه السورة هو فتح مكة، ومما يدل على أن المراد بالفتح فتح مكة أنه تعالى ذكره مقروناً بالنصر. وقد كان يجد النصر دون الفتح كبدر، والفتح دون النصر كإجلاء بني النضير، فإنه فتح البلد لكن لم يأخذ القوم، أما يوم فتح مكة اجتمع له الأمران النصر والفتح، وصار الخلق له كالأرقاء حتى أعتقهم القول الثاني: أن المراد فتح خيبر، وكان ذلك على يد علي عليه السلام، والقصة مشهورة، روي أنه أستصحب خالد بن الوليد، وكان يساميه في الشجاعة، فلما نصب السلم قال لخالد: أتتقدم؟ قال: لا، فلما تقدم علي عليه السلام سأله كم صعدت؟ فقال: لا أدري لشدة الخوف، وروي أنه قال: لعلي عليه السلام ألا تصارعني، فقال: ألست صرعتك؟ فقال: نعم لكن ذاك قبل إسلامي، ولعل علياً عليه السلام إنما امتنع عن مصارعته ليقع صيته في الإسلام أنه رجل يمتنع عنه علي، أو كان علي يقول صرعتك حين كنت كافراً، أما الآن وأنت مسلم فلا يحسن أن أصرعك القول الثالث: أنه فتح الطائف وقصته طويلة والقول الرابع: المراد النصر على الكفار، وفتح بلاد الشرك على الإطلاق، وهو قول أبي مسلم والقول الخامس: أراد بالفتح ما فتح الله عليه من العلوم، ومنه قوله: {أية : وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْماً } تفسير : [طه: 114] لكن حصول العلم لا بد وأن يكون مسبوقاً بانشراح الصدر وصفاء القلب، وذلك هو المراد من قوله: {إِذَا جَاء نَصْرُ ٱللَّهِ } ويمكن أن يكون المراد بنصر الله إعانته على الطاعة والخيرات، والفتح هو انتفاع عالم المعقولات والروحانيات. المسألة الثانية: إذا حملنا الفتح على فتح مكة، فللناس في وقت نزول هذه السورة قولان:أحدهما: أن فتح مكة كان سنة ثمان، ونزلت هذه السورة سنة عشر، وروي أنه عاش بعد نزول هذه السورة سبعين يوماً، ولذلك سميت سورة التوديع والقول الثاني: أن هذه السورة نزلت قبل فتح مكة، وهو وعد لرسول الله أن ينصره على أهل مكة، وأن يفتحها عليه، ونظيره قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ } تفسير : [القصص: 85] وقوله: {إِذَا جَاء نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ } يقتضي الاستقبال، إذ لا يقال فيما وقع: إذا جاء وإذا وقع، وإذا صح هذا القول صارت هذه الآية من جملة المعجزات من حيث إنه خبر وجد مخبره بعد حين مطابقاً له، والإخبار عن الغيب معجز فإن قيل: لم ذكر النصر مضافاً إلى الله تعالى، وذكر الفتح بالألف واللام؟ الجواب: الألف واللام للمعهود السابق، فينصرف إلى فتح مكة.

القرطبي

تفسير : النصر: العَوْن؛ مأخوذ من قولهم: قد نَصَرَ الغيثُ الأرض: إذا أعان على نباتها، من قَحْطِها. قال الشاعر: شعر : إذا انسلخ الشهر الحرام فودِّعِي بلادَ تميمٍ وانْصُرِي أرض عامِرِ تفسير : ويروى: شعر : إذا دخلَ الشهرُ الحرامُ فجاوِزِي بلادَ تميم وانصري أرضَ عامِرِ تفسير : يقال: نصره على عدوّه ينصره نصراً؛ أي أعانه. والاسم النُّصْرة. واستنصره على عدوّه: أي سأله أن ينصره عليه. وتناصروا: نصر بعضهم بعضاً. ثم قيل: المراد بهذا النصر نصر الرسول على قريش؛ الطبريّ. وقيل: نصره على من قاتله من الكفار؛ فإن عاقبة النصر كانت له. وأما الفتح فهو فتح مكة؛ عن الحسن ومجاهد وغيرهما. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: هو فتح المدائن والقصور. وقيل: فتح سائر البلاد. وقيل: ما فتحه عليه من العلوم. و«إذا» بمعنى قد؛ أي قد جاء نصر الله؛ لأن نزولها بعد الفتح. ويمكن أن يكون معناه؛ إذا يجيئك.

البيضاوي

تفسير : مدنية، وآيها ثلاث آيات بسم الله الرحمن الرحيم {إِذَا جَاءَ نَصْرُ ٱللَّهِ } إظهاره إياك على أعدائك. {وَٱلْفَتْحُ } وفتح مكة، وقيل المراد جنس نصر الله المؤمنين وفتح مكة وسائر البلاد عليهم، وإنما عبر عن الحصول بالمجيء تجوزاً للإِشعار بأن المقدرات متوجهة من الأزل إلى أوقاتها المعينة لها فتقرب منها شيئاً فشيئاً، وقد قرب النصر من وقته فكن مترقباً لوروده مستعداً لشكره. {وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوٰجاً } جماعات كثيفة كأهل مكة والطائف واليمن وهوازن وسائر قبائل العرب، و {يَدْخُلُونَ } حال على أن {رَأَيْتُ } بمعنى أبصرت أو مفعول ثان على أنه بمعنى علمت. {فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } فتعجب لتيسير الله ما لم يخطر ببال أحد حامداً له، أو فصل له حامداً على نعمه. «حديث : روي أنه صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة بدأ بالمسجد فدخل الكعبة وصلى ثمان ركعاتتفسير : أو فنزهه تعالى عما كانت الظلمة يقولون فيه حامداً له على أن صدق وعده، أو فأثن على الله تعالى بصفات الجلال حامداً له على صفات الإِكرام. {وَٱسْتَغْفِرْهُ } هضماً لنفسك واستقصاراً لعملك واستدراكاً لما فرط منك من الالتفات إلى غيره. وعنه عليه الصلاة والسلام «حديث : إني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة»تفسير : وقيل استغفره لأمتك، وتقديم التسبيح على الحمد ثم الحمد على الاستغفار على طريق النزول من الخالق إلى الخلق. كما قيل ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله. {إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً } لمن استغفره مذ خلق المكلفين، والأكثر على أن السورة نزلت قبل فتح مكة، وأنه نعي لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لما قرأها بكى العباس رضي الله عنه، فقال عليه الصلاة والسلام ما يبكيك، فقال: نعيت إليك نفسك، فقال «حديث : إنها لكما تقول»تفسير : ولعل ذلك لدلالتها على تمام الدعوة وكمال أمر الدين فهي كقوله تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ }تفسير : [المائدة: 3] أو لأن الأمر باستغفار تنبيه على دنو الأجل، ولهذا سميت سورة التوديع. وعنه عليه الصلاة والسلام «حديث : من قرأ سورة إذا جاء أعطي من الأجر كمن شهد مع محمد عليه الصلاة والسلام يوم فتح مكة شرفها الله تعالى».

ابن كثير

تفسير : قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم يدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد علمتم، فدعاهم ذات يوم، فأدخلني معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول الله عز وجل: { إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ}؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله، ونستغفره، إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له، قال: { إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} فذلك علامة أجلك { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوِٰبَا} فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول، تفرد به البخاري. وروى ابن جرير عن محمد بن حميد عن مهران عن الثوري عن عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس، فذكر مثل هذه القصة أو نحوها. وقال الإمام أحمد: حدثنامحمد بن فضيل، حدثنا عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت: { إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : نعيت إلي نفسي» تفسير : فإنه مقبوض في تلك السنة، تفرد به أحمدـ وروى العوفي عن ابن عباس مثله، وهكذا قال مجاهد وأبو العالية والضحاك وغير واحد: إنها أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم نعي إليه. وقال ابن جرير: حدثني إسماعيل بن موسى، حدثنا الحسن بن عيسى الحنفي، عن معمر عن الزهري عن أبي حازم عن ابن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة إذ قال: «حديث : الله أكبر الله أكبر جاء نصر الله والفتح جاء أهل اليمن ــــ قيل: يا رسول الله وما أهل اليمن؟ قال: ــــ قوم رقيقة قلوبهم، لينة طباعهم، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية» تفسير : ثم رواه ابن عبد الأعلى عن ابن ثور عن معمر عن عكرمة مرسلاً. وقال الطبراني: حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا أبو كامل الجحدري، حدثنا أبو عوانة عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت: { إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} حتى ختم السورة قال: نعيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه حين نزلت، قال: فأخذ بأشد ما كان قط اجتهاداً في أمر الآخرة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: «حديث : جاء الفتح ونصر الله، وجاء أهل اليمن» تفسير : فقال رجل: يا رسول الله وما أهل اليمن؟ قال: «حديث : قوم رقيقة قلوبهم، لينة طباعهم، الإيمان يمان، والفقه يمان»تفسير : . وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن سفيان عن عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس قال: لما نزلت: { إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد نعيت إليه نفسه، فقيل: إذا جاء نصر الله والفتح السورة كلها، حدثنا وكيع عن سفيان عن عاصم عن أبي رزين: أن عمر سأل ابن عباس عن هذه الآية: { إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} قال: لما نزلت، نعيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه. وقال الطبراني: حدثنا إبراهيم بن أحمد بن عمر الوكيعي، حدثنا أبي، حدثنا جعفر بن عون عن أبي العميس، عن أبي بكر بن أبي الجهم عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت من القرآن جميعاً: { إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ}. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري الطائي، عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لما نزلت هذه السورة: { إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ختمها، فقال: «حديث : الناس خير، وأنا وأصحابي خير ــــ وقال: ــــ لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية» تفسير : فقال له مروان: كذبت، وعنده رافع بن خديج وزيد بن ثابت قاعدان معه على السرير، فقال أبو سعيد: لو شاء هذان لحدثاك، ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عرافة قومه، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة، فرفع مروان عليه الدرة ليضربه، فلما رأيا ذلك، قالا: صدق. تفرد به أحمد. وهذا الذي أنكره مروان على أبي سعيد ليس بمنكر، فقد ثبت من رواية ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح: «حديث : لا هجرة، ولكن جهاد ونية، ولكن إذا استنفرتم فانفروا» تفسير : أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، فالذي فسر به بعض الصحابة من جلساء عمر رضي الله عنهم أجمعين من أنه قد أمرنا إذا فتح الله علينا المدائن والحصون، أن نحمد الله ونشكره ونسبحه، يعني: نصلي له ونستغفره، معنى مليح صحيح، وقد ثبت له شاهد من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وقت الضحى ثماني ركعات، فقال قائلون: هي صلاة الضحى، وأجيبوا بأنه لم يكن يواظب عليها، فكيف صلاها ذلك اليوم، وقد كان مسافراً لم ينو الإقامة بمكة، ولهذا أقام فيها إلى آخر شهر رمضان قريباً من تسعة عشر يوماً، يقصر الصلاة، ويفطر هو وجميع الجيش، وكانوا نحواً من عشرة آلاف، قال هؤلاء: وإنما كانت صلاة الفتح. قالوا: فيستحب لأمير الجيش إذا فتح بلداً أن يصلي فيه أول ما يدخله ثماني ركعات، وهكذا فعل سعد بن أبي وقاص يوم فتح المدائن، ثم قال بعضهم: يصليها كلها بتسليمة واحدة، والصحيح أنه يسلم من كل ركعتين؛ كما ورد في سنن أبي داود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسلم يوم الفتح من كل ركعتين، وأما ما فسر به ابن عباس وعمر رضي الله تعالى عنهما من أن هذه السورة نعي فيها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم روحه الكريمة، واعلم أنك إذا فتحت مكة، وهي قريتك التي أخرجتك، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، فقد فرغ شغلنا بك في الدنيا، فتهيأ للقدوم علينا، والوفود إلينا، فالآخرة خير لك من الدنيا، ولسوف يعطيك ربك فترضى، ولهذا قال: { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوِٰبَا}. قال النسائي أخبرنا عمرو بن منصور، حدثنا محمد بن محبوب، حدثنا أبو عوانة عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت: { إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} إلى آخر السورة، قال: نعيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه حين أنزلت، فأخذ في أشد ما كان اجتهاداً في أمر الآخرة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: «حديث : جاء الفتح، وجاء نصر الله، وجاء أهل اليمن» تفسير : فقال رجل: يا رسول الله وما أهل اليمن؟ قال: «حديث : قوم رقيقة قلوبهم، لينة قلوبهم، الإيمان يمان، والحكمة يمانية، والفقه يمان»تفسير : وقال البخاري: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير عن منصور عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «حديث : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» تفسير : يتأول القرآن. وأخرجه بقية الجماعة إلا الترمذي من حديث منصور به. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي عن داود عن الشعبي عن مسروق قال: قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر في آخر أمره من قوله: «حديث : سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه» تفسير : وقال: «حديث : إن ربي كان أخبرني أني سأرى علامة في أمتي، وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده، وأستغفره إنه كان تواباً، فقد رأيتها: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَٰجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوِٰبَا }» تفسير : ورواه مسلم من طريق داود بن أبي هند به. وقال ابن جرير: حدثنا أبو السائب، حدثنا حفص، حدثنا عاصم عن الشعبي، عن أم سلمة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد، ولا يذهب ولا يجيء، إلا قال: «حديث : سبحان الله وبحمده» تفسير : فقلت: يا رسول الله رأيتك تكثر من سبحان الله وبحمده، لا تذهب ولا تجيء ولا تقوم ولا تقعد إلا قلت: سبحان الله وبحمده قال: «حديث : إني أمرت بها» تفسير : فقال: { إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} إلى آخر السورة، غريب، وقد كتبنا حديث كفارة المجلس من جميع طرقه وألفاظه في جزء مفرد، فيكتب ههنا. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله قال لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم{ إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} كان يكثر إذا قرأها وركع أن يقول: «حديث : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم» تفسير : ثلاثاً. تفرد به أحمد. ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن عمرو بن مرة عن شعبة عن أبي إسحاق به، والمراد بالفتح ههنا فتح مكة قولاً واحداً، فإن أحياء العرب كانت تتلوم بإسلامها فتح مكة، يقولون: إن ظهر على قومه، فهو نبي، فلما فتح الله عليه مكة، دخلوا في دين الله أفواجاً، فلم تمضِ سنتان حتى استوسقت جزيرة العرب إيماناً، ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مظهر للإسلام، ولله الحمد والمنة. وقد روى البخاري في صحيحه عن عمرو بن سلمة قال: لما كان الفتح، بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت الأحياء تتلوم بإسلامها فتح مكة، يقولون: دعوه وقومه، فإن ظهر عليهم، فهو نبي. الحديث، وقد حررنا غزوة الفتح في كتابنا «السيرة» فمن أراده فليراجعه هناك، ولله الحمد والمنة. وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق عن الأوزاعي، حدثني أبو عمار، حدثني جار لجابر بن عبد الله قال: قدمت من سفر، فجاءني جابر بن عبد الله فسلّم علي، فجعلت أحدثه عن افتراق الناس، وما أحدثوا، فجعل جابر يبكي، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الناس دخلوا في دين الله أفواجاً، وسيخرجون منه أفواجاً»تفسير : آخر تفسير سورة النصر، و لله الحمد والمنة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ } نبيه صلى الله عليه وسلم على أعدائه {وَٱلْفَتْحُ } فتح مكة.

الشوكاني

تفسير : النصر: العون، مأخوذ من قولهم: قد نصر الغيث الأرض: إذا أعان على نباتها، ومنع من قحطها، ومنه قول الشاعر:شعر : إذا انصرف الشهر الحرام فودّعي بلاد تميم وانصري أرض عامر تفسير : يقال نصره على عدوّه ينصره نصراً: إذا أعانه. والاسم النصرة. واستنصره على عدوّه: إذا سأله أن ينصره عليه. قال الواحدي: قال المفسرون: {إِذَا جَاء }ك يا محمد {نَصْرُ ٱللَّهِ } على من عاداك، وهم: قريش {وَٱلْفَتْحُ } فتح مكة. وقيل: المراد نصره صلى الله عليه وسلم على قريش من غير تعيين. وقيل: نصره على من قاتله من الكفار. وقيل: هو فتح سائر البلاد. وقيل: هو ما فتحه الله عليه من العلوم، وعبر عن حصول النصر، والفتح بالمجيء للإيذان بأنهما متوجهان إليه صلى الله عليه وسلم. وقيل: "إذا" بمعنى قد. وقيل: بمعنى "إذ". قال الرازي: الفرق بين النصر والفتح: أن الفتح هو تحصيل المطلوب الذي كان منغلقاً، والنصر كالسبب للفتح، فلهذا بدأ بذكر النصر، وعطف عليه الفتح. أو يقال النصر كمال الدين، والفتح إقبال الدنيا الذي هو تمام النعمة. أو يقال: النصر الظفر، والفتح الجنة، هذا معنى كلامه. ويقال: الأمر أوضح من هذا وأظهر، فإن النصر هو التأييد الذي يكون به قهر الأعداء وغلبهم، والاستعلاء عليهم، والفتح هو فتح مساكن الأعداء، ودخول منازلهم. {وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوٰجاً } أي: أبصرت الناس من العرب، وغيرهم يدخلون في دين الله الذي بعثك به جماعات فوجاً بعد فوج. قال الحسن: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال العرب: أما إذ ظفر محمد بأهل الحرم، وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل، فليس لكم به يدان، فكانوا يدخلون في دين الله أفواجاً، أي: جماعات كثيرة بعد أن كانوا يدخلون واحداً واحداً، واثنين اثنين، فصارت القبيلة تدخل بأسرها في الإسلام. قال عكرمة، ومقاتل: أراد بالناس أهل اليمن، وذلك أنه ورد من اليمن سبعمائة إنسان مؤمنين. وانتصاب {أفواجاً} على الحال من فاعل يدخلون، ومحل قوله: يدخلون في دين الله النصب على الحال إن كانت الرؤية بصرية، وإن كانت بمعنى العلم، فهو في محل نصب عى أنه المفعول الثاني. {فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } هذا جواب الشرط، وهو العامل فيه، والتقدير: فسبح بحمد ربك إذا جاء نصر الله. وقال مكي: العامل في "إذا" هو {جاء}. ورجحه أبو حيان، وضعف الأوّل بأن ما جاء بعد فاء الجواب لا يعمل فيما قبلها، وقوله: {بِحَمْدِ رَبّكَ } في محل نصب على الحال، أي: فقل سبحان الله ملتبساً بحمده، أو حامداً له. وفيه الجمع بين تسبيح الله المؤذن بالتعجب مما يسره الله له مما لم يكن يخطر بباله ولا بال أحد من الناس، وبين الحمد له على جميل صنعه له، وعظيم منته عليه بهذه النعمة التي هي النصر، والفتح لأمّ القرى التي كان أهلها قد بلغوا في عداوته إلى أعلى المبالغ حتى أخرجوه منها بعد أن افتروا عليه من الأقوال الباطلة، والأكاذيب المختلفة ما هو معروف من قولهم: هو مجنون، هو ساحر، هو شاعر، هو كاهن. ونحو ذلك. ثم ضم سبحانه إلى ذلك أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستغفار، أي: اطلب منه المغفرة لذنبك هضماً لنفسك، واستقصاراً لعملك، واستدراكاً لما فرط منك من ترك ما هو الأولى. وقد كان صلى الله عليه وسلم يرى قصوره عن القيام بحق الله، ويكثر من الاستغفار والتضرّع، وإن كان قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر. وقيل: إن الاستغفار منه صلى الله عليه وسلم ومن سائر الأنبياء هو تعبد تعبدهم الله به، لا لطلب المغفرة لذنب كائن منهم. وقيل: إنما أمره الله سبحانه بالاستغفار تنبيهاً لأمته، وتعريضاً بهم فكأنهم هم المأمورون بالاستغفار. وقيل: إن الله سبحانه أمره بالاستغفار لأمته لا لذنبه. وقيل: المراد بالتسبيح هنا الصلاة. والأولى حمله على معنى التنزيه مع ما أشرنا إليه من كون فيه معنى التعجب سروراً بالنعمة، وفرحاً بما هيأه الله من نصر الدين، وكبت أعدائه، ونزول الذلة بهم، وحصول القهر لهم. قال الحسن: أعلم الله رسوله صلى الله عليه وسلم أنه قد اقترب أجله، فأمر بالتسبيح، والتوبة؛ ليختم له في آخر عمره بالزيادة في العمل الصالح، فكان يكثر أن يقول: «حديث : سبحانك اللَّهم وبحمدك اغفر لي إنك أنت التوّاب»تفسير : قال قتادة، ومقاتل: وعاش صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه السورة سنتين. وجملة: {إِنَّهُ كَانَ تواباً} تعليل لأمره صلى الله عليه وسلم بالاستغفار، أي: من شأنه التوبة على المستغفرين له يتوب عليهم، ويرحمهم بقبول توبتهم، وتوّاب من صيغ المبالغة، ففيه دلالة على أنه سبحانه مبالغ في قبول توبة التائبين. وقد حكى الرازي في تفسيره اتفاق الصحابة على أن هذه السورة دلت على نعي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن عمر سألهم عن قول الله: {إِذَا جَاء نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ } فقالوا: فتح المدائن والقصور، قال: فأنت يا ابن عباس ما تقول؟ قال: قلت مثل ضرب لمحمد صلى الله عليه وسلم نعيت له نفسه. وأخرج البخاري، وغيره عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم يدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من قد علمتم، فدعاهم ذات يوم، فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلاّ ليريهم، فقال: ما تقولون في قول الله عزّ وجلّ: {إِذَا جَاء نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ }؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم، فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله له، قال: {إِذَا جَاء نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ } فذلك: علامة أجلك {فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوابَا} فقال عمر: لا أعلم منها إلاّ ما تقول. وأخرج ابن النجار عن سهل بن سعد عن أبي بكر أن سورة: {إِذَا جَاء نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ } حين أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نفسه نعيت إليه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من قول: «حديث : سبحان الله وبحمده، وأستغفره وأتوب إليه»تفسير : فقلت: يا رسول الله أراك تكثر من قول سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله وأتوب إليه فقال: حديث : خبرني ربي أني سأرى علامة من أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها: {إِذَا جَاء نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ } فتح مكة. {وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوٰجاً * فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوبَا }»تفسير : وأخرج البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «حديث : سبحانك اللهم وبحمدك، اللَّهم اغفر لي »تفسير : يتأوّل القرآن يعني: {إذا جاء نصر الله والفتح}، وفي الباب أحاديث. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: لما نزلت: {إِذَا جَاء نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : جاء أهل اليمن هم أرقّ قلوباً، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية»تفسير : وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة إذ قال: «حديث : الله أكبر قد جاء نصر الله والفتح، وجاء أهل اليمن، قوم رقيقة قلوبهم لينة طاعتهم، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية»تفسير : وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الناس دخلوا في دين الله أفواجاً، وسيخرجون منه أفواجاً»تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال:تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوٰجاً } قال: «حديث : ليخرجنّ منه أفواجاً، كما دخلوا فيه أفواجاً».

الماوردي

تفسير : قوله تعالى {إذا جاءَ نَصْرُ اللهِ والفتحُ} أما النصر فهو المعونة مأخوذ من قولهم قد نصر الغيث الأرض إذا أعان على نباتها ومنع من قحطها، قال الشاعر: شعر : إذا انسلَخَ الشهرُ الحرامُ فَودِّعي بلادَ تميمٍ وانْصُري أرضَ عامِرِ تفسير : وفي المعنيّ بهذا النصر قولان: أحدهما: نصر الرسول على قريش، قاله الطبري. الثاني: نصره على كل من قاتله من أعدائه، فإن عاقبة النصر كانت له. وقيل: إذا جاء نصره بإظهاره إياك على أعدائك، والفتح: فتحه مكة وقيل المراد حين نصر الله المؤمنين وفتح مكة وسائر البلاد عليهم. وإنما عبر عن الحصول بالمجيء تجوزاً للإشعار بأن المقدرات متوجهة حين إلى أوقاتها المعينة لها، فتعرف منها شيئاً فشيئاً، وقد قرب النصر من قوته فكن مترقباً لوروده مستعداً لشكره. وفي هذا الفتح قولان: أحدهما: فتح مكة، قاله الحسن ومجاهد. الثاني: فتح المدائن والقصور، قاله ابن عباس وابن جبير، وقيل ما فتحه عليه من العلوم. {ورأيْتَ الناسَ يَدْخُلون في دِيْنِ اللهِ أَفْواجاً} فيهم قولان: أحدهما: أنهم أهل اليمن، ورورى عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الدين يمانٍ والفقه يمانٍ والحكمة يمانية" تفسير : وروي عنه عليه السلام أنه قال: حديث : إني لأجد نَفَس ربكم مِن قِبل اليمن" تفسير : وفيه تأويلان: أحدهما: أنه الفرج لتتابع إسلامهم أفواجاً. الثاني: معناه أن الله تعالى نفس الكرب عن نبيه بأهل اليمن، وهم الأنصار. القول الثاني: أنهم سائر الأمم الذين دخلوا في الإسلام، قاله محمد بن كعب. وقال الحسن: لما فتح الله على رسوله مكة، قالت العرب بعضهم لبعض: أيها القوم ليس لكم به ولا بالقوم يد، فجعلوا يدخلون في دين الله أفواجاً أمة أمة. قال الضحاك: والأمة أربعون رجلاً، وقال ابن عباس: الأفواج " الزمر"، وقال الكلبي: الأفواج القبائل. وروى جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إنّ الناس دخلوا في دين الله أفواجاً وسيخرجون أفواجاً ". تفسير : " أفواجاً" جماعات كثيفة كأهل مكة والطائف واليمن وهوازن وقبائل سائر العرب. " يدخلون" حال، على أن "رأيت" بمعنى أبصرت، أو مفعول ثان على أن رأيت بمعنى علمت. {فسبّحْ بحْمد ربِّك واسْتَغْفِره إنه كان توّاباً} في أمره بهذا التسبيح والاستغفار وجهان: أحدهما: أنه أراد بالتسبيح الصلاة، قاله ابن عباس، وبالاستغفار مداومة الذكر. الثاني: أنه أراد صريح التسبيح، الذي هو التنزيه والاستغفار من الذنوب. روت عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية يكثر أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك، فقلت: يا رسول الله ما هذه الكلمات التي أراك أحدثتها؟ فقال: "حديث : جعلت لي علامة في أمتي إذا رأيتها قلتها " تفسير : وفي قوله {إنه كان توّاباً} وجهان: أحدهما: قابل التوبة. والثاني: متجاوز عن الصغائر. وفي أمره بهذابعد النصر والفتح وجهان: أحدهما: ليكون ذلك منه شكراً لله تعالى على نعمه، لأن تجديد النعم يوجب تجديد الشكر. الثاني: أنه نعى إليه نفسه، ليجد في عمله. قال ابن عباس: وداعٌ من الله، ووداعٌ من الدنيا، فلم يعش بعدها إلا سنتين مستديماً التسبيح والاستغفار كما أُمِرَ، وكان قد لبث أربعين سنة لم يوح إليه، ورأى رؤيا النبوة سنتين، ومات في شهر ربيع الأول وفيه هاجر. وقال مقاتل: نزلت هذه السورة بعد فتح الطائف، والفتح فتح مكة، والناس أهل اليمن، وهي آية موت النبي صلى الله عليه وسلم فلما نزلت قرأها على أبي بكر وعمر ففرحا بالنصر وبدخول الناس أفواجاً في دين الله عز وجل، وسمعها العباس فبكى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما يبكيك يا عم؟ " تفسير : فقال: نعيت إليك نفسك، قال: حديث : إنه لكما تقول ". تفسير : وهذه السورة تسمى التوديع، عاش النبي بعدها حولاً على قول مقاتل، وحولين على قول ابن عباس، ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم من قابل، فنزل {اليوم أكملت لكم دينكم} الآية، فعاش بعدها ثمانين يوماً، ثم نزلت " لقد جاءكم رسول" فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوماً، ثم نزلت {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله} فعاش بعدها واحداً وعشرين يوماً. وقال مقاتل: عاش بعدها سبعة أيام، والله أعلم وصلوات الله عليه متتابعة لا تنقطع على مر الأزمان وكر الأوان، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

ابن عطية

تفسير : قرأ ابن عباس: {إذا جاء نصر الله والفتح}، وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه جمعاً من الصحابة الأشياخ وبالحضرة لابن عباس عن معنى هذه السورة وسببها، فقالوا كلهم بمقتضى ظاهر ألفاظها، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عند الفتوح التي فتحت عليه مكة وغيرها بأن يسبح ربه ويحمده ويستغفره، فقال لابن عباس: ما تقول أنت يا عبد الله؟ فقال: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله بقربه إذا رأى هذه الأشياء، فقال عمر ما أعلم منها إلا ما ذكرت، وهذا المنزع الذي ذكره ابن عباس ذكره ابن مسعود وأصحابه ومجاهد وقتادة والضحاك، وروت معناه عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم وحديث : أنه عليه السلام لما فتحت مكة وأسلمت العرب جعل يكثر أن يقول "سبحان الله وبحمده، اللهم إني أستغفرك" تفسير : يتأول القرآن في هذه السورة، وقال لها مرة: "حديث : ما أراه إلا حضور أجلي" تفسير : وتأوله عمر والعباس بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصدقهما. و "النصر" الذي رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو غلبته لقريش ولهوازن وغير ذلك، {والفتح}: هو فتح مكة والطائف ومدن الحجاز وكثير من اليمن ودخول الناس في الإسلام {أفواجاً}، كان بين فتح مكة إلى موته صلى الله عليه وسلم، قال أبو عمر بن عبد البر النمري رحمه الله في كتاب الاستيعاب في الصحابة في باب أبي خراش الهذلي: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي العرب رجل كافر، بل دخل الكل في الإسلام بعد حنين والطائف، منهم من قدم ومنهم من قدم وفده، ثم كان بعده من الردة ما كان ورجعوا كلهم إلى الدين. قال القاضي أبو محمد: والمراد والله أعلم عرب عبدة الأوثان، وأما نصارى بني تغلب فما أراهم أسلموا قط في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن أعطوا الجزية، والأفواج: الجماعة أثر الجماعة، كما قال تعالى: {أية : ألقي فيها فوج} تفسير : [الملك: 8] وقال مقاتل: المراد بالناس أهل اليمن وفد منهم سبعمائة رجل، وقاله عكرمة، وقال الجمهور: المراد جميع وفود العرب لأنهم قالوا: إذا فتح الحرم لمحمد عليه السلام وقد حماه الله من الحبشة وغيرهم فليس لكم به يدان، وذكر جابر بن عبد الله فرقة الصحابة فبكى وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : دخل الناس في الدين أفواجاً وسيخرجون منه أفواجاً" تفسير : وقوله: {إنه كان تواباً} يعقب ترجية عظيمة للمستغفرين، جعلنا الله منهم، وحكى النقاش عن ابن عباس أن "النصر" صلح الحديبية، وأن {الفتح} فتح مكة، وقال ابن عمر: نزلت هذه السورة على النبي صلى الله عليه وسلم بمنى في وسط أيام التشريق في حجة الوداع وعاش بعدها ثمانين يوماً أو نحوها صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم.

ابن عبد السلام

تفسير : {نَصْرُ} المعونة نصر الغيث الأرض أعان على نباتها ومنع قحطها يريد نصره على قريش أو على كل من قاتله من الكفار. {وَالْفَتْحُ} فتح مكة "ح" أو فتح المدائن والقصور "ع" أو ما فتح عليه من العلوم.

النسفي

تفسير : مدنية وهي ثلاث آيات بسم الله الرحمن الرحيم {إِذَا} منصوب بـ {سَبِّحِ } وهو لما يستقبل، والإعلام بذلك قبل كونه من أعلام النبوة. وروي أنها نزلت في أيام التشريق بمنىٍ في حجة الوداع {جَاء نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ } النصر الإغاثة والإظهار على العدو، والفتح فتح البلاد، والمعنى نصر الله صلى الله عليه وسلم على العرب أو على قريش وفتح مكة، أو جنس نصر الله المؤمنين وفتح بلاد الشرك عليهم {وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ } هو حال من {ٱلنَّاسِ } على أن {رَأَيْتُ } بمعنى أبصرت أو عرفت، أو مفعول ثانٍ على أنه بمعنى علمت {فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوٰجاً } هو حال من فاعل يدخلون، وجواب «إذا» {فَسَبّحْ } أي إذا جاء نصر الله إياك على من ناواك وفتح البلاد، ورأيت أهل اليمن يدخلون في ملة الإسلام جماعات كثيرة بعدما كانوا يدخلون فيه واحداً واحداً واثنين اثنين {فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } فقل: سبحان الله حامداً له أو فصل له {وَٱسْتَغْفِرْهُ } تواضعاً وهضماً للنفس أو دم على الاستغفار {إِنَّهُ كَانَ } ولم يزل {تَوبَا } التواب الكثير القبول للتوبة وفي صفة العباد الكثير الفعل للتوبة. ويروى أن عمر رضي الله عنه لما سمعها بكى وقال: الكمال دليل الزوال، وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها سنتين والله أعلم.

الخازن

تفسير : قوله عزّ وجلّ: {إذا جاء نصر الله والفتح} يعني فتح مكة وكانت قصة الفتح على ما ذكره محمد بن إسحاق، وأصحاب الأخبار "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صالح قريشاً عام الحديبية اصطلحوا على وضع الحرب بين الناس عشرين سنة، وقيل عشر سنين يأمن فيهن الناس، ويكف بعضهم عن بعض وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد صلى الله عليه وسلم وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش، وعهدهم دخل فيه. فدخلت بنو بكر في عهد قريش، ودخلت خزاعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان بينهما شر قديم ثم إن بني بكر عدت على خزاعة، وهم على ماءلهم أسفل مكة يقال له الوتير، فخرج نوفل بن معاوية الدؤلي في بني الدئل من بني بكر حين بقيت خزاعة على الوتير، فأصابوا منهم رجلاً، وتحاوروا واقتتلوا، وردفت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل معهم من قريش من قاتل باللّيل مستخفياً حتى حازوا خزاعة إلى الحرم، وكان ممن أعان بني بكر من قريش على خزاعة ليلتئذ بأنفسهم بكر بن صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو مع عبيدهم، فلما انتهوا إلى الحرم قالت بنو بكر يا نوفل إنا قد دخلنا إلى إلهك فقال كلمة عظيمة إنه لا إله اليوم يا بني بكر أصيبوا ثأركم فلعمري إنكم لتسرفون في الحرم، أفلا تصيبون ثأركم فيه قال: فلما تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة، وأصابوا منهم ما أصابوا ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد والميثاق بما استحلوا من خزاعة، وكانوا في عقده خرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان ذلك مما أهاج فتح مكة فوقف عليه وهو في المسجد جالس بين ظهراني الناس فقال: شعر : يا رب إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا قد كنتمو ولداً وكنا والدا ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا فانصر هداك الله نصراً أعتدا وادع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا إن سيم خسفاً وجهه تربدا في فيلق كالبحر يجري مزبدا إن قريشاً أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا وجعلوا لي في كداء رصدا وزعموا أن لست أدعو أحدا وهم أذل وأقل عددا هم بيتونا بالوتير هجدا وقتلونا ركعاً وسجدا فانصر هداك الله نصراً أيدا تفسير : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : قد نصرت يا عمرو بن سالم ثم عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم عنان من السماء، فقال إن هذه السحابة لتشهد بنصر بني كعبتفسير : ، وهم رهط عمرو بن سالم، ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأخبروه بما أصيب منهم، وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم ثم انصرفوا راجعين إلى مكة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس حديث : كأنكم بأبي سفيان قد جاء يشدد في العقد ويزيد في المدةتفسير : ، ومضى بديل بن ورقاء وأصحابه حتى لقوا أبا سفيان بعسفان قد بعثته قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشدد في العقد ويزيد في المدة وقد رهبوا من الذي صنعوا، فلما لقي أبو سفيان بديلاً قال: من أين أقبلت يا بديل وظن أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سرت في خزاعة في هذا الساحل، وفي بطن هذا الوادي قال: وهل أتيت محمداً قال: لا فلما راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان لئن كان جاء المدينة لقد علف منها النوى فعمد إلى مبرك ناقته فأخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى فقال أحلف بالله لقد جاء بديل محمداً ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه فقال: أي بنية أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني فقالت بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت رجل مشرك نجس لم أحب أن تجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر، ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه، فلم يرد عليه شيئاً، ثم ذهب إلى أبي بكر، فكلمه أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب، فكلمه فقال انا لا أشفع لك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فوالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به، ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب، وعنده فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندها الحسن بن علي غلاماً يدب بين يديها فقال: يا علي إنك أمس القوم بي رحماً، وأقربهم مني قرابة، وقد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائباً، فاشفع لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ويحك يا أبا سفيان لقد أرى عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه. فالتفت إلى فاطمة وقال: يا بنت محمد هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر. فقالت: والله ما بلغ بني أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا الحسن إني أرى الأمور قد اشتدت عليّ، فانصحني قال والله لا أعلم شيئاً يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك قال: وترى ذلك مغنياً عني شيئاً قال لا والله ما أظن ذلك ولكن لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد، فقال أيها الناس إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره، فانطلق فلما قدم على قريش قالوا ما رواءك قال: جئت محمداً فكلمته فوالله ما رد علي شيئاً ثم جئت ابن أبي قحافة، فلم أجد عنده خيراً، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أعدى القوم، ثم أتيت علي بن أبي طالب فوجدته ألين القوم وقد أشار عليّ بشيء صنعته فوالله ما أدري هل يغني ذلك شيئاً أم لا قالوا: وما ذاك قال أمرني أن أجير بين الناس، ففعلت قالوا فهل أجاز ذلك محمد قال لا قالوا ويلك والله ما زاد على أن لعب بك فما يغني عنك ما قلت قال لا والله ما وجدت غير ذلك قال: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاز وأمر أهله أن يجهزوه، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة، وهي تصلح بعض جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أي بنية أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تجهزوه، قالت نعم. قال فأين ترينه يريد قالت لا والله ما أدري ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجد والتهيؤ وقال اللّهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها، فتجهز الناس وكتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدمت قصته في تفسير سورة الممتحنة ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره، واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عامداً إلى مكة لعشر بقين من رمضان سنة ثمان من الهجرة فصام النبي صلى الله عليه وسلم وصام الناس معه حتى إذا كان بالكديد بين عسفان، وأمج أفطر ثم مضى حتى نزل بمر الظّهران في عشرة آلاف من المسلمين. ولم يتخلف من الأنصار والمهاجرين عنه أحد فلما نزل بمر الظّهران، وقد عميت الأخبار عن قريش، ولا يأتيهم خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يدرون ما هو فاعل خرج في تلك اللّيالي أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار وينظرون هل يجدون خبراً أو يسمعون به وقد كان العباس بن عبد المطلب لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق قال ابن عشام: لقيه بالجحفة مهاجراً بعياله، وقد كان قبل ذلك مقيماً بمكة على سقايته، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عنه راض فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظّهران قال العباس بن عبد المطلب ليلتئذ وا صباح قريش، والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه الهلاك لقريش إلى آخر الدهر. قال فجلست على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء، فخرجت عليها حتى جئت الأراك لعلي أجد حاطباً، أو صاحب لبن أو ذا حاجة يدخل مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة قال العباس: فوالله إني لأسير عليها وألتمس ما خرجت له إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء، وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول ما رأيت كالليلة نيراناً قط. فقال بديل هذه والله نيران خزاعة حمشتها الحرب، فقال أبو سفيان خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها، فعرفت صوته فقلت يا أبا حنظلة فعرف صوتي، فقال يا أبا الفضل فقلت نعم قال ما لك فداك أبي وأمي قلت: ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء بما لا قبل لكم به بعشرة آلاف من المسلمين قال: وما الحيلة قلت والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فاركب عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك فردفني، ورجع صاحباه فخرجت أركض به على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما مررت بنار من نيران المسلمين ينظرون إليّ، ويقولون عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال من هذا فقام إليّ فلما رأى أبا سفيان على عجز البغلة، قال أبو سفيان عدو الله الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد، ولا عهد ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركضت البغلة فسبقته كما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء قال فاقتحمت عن البغلة سريعاً، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل عليه عمر فقال: يا رسول الله هذا عدو الله أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد، ولا عهد فدعني أضرب عنقه قال فقلت يا رسول الله إني قد أجرته ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه، وقلت والله لا ينجيك الليلة أحد دوني فلما أكثر عمر في شأنه قلت مهلاً يا عمر. فوالله ما تصنع هذا إلا أنه رجل من بني عبد مناف، ولو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا، فقال مهلاً يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم، وما ذاك إلا لأني أعلم أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب لو أسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فائتني به قال فذهبت به إلى رحلي فبات عندي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله وأني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئاً بعد قال ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله، قال بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك، وأوصلك أما هذه فإن في النفس منها حتى الآن شيئاً فقال العباس: ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله قبل أن تضرب عنقك فتشهد شهادة الحق وأسلم قال العباس: فقلت يا رسول الله إن أبا سفيان هذا رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئاً قال حديث : نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن تفسير : فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله تفسير : قال فخرجت به حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحبسه قال ومرت به القبائل على راياتها كلما مرت به قبيلة قال من هؤلاء يا عباس، فأقول سليم فيقول ما لي ولسليم، ثم القبيلة فيقول من هؤلاء، فأقول مزينة فيقول ما لي ولمزينة حتى نفدت القبائل. لا تمر قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرته عنها. فيقول ما لي، ولبني فلان حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء، وإنما قيل لها الخضراء لكثرة الحديد، وظهوره فيها وفيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد فقال سبحان الله من هؤلاء يا عباس؟ قلت هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين، والأنصار. قال ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً قلت ويحك إنها النبوة، قال فنعم إذا فقلت الحق الآن بقومك فحذرهم، فخرج سريعاً حتى أتى مكة، فصرخ في المسجد بأعلى صوته يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به قالوا فمه قال: قال من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا ويحك، وما تغني عنا دارك قال من دخل المسجد، فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن فتفرق الناس إلى دورهم، وإلى المسجد قال وجاء حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلمم فأسلما وبايعاه، فلما بايعاه بعثهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه إلى قريش يدعوانهم إلى الإسلام، ولما خرج حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عامدين إلى مكة بعث في أثرهما الزبير وأعطاه رايته وأمره على خيل المهاجرين والأنصار وأمره أن يركز رايته بأعلى مكة بالحجون، وقال لا تبرح حيث أمرتك أن تركز رايتي حتى آتيك، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى ذي طوى وقف على راحلته معتجراً بشقه عليه برد حبرة، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضع رأسه تواضعاً لله عز وجل حين رأى ما أكرمه به من الفتح حتى أن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وضرب قبته بأعلى مكة، وأمر خالد بن الوليد، فيمن أسلم من قضاعة، وبني سليم أن يدخلوا من أسفل مكة وبها بنو بكر، وقد استنفرتهم قريش، وبنو الحارث بن عبد مناف ومن كان من الأحابيش أمرتهم قريش أن يكونوا بأسفل مكة، وأن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو كانوا قد جمعوا ناساً بالخندمة ليقاتلوا وقال النبي صلى الله عليه وسلم لخالد والزبير حين بعثهما حديث : لا تقاتلا إلا من قاتلكماتفسير : ، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كدى فقال سعد: حين توجه داخلاً اليوم يوم الملحمة اليوم يوم تستحل الحرمة فسمعها رجل من المهاجرين قيل: هو عمر بن الخطاب فقال: لرسول الله صلى الله عليه وسلم اسمع ما قال سعد بن عبادة، وما نأمن أن يكون له في قريش صولة فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب أدركه بهذه الراية. فكن أنت الذي تدخن بها، فلم يكن بأعلى مكة من قبل الزبير قتال، وأما خالد بن الوليد، فقدم على قريش وبني بكر، والأحابيش بأسفل مكة، فقاتلوه فهزمهم الله، ولم يكن بمكة قتال غير ذلك، وقتل من المشركين اثنا عشر رجلاً أو ثلاثة عشر رجلاً، ولم يقتل من المسلمين إلا رجل من جهينة يقال له سلمة بن الميلاء من خيل خالد بن الوليد ورجلان يقال لهما كرز بن جابر، وخنيس بن خالد بن الوليد شذا وسلكا طريقاً غير طريقه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم إلا نفراً منهم سماهم أمر بقتلهم، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وإنما أمر بقتله لأنه كان قد أسلم فارتد مشركاً ففر إلى عثمان، وكان أخاه من الرضاعة فغيبه حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن اطمأن أهل مكة فاستأمنه له وعبد الله بن خطل رجل من بني تميم بن غالب، وإنما أمر بقتله لأنه كان مسلماً فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقاً، وكان له مولى يخدمه، وكان مسلماً فنزل منزلاً وأمر المولى أن يذبح له تيساً ويصنع له طعاماً ونام فاستيقظ، ولم يصنع له شيئاً فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشركاً، وكان له قينتان يغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بقتلهما معه والحويرث بن نقيد بن وهب، وكان ممن يؤذيه بمكة ومقيس صبابة، وإنما أمر بقتله لقتله الأنصاري الذي قتل أخاه خطأ، ورجوعه إلى قريش مرتداً، وسارة مولاة لبني عبد المطلب، وكانت ممن يؤذيه بمكة، وعكرمة بن أبي جهل فأما عكرمة فهرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، فاستأمنت له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنه فخرجت في طلبه حتى أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما عبد الله بن خطل فقتله سعيد بن الحارث المخزومي وأبو برزة الأسلمي اشتركا في دمه وأما مقيس بن صبابة فقتله نميلة بن عبد الله رجل من قومه وأما قينتا ابن خطل فقتلت إحداهما، وهربت الأخرى حتى استؤمن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنها وأما سارة فتغيبت حتى استؤمن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاشت حتى أوطأها رجل من الناس فرساً له في زمن عمر بن الخطاب بالأبطح فقتلها، وأما الحويرث ابن نقيد فقتله علي بن أبي طالب قالت أم هانىء: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة فر إليَّ رجلين من أحمائي من بني مخزوم، وكانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزومي قالت: فدخل عليّ علي بن أبي طالب أخي فقال: والله لأقتلنهما، فأغلقت عليهما باب بيتي، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل من جفنة وإن فيها لأثر العجين، وفاطمة ابنته تستره بثوبه فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به، ثم صلى ثمان ركعات الضحى، ثم انصرف إليّ فقال مرحباً وأهلاً بأم هانىء ما جاء بك؟ فأخبرته خبر الرجلين وخبر علي بن أبي طالب فقال: قد أجرنا من أجرت وأمنّا من أمنت فلا نقتلهما ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج لما اطمأن الناس حتى جاء البيت فطاف به سبعاً على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة، وأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة، وقد استكف له الناس في المسجد فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهي تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت، وسقاية الحاج ألا قتل الخطأ شبه العمد بالسوط، والعصا، ففيه الدية مغلظة مائة من الإبل أربعون منها خلفة في بطونها أولادها. يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب، ثم تلا هذه الآية: {أية : يا أيّها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} تفسير : [الحجرات: 13] الآية ثم قال يا معشر قريش ما ترون إني فاعل فيكم، قالوا خيراً أخ كريم وابن أخ كريم قال فاذهبوا فأنتم الطلقاء، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، وكان الله أمكنه منهم عنوة فبذلك سموا أهل مكة الطلقاء، ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة بيده فقال: يا رسول الله اجمع لنا بين الحجابة، والسقاية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أين عثمان بن طلحة فدعي له فقال هاك مفتاحك يا عثمان اليوم يوم وفاء وبر، قال واجتمع الناس للبيعة فجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا، وعمر بن الخطاب أسفل منه يأخذ على الناس. فبايعونه على السمع والطاعة فيما استطاعوا، فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء قال عروة بن الزبير: خرج صفوان بن أمية يريد جدة ليركب منها إلى اليمن فقال عمير بن وهب الجمحي يا رسول الله إن صفوان بن أمية سيد قومي قد خرج هارباً منك ليقذف بنفسه في البحر، فأمنه يا رسول الله، فقال هو آمن قال: يا رسول الله أعطني شيئاً يعرف به أمانك، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمامته التي دخل بها مكة، فخرج بها عمير حتى أدركه بجدة، وهو يريد أن يركب البحر فقال يا صفوان فداك أبي وأمي أذكرك الله في نفسك أن تهلكها، فهذا أمان رسول الله صلى الله عليه وسلم جئتك به؟ فقال ويلك أغرب عني لا تكلمني قال: فداك أبي وأمي أفضل الناس، وأبر النّاس وأحلم الناس، وخير الناس ابن عمتك عزه عزك وشرفه شرفك، وملكه ملكك، قال إني أخافه على نفسي قال: هو أحلم من ذلك، وأكرم فرجع به معه حتى وقف به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك آمنتني قال صدق، قال فاجعلني في ذلك بالخيار شهرين قال: أنت بالخيار أربعة أشهر "حديث : قال ابن هشام وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة، ودخلها قام على الصّفا يدعو، وقد أحدقت به الأنصار فقالوا فيما بينهم أترون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فتح الله عليه مكة أرضه، وبلاده يقيم بها فلما فرغ من دعائه قال ماذا قلتم قالوا لا شيء يا رسول الله فلم يزل بهم حتى أخبروه. فقال النّبي صلى الله عليه وسلم معاذ الله المحيا محياكم والممات مماتكم" تفسير : قال ابن إسحاق: وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف، وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من رمضان سنة ثمان، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة ثم خرج إلى هوازن وثقيف، وقد نزلوا حنيناً (ق) عن أبي هريرة حديث : أن خزاعة قتلوا رجلاً من بني ليث عام الفتح بقتيل لهم في الجاهلية فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فحمد الله، وأثنى عليه وقال: إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد من بعدي، ألا وإنما أحلت لي ساعة من نهار إلا، وإنها ساعتي هذه فلا ينفر صيدها ولا يختلى خلاها، ولا يقطع شوكها، ولا تحل ساقطتها لا لمنشد، ومن قتل له قتيل، فهو بخير النظرين. إما أن يفتدي وإما أن يقيد فقال العباس: إلا الإذخر فإنا نجعله لقبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الإذخر، فقام أبو شاه رجل من أهل اليمن فقال اكتبوا لي يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتبوا لأبي شاه قال الأوزاعي: يعني الخطبة التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ". تفسير : (وأما التفسير) فقوله تعالى: {إذا جاء نصر الله} يعني إذا جاءك يا محمد نصر الله، ومعونته على من عاداك وهم قريش. ومعنى مجيء النصر أن جميع الأمور مرتبطة بأوقاتها يستحيل تقدمها عن وقتها أو تأخرها عنه فإذا جاء ذلك الوقت المعين حضر معه ذلك الأمر المقدر، فلهذا المعنى قال {إذا جاء نصر الله والفتح} يعني فتح مكة في قول جمهور المفسرين، وقيل هو جنس نصر الله المؤمنين وفتح بلاد الشرك عليهم على الإطلاق، والفرق بين النصر والفتح. أن النصر هو الإعانة والإظهار على الأعداء وهو تحصيل المطلوب، وهو كالسبب للفتح. فلهذا بدأ بذكر النصر وعطف عليه الفتح، وقيل النصر هو إكمال الدين وإظهاره، والفتح هو الإقبال الذي هو تمام النعمة. {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً} يعني زمراً وأرسالاً القبيلة بأسرها. والقوم بأجمعهم من غير قتال قال الحسن: لما فتح الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قالت العرب بعضها لبعض إذا ظفر الله محمد بأهل الحرم، وكان قد أجارهم من أصحاب الفيل فليس لكم به يدان فكانوا يدخلون في دين الله أفواجاً. بعد أن كانوا يدخلون واحداً واحداً واثنين اثنين. وقيل أراد بالناس أهل اليمن (ق) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أتاكم أهل اليمن هم أضعف قلوباً، وأرق أفئدة الإيمان يمان، والحكمة يمانية ودين الله هو الإسلام" تفسير : وأضافه إليه تشريفاً وتعظيماً، كبيت الله وناقة الله قوله {فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً} يعني فإنك حينئذ لاحق به (ق) عن ابن عباس: قال كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فقال: بعضهم لم يدخل هذا الفتى معنا، ولنا أبناء مثله فقال إنه ممن قد علمتم قال فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم. قال وما رأيت أنه كان دعاني يومئذ إلا ليريهم مني. قال ما تقولون في قول الله تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح} حى ختم السورة، فقال بعضهم أمرنا أن نحمد الله، ونستغفره إذ نصرنا، وفتح علينا، وسكن بعضهم فلم يقل شيئاً فقال لي أكذلك تقول يا ابن عباس، قال: قلت؛ لا قال فما هو قلت هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه، فقال {إذا جاء نصر الله والفتح}، فذلك علامة أجلك فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً، قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم (ق) عن عائشة قالت: "حديث : ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن أنزلت عليه إذا جاء نصر الله والفتح، إلا يقول فيها سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، وفي رواية قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن، وفي رواية قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر القول من سبحان الله، وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه، وقال أخبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي. فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه قد رأيتها إذا جاء نصر الله والفتح فتح مكة، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً"تفسير : . قال ابن عباس: لما نزلت هذه السورة علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه نعيت إليه نفسه. وقال الحسن: أعلم أنه قد اقترب أجله فأمر بالتسبيح والتوبة، ليختم بالزيادة في العمل الصالح قيل عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه السورة سنتين، وقيل في معنى السورة إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فاشتغل أنت بالتسبيح والتحميد، والاستغفار، فالاشتغال بهذه الطاعة يصير سبباً لمزيد درجاتك في الدنيا والآخرة. وفي معنى التسبيح وجهان: أحدهما نزه ربك عما لا يليق بجلاله ثم احمده. والثاني فصل لربك لأن التسبيح جزء من أجزاء الصلاة، ثم قيل عني به صلاة الشكر، وهو ما صلاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ثمان ركعات. وقيل هي صلاة الضحى. وفي الآية دليل على فضيلة التسبيح، والتحميد حيث جعل ذلك كافياً في أداء ما وجب عليه من شكر نعمة النصر والفتح. فإن قلت ما معنى هذا الاستغفار، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قلت إنه تعبد الله بذلك ليقتدي به غيره. إذ لا يأمن كل واحد من نقص يقع في عبادته واجتهاده ففيه تنبيه على أن النبي صلى الله عليه وسلم مع عصمته وشدة اجتهاده ما كان يستغني عن الاستغفار فكيف بمن هو دونه وقيل هو ترك الأفضل والأولى لا عن ذنب صدر منه صلى الله عليه وسلم وعلى قول من جوز الصغائر على الأنبياء يكون المعنى، واستغفره لما عسى أن يكون قد وقع من تلك الأمور منه، وقيل المراد منه الاستغفار لذنوب أمته، وهذا ظاهر لأن الله تعالى أمره بذلك في قوله {أية : واستغفر لذنبك، وللمؤمنين، والمؤمنات} تفسير : [محمد: 19] والله سبحانه وتعالى أعلم.

القمي النيسابوري

تفسير : الوقوف: {والفتح} ه {أفواجاً} ه لا {واستغفره} ط {تواباً} ه. التفسير: السورة المتقدمة اشتملت على نصرة الله بقوله {أية : يا أيها الكافرون} تفسير : [الكافرون: 1] وعلى فتح مكة القلب بعسكر التوحيد، وعلى تسخير جميع القوى البدنية في طاعة خالقها بقوّة البراءة عن الأديان الباطلة كلها فقال الله سبحانه: نصرتني بلسانك فكان جزاؤه {إذا جاء نصر الله} فتح مكة في الظاهر وسخرت قواك لطاعتي فجازيناك بدخول الناس في دين الله أفواجاً. ثم إنه قابل هذه الخلع الثلاث بحكم تهادوا تحابوا بثلاثة أنواع العبودية إن نصرتك فسبح تنزيهاً لفعلي عن مشابهة المحدثات وتنبيهاً على أن لا يستحق أحد عليّ شيء، وإذا فتحت مكة فاحمد لأن النعمة يجب مقابلتها بالحمد، وإذا رأيت الناس قد أطاعوك فاستغفر لذنبك وهو الاشتغال بماعسى أن يقع من لذة الجاه والقبول وللمؤمنين والمؤمنات، لأنهم كلما كانوا أكثر كانت ذنوبهم أكثر وكان احتياجهم إلى الاستغفار أشد. وقوله {إذا جاء نصر الله} معناه لا تذهب إلى النصر بل النصر يجيء إليك نظيره " زويت لي الأرض " يعني لا تذهب إلى الأرض بل تجيء الأرض إليك، ولا ترحل إلا إلى مقام قاب قوسين {أية : سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً}تفسير : [الإسراء: 1] بل أزيد على هذا فأفضل فقراء أمتك على أغنيائهم ثم آمر الأغنياء بالضحايا ليتخذوها مطايا، فإذا بقي الفقراء من غير مطية أسوق الجنة إليهم {أية : وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد} تفسير : [ق: 31] وإنما قال في السورة المتقدّمة {أية : ما أعبد}تفسير : [الكافرون: 3] وههنا قال {نصر الله} إشارة إلى أنه يجب أن لا يذكر اسمي مع الأعداء حتى لا يهينوه ولكن اذكر اسمي مع الأحباب حتى يكرموه. والفرق بين النصر والفتح أن النصر أي الإعانة على تحصيل المطلوب هو الطريق، والفتح هو المقصود، ولهذا قدم الأول على الثاني. وقيل: النصر كمال الدين والفتح الإقبال الدنيوي له ولأمته كقوله {أية : أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي}تفسير : [المائدة: 3] وقيل: النصر هو الظفر على المنى في الدنيا والفتح في الآخرة {أية : وفتحت أبوابها}تفسير : [الزمر: 73] وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبداً منصوراً بالدلائل والمعجزات إلا أن الغلبة على قريش بل على أكثر العرب لما حصلت في هذا التاريخ صح التقييد به. ثم إن جمهور المفسرين ومنهم ابن عباس ذكروا أن الفتح هو فتح مكة الذي يقال له فتح الفتوح. يروى أن فتح مكة كان سنة ثمان ونزول السورة سنة عشر ولم يعش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزولها إلا سبعين يوماً ولذلك تسمى سورة التوديع، وقد اتفق أكثر الصحابة على أنها دلت على نعي الرسول صلى الله عليه وسلم وفهمه بعض الصحابة منها، وخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزولها فقال: إن عبداً خيرّه الله بين الدنيا وبين لقائه في الآخرة فاختار لقاء الله. قالوا: ومما يدل عليه أنه ذكر مقروناً بالنصرة وقد كان يجد النصر دون الفتح كبدر، والفتح دون النصر كإجلاء بني النضير فإن فتح البلد لكن لم يأخذ القوم. أما يوم فتح مكة فاجتمع له الأمران، وصار الخلق له كالأرقاء حتى أعتقهم حديث : وذلك أنه صلى الله عليه وسلم وقف على باب المسجد وقال: لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده. ثم قال: يا أهل مكة ما ترون أني فاعل بكم؟ فقالوا: خير، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء تفسير : . فسموا بذلك. وقيل: فتح خيبر. وقيل: فتح الطائف. وعن أبي مسلم: النصر على الكفار وفتح بلاد الشرك على الإطلاق. وقيل: انشراح الصدر للخيرات والأعمال الفاضلة، والفتح انفتاح أبواب المعارف والكشوف. أما الذين قالوا إن الفتح فتح مكة وكان نزول السورة قبله على ما يدل عليه ظاهر صيغة إذاً فالآية من جملة المعجزات لأنها إخبار بالغيب وقد وقع. واللام في الفتح بدل من الإضافة كأنه قيل: وفتح الله. قوله {ورأيت} ظاهره أنها رؤية القلب، وجوز أن تكون رؤية البصر فيكون {يدخلون} حالاً. وظاهر لفظ الناس يقتضي العموم فيجيب أن يقدر غيرهم كالنسناس بدليل قوله {أية : أولئك كالأنعام}تفسير : [الأعراف: 79] وسئل الحسن بن عليّ فقال: نحن الناس وأشياعنا أشباه الناس وأعداؤنا النسناس، فقبّله عليّ بين عينينه وقال {أية : الله أعلم حيث يجعل رسالته}تفسير : [الأنعام: 124] قيل: إنهم لما دخلوا في الإسلام بعد مدة طويلة وتقصير كثير فكيف استحقوا المدح بأنهم الناس؟ وأجيب بأنه إشارة إلى سعة رحمة الله فإن العبد بعد أن أتى بالكفر والمعصية سبعين سنة فإذا أتى بالإيمان في آخر عمره قبل إيمانه كأن الرب تعالى يقول: ربيته سبعين سنة مات على كفره وقع في النار وضاع إحساني إليه في سبعين سنة. ويروى أن الملائكة تقول لمثل هذا الإنسان: أتيت وإن كنت قد أبيت. وعن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : الله أفرح بتوبة أحدكم من الضال الواجد والظمآن الواردة "تفسير : ويجوز أن يكون المراد بالناس أهل اليمن على ما روي عن أبي هريرة انه لما نزلت السورة قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الله أكبر جاء نصر الله والفتح. وجاء "أهل اليمن قوم رقيقة قلوبهم" الإيمان يمان والفقه يمان والحكمة يمانية" تفسير : وقال "حديث : إني لأجد نفس الرحمن من جانت اليمن "تفسير : قال جمهور الفقهاء وكثير من المتكلمين: إن إيمان المقلد صحيح لأنه تعالى حكم بصحة إيمان أولئك الأفواج وجعله من أعظم المنن على نبيه. ثم إنا نعلم قطعاً أنهم ما كانوا يعرفون حدوث الأجسام بالدلائل ولا صفات الكمال ونعوت الجلال، وكونه سبحانه متصفاً بها منزهاً عن غيرها ولا ثبوت المعجز التام على يد محمد صلى الله عليه وسلم ولا وجه دلالة المعجزة على النبوة. وعن الحسن: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قالت العرب: لا يدي لنا به فقد ظفر بأهل مكة وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل وكل من أرادهم بسوء فأخذوا يدخلون في الإسلام أفواجاً من غير قتال. ولا شك أن هذا القدر مما يفيد غلبة الظن فقط. والفوج الجماعة الكثيرة كانت تدخل فيه القبيلة بأسرها بعدما كانوا يدخلون فيه واحداً واحداً واثنين اثنين. وروي أن جابر بن عبد الله بكى ذات يوم فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: دخل الناس في دين الله أفواجاً وسيخرجون منه أفواجاً. ثم إنه أمره بالتسبيح ثم بالحمد ثم بالاستغفار فكأنه صلى الله عليه وسلم ضاق قلبه عن تأخير النصر كما قال {أية : وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله}تفسير : [البقرة: 214] فأمر بالتسبيح تنزيهاً لله عما لا يليق بكماله وحكمته وعنايته بخلقه، وأمر أن يكون التسبيح مقروناً بالحمد لأن المقام يستدعي تذكير النعمة وهي الفتح والنصر ودخول الناس في الدين من غير متاعب الجهاد ومؤن القتال، ثم أمر بالاستغفار كفارة لما عسى أن يبدو ويدور في الخلد من ملاحظة حاله بعين الكمال، وكما أن التسبيح المقرون بالحمد نظر من الحق إلى الخلق فالاستغفار عكسه وهو التفات عن الخلق إلى الحق. وإنما فهمت الصحابة من السورة نعي النبي صلى الله عليه وسلم لأن كل كمال فإنه يدل على زوال كما قيل: شعر : إذا تم أمر يدا نقصه توقع زوالاً إذا قيل تم تفسير : ويمكن أن يقال: إنه أمر بالتسبيح والحمد والاستغفار مطلقاً. ولا يخفى أن الاشتغال بهذه الأعمال يمنع من الاشتغال بأعباء التبليغ وبأداء ما كان يواظب عليه من رعاية مصالح الأمة، فكان هذا كالتنبيه على أن أمر الرسالة قد تم وكمل بسبب الموت والإلزام العزل. حديث : روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه السورة كان يكثر أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليكتفسير : . وفي رواية: حديث : كان يكثر أن يقول في ركوعه: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي تفسير : . وفي رواية أخرى حديث : كان نبي الله صلى الله عليه وسلم في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال: سبحان الله وبحمده. فقلت: يا رسول الله إنك تكثر من قول " سبحان الله وبحمده " قال: إني أمرت بها وقرأ السورة تفسير : . وعن ابن مسعود أنه لما نزلت هذه السورة كان صلى الله عليه وسلم حديث : يكثر أن يقول: سبحانك الله وبحمدك اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم تفسير : . وفي الآية تنبيه على أن العاقل إذا قرب أجله وأنذره الشيب أقبل على التوبة والاستغفار وتدارك بعض ما فات في أوان الغفلة والاغترار. وفي معنى الباء في قوله {بحمد ربك} وجوه للمفسرين منها: أن المراد قل سبحان الله والحمد لله تعجباً مما أراك من مقصودك. يقال: شربت اللبن بالعسل أي خلطتهما فشربت المخلوط. ومنها أن الباء للآلة أي سبحه بواسطة تحميده لأن الثناء يتضمن التنزيه عن النقائص، والدليل عليه أنه صلى الله عليه وسلم عند فتح مكة بدأ بالتحميد قائلاً الحمد لله الذي نصر عبده. ومنها أن المراد فسبح متلبساً بالحمدنية لأنك لا يتأتى لك الجمع بينهما لفظاً فاجمعهما نية. وقيل: سبحه مقروناً بحمد الله على ما هداك إلى تسبيحه كما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: الحمد لله على الحمد لله. وقيل: الباء للبدل أي ائت بالتسبيح بدل الحمد الواجب عليك في مقابلة نعمة النصر والفتح لأن الحمد لا حصر له {أية : وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها}تفسير : [إبراهيم: 34] وقيل: فيه إشارة إلى أن التسبيح والحمد لله أمر أن لا يجوز تأخير أحدهما عن الآخر لوجوب الإتيان بكل منهما على الفور كما لو ثبت له حق الشفعة وحق الرد بالعيب وجب أن يقول اخترت الشفعة بردّي ذلك المبيع. وقيل: الباء صلة أي طهر محامد ربك عن النقائض والرياء. وفي تخصيص الرب بالمقام إشارة إلى أن التربية هي الموجبة للحمد، أما الاستغفار فإن كان لأجل الأمة فلا إشكال، وإن كان لأجل نفسه فإما للاقتداء وإما لترك الأولى والأفضل، وإما بالنظر إلى المرتبة المتجاوز عنها فإن السالك يلزمه عند الارتقاء في كل درجة يصل إليها أن يستغفر عما يخلفها. وفي قوله {تواباً} دون أن يقول " غفاراً كما في سورة نوح إشارة إلى أن هذا النبي صلى الله عليه وسلم بل هذه الأمة امتثلوا فاستغفروا وتابوا فوجب على فضل الله قبول توبتهم بخلاف قوم نوح.

الثعالبي

تفسير : رَوَتْ عائشةُ حديث : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا فَتَحَ مَكةَ وأسْلَمَتِ العَرَبُ، جَعَلَ يُكْثِرُ أنْ يقولَ:«سبحانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ اسْتَغْفِرُكَ وأَتُوبُ إلَيْكَ» تفسير : يَتَأَوَّلُ القرآن في هذه السورةِ، وقال لها مرة: ما أراه إلا حضورَ أجَلي، وتَأَوَّلَه عمرُ والعباسُ بِحَضْرَةِ النبي صلى الله عليه وسلم فصدَّقَهُما، ونَزَع هذا المنزَعَ ابنُ عباسٍ وغيره، {وَٱلْفَتْحُ} هُو فتحُ مكةَ؛ كَذَا فسَّره صلى الله عليه وسلم في «صحيح مسلمٍ»، والأفْواجُ: الجَماعَةُ إثْرَ الجماعةِ، * ص *: {بِحَمْدِ رَبِّكَ} أي مُتَلَبِّساً، فالباءُ للحالِ، انتهى. وقوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ تَوَّابَا} بِعَقِبِ {وَٱسْتَغْفِرْهُ} تَرْجِيَةٌ عَظِيمَةٌ للمُسْتَغْفِرِينَ، قال ابن عمر: نَزَلَتْ هذهِ السورةُ عَلَى النبي صلى الله عليه وسلم بِمِنى في أوْسَطِ أيام التَّشْرِيق في حِجَّة الوَدَاعِ وعَاشَ بَعْدَها ثَمَانِينَ يَوْماً، أو نحوَها.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ}: عليك وعلى أمتك، والمقصود: إذا جاء هذان الفعلان من غير نظر إلى متعلقهما، كقوله تعالى: {أية : أَمَاتَ وَأَحْيَا} تفسير : [النجم: 44]. "أل" في "الفتح" عوض من الإضافة: أي: وفتحه عند الكوفيين، والعائد محذوف عند البصريين، أي: والفتح منه للدلالة على ذلك، والعامل في "إذا": "جاء" وهو قول مكي، وإليه ذهب أبو حيَّان وغيره في مواضع وقد تقدم ذلك. وإما "فسبِّح"، وإليه نحا الزمخشريُّ والحوفي، والتقدير: فسبح بحمد ربك إذا جاء، ورده أبو حيَّان بأن ما بعد فاء الجواب لا يعمل فيما قبلها، وفيه بحثٌ تقدم بعضه في سورة "الضحى". فصل في الكلام على "نصر" النصر: العون، مأخوذ من قولهم: قد نصر الغيث الأرض، إذا أعان على إنباتها. قال الشاعر: [الطويل] شعر : 5337- إذَا انْسَلَخَ الشَّهْرُ الحَرامُ فَوَدِّعي بِلادَ تَمِيمٍ وانصُرِي أرضَ عَامرِ تفسير : ويروى: [الطويل] شعر : 5338- إِذَا دَخَلَ الشَّهْرُ الحَرَامُ فَجَاوِزِي بِلادَ تَمِيمٍ وَانْصُرِي أَرْضَ عَامِر تفسير : يقال: نصره على عدوه ينصره نصراً، أي: أعانه، والاسم: النُّصرة، واستنصره على عدوه، أي: سأله أن ينصره عليه، وتناصروا: نصر بعضهم بعضاً. وقيل: المرادُ بهذا النصر: نصر الرسول - عليه الصلاة والسلام - على قريش قاله الطبري. [وقيل نصره على من قاتله من الكفار وأن عاقبه النصر كانت له وأما الفتح فهو فتح مكة، قاله الحسن ومجاهد وغيرهما، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير هو فتح المدائن والقصور وقيل فتح سائر البلاد، وقيل ما فتحه عليه من العلوم، وقيل إذا بمعنى قد جاء نصر الله لأن نزولها بعد الفتح، ويجوز أن يكون معناه إذا يجيئك]. فصل في الفرق بين النصر والفتح قال ابن الخطيب: الفرق بين النصر والفتح، الفتح هو تحصيل المطلوب الذي كان متعلقاً، والنصر كالسبب للفتح، فلهذا بدأ بذكر النصر، وعطف الفتح عليه، ويقال: النصرُ كمالُ الدينِ والفتح إقبال الدنيا الذي هو تمام النعمةِ، كقوله تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلاَمَ دِيناً} تفسير : [المائدة: 3]. والنَّصْر: الظَّفر في الدنيا، والفتح: بالجنة. فصل في المراد بهذا النصر قال ابن الخطيب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مؤيداً منصوراً بالدلائل، والمعجزات، فما المعنى بتخصيص لفظ النصر بفتح "مكة"؟. والجواب: أن المراد من هذا النصر هو النصر الموافق للطبع. فإن قيل: النصر لا يكون إلا من الله تعالى، قال تعالى: {أية : وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنفال: 10] فما فائدة التقييد بقوله تعالى: {نَصْرُ ٱللَّهِ}؟. فالجواب: معناه: لا يليق إلا بالله، كما يقال: هذه صنعة زيد، إذا كان مشهوراً، فالمراد هذا هو الذي سألتموه. فإن قيل: لم وصف النصر بالمجيء، وحقيقته: إذا وقع نصر الله، فما الفائدة في ترك الحقيقة، وذكر المجاز؟. فالجواب: أن الأمور مرتبطةٌ بأوقاتها، وأنه - تعالى - قد ربط بحدوث كلِّ محدث أسباباً معينة، وأوقاتاً مقدرة يستحيل فيها التقدم، والتأخر، والتبدل، والتغير، فإذا حضر ذلك الوقت، وجاء ذلك الزمان حضر ذلك الأثر معه، وإليه الإشارة بقوله: {أية : وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الحجر: 21]. فإن قيل: الذين أعانوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على فتح مكة هم الصحابة - رضي الله عنهم - ثم إنه تعالى سمى نصرتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فما السبب في إضافة النصر إليه؟. فالجواب: أن النصر وإن كان على يد الصحابة لكن لا بدَّ لهم من داعٍ وباعث، وهو من الله تعالى. فإن قيل: فعلى هذا التقدير الذي ذكرتم يكون فعل العبد متقدماً على فعل الله، وهو خلاف قوله تعالى: {أية : إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ} تفسير : [محمد: 7] فجعل نصر العبد مقدماً على نصره لنا. فالجواب: أن لا امتناع في أن يكون فعل العبد سبباً لفعل آخر يصدر عن الله - تعالى - فإن أسباب الحوادث ومسبباتها على ترتيب عجيب تعجز عن إدراكها العقول البشرية. قوله: {وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ}، "رأيت" يحتمل أن يكون معناه: أبصرت، وأن يكون معناه: علمت، فإن كان معناه "أبصرت" كان "يَدخُلونَ" في محل النصب على الحال، والتقدير: ورأيت الناس يدخلون حال دخولهم في دين الله أفواجاً، وإن كان معناه: "علمت" كان "يدخُلونَ" مفعولاً ثانياً لـ "علمت" والتقدير: علمت الناس داخلين في دين الله أفواجاً. وفي عبارة الزمخشري: أنه كان بمعنى "أبصرتُ"، أو "عرفت". وناقشه أبو حيان: بأن "رأيت" لا يُعرف كونها بمعنى "عرفت" قال: "فيحتاج في ذلك إلى استثبات". وقرأ العامة: "يدخلون" مبنياً للفاعل. وابن كثير في رواية: مبنياً للمفعول و "فِي دِيْنِ" ظرف مجازي، وهو مجاز فصيح بليغ هاهنا. قوله: {أَفْوَاجاً} حال من فاعل "يَدخُلُونَ". قال مكي: "وقياسه: "أفوج" إلا أن الضمة تستثقل في الواو فشبهوا "فعلاً" - يعني بالسكون - بـ "فَعل - يعني بالفتح - فجمعوه جمعه" انتهى. أي: أن "فَعْلاً" بالسكون، قياسه "أفعُل" كـ "فَلْس" و "أفلُس" إلا أنه استثقلت الضمةُ على الواوِ، فجمعوه جمع "فعل" بالتحريك نحو: جمل، وأجمال، لأن "فعْلاً" بالسكون على "أفعال" ليس بقياس إذا كان فعلاً صحيحاً، نحو: فرخ وأفراخ وزند وأزناد، ووردت منه ألفاظ كثيرة، ومع ذلك فلم يقيسوه، وقد قال الحوفي شيئاً من هذا. فصل في الكلام على لفظ الناس ظاهر لفظ "النَّاس" للعموم، فيدخل كل النَّاس أفواجاً، أي: جماعات، فوجاً بعد فوجٍ، وذلك لما فتحت "مكة" قالت العرب: أما إذْ ظفر محمد صلى الله عليه وسلم باهل الحرم، وقد كان الله - تعالى - أجارهم من أصحاب الفيل، فليس لكم به يدان؛ فكانوا يسلمون أفواجاً أفواجاً أمة بعد أمةٍ. قال الضحاكُ: والأمة: أربعون رجلاً. وقال عكرمةُ: ومقاتل: أراد بالنَّاس أهل "اليمن"، وذلك أنه ورد من "اليمن" سبعمائة إنسان مؤمنين طائعين، بعضهم يؤذنون، وبعضهم يقرءون القرآن، وبعضهم يهلِّلُون، فسُرَّ النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} وجاء أهل اليمن، رقيقة أفئدتهم لينة طباعهم، سخية قلوبهم، عظيمة خشيتهم، فدخلوا في دين الله أفواجاً. وروى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أتَاكُمْ أهْلُ اليَمنِ، وهُمْ أضْعَفُ قُلوباً، وأرَقُّ أفئِدَةٌ، الفقهُ يمانٍ، والحِكمةُ يَمَانِيةٌ ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنِّي لأجدُ نَفَسَ ربِّكُمْ من قبلِ اليَمنِ" تفسير : وفيه تأويلان: أحدهما: أنه الفرجُ، لتتابع إسلامهم أفواجاً. والثاني: معناه أن الله تعالى نفس الكرب عن نبيه صلى الله عليه وسلم بأهل "اليمن" و [الأنصار]. وروى جابرُ بنُ عبد الله قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إنَّ النَّاس دخلوا في دينِ اللهِ أفواجاً وسيَخرُجُونَ مِنهُ أفواجاً" تفسير : ذكره الماوردي. قال ابن الخطيب: كانت تدخل فيه القبيلة بأسرها بعد ما كانوا يدخلون واحداً واحداً، واثنين اثنين. فصل في المراد بدين الله ودينُ الله، هو الإسلام، لقوله تعالى: {أية : إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} تفسير : [آل عمران: 19]، {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} تفسير : [آل عمران: 85]، وإضافة الدين إلى الاسم الدال على الإلهية، إشارة إلى أنه يجب أن يعبد لكونه إلهاً، وللدين أسماء أخر، قال تعالى: {أية : فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [الذاريات: 35، 36]. ومنها: الصراط، قال تعالى: {أية : صِرَاطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الشورى: 53]. ومنها: كلمة الله، ومنها النور: {أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ} تفسير : [الصف: 8]. ومنها الهدى، قال تعالى: {أية : ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} تفسير : [الأنعام: 88]. ومنها العروة الوثقى {أية : فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ} تفسير : [البقرة: 256]. ومنها: الحبلُ المتين: {أية : وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً} تفسير : [آل عمران: 103]. ومنها: حنيفة الله، وفطرة الله. فصل في إيمان المقلد قال جمهور الفقهاء والمتكلمين: إيمان المقلد صحيح، واحتجوا بهذه الآية، قالوا: إنه تعالى حكم بصحة إيمان أولئك الأفواج، وجعله من أعظم المنن على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ولو لم يكن إيمانهم صحيحاً، لما ذكره في هذا المعرض، ثم إنا نعلم قطعاً أنهم ما كانوا يعرفون حدوث الأجسام بالدليل، وإثبات كونه تعالى منزّهاً عن الجسمية، والمكان والحيز، وإثبات كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات التي لا نهاية لها، ولا إثبات الصفات، والتنزيه بالدليل، والعلم بأن أولئك الأعراب ما كانوا عالمين بهذه الدقائق ضروري، فعلمنا أن إيمان المقلد صحيح، لا يقال: إنهم كانوا عالمين بأصول دلائل هذه المسائل؛ لأن أصول هذه الدلائل ظاهرة، بل كانوا جاهلين بالتفاضل؛ لأنا نقول: إن الدليل لا يقبل الزِّيادة والنُّقصان، فإن الدليل إذا كان مركباً من عشر مقدمات، فمن علم تسعة منها، وكان في المقدمة العاشرة مقلداً، كان في النتيجة مقلداً لا محالة. قوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ}، {بِحَمْدِ رَبِّكَ} حال، أي: ملتبساً بحمده. قال ابن الخطيب: إنه - تعالى - أمره صلى الله عليه وسلم بالتسبيح، ثم بالحمد، ثم بالاستغفار، والفائدة فيه أن تأخير النصر سنين، مع أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان على الحقّ، مما يثقل على القلب، ويقع في القلب أني إذا كنت على الحق فلم لا ينصرني، ولو سلطت على هؤلاء الكفار. فلأجل الاعتذار عن هذا الخاطر، أمر بالتسبيح أما على قولنا: فالمراد من هذا التنزيه، أنه تعالى منزَّه عن أن يستحق عليه أحد شيئاً [بل كل ما يفعله بحكم المشيئة الإلهية، فله أن يفعل ما شاء كما يشاء، ففائدة التسبيح: تنزيه الله تعالى عن أن يستحق عليه أحد شيئاً]. وأما على قول المعتزلة، ففائدة التنزيه: هو أن يعلم العبد أن تنزيه اللهِ تعالى عما لا يليق ولا ينبغي بسبب المصلحة، لا بسبب ترجيح الباطل على الحق، ثم إذا فرغ العبد من تنزيه الله، فحينئذ يشتغل بحمده على ما أعطاه من الإحسان والبر، ثم حينئذ بالاستغفار بذنوب نفسه. فصل في معنى الآية قال المفسرون: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ} أي: إذا صليت، فأكثر من ذلك. وقيل: معنى "سَبِّحْ" صلِّ، قاله ابن عبَّاس رضي الله عنهما. [وقوله: {بِحَمْدِ رَبِّكَ} حامداً له على ما آتاك من الظفر، والفتح، واستغفره أي: سلوا الله الغفران. وقيل: فسبح أي: المراد به التنزيه، أي: نزهه عما لا يجوز عليه، مع شكرك له، وبالاستغفار، ومداومة الذكر]. وروي في "الصحيحين" عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: حديث : ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت سورة {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} إلا يقولُ فيها: سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدِكَ اللَّهُمَّ اغفِرْ لِي ". تفسير : وقالت أم سلمة - رضي الله عنها -: حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم آخر أمره لا يقوم، ولا يقعد، ولا يجيء، ولا يذهب إلاَّ قال: "سُبحانَ اللهِ وبحَمدهِ، أسْتغْفِرُ الله، وأتوبُ إليه" قال: "فإنِّي أمرتُ بِهَا"، ثم قرأ: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} تفسير : إلى أخرها. وقال عكرمة: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه قط أشدّ اجتهاداً في أمور الآخرة ما كان عند نزولها. وقال مقاتل: حديث : لما نزلت، فقرأها النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه، ومنهم أبو بكر وعمر وسعد بن أبي وقاص، ففرحوا، واستبشروا، وبكى العباس، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا يُبْكيْكَ يَا عمّ". قال: نُعيتْ إليك نَفسُكَ، قال: "إنَّهُ لَكَمَا تقُولُ"، فعاش بعدها ستين يوماً، ما رئي فيها إلا ضاحكاً مستبشراً . تفسير : وقيل: حديث : نزلت في "منى" بعد أيام التشريق، في حجَّة الوداعِ، فبكى عمر والعباس فقيل لهما: إن هذا يوم فرح، فقال: لا بل فيه نعي النبي صلى الله عليه وسلم فقالَ النبي صلى الله عليه وسلم: "صدقتما، نعيت إليَّ نفسي" . تفسير : وروى البخاري، وغيره عن ابن عبَّاس، قال: كان عمر بن الخطَّاب يأذن لأهل بدر، ويأذن لي معهم، قال: فوجد بعضهم من ذلك، فقالوا: يأذن لهذا الفتى معنا، ومن أبنائنا من هو مثله، فقال لهم عمر: إنه من قد علمتم، قال: فأذن لهم ذات يوم، وأذن لي معهم، فسألهم عن هذه السورةِ: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ}، فقالوا: أمر الله - جلَّ وعزَّ - نبيه صلى الله عليه وسلم إذا فتح عليه أن يستغفره, وأن يتوب إليه, فقال: ما تقول يا ابن عباس؟. قلتُ: ليس كذلك ولكن أخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بحضور أجله, فقال: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ}, فذلك علامة موتك, {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابَا}, فقال عمر - رضي الله عنه -: تلومونني عليه؟ وفي رواية: قال عمر: "ما أعلم منها إلا ما تقول". فصل فإن قيل: فماذا يغفر للنبي صلى الله عليه وسلم حتى يؤمر بالاستغفار؟. فالجواب: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: "حديث : ربِّ اغفِرْ لِي خَطيْئَتِي وجَهْلِي، وإسْرافِي في أمْرِي كُلِّه، ومَا أنْتَ أَعْلَمُ بِهِ منِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي خَطيئَتِي، وعمدي، وجهْلِي وهزلِي، وكل ذلِكَ عِنْدِي اللَّهُمَّ اغفر لِي ما قدَّمْتُ وما أخَّرتُ، وما أعْلنتُ، ومَا أسْرَرْتُ، أنتَ المُقدِّمُ، وأنتَ المُؤخِّرُ، إنَّكَ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ ". تفسير : [وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يستغفر لنفسه لعظيم ما أنعم الله عليه، ويرى قصوره عن القيام بحقّ ذلك. وقيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقيل: يحتمل أن يكون المعنى كن متعلقاً به سائلاً راغباً متضرعاً على رؤية التقصير في أداء الحقوق. وقيل: الاستغفار نفسه يجب إتيانه لا للمغفرة بل تعبداً. وقيل: واستغفر أي: استغفر لأمتك إنه كان تواباً على المسبحين والمستغفرين، يتوب عليهم ويرحمهم، ويقبل توبتهم، وإذا كان عليه السلام وهو معصوم يؤمر بالاستغفار فماذا يظنّ بغيره]. فصل في تفسير الآية قد مرَّ تفسير الحمد، وأما تفسير قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} ففيه وجوه: الأول: قال الزمخشري: قل: سبحان الله، والحمد لله، تعجباً مما أراك الله من عجيب إنعامه، أي: اجمع بينهما، كقولك: الماءُ باللبن، أي: اجمع بينهما خلطاً، وشرباً. الثاني: أنَّ التسبيح داخل في الحمد؛ لأنك إذا حمدت الله تعالى، فقد سبَّحته بواسطته، لأن الثناء عليه، والشكر له يتضمن تنزيهه عن النقائص، ولذلك جعل الحمد مفتاح القرآن، فمعنى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ}، أي: سبحه بواسطته، أن تحمده، وأن تسبحه بهذا الطريق. الثالث: أن يكون حالاً، أي: سبحه مقدراً أن تحمد بعد التسبيح، كأنك تقول: لا يتأتى لك الجمع بينهما لفظاً، فاجمعهما نية كما تنوي الصلاة يوم النحر مقدراً أنك تنحر بعدها، فيجتمع لك الثواب في تلك الحالة. الرابع: أن هذه الباء كهي في قولك: فعلت هذه بفضل الله، أي: بحمده، أي: أنه الذي هداك لرشدك لا تجد غيره، كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحَمدُ للهِ على الحَمْدِ ". تفسير : الخامس: قال السديُّ: "بحمدِ ربِّك" أي: بأمر ربك. السادس: أن تكون الباء زائدة، والتقدير: سبح حمد ربك، أي: طهر محامد ربك عن الرياء والسمعة، أو اختر له أطهر المحامد، وأذكاها وأحسنها أو ائْتِ بالتسبيح والتنزيه بدلاً عن الحمد. السابع: فيه إشارة إلى أن التسبيح والحمد لا يتأخر أحدهما عن الآخر، ولا يمكن أن يؤتى بهما معاً، ونظيره: من ثبت له حق الشفعة، وحق الرد بالعيب وجب أن يقول: اخترت الشفعة بردي ذلك المبيع، كذا هاهنا، قال: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} ليقع معاً، فيصير مسبحاً حامداً في وقت واحد معاً. [فإن قيل: التوبة مقدمة على جميع الطَّاعات، ثم الحمد مقدم على التسبيح؛ لأن الحمد على النعم، والنعم سابقة أيضاً، والاستغفار سابق، ثم التسبيح؟ فالجواب لعله بدأ بالأشرف تنبيهاً على أن النزول من الخالق إلى الخلق أشرف من الصعود من الخلق إلى الخالق، أو نبّه بذلك على أن التسبيح والحمد الصادرين من العبد، إذا قابلا جلال الحقّ وعزته استوجبا الاستغفار، ولأن التسبيح والحمد إشارة إلى تعظيم أمر الله، والاستغفار إشارة إلى الشفقة على خلق الله، فالأول كالصلاة، والثاني كالزكاة فكما أن الصلاة مقدمة على الزكاة، فكذا هاهنا]. فإن قيل: قوله تعالى: {كَانَ تَوَّابَا} بدل من الماضي، وحاجتنا إلى قبوله في المستقبل وأيضاً: هلا قال سبحانه: {أية : غَفَّاراً} تفسير : [نوح: 10]، كما قال تعالى في سورة نوح عليه الصلاة والسلام. وأيضاً قال تعالى: {نَصْرُ ٱللَّهِ}، وقال: {فِي دِينِ ٱللَّهِ} وقال: {بِحَمْدِ رَبِّكَ} ولم يقل: بحمد الله. فالجواب عن الأول: أن هذا أبلغ كأنه يقول: إني أثنيت على من هو أقبح فعلاً منهم كاليهود فإنهم بعد ظهور المعجزات الظاهرة العظيمة، كفلق البحر، ونتق الجبل ونزول المنِّ والسلوى عصوا ربَّهم، وأتوا بالقبائح، ولما تابوا قبلت توبتهم، فإذا كنت قابلاً لتوبة أولئك، وهم دونكم، أفلا أقبل توبتكم، وأنتم خير أمة أخرجت للنَّاس؟ أو لأني شرعت في توبة العصاة، والشروع ملزم أو هو إشارة إلى تخفيف جنايتهم، أي: لستم أول من جنى، والمصيبة إذا عمت خفت؛ أو كما قيل: [المتقارب] شعر : 5339- كَما أحْسنَ اللهُ فِيما مَضَى كَذلِكَ يُحسِنُ فِيمَا بَقِي تفسير : والجواب عن الثاني: لعله خص هذه الأمة بمزيد الشرفِ، لأنه لا يقال في صفات العبد: غفار أو يقال: تواباً، ويقال إذا كان آتياً بالتوبة، فكأنه تعالى يقول: كنت لي سمياً من أول الأمر، أنت مؤمن، وأنا مؤمن، وإن اختلف المعنى فتب حتى صرت سمياً في آخر الأمر، فأنت تواب، وأنا تواب، ثم التواب في حق الله تعالى أنه يقبل التوبة كثيراً، فيجب على العبد أن يكون إتيانه بالتوبة كثيراً. [وأنه إنما قال: تواباً، لأن القائل قد يقول: أستغفر الله، وليس بتائب كقول المستغفر بلسانه المصر بقلبه، كالمستهزئ. فإن قيل قد يقول: أتوب، وليس بتائب. فلنا: فإذن يكون كاذباً، فإن التوبة اسم للرجوع، أو الندم بخلاف الاستغفار، فإنه لا يكون كاذباً فيه، فيكون تقدير الكلام: وأستغفر الله بالتوبة، وفيه تنبيه على خواتم الأعمال]. والجواب عن الثالث: أنه راعى العدل، فذكر اسم الذَّات مرتين، وذكر اسم الفعل مرتين؛ أحدهما: الرب والثاني: التواب، فلما كانت التربية تحصل أولاً، والتوبة آخراً، لا جرم ذكر اسم الرب أولاً، واسم التوبة أخراً. فصل في نزول السورة قال ابن عمر - رضي الله عنهما - نزلت هذه السورة بـ "منى" في حجة الوداع ثُمَّ نزلت: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلاَمَ دِيناً} تفسير : [المائدة: 3] فعاش صلى الله عليه وسلم بعدها خمسين يوماً، ثم نزل: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} تفسير : [التوبة: 128] فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوماً، ثم نزلت: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 281] فعاش بعدها صلى الله عليه وسلم أحداً وعشرين يوماً. وقال مقاتل: سبعة أيام. وقيل غير ذلك. فصل قال ابن الخطيب: اتفق الصحابة - رضي الله عنهم - على أن هذه السورة دلت على نعي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: كيف دلت السورة على هذا المعنى؟. فالجواب من وجوه: أحدها: قال بعضهم: إنما عرفوا ذلك لما روي أنه صلى الله عليه وسلم خطب عقيب السورة، وذكر التخيير. وثانياً: أنه لما ذكر حُصول النَّصر، ودخول النَّاس في دين الله أفواجاً، دل ذلك على حصول التمام، والكمال، وذلك يستعقبه الزَّوال؛ كما قيل: [المتقارب] شعر : 5340- إذَا تَمَّ شَيءٌ بَدَا نَقصهُ تَوقَّعْ زَوالاً، إذا قِيلَ: تَمْ تفسير : وثالثها: أنه جل ذكره أمر بالتسبيح، والحمد، والاستغفار مطلقاً، واشتغاله صلى الله عليه وسلم بذلك يمنعه من الاشتغال بأمر الأمة، فكان هذا كالتنبيه على أنّ التبليغ قد تم وكمل، وذلك يوجب الموت، لأنه لو بقي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، لكان كالمعزول عن الرسالة، وهذا غير جائزٍ. ورابعها: قوله: "واسْتَغْفِرْهُ" تنبيه على قرب الأجل، كأنه يقول: قرب الأجل ودنا الرحيل فتأهّبْ. ونبه على أن سبيل العاقل إذا قرب أجله يستكثر من التوبة. وخامسها: كأنه قيل: كان منتهى مطلوبك في الدنيا هذا الذي وجدته، وهو النصر والفتح، والله تعالى وعدك بقوله: {أية : وَلَلأَخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ} تفسير : [الضحى: 4] فلما وجدت أقصى مرادك في الدنيا، فانتقل إلى الآخرة لتفوز بتلك السعادة العالية. روى الثعلبي عن أبيّ- رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأَ سُورةَ: "النصر" فَكَأنَّمَا شَهِدَ مَع مُحمَّدٍ عليه الصَّلاة والسَّلام فَتْح مَكَّة".

البقاعي

تفسير : لما دلت التي قبلها على أن الكفار قد صاروا إلى حال لا عبرة بهم فيه ولا التفات ولا خوف بوجه منهم ما دام الحال على المتاركة، كان كأنه قيل: فهل يحصل نصر عليهم وظفر بهم بالمعاركة، فأجاب بهذه السورة بشارة للمؤمنين ونذارة للكافرين، ولكنه لما لم يكن هذا بالفعل إلا عام حجة الوداع بعد فتح مكة بسنتين كان كأنه لم يستقر الفتح إلا حينئذ، فلم ينزل سبحانه وتعالى هذه السورة إلا في ذلك الوقت وقبل منصرفه من غزوة حنين، فقال تعالى تحقيقاً لأنه ينصر المظلوم ويعلي دينه ويمهل ولا يهمل، فإنه لا يعجزه شيء، حثاً على التفويض له والاكتفاء به، مقدماً معمول "سبح" تعجيلاً للبشارة: {إذا}. ولما كانت المقدرات متوجهة من الأزل إلى أوقاتها المعينة لها، يسوقها إليها سائق القدرة، فتقرب منها شيئاً فشيئاً، كانت كأنها آتية إليها، فلذلك حصل التجوز بالمجيء عن الحصول فقال: {جاء} أي استقر وثبت في المستقبل بمجيء وقته المضروب له في الأزل، وزاد في تعظيمه بالإضافة ثم بكونها اسم الذات فقال: {نصر الله} أي الملك الأعظم الذي لا مثل له ولا أمر لأحد معه على جميع الناس في كل أمر يريده. ولما كان للنصر درجات، وكان قد أشار سبحانه بمطلق الإضافة إليه ثم بكونها إلى الاسم الأعظم إلى أن المراد أعلاها، صرح به فقال: {والفتح *} أي المطلق الصالح لكل فتح الذي نزلت فيه سورته بالحديبية مبشرة له بغلبة حزبه الذين أنت قائدهم وهاديهم ومرشدهم، لا سيما على مكة التي بها بيته ومنها ظهر دينه، وبها كان أصله، وفيها استقر عموده، وعز جنوده، فذل بذلك جميع العرب، وقالوا: لا طاقة لنا بمن أظفره الله بأهل الحرم، فعزوا بهذا الذل حتى كان ببعضهم تمام هذا الفتح، ويكون بهم كلهم فتح جميع البلاد، وللإشارة إلى الغلبة على جميع الأمم ساقه تعالى في أسلوب الشرط، ولتحققها عبر عنه بـ {إذا} إعلاماً بأنه لا يخلف الوعد ولا ينقص ما قدره وإن توهمت العقول أنه فات وقته، وإيذاناً بأن القلوب بيده يقلبها كيف يشاء ليحصل لمن علم ذلك الإخلاص والخوف والرجاء، فأشعرت العبارة بأن الوقت قد قرب، فكان المعنى: فكن مترقباً لوروده ومستعداً لشكره. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما كمل دينه واتضحت شريعته واستقر أمره صلى الله عليه وسلم وأدى أمانة رسالته حق أدائها عرف عليه صلى الله عليه الصلاة والسلام نفاد عمره وانقضاء أجله، وجعلت له على ذلك علامة دخول الناس في دين الله جماعات بعد التوقف والتثبط{أية : حكمة بالغة فما تغني النذر}تفسير : [القمر: 5]{أية : لو شاء الله لجمعهم على الهدى}تفسير : [الأنعام: 35] وأمر بالإكثار من الاستغفار المشروع في أعقاب المجالس وفي أطراف النهار وخواتم المآخذ مما عسى أن يتخلل من لغو أو فتور، فشرع سبحانه وتعالى الاستغفار ليحرز لعباده من حفظ أحوالهم ورعي أوقاتهم ما يفي بعليّ أجورهم كما وعدهم{أية : وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته}تفسير : [الأنعام: 115] وقد بسطت ما أشارت إليه هذه السورة العظيمة - وكل كلام ربنا عظيم - فيما قيدته في غير هذا، وأن أبا بكر رضي الله عنه عرف منها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعيت إليه نفسه الكريمة على ربه وعرف بدنو أجله، وقد أشار إلى هذا الغرض أيضاً بأبعد من الواقع في هذه السورة قوله تعالى:{أية : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً}تفسير : [المائدة: 3] وسورة براءة وأفعاله عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع لكن لم يبلغنا استشعار أحد من الصحابة رضي الله عنهم تعيين الأمر إلا من هذه السورة. وقد عرفت بإشارة براءة وآية المائدة تعريفاً شافياً، واستشعر الناس عام حجة الوداع وعند نزول براءة ذلك لكن لم يستيقنوه وغلبوا رجاءهم في حياته صلى الله عليه وسلم، ومنهم من توفي، فلما نزلت {إذا جاء نصر الله والفتح} استيقن أبو بكر رضي الله عنه ذلك استيقاناً حمله على البكاء لما قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم - انتهى. ولما عبر عن المعنى بالمجيء، عبر عن المرئي بالرؤية فقال: {ورأيت} أي بعينيك {الناس} أي العرب الذين كانوا حقيرين عند جميع الأمم، فصاروا بك هم الناس - كما دلت عليه لام الكمال، وصار سائر أهل الأرض لهم أتباعاً، وبالنسبة إليهم رعاياً، حال كونهم {يدخلون} شيئاً فشيئاً متجدداً دخولهم مستمراً {في دين الله} أي شرع من لم تزل كلمته هي العليا في حال إباء الخلق - بقهره لهم على الكفر الذي لا يرضاه لنفسه عاقل - ترك الحظوظ، وفي حال طواعيتهم بقسره لهم على الطاعة، وعبر عنه بالدين الذين معناه الجزاء لأن العرب كانوا لا يعتقدون القيامة التي لا يتم ظهور الجزاء إلا بها {أفواجاً *} أي قبائل قبائل وزمراً زمراً وجماعات كثيفة كالقبيلة بأسرها أمة بعد أمة كأهل مكة والطائف وهوازن وهمدان وسائر القبائل من غير قتال في خفة وسرعة ومفاجأة ولين بعد دخولهم واحداً واحداً ونحو ذلك لأنهم قالوا: أما إذا ظفر بأهل الحرم وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل الذين لم يقدر أحد على ردهم فليس لنا بهم يدان. فتبين أن هذا القياس المنتج هذه النتيجة البديهية بقصة أصحاب الفيل ما رتبه الله إلا إرهاصاً لنبوته وتأسيساً لدعوته فألقوا بأيديهم، وأسلموا قيادهم حاضرهم وباديهم. ولما كان التقدير: فقد سبح الله نفسه بالحمد بإبعاد نجس الشرك عن جزيرة العرب بالفعل، قال إيذاناً بأنه منزه عن النقائص التي منها إخلاف الوعد، وأن له مع ذلك الجلال والجمال، معبراً بما يفيد التعجب لزيادة التعظيم للمتعجب منه ليثمر ذلك الإجلال والتعظيم والتذلل والتقبل لجميع الأوامر، ويفهم أمره تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم بالاشتغال بخاصة نفسه بدنو أجله، وأن اشتغاله بالناس قد انتهى، لأن الدين قد كمل فلم يبق له صلى الله عليه وسلم شغل في دار الكدر: {فسبح} أي نزه أنت بقولك وفعلك بالصلاة وغيرها موافقة لمولاك فيما فعل، وزد في جميع أنواع العبادة، تسبيحاً متلبساً {بحمد} أي بكمال وإجلال وتعظيم {ربك} أي الذي أنجز لك الوعد بإكمال الدين وقمع المعتدين، المحسن إليك بجميع ذلك، لأنه كله لكرامتك، وإلا فهو عزيز حميد على كل حال، تعجباً لتيسير الله من هذا الفتح مما لم يخطر بالبال، وشكراً لما أنعم به سبحانه وتعالى عليه من أنه أراه تمام ما أرسل لأجله، ولأن كل حسنة يعملها أتباعه له مثلها. ولما أمره صلى الله عليه وسلم بتنزيهه عن كل نقص، ووصفه تنزلاً عن غيب الغيب إلى الغيب بكل كمال مضافاً إلى الرب تدلياً إلى مشاهدة الأفعال، وصل إلى نهاية التنزل من الخالق إلى المخلوق مخاطباً لأعلى الخلائق كلهم فأمره بما يفهم العجز عن الوفاء بحقه لما له من العظمة المشار إليها بذكره مرتين بالاسم الأعظم الذي له من الدلائل على العظم والعلو إلى محل الغيب الذي لا مطمع في دركه ما تنقطع الأعناق دونه ليفهم عجز غيره من باب الأولى، فقال معلماً بأن من كماله أن يأخذ بالذنب إن شاء ويغفر إن شاء وإن عظم الذنب، ليحث ذلك على المبادرة إلى التوبة وتكثير الحسنات وحسن الرجاء: {واستغفره} أي اطلب غفرانه إنه كان غفاراً إيذاناً بأنه لا يقدر أحد أن يقدره حق قدره كما أشار إلى ذلك الاستغفار عقب الصلاة التي هي أعظم العبادات لتقتدي بك أمتك في المواظبة على الأمان الثاني لهم، فإن الأمان الأول - الذي هو وجودك بين أظهرهم قد دنا رجوعه إلى معدنه في الرفيق الأعلى والمحل الأقدس الأولى، وكذا فعل صلى الله عليه وسلم - كان يقول:"حديث : سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"تفسير : ودخل يوم الفتح مكة مطأطئاً رأسه حتى إنه ليكاد يمس واسطة الرحل تواضعاً لله سبحانه وتعالى إعلاماً لأصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين أن ما وقع إنما هو بحول الله، لا بكثرة مع معه من الجمع، وإنما جعلهم سبباً لطفاً منه بهم، ولذلك نبه من ظن منهم أو هجس في خاطره أن للجمع مدخلاً بما وقع من الهزيمة في حنين أولاً، وما وقع بعد من النصرة بمن ثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم وهم لا يبلغون ثلاثين نفساً ثانياً، فالتسبيح الذي هو تنزيه عن النقص إشارة إلى إكماله الدين تحقيقاً لما كان تقدم به وعده الشريف. والاستغفار إشارة إلى أن عبادته صلى الله عليه وسلم التي هي أعظم العبادات قد شارفت الانقضاء، ولا يكون ذلك إلا بالموت، فلذلك أمر بالاستغفار لأنه يكون في خاتمة المجالس والأعمال جبراً لما لعله وقع فيها على نوع من الوهن واعترافاً بذل العبودية والعجز. ولما أمر بذلك فأرشد السياق إلى أن التقدير: وتب إليه، علله مؤكداً لأجل استبعاد من يستبعد مضمون ذلك من رجوع الناس في الردة ومن غيره بقوله: {إنه} أي المحسن إليك غاية الإحسان بخلافته لك في أمتك، ويجوز أن يكون التأكيد لأجل دلالة ما تقدم من ذكر الجلالة مرتين على غاية العظمة والفوت عن الإدراك بالاحتجاب بإرادته الكبرياء والعز والتجبر والقهر مع أن المألوف أن من كان على شيء من ذلك كان بحيث لا يقبل عذراً ولا يقبل نادماً {كان} أي لم يزل على التجدد والاستمرار {تواباً *} أي رجاعاً بمن هذب به الشيطان من أهل رحمته فهو، الذي رجع بأنصارك عما كانوا عليه من الاجتماع على الكفر والاختلاف والعداوات فأيدك بدخولهم في الدين شيئاً فشيئاً حتى أسرع بهم بعد سورة الفتح إلى أن دخلت مكة في عشرة آلاف، وهو أيضاً يرجع بك إلى الحال التي يزداد بها ظهور رفعتك في الرفيق الأعلى ويرجع عن تخلخل من أمتك في دينه بردة أو معصية دون ذلك إلى ما كان عليه من الخير، ويسير بهم أحسن سير، فقد رجع آخر السورة إلى أولها لأنه لولا تحقق وصفه بالتوبة لما وجد الناصر الذي وجد به الفتح والتحم مقطعها أي التحام بمطلعها، وعلم أن كل جملة منها مسببة عما قبلها، فتوبة الله على عبده نتيجة توبته باستغفاره الذي هو طلب المغفرة بشروطه، وذلك ثمرة اعتقاده الكمال في ربه، وذلك ما دل عليه إعلاؤه لدينه، وقسره للداخلين فيه على الدخول مع أنهم أشد الناس شكائم وأعلاهم همماً وعزائم، وقد كانوا في غاية الإباء له والمغالبة للقائم به، وذلك هو فائدة الفتح هو آية النصر، وقد علم أن الآية الأخيرة من الاحتباك: دل بالأمر بالاستغفار على الأمر بالتوبة، وبتعليل الأمر بالتوبة على تعليل الأمر بالاستغفار، وعلم أن السورة أشارة إلى وفاته صلى الله عليه وسلم بالحث على الاستغفار الذي هو الأمان الثاني، ومن شأنه أن تختم به الأعمال والمجالس بعد ما أشار إليه إعلامها بظهور الدين على الدين كله ونزولها في أوسط أيام التشريق من حجته عليه أفضل الصلاة والسلام سنة عشر كما ذكرته في كتابي "مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور" وكتابي "الاطلاع على حجة الوداع" وذلك بعد نزول آية المائدة - التي هي نظيرتها في رد المقطع على المطلع - في يوم عرفة {أية : اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً}تفسير : [المائدة: 3] ومن المعلوم أنه لا يكون في هذه الدار كمال إلا بعده نقصان، ولذلك سماها النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وخطب الناس فيها، فعلّمهم أمور دينهم وأشهدهم على أنفسهم وأشهد الله عليهم بأنه بلغهم، وودعهم وقال: لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، وأشار إلى ذلك أيضاً بالتوبة وإلى وقوع الردة بعده صلى الله عليه وسلم ورجوع من ارتد إلى أحسن ما كانوا عليه من اعتقادهم في الدين وثباتهم عليه بقتل من كان مطبوعاً على الكفر المشار إليهم بقوله تعالى:{أية : ولو أسمعهم}تفسير : [الأنفال:23] - أي إسماع قهر وغلبة وقسر - {أية : لتولوا وهم معرضون}تفسير : [الأنفال: 23] فكان وجودهم ضرراً صرفاً من غير منفعة وقتلهم نفعاً لا ضرر فيه بوجه، ولأجل إفهامها حلول الأجل للإيذان بالتمام "حديث : بكى العباس رضي الله تعالى عنه - وفي رواية: ولده عبد الله - عند نزولها فسأله النبي صلى الله عليه وسلم فقال: نعيت إليك نفسك"تفسير : فقال: إنه لكما تقول. كما بكى عمر رضي الله عنه عند نزول آية المائدة، وعلل بهذا - والله الهادي، وقد ظهر بهذا أن حاصلها الإيذان بكمال الدين ودنو الوفاة لخاتم النبيين، والنصر على جميع الظالمين الطاغين الباغين، وذلك من أعظم مقاصد المائدة، المناظرة لهذه في التطبيق بين البادئة والعائدة، كما أشار إليه قوله تعالى:{أية : اليوم أكملت لكم دينكم}تفسير : [الأنعام: 3] وقوله تعالى:{أية : ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}تفسير : [المائدة: 56] وقوله تعالى:{أية : لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير}تفسير : [المائدة: 120] ومن أعظم لطائف هذه السورة ودقيق بدائعها ولطيف منازعها أن كلماتها تدل بأعدادها على أمور جليلة وأسرار جميلة، فإنها تسع عشرة كلمة، وقد كان في سنة تسع عشرة من الهجرة موت قيصر طاغية الروم، وذلك أن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه لما فتح الإسكندرية قال قيصر: لئن غلبونا على الإسكندرية لقد هلكت الروم، فتجهز ليباشر قتالهم بنفسه، فعندما فرغ من جهازه صرعه الله فمات وكفى الله المسلمين شره، وذل الروم بذلك ذلاً كبيراً، واستأسدت العرب، وفي هذه السنة أيضاً فتح الله قيسارية من بلاد الشام فلم يبق بالشام أقصاها وأدناها عدو، وفرح المسلمون بذلك فرحاً شديداً، وكان فيها أيضاً فتح جلولاء، من بلاد فارس، وكان فتحها يسمى فتح الفتوح، لأن الفرس لم ينجبروا بعده، هذا إن عددنا ما يوازي كلماتها من سنة الهجرة، وإن عددنا من سنة نزول السورة في سنة عشر فقد فتحت سنة تسع وعشرين من الهجرة - وهي التاسعة عشرة من نزولها - مدينة اصطخر، واشتد ضعف الفرس، وأمر ملكهم يزدجرد واجتهاده في الهرب من العرب حتى قتل سنة إحدى وثلاثين من الهجرة بعد ذلك بسنتين، وذلك هو العد الموازي لعد كلماتها ظواهر وضمائر مع كلمات البسملة، وإذا نظرت إلى ما هنا من هذا وطبقت بينه وبين ما ذكر في سورة الفتح من مثله زاد عجبك من باهر هذه الآيات - والله الموفق، ثم إنك إذا اعتبرت اعتباراً آخر وجدت هذه السورة كا دلت بجملتها على انقضاء زمن النبوة بموت النبي صلى الله عليه وسلم دلت بمفردات كلماتها على انقضاء خلافة النبوة لتمام ثلاثين سنة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه عن سفينة مولى النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنه"حديث : خلافة النبوة ثلاثون، ثم يؤتي الله الملك من يشاء"تفسير : وذلك أنك إذا عددت كلماتها مع البسملة كانت باعتبار الرسم ثلاثاً وعشرين كلمة، وذلك مشيراً إلى انقضاء الخلافة التي لم تكن قط خلافة مثلها، وهي خلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه باستشهاده في ذي الحجة سنة ثلاثة وعشرين من الهجرة، فإذا ضممت إلى ذلك الضمائر البارزة وهي خمسة، والمستترة وهي ثلاثة، فكانت أحداً وثلاثين، وحسبت من حين نزول السورة على النبي صلى الله عليه وسلم في ذي الحجة سنة عشر كان ذلك مشيراً إلى انقضاء خلافة النبوة كلها بإصلاح أمير المؤمنين الحسن بن علي رضي الله عنهما في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، وذلك عند مضي ثلاثين سنة من موت النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول سنة عشر من الهجرة لا تزيد شهراً ولا تنقصه، وإن أخذت الضمائر وحدها بارزها ومستترها دلت على فتح مكة المشرفة بعينه، فإنها - كما مضى - ثمانية وقد كان الفتح سنة ثمان من الهجرة، ومن لطائف الأسرار وبدائع الأنظار أنها تدل على السنين بحسب التفصيل، فالبارز يدل على سنة النصر والظهور على قريش لأنهم المقصودون بالذات لأن العرب لهم تبع، والمستتر يدل على ضد ذلك، وشرح هذا أنه لما كانت قد خفقت في السنة الأولى من الهجرة رايات الإسلام في كل وجه، وانتشرت أسده في كل صوب، وانبثت سراياه في كل قطر، أشار إليها التاء في {ورأيت} التي هي ضميره صلى الله عليه وسلم إشارة إلى ما يختص بفهمه من البشارة. ولما كان في السنة الثانية بغزوة بدر من واضح الظفر وعظيم النصر ما هدّ قلوب الكفار، وشد قلوب الأنصار في سائر الأمصار، وأعلى لهم القدر، أشار إلى ذلك واو {يدخلون}، ولما حصل في السنة الثالثة ما لم يخف من المصيبة في غزوة أحد التي ربما أوهمت بعض من لم يرسخ نقصاً، أشار إلى ذلك الضمير المستتر في {فسبح}، ولما كان الخبر في الرابعة بأجلاء بني النضير وإخلاف قريش للوعد في بدر جبناً وعجزاً حيث وفى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم شجاعة وقوة بحول الله وانقلبوا، منها بنعمة من الله وفضل لم يمسهم سوء، أشار إلى ذلك الكاف في {ربك} ولما كان في الخامسة غزوة الأحزاب أشار إليها المستتر في {واستغفره} ولما كان في السادسة عمرة الحديبية التي سماها النبي صلى الله عليه وسلم فتحاً، أنزل الله فيها سورة الفتح لكونها كانت سبباً للفتح، فكان ذلك علماً من أعلام النبوة، ولبعث النبي صلى الله عليه وسلم فيها إلى الملوك يدعوهم إلى الله تعالى أشار إلى ذلك الضمير البازر في {واستغفره} وأكد قوته كونه للرب تعالى، ولما كان في السابعة غزوة خيبر وعمرة القضاء أشار إليها الضمير الظاهر في {إنه} ولما كان ضمير {كان} لله، وكان له سبحانه حضرتان: حضرة غيب وبطون، وحضرة شهادة وظهور، وكانت حضرة الغيب هي حضرة الجلال والكبرياء والعظمة والتعالي، وحضرة الشهادة حضرة التنزل بالأفعال والاستعطاف بالأقوال، كانت الحضرتان للنصر، وكانت حضرة الغيب أعظمهما نصراً وأشدهما أزراً، فلذلك كان ضمير الاستتار دالاًّ على الفتح الأكبر بالانتصار على السكان والديار بسطوة الواحد القهار، على أنا إذا نظرنا إليه من حيث كونه جائز البروز كان البارز فله حكمه - فسبحان من شمل علمه، ودقت حكمته فنفذ حكمه.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ أنزل بالمدينة ‏ {‏إذا جاء نصر الله والفتح‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير قال‏:‏ أنزل ‏{‏إذا جاء نصر الله‏} ‏ بالمدينة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار قال‏:‏ نزلت ‏ {‏إذا جاء نصر الله والفتح‏} ‏ كلها بالمدينة بعد فتح مكة ودخول الناس في الدين ينعى إليه نفسه‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر قال‏:‏ هذه السورة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم أوسط أيام التشريق بمنى وهو في حجة الوداع ‏ {‏إذا جاء نصر الله والفتح‏} ‏ حتى ختمها، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الوداع‏. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن عباس أنه قرأ‏:‏ ‏"‏إذا جاء فتح الله والنصر‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏إذا جاء نصر الله والفتح‏} ‏ قال‏:‏ فتح مكة {‏ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توّابا‏ً}‏ قال‏:‏ أعلم أنك ستموت عند ذلك‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏أفواجاً‏}‏ قال‏:‏ الزمر من الناس‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله‏:‏ ‏{‏إذا جاء نصر الله والفتح‏}‏ قال‏:‏ كانت هذه السورة آية لموت النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏إذا جاء نصر الله والفتح‏}‏ قال‏:‏ ذكر لنا أن ابن عباس قال‏:‏ هذه السورة علم وحد حده الله لنبيه ونعى نفسه أي إنك لن تعيش بعدها إلا قليلاً‏.‏ قال قتادة‏:‏ والله ما عاش بعدها إلا قليلاً سنتين ثم توفي‏.‏ وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"‏حديث : لما نزلت ‏ {‏إذا جاء نصر الله والفتح‏} ‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: نعيت إلى نفسي إني مقبوض في تلك السنة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ ‏"حديث : ‏لما نزلت ‏ {‏إذا جاء نصر الله والفتح‏} ‏ قال‏:‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم نعيت إلى نفسي وقرب أجلي‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ‏ {‏إذا جاء نصر الله والفتح‏} علم أنه نعيت إليه نفسه‏.‏ وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ ‏"حديث : لما نزلت هذه السورة ‏ {‏إذا جاء نصر الله والفتح‏}‏ قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ختمها ثم قال‏: أنا وأصحابي خير والناس خير لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج النسائي وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ لما نزلت ‏{‏إذا جاء نصر الله والفتح‏} ‏ نعيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه حين أنزلت فأخذني أشد ما يكون اجتهاداً في أمر الآخرة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أم حبيبة قالت‏:‏ ‏‏حديث : لما نزلت ‏{‏إذا جاء نصر الله والفتح‏} ‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "إن الله لم يبعث نبياً إلا عمر في أمته شطر ما عمر النبي الماضي قبله، وإن عيسى ابن مريم كان أربعين سنة في بني إسرائيل، وهذه لي عشرون سنة وأنا ميت في هذه السنة" فبكت فاطمة فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏: "‏أنت أول أهل بيتي لحوقاً بي‏" فتبسمت‏ . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏حديث : ‏ لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين أنزل عليه ‏ {‏إذا جاء نصر الله والفتح‏} ‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "‏يا علي بن أبي طالب، يا فاطمة بنت محمد جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبحان ربي وبحمده واستغفره إنه كان توابا"‏ً ‏‏.‏ تفسير : وأخرج الخطيب وابن عساكر عن علي قال‏:‏ ‏"‏نعى الله لنبيه صلى الله عليه وسلم نفسه حين أنزل عليه ‏ {‏إذا جاء نصر الله والفتح‏} ‏ فكان الفتح سنة ثمان بعدما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما طعن في سنة تسع من مهاجره تتابع عليه القبائل تسعى فلم يدر متى الأجل ليلاً أو نهاراً، فعمل على قدر ذلك فوسع السنن، وشدد الفرائض، وأظهر الرخص، ونسخ كثيراً من الأحاديث، وغزا تبوك، وفعل فعل مودع‏. وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال‏:‏ ‏‏حديث : لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين أنزل عليه ‏ {‏إذا جاء نصر الله والفتح‏} ‏ إلى آخر القصة‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "يا علي بن أبي طالب، ويا فاطمة بنت محمد، جاء نصر الله والفتح إلى آخر القصة، سبحان ربي وبحمده وأستغفره إنه كان توّاباً، ويا علي إنه يكون بعدي في المؤمنين الجهاد‏. قال‏:‏ علام نجاهد المؤمنين الذين يقولون آمنا‏؟‏ قال‏:‏ على الاحداث في الدين إذا عملوا بالرأي، ولا رأي في الدين، إنما الدين من الرب أمره ونهيه"‏ قال علي‏:‏ يا رسول الله أرأيت إن عرض علينا أمر لم ينزل فيه قرآن ولم يقض فيه سنة منك‏.‏ قال‏: تجعلونه شورى بين العابدين من المؤمنين ولا تقضونه برأي خاصة، فلو كنت مستخلفاً أحداً لم يكن أحد أحق منك لقربك في الإِسلام، وقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصهرك، وعندك سيدة نساء المؤمنين، وقبل ذلك ما كان من بلاء أبي طالب إياي، ونزل القرآن وأنا حريص على أن أرعى له في ولده‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال‏:‏ ‏ حديث : لما نزلت ‏{‏إذا جاء نصر الله والفتح‏} ‏ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فقال‏: إنه قد نعيت إلى نفسي‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد والبخاري وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي وأبو نعيم معاً في الدلائل عن ابن عباس قال‏:‏ كان عمر يدخلني وأشياخ بدر، فقال له عبد الرحمن بن عوف‏:‏ لم تدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله فقال‏:‏ إنه ممن قد علمتم، فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم وما رأيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني، فقال‏:‏ ما تقولون في قوله‏:‏ ‏ {‏إذا جاء نصر الله والفتح‏} ‏ حتى ختم السورة فقال بعضهم‏:‏ أمرنا الله أن نحمده ونستغفره إذا جاء نصر الله وفتح علينا وقال بعضهم‏:‏ لا ندري وبعضهم لم يقل شيئاً فقال لي يا ابن عباس‏:‏ أكذاك تقول‏؟‏ قلت‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فما تقول‏؟‏ قلت‏:‏ هو أجل رسول الله أعلمه الله ‏ {‏إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون‏} ‏ والفتح فتح مكة، فذلك علامة أجلك ‏ {‏فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا‏ً}‏ فقال عمر‏:‏ ما أعلم منها إلا ما تعلم‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن عمر سألهم عن قول الله‏‏ ‏ {‏إذا جاء نصر الله والفتح‏}‏ فقالوا‏:‏ فتح المدائن والقصور، قال‏:‏ فأنت يا ابن عباس ما تقول‏؟‏ قال‏:‏ قلت مثل ضرب لمحمد نعيت له نفسه‏.‏ وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في فضائل الصحابة والخطيب في تالي التلخيص عن ابن عباس قال‏:‏ لما نزلت ‏ {‏إذا جاء نصر الله والفتح‏}‏ جاء العباس إلى عليّ فقال‏:‏ انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان هذا الأمر لنا من بعده لم تشاحنا فيه قريش، وإن كان لغيرنا سألناه الوصاة لنا‏.‏ قال‏:‏ لا، قال العباس‏:‏ جئت فذكرت ذلك له، فقال‏:‏حديث : إن الله جعل أبا بكر خليفتي على دين الله ووحيه وهو مستوص فاسمعوا له وأطيعوا تهتدوا وتفلحوا، واقتدوا به ترشدوا‏‏تفسير : . قال ابن عباس‏:‏ فما وافق أبا بكر على رأيه ولا وازره على أمره ولا أعانه على شأنه إذ خالفه أصحابه في ارتداد العرب إلا العباس‏.‏ قال‏:‏ فوالله ما عدل رأيهما وحزمهما رأي أهل الأرض أجمعين‏. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏إذا جاء نصر الله والفتح‏} ‏ قال‏:‏ ذاك حين نعى لهم نفسه يقول‏:‏ إذا رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً يعني إسلام الناس يقول فذلك حين حضر أجلك ‏ {‏فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توّابا‏ً}‏ ‏.‏ وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن أبي هريرة في قوله‏:‏ ‏ {‏إذا جاء نصر الله والفتح‏} ‏ قال‏:‏ علم وحد حده الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ونعى إليه نفسه أنك لا تبقى بعد فتح مكة إلا قليلاً‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ آخر سورة نزلت من القرآن جميعاً ‏ {‏إذا جاء نصر الله والفتح‏}‏ ‏.‏ وأخرج البخاري عن سهل بن سعد الساعدي عن أبي بكر أن سورة ‏ {‏إذا جاء نصر الله والفتح‏} ‏ حين أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم علم أن نفسه نعيت إليه‏.‏ وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال‏:‏ غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح فتح مكة فخرج من المدينة في رمضان ومعه من المسلمين عشرة آلاف، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف سنة من مقدمة المدينة، وافتتح مكة لثلاث عشرة بقيت من رمضان‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن عائشة قالت‏:‏ ‏"‏حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من قول‏:‏ سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه، فقلت يا رسول الله‏:‏ أراك تكثر من قول‏:‏ سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه، فقال‏:‏ خبرني أني سأرى علامة في أمتي فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها ‏{‏إذا جاء نصر الله والفتح‏}‏ فتح مكة ‏{‏ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً‏}‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عائشة قالت‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده‏.‏ ‏"حديث : ‏سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي‏"‏تفسير : يتأول القرآن يعني ‏ {‏إذا جاء نصر الله والفتح‏}‏ ‏. وأخرج ابن جرير عن عائشة قالت‏:‏ ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أنزلت عليه هذه السورة ‏ {‏إذا جاء نصر الله والفتح‏} ‏ إلا يقول مثلهما‏:‏ ‏"حديث : ‏سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أم سلمة قالت‏:‏حديث : ‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر عمره لا يقوم ولا يقعد ولا يذهب ولا يجيء إلا قال‏:‏ "‏سبحانك اللهم وبحمدك، استغفرك وأتوب إليك‏" فقلت له‏:‏ قال‏: "‏إني أمرت بها" وقرأ ‏ {‏إذا جاء نصر الله‏}‏‏‏ تفسير : إلى آخر السورة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق ومحمد بن نصر وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود قال‏:‏ ‏‏حديث : لما نزلت ‏ {‏إذا جاء نصر الله والفتح‏} ‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول‏: "‏سبحانك اللهم وبحمدك اغفر لي إنك أنت التواب الغفور" ‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم وابن مردويه عن ابن مسعود قال‏:‏‏حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول‏:‏ "‏سبحانك ربنا وبحمدك" فلما نزلت ‏{‏إذا جاء نصر الله والفتح‏} ‏ قال‏:‏ "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم"‏ ‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ حديث : لما نزلت ‏{‏إذا جاء نصر الله والفتح‏} ‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: "‏جاء أهل اليمن هم أرقْ قلوباً الإِيمان يمان والفقه يمان والحكمة يمانيه"‏‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال‏:‏ حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ {‏ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً‏}‏ فقال‏:‏ "ليخرجن منه أفواجاً كما دخلوا فيه أفواجا‏ً" ‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن الفضيل بن عياض قال‏: ‏حديث : ‏ لما نزلت ‏ {‏إذا جاء نصر الله والفتح‏}‏ إلى آخر السورة قال محمد صلى الله عليه وسلم‏:‏ "‏يا جبريل نعيت إليَّ نفسي‏" قال جبريل‏:‏ الآخرة خير لك من الأولى ‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الناس دخلوا في دين الله أفواجاً وسيخرجون منه أفواجا‏ً "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : ‏{‏إذا جاء نصر الله والفتح‏}‏ وجاء أهل اليمن رقيقة أفئدتهم وطباعهم سجية قلوبهم عظيمة حسنتهم دخلوا في دين الله أفواجا‏ً "‏‏.

ابو السعود

تفسير : مدنية وآيُها ثلاث {إِذَا جَاء نَصْرُ ٱللَّهِ} أيْ إعانتُهُ تعالَى وإظهارُهُ إياكَ على عدوكَ {وَٱلْفَتْحُ} أيْ فتحُ مكةَ وقيلَ: جنسُ نصرِ الله تعالَى ومطلقُ الفتحِ فإنَّ فتحَ مكةَ لمَّا كانَ مِفْتاحَ الفتوحِ ومناطَهَا كمَا أنَّ نفسَها أمُّ القُرَى وإمامُها جُعلَ مجيئُهُ بمنزلةِ مجيءِ سائرِ الفتوحِ وعلقَ بهِ أمرَهُ عليهِ السلامُ بالتسبـيحِ والحمدِ والتعبـيرُ عنْ حصولِ النصرِ والفتحِ بالمجيءِ للإيذانِ بأنهُمَا متوجهانِ نحوَهُ عليهِ السلامُ وأنهُمَا على جناحِ الوصولِ إليهِ عليهِ السلامُ عن قريبٍ. رُوي أنها نزلتْ قبلَ الفتحِ وعليهِ الأكثرُ. وقيلَ: في أيامِ التشريقِ بمِنًى في حجةِ الوداعِ، فكلمةُ إذَا حينئذٍ باعتبارِ أنَّ بعضَ مَا في حيزِهَا أَعْنِي رؤيةَ دخولِ الناسِ الخ، غيرُ منقضٍ بعدُ وكانَ فتحُ مكةَ لعشرٍ مضينَ من شهرِ رمضانَ سنة ثمانٍ ومعَ النبـيِّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ عشرةُ آلافٍ منَ المهاجرينَ والأنصارِ وطوائفِ العربِ وأقامَ بهَا خمس عشرَةَ ليلةً وحينَ دخلَها وقفَ على بابِ الكعبةِ ثمَّ قالَ: « حديث : "لاَ إلٰه إلا الله وَحْدَهُ لاَ شريكَ لَهُ صدقَ وعدَهُ ونصرَ عبدَهُ وهزمَ الأحزابَ وحدَهُ". ثمَّ قالَ: "يا أهلَ مكةَ ما ترونَ أني فاعلٌ بكُم؟" قالُوا: خيراً أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريمٍ، قالَ: "اذهبُوا فأنتُمْ الطلقاءُ" » تفسير : فأعتقهُمْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقدْ كانَ الله تعالَى أمكنَهُ من رقابِهم عنوةً وكانُوا له فياءً ولذلكَ سميَ أهلُ مكةَ الطلقاءَ ثمَّ بايعُوه على الإسلام ثمَّ خرجَ إلى هوازنَ {وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ} أيْ أبصرتهُمْ أو علمتهُمْ {يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ} أيْ ملةُ الإسلامِ التي لا دينَ يضافُ إليهِ تعالَى غيرُهَا والجملةُ على الأولِ حالٌ من الناسِ وعلى الثاني مفعولٌ ثانٍ لرأيتَ وقولُه تعالَى: {أَفْوَاجاً} حالٌ من فاعلِ يدخلونَ أيْ يدخلونَ فيهِ جماعاتٍ كثيفةً كأهلِ مكةَ والطائفِ واليمنِ وهوازنَ وسائرِ قبائلِ العربِ وكانُوا قبلَ ذلكَ يدخلونَ فيهِ واحِداً واحِداً واثنينِ اثنينِ. رُويَ أنَّه عليهِ السلامُ لما فتحَ مكةَ أقبلتِ العربُ بعضُها على بعضٍ فقالوا: إذَا ظفِرَ بأهلِ الحرمِ فلنْ يقاومَهُ أحدٌ وقدْ كانَ الله تعالَى أجارَهُم من أصحابِ الفيلِ ومن كُلِّ من أرادهُم فكانُوا يدخلونَ في دينِ الإسلامِ أفواجاً من غيرِ قتالٍ وقرىءَ فتحُ الله والنصرُ وقُرِىءَ يُدخلونَ على البناءِ للمفعولِ.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ}[1] قال: إذا جاء نصر الله لدينك والفتح لدينك.

السلمي

تفسير : قال ابن عطاء: إذا شغلك به عما دونه فقد حال الفتح من الله، والفتح هو النجاة من السجن والبشرى بلقاء الله. سمعت أبا الحسين بن يحيى الشافعى يقول: سألت أبا الحسين اليوشجى عن قوله: {وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} [النصر: 3] ما هذا الاستغفار؟ ما هذه التوبة؟ فقال: أما لسان العارفين فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُر بدخول الناس عليه أفواجًا فنظر إلى الناس والسبب وإلى دعوتك، ولم ينظر إلى المسبب فأنزل الله تعالى: {أية : فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ}تفسير : [الشورى: 24]. أى: المجيب إلى دعوتك من كتبنا له السعادة فى الأزل. قال الواسطى رحمه الله: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} أى فتح عليك العلوم، {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ} على ما كان من قلة العلم بما أريد منك {إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً}. قال النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : بعثت إلى نفسى ". تفسير : وقال ابن عطاء: إذا فتح عليك علوم القربة، وأحوال الاشتياق. وقال بعضهم: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ} على ما كان منك من قلة العلم بما أريد منك.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ}. النصرُ الظَّفَرُ بالعدوِّ، و {وَٱلْفَتْحُ} فتح مكة. {وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً}. يُسْلِمون جماعاتٍ جماعاتٍ. {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ}. أكْثِرْ حَمْدَ ربِّكَ، وصلِّ له، وَقَدِّسْه. ويقال: صَلِّ شكراً لهذه النعمة. {وَٱسْتَغْفِرْهُ} وسَلْ مغفرته. {إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً}. لِمَنْ تاب؛ فإنه يقبل توبته. ويقال: نصرة الله - سبحانه - له بأنْ أفناه عن نَفْسِه، وأبعد عنه أحكامَ البشرية، وصفَّاه من الكدورات النفسانية. وأمَّا "الفتح": فهو أنْ رقَّاه إلى محلِّ الدنو، واستخلصه بخصائص الزلفة، وألبسه لِباسَ الجمع، واصطلمه عنه، كان له عنه، ولنَفْسِه - سبحانه - منه، وأظهر عليه ما كان مستوراً من قَبْلُ من أسرارِ الحقِّ، وعَرَّفَه - من كمال معرفته به - ما كان جميعُ الخَلْقِ متعطشاً إليه.

البقلي

تفسير : {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} نصر الله لحبيبه صلى الله عليه وسلم وجميع احبائه افرادهم بفردانيته عما دون وانجاهم عن خبس النفوس مقام الانس مظفرهم على كل بغية لهم واداء ما عليهم من حقوق العبودية والفتح انفتاح ابواب الوصاف وانكشاف انوار الجمال وبلوغهم عين الكمال وايضا نصر الله كشف غطاء النفس وقوع نور القدس فى القلب اذا ذهب قتام الحدثان بجاء النصر واذا انكشف جمال الرحمن قام الفتح وذلك بشارة الله لحبيبه صلى الله عليه وسلم بوصله اليه وتخلصه من اعباء الغبوة ومشفة الرسالة وروية الاغيار فامره بتقديسه لنفسه والاستغفار من لامته بقوله {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابَا} اذا اكمل فى المعرفة واستقام فى التوحيد واقبل بكماله بحق الحق عند رجوعه من نفسه اليه كان معه بحار الثناء والعرفان والايقان والايمان فابرز الحق نورا من قدس قدمه له فسقط عندما معه من جميع الثناء فامره باستيناف ثنائه بدلا بنفسه واعمله طريق الثناء عليه فى ايام الوصول اليه وقال فسبح بحمد ربك اى نزعه عما جرى على قلبك فى طول عمرك فانه اعز من ان يحلق وصف الواصلين وحمد الحامدين فانت سبحانه بحمده ربك الا ترى كيف قال فسبح بحمد ربك اى بحمد ربك فسبحه الحمد الذى حمد نفسه فى الازل وايضا اى سبح ربك الذى بحمده ما وصل مدحه مدح المادحين ولا حمد الحامدين واستغفره من حمدك وثنائك وجميع اعمالك له وعرفانك به فان لكل معلول اذ وصف الحدثان لا يليق بجمال الرحمن فانه كان موصوفا بوصفه لا بوصف الغير وكان وقابل التوب فى الازل ذى الطولة والمنته على عباده حيث قبل ثناؤهم وتسبيحهم وتوبتهم اذا كانت بنعت العلم بالعجز عن ادراك كنه قدمه والاعتراف بالجهل عن المعرفة بحقيقة وجوده قال ابن عطا اذا اشتغلك به عما دونه فقد جارك -----النصر والفتح هو النجوة من السجن والبشرى بلقاء الله وقال الواسطى اى فتح عليك العلوم فسبح بحمد ربك واستغفر على ما كان منك من قلة العلم بما اريد منك انه كان توابا وقيل اذا فتح الله قلبك برؤية من عليك اقبل الله قلوب عباده اليك حتى باتوك فوجا فوجا قال بعضهم احمد الله بحيث جعلك سبب وصول عباده واستغفر الله من ملاحظة دعائك فان من اجابك هو الذى احيينا وقت الميثاق وكتب له السعادة فى الازل فريق فى الجنة فى السعير.

اسماعيل حقي

تفسير : {اذا جاء نصر الله } اى اعانته تعالى واظهاره اياك على اعدآئك فان قلت لا شك ان ما وقع من الفتوح كان بنصرة المؤمنين فما وجه اضافتها الى الله قلت لان افعالهم مستندة الى دواعى قلوبهم وهى امور حادثة لا بد لها من محدث وهو الله تعالى فالعبد هو المبدأ الاقرب والله هو المبدأ الاول والخالق للدواعى وما يبتنى عليها من الافعال والعامل فى اذا هو سبح اى فسبح اذا جاء نصر الله ولا يمنع الفاء عن العمل على قول الاكثرين او فعل الشرط وليس اذا مضافا اليه على مذهب المحققين واذا لما يستقبل والاعلام بذلك قيل كونه من اعلام النبوة لما روى ان السورة نزلت قبل فتح مكة كما عليه الاكثر {والفتح} اى فتح مكة على ان الاضافة واللام للعهد وهو الفتح الذى تطمح اليه الابصار ولذلك سمى فتح الفتوح ووقع الوعد به فى اول سورة الفتح وقد سبقت قصة الفتح فى تلك السورة وقيل جنس نصر الله مطلق الفتح على ان الاضافة واللام للاستغراق فان فتح مكة لما كان مفتاح الفتوح ومناطها كما ان نفسها ام القرى وامامها جعل مجيئه بمنزلة مجيئ سائر الفتوح وعلق به امره عليه السلام وانهما على جناح الوصول اليه عن قريب ويمكن ان يقال التعبير للاشارة الى حصول نصر الله بمجيئ جند بهم النصر وقيل نزلت السورة فى ايام التشريق بمنى فى حجة الوداع وعاش عليه السلام بعدها ثمانين يوما او نحوها فكلمة اذا حينئذ باعتبار أن بعض ما فى حيزها اعنى رؤيته دخول الناس الخ غير منقض بعد وقال سعدى المفتى وعلى هذه الرواية فكلمة اذا تكون خارجة عن معنى الاستقبال فانها قد تخرج عنه كما قيل فى قوله تعالى واذا رأوا تجارة الآية وفى المصطلحات ان الفتوح كل ما يفتح على العبد من الله تعالى بعد ما كان مغلقا عليه من النعم الظاهرة والباطنة كالارزاق والعبادات والعلوم والمعارف والمكاشفات وغير ذلك والفتح القريب هو ما انفتح على العبد من مقام القلب وظهور صفاته وكمالاته عند قطع منازل النفس وهو المشار اليه بقوله نصر من الله وفتح قريب والفتح المبين هو ما يفتح على العبد من مقام الولاية وتجليات انوار الاسماء الالهية المفنية لصفات القلب وكمالاته المشار اليه بقوله انا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر يعنى من الصفات النفسانية والقلبية والفتح المطلق هو أعلى الفتوحات واكملها وهو ما انفتح على العبد من تجلى الذات الاحدية والاستغراق فى عين الجمع بفناء الرسوم الخلقية كلها وهو المشار اليه بقوله اذا جاء نصر الله والفتح انتهى وقد سبق بعبارة اخرى فى سورة الفتح وعلى هذا فالمراد بالنصر هو المدد الملكوتى والتأييد القدسى بتجليات الاسماء والصفات وبالفتح هو الفتح المطلق الذى لا فتح ورآءه وهو فتح باب الحضرة الالهية الحدية والكشف الذاتى ولا شك ان الفتح الاول هو فتح ملكوت الافعال فى مقام القلب بكشف حجاب حس النفس بافناء افعالها فى افعال الحق والثانى هو فتح جبروت الصفات فى مقام الروح بكشف حجاب خيالها فافناء صفاتها فى صفاته والثالث هو فتح لاهوت الذات فى مقام السر بكشف حجب وهمها بافناء ذاتها فى ذاته ومن حصل له هذا النصر والفتح الباطنى حصل له النصر والفتح الظاهرى ايضا لان النصر والفتح من باب الرحمة وعند الوصول الى نهاية النهايات لا يبقى من السخط اثر اصلا ويستوعب الظاهر والباطن اثر الرحمة مطلقا ومن ثمة تفاوت احوال الكمل بداية ونهاية فظهر من هذا ان كلا من النصر والفتح فى الآية ينبغى ان يحمل على ما هو المطلق لكنى اقتفيت اثر أهل التفسير فى تقديم ما هو المقيد لكنه قول مرجوح تسامح الله عن قائله.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِذا جاء نَصْرُ اللهِ} "إذا" ظروف لِما يُستقبل, والعامل فيه: {فسبِّح}، والنصر: الإعانة والإظهار على العدوّ، والفتح: فتح مكة، أو فتح البلاد, والإعلام بذلك قبل الوقوع من أعلام النبوة، إذا قلنا نزلت قبل الفتح، وعليه الأكثر، والمعنى: إذا جاءك نصر الله، وظَهَرْتَ على العرب، وفتح عليك مكة أو سائر بلاد العرب، فَأَكْثِر من التسبيح والاستغفار، تأهُّباً للقاء أو شكراً على النِعم، والتعبير عن حصول الفتح بالمجيء للإيذان بأنّ حصوله على جناح الوصول عن قريب. وقيل: نزلت أيام التشريق بمِنىً في حجة الوداع، وعاش بعدها النبيُّ صلى الله عليه وسلم ثمانين يوماً، فكلمة (إذا) حينئذ باعتبار أنَّ بعض ما في حيزها ـ أعني: رؤية دخول الناس أفواجاً ـ غير منقض بعدُ. وكان فتح مكة لعَشْرٍ من شهر رمضان، سنة ثمان، ومع النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وطوائف العرب، وأقام بها خمس عشرة ليلة. وحين دخلها وقف على باب الكعبة، ثم قال: "حديث : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهَزَم الأحزابَ وحده"، ثم قال: "يا أهل مكة؛ ما ترون إني فاعل بكم؟" قالوا: خيراً، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: "اذهبوا فأنتم الطُلقاء " تفسير : فأعتقهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان الله تعالى أمكنه من رقابهم عنوة، وكانوا لهم فيئاً، ولذلك سُمي أهل مكة الطُلقاء، ثم بايعوه على الإسلام، ثم خرج إلى هوازن. ثم قال تعالى: {ورأيتَ الناسَ} أي: أبصرتهم، أو علمتهم {يدخلون في دينِ الله} أي: ملة الإسلام، التي لا دين يُضاف إليه تعالى غيرها. والجملة على الأول: حال من "الناس"، وعلى الثاني: مفعول ثان لرأيت، و {أفواجاً} حال من فاعل "يدخلون" أي: يدخلون جماعة بعد جماعة، تدخل القبيلة بأسرها، والقوم بأسرهم، بعدما كانوا يدخلون واحداً واحداً، وذلك أنَّ العرب كانت تقول: إذا ظفر محمدٌ بالحرم ـ وقد كان آجرهم الله من أصحاب الفيل ـ فليس لكم به يدان، فلما فُتحت مكة جاؤوا للإسلام أفواجاً بلا قتال، فقد أسلم بعد فتح مكة بَشَرٌ كثير، فكان معه في غزوة تبوك سبعون ألفاً. وقال أبو محمد بن عبد البر: لم يمت رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وفي العرب كافر، وقد قيل: إنَّ عدد المسلمين عند موته: مائة ألف وأربعة عشر ألفاً. هـ. فإذا رأيتَ ما ذكر من النصر والفتح {فَسَبِّح بحمد ربك} أي: قل سبحان الله، حامداً له، أو: فصلّ له {واستغفره} تواضعاً وهضماً للنفس، أو: دُمْ على الاستغفار، {إِنه كان} ولم يزل {تواباً}؛ كثير القبول للتوبة. روت عائشةُ رضي الله عنها أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم: لَمّا فتح مكة، وأسلمت العرب، جعل يُكثر أن يقول: " حديث : سبحانك اللهم وبحمدك، وأستغفرك وأتوب إليك، يتأوّل القرآن " تفسير : يعني في هذه السورة. وقال لها مرة: " حديث : ما أراه إلاَّ حضور أجلي " تفسير : ، وتأوَّله العباس وعمر رضي الله عنهما بذلك بمحضره صلى الله عليه وسلم فصدّقهما، ونزع هذا المنزع ابن عباس وغيره. الإشارة: إذا جاءتك أيها المريد نصر الله لك، بأن قوّاك على خرق عوائد نفسك، وأظفرك بها (والفتح) وهو دخول مقام الفناء، وإظهار أسرار الحقائق, ورأيت الناسَ يدخلون في طريق الله أفواجاً، فسبّح بحمد ربك، أي: نزّه ربك عن رؤية الغيرية والأثنينية في ملكه، واستغفره من رؤية وجود نفسك. قال القشيري: ويقال النصر من الله بأن أفناه عن نفسه، وأبعد عنه أحكام البشرية، وصفّاه من الكدورات النفسانية، وأمّا الفتح فهو: أن رقَّاه إلى محل الدنو، واستخلصه بخصائص الزلفة، وألبسه لباس الجمع، وعرّفه من كمال المعرفة ما كان جميع الخلق متعطشاً إليه. هـ. وقال الورتجبي (فَسَبِّح بحمد ربك) أي: سبِّحه بحمده لا بك، أي: فسبِّحه بالحمد الذي حمد به نفسه، واستغفِره من حمدك وثنائك وجميع أعمالك وعرفانك، فإنّ الكل معلول؛ إذ وصف الحدثان لا يليق بجمال الرحمن، إنه كان قابل التوب من العجز عن إدراك كنه قدسه، والاعتراف بالجهل عن معرفة حقيقة وجوده. هـ. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.

الطوسي

تفسير : هذا وعد من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله بالنصر بالفتح قبل وقوع الأمر. وقال الحسن ومجاهد: وعده الله فتح مكة ونصرته على كفار قريش، فيجيء النصر وقوعه على التوقع له، والنصر المعونة على العدو للظهور عليه، لان المعونة قد تكون بالمال على نوائب الزمان، وقد تكون على العدوّ، وهي النصر دون المعونة الأخرى. والفتح الفرج الذي يمكن معه الدخول فى الامر بملك العدوّ الناصب للحرب، وقد يكون الفرج بالفرق فقط، فلا يكون الفتح بذهاب العدو الذي صار علماً على هذا المعنى. وقوله تعالى {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً} يعني فى طاعة الله وطاعتك: من الاسلام وإلتزام الاحكام واعتقاد صحته وتوطين النفس على العمل به. وأصل الدين الجزاء. ثم يعبر به عن الطاعة التي يستحق بها الجزاء، كما قال {أية : في دين الملك}تفسير : أي فى طاعته. والفوج جماعة من جماعة، والافواج جماعات من جماعات. وهكذا كان الناس يدخلون فى الدين جماعة بعد جماعة، من جملة القبيلة حتى يتكامل اسلام الجميع. وقوله {فسبح بحمد ربك واستغفره} امر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله بأن ينزهه عما لا يليق به من صفات النقص، وأن يستغفره. ووجه وجوب ذلك بالنصر والفتح، أن النعمة به تقتضي القيام بحق النعمة المنافى للمصيبة. فكأنه قال قد حدث أمر يقتضي الاستغفار مما جدده الله لك فاستغفره بالتوبة يقبل ذلك منك، ومخرجه مخرج الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وهو تعليم لجميع أمته. ومعنى {فسبح بحمد ربك} نزهه عما لا يجوز عليه مع شكرك إياه. وقيل معناه: صل شكراً له على ما جدد لك من نعمة. والاستغفار قد يكون عند ذكر المعصية بما ينافي الاصرار، وقد يكون على وجه التسبيح، والانقطاع إلى الله. وقوله {إنه كان تواباً} معناه إنه يقبل توبة من بقي كما قبل توبة من مضى. والتوّاب فى صفة الله الكثير القبول للتوبة، وفى صفة العباد الكثير الفعل للتوبة. وقال قتادة: عاش النبي صلى الله عليه وآله بعد هذا سنتين ثم توفي صلى الله عليه وآله.

الجنابذي

تفسير : {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} قيل هذه آخرة سورة نزلت عليه (ص) كما انّ {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ} تفسير : [العلق:1] كانت اولى سورةٍ نزلت عليه، وقيل: نزلت فى حجّة الوداع بمنى، وقيل: عاش (ص) بعدها سنتين، وقيل: مات من سنته، وقال (ص) بعد نزول السّورة: "حديث : نعيت الىّ نفسى"تفسير : ، وروى "حديث : انّه بكى العبّاس بعد نزولها فقال: ما يبكيك يا عمّ؟ - قال: نعيت اليك نفسك، قال: انّه لكما تقول"تفسير : ، واستفادة نعى نفسه (ص) من السّورة تكون من القرائن المنضّمة والحاليّة الّتى تكون بين المتخاطبين وان لم يكن فى اللّفظ ما يدلّ صريحاً عليه، واعلم انّ النّصر والفتح يطلقان بمعناهما المصدرىّ ويراد بهما النّصرة على الاعداء وفتح البلاد، واستعمال المجيء فيهما من باب الاستعارة وتشبيه النّصرة والفتح بالجائى، ويطلقان على نصرة الانسان على اعدائه الباطنة وعلى فتح باب القلب، ويطلقان على معنى حقيقىٍّ هو الملك النّازل على صدر النّبىّ (ص)، وصورة ولىّ الامر النّازلة على صدر السّالك، وكما تكون نصراً من الله على الاعداء الظّاهرة والباطنة تكون فتحاً من الله، وبها تكون الفتح الظّاهر والباطن ويطلقان على النّصر المطلق الّذى لا نصر بعده وهو النّصر فى الخروج من جميع قيود الامكان، والفتح المطلق الّذى هو فتح الغيب المطلق وهو الخروج من مقام الامكان والعروج من مقام الواحديّة الى الاحديّة وهو مقام القدس والتّقديس، ولمّا كان النّصر مضافاً الى الله والفتح مطلقاً كان المراد هذا النّصر وذلك الفتح وقد يستنبط نعى نفسه (ص) من هذا فانّ النّصر المطلق والفتح بهذا المعنى قلّما يكون بدون وقت الارتحال.

فرات الكوفي

تفسير : قال [حدثنا] أبو القاسم العلوي قال: حدثنا فرات معنعناً: عن أنس بن مالك قال: كنا إذا أردنا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن شيءٍ أمرنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أو سلمان الفارسي أو ثابت بن معاذ الأنصاري رضي الله عنهما فلما نزلت [الآية. ر] {إذا جاء نصر الله والفتح} وعلمنا أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد نعيت إليه نفسه قلنا لسلمان: سل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من نسند إليه أمرنا و [ر: أو] يكون إليه مفزعنا ومن أحب الناس إليه فلقيه فسأله فأعرض عنه ثم سأله فأعرض عنه - ثلاث مرات - فخشي سلمان أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد مقته ووجد في نفسه فلما كان بعد لقيه فقال: حديث : يا سلمان يا أبا عبد الله ألا أنبئك عما كنت سألتني؟ قال: بلى يا رسول الله إني خشيت أن تكون قد مقتني و [ر:أو] ووجدت في نفسك علي. قال: كلا [ن: كان] يا سلمان إن أخي ووزيري وخليفتي في أهلي وخير من أترك بعدي يقضي ديني وينجز موعدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام . تفسير : فرات قال: حدثني جعفر بن محمد بن سعيد الأحمسي معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى {إذا جاء نصر الله والفتح} يقول: على الأعداء من قريش وغيرهم والفتح فتح مكة {ورأيت الناس} يقول الأحياء {يدخلون في دين الله أفواجاً} يقول: جماعات وقبل ذلك إنما كان يدخل الواحد بعد الواحد فقيل إذا رأيت الأحياء تدخل جماعات في الدين فإنك ميت، نعيت إليه نفسه {فسبح بحمد ربك} يقول: فصل بأمر ربك {واستغفره إنّه كان تواباً} يقول: متجاوزاً. فرات قال: حدثنا أبو الحسن علي بن الحسن بن الحسين الدوسي الرقي معنعناً: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه السورة حديث : دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام فقال: إنه قد نعيت إلي نفسي فبكت فقال: لا تبكين فإنك أول أهلي لحاقاً [أ: لحوقاً] بي فضحكت . تفسير : فرات قال: حدثني علي بن محمد بن إسماعيل الخزاز الهمداني معنعناً: عن زيد! - قال - رجل كان قد أدرك ستة أو سبعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالوا!: لما نزل: {إذا جاء نصر الله والفتح} قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : يا علي يا فاطمة [بنت محمد. أ، ب] {قد جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً} فسبحان ربي وبحمده واستغفر ربي {إنه كان تواباً}. يا علي إن الله قضى الجهاد على المؤمنين في الفتنة من بعدي فقال علي بن أبي طالب: يا رسول الله وكيف نجاهد المؤمنين الذي يقولون في فتنتهم آمنا؟ قال: يجاهدون على الاحداث في الدين إذا عملوا بالرأي في الدين ولا رأي في الدين إنما الدين من الرب أمره و نهيه. قال أمير المؤمنين عليه السلام: يا رسول الله أرأيت إذا نزل بنا أمر ليس فيه كتاب ولا سنة منك ما نعمل فيه؟ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اجعلوه شورى بين المؤمنين ولا تقصرونه بأمر خاصة. قال أمير المؤمنين: يا رسول الله إنك قد قلت لي - حين خزلت عني الشهادة واستشهد من استشهد من المؤمنين يوم أحد -: الشهادة من ورائك؟ قال [ب: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب]: فكيف صبرك إذا خضبت هذه من هذا؟ ووضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده على رأسه ولحيته [ثم. ر] قال علي: يا رسول الله ليس حينئذٍ هو من مواطن الصبر ولكن من مواطن البشرى قال علي! أعد خصومتك فإنك مخاصم قومك يوم القيامة .

الأعقم

تفسير : {والفتح} قال جار الله: المعنى نصر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على العرب أو على قريش وكان فتح مكة لعشر مضين من رمضان سنة ثمان، ومعه عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وطوائف العرب، وأقام بها خمسة عشر ليلة ثم خرج الى هوازن وغطفان، روي ذلك في الكشاف، وقال الحاكم: السبب في فتح مكة لما صالح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قريشاً بالحديبيَّة وكان رئيس القوم أبو سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو، ودخلت خزاعة في حلف رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ودخلت بنو بكر في حلف قريش، وكان بينهما شرّ في الجاهلية حجر عنه الاسلام، ثم وقعت بين بني بكر وخزاعة فقال: فأعان قريش بنو بكر سراً وأصابوا منهم، ونقضوا عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فخرج عمرو بن سالم الى المدينة ودخل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو في المسجد فأخبره بخبرهم وأنشد الأبيات التي منها: شعر : لا هُمُ اني ناشدٌ محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا ان قريشاً اخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا وفيها وقتلونا ركعاً وسّجداً تفسير : وخرج بديل بن وَرقاء فأخبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بما أصيب منهم، فوعده رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) النصر، وعلمت قريش بالنقض وندموا وبعثوا أبا سفيان الى المدينة ليؤكدوا العهد، فدخل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والتمس منه ذلك فلم يجبه، فجاء الى أبي بكر وعمر ليسألان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فلم يجيباه وأتى علياً وسأله أن يكلم رسول الله فأبى، فقال: يا ابا الحسن فأشر علي فقال: ما أعلم شيئاً ولكنك سيّد بني كنانة فقم فأخبر بين الناس أن العهد ثابت، ففعل ورجع الى مكة فأخبرهم بالقصة، فقالوا له لعب بك علي ابن أبي طالب، وأمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالجهاد لحرب مكة وجهز الناس ودعا الله تعالى فعميت عليهم الأنباء وكتب حاطب ابن ابي بلتعة اليهم بالانذار وجاء الوحي الى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فبعث علياً والزبير وردّوا الكتاب، وخرج في شهر رمضان قاصداً مكة في سنة ثمان في عشرة آلاف، وخرج في تلك الليلة أبو سفيان وبديل ابن ورقاء والحكم بن حزام يتجسسون الأخبار، وخرج العباس على بغلة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فلقيهم بالادراك فجاء بأبي سفيان في قصة طويلة، وأسلم بعد ما خوّف بالقتل، ودخل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مكة وكان الفتح وأجمع أهل البيت والفقهاء أنّ مكة فتحت عنوة إلاّ الشافعي فانه قال فتحت صلحاً، ففي فتح مكة نزل {إذا جاء نصر الله والفتح} ولما ظفر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بهم قالت العرب: اذا ظفر محمد بأهل الحرم وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل فليست لكم منه يدٌ فكانوا يدخلون في دين الله أفواجاً، حديث : وحين دخلها وقف على باب الكعبة وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده" ثم قال: يا أهل مكة ما ترون اني فاعل بكم؟" قالوا: خيراً أخ كريم وابن أخ كريم، قال: "فاذهبوا فأنتم الطلقاء" تفسير : فأعتقهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقد كان الله أمكنه من رقابهم عنوة فيئاً، فلذلك سمي أهل مكة الطلقاء، ثم بايعوه على الاسلام {في دين الله} في ملة الإسلام {أفواجاً} جماعات {فسبح بحمد ربك} فكبر سبحان الله حامداً، وروي أنه كان يكبر قبل موته: "حديث : سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك وأتوب اليك" تفسير : {واستغفره} الأمر بالاستغفار تبع التسبيح، قال في الحاكم: استغفر من صغائر ذنوبك وقل: استغفره على جهة التسبيح وان لم يكن ثم ذنب قال الحاكم هذا الوجه {انه كان تواباً} أي كان في الأزمنة الماضية مثل خلق المكلفين تواباً عليهم إذا استغفروه، فعلى كل مستغفر أن يتوقع مثل ذلك.

الهواري

تفسير : تفسير سورة إذا جاء نصر الله، وهي مدينة كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ} يعني فتح مكة. قال الحسن: لما فتح الله على رسوله مكة قالت العرب بعضهم لبعض: يا أيها القوم، ليس لكم بهؤلاء القوم يدان. فجعلوا يدخلون في دين الله أفواجاً أي: أمة أمة. قال الله تعالى: {وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً}. قال الكلبي: {يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجاً} أي جماعات جماعات، فعند ذلك نعيت للنبي عليه السلام نفسُه. وذكر بعضهم أنه قرأ هذه السورة فقال: نعى إليه نفسُه.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ} إياك على أعدائك من قريش وغيرهم وقيل جنس نصر الله للمؤمنين وعن بعضهم أن النصر هو كمال الدين وإظهاره *{والفَتْحِ} فتح مكة وقيل فتح مكة وفتح سائر البلاد وقيل الإقبال الدنيوي الذي هو تمام النعمة، والمعنى إذا حضر نصر الله والفتح وحصلا ولكن عبر بالمجيء تجوزا للإشعار بأن المقدرات متوجهات من الإزال إلى أوقاتها المعينة فتقرب منها شيئا فشيئا وقد قرب النصر والفتح من وقتهما فكن مترقبا لورودهما مستعدا لشكرهما، وقال ابن عمر نزلت هذه السورة بمنى في أواسط أيام التشريق في حجة الوداع وعاش بعدها ثمانين يوما ونحوها وقرأ ابن عباس إذا جاء فتح الله والنصر. بيان فتح مكة من الثعالبي والسهيلي وغيرهما وهو الفتح الذي استبشرت به أهل السماء وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء ودخل الناس في دين الله أفواجا وأشرق به الهر ضياء وابتهاجا، خرج له صلى الله عليه وسلم بكتائب الإسلام وجنود الرحمن لنقض قريش العهد الذي وقع بالحديبية فإنه كان قد وقع الشرط أنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده فعل ومن أحب أن يدخل في عقد قريش فعل، فدخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم ودخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان بين بني بكر وخزاعة حروب وقتلى في الجاهلية فتشاغلوا عن ذلك لما ظهر الإسلام فلما كانت الهدنة خرج نوفل بن معاوية الدئلي من بني بكر في بني دئل حتى بيت خزاعة وهم على ماء لهم يقال له الوتير فأصاب منهم رجلا يقال له منبه واستيقظت لهم خزاعة فاقتتلوا إلى أن دخلوا الحرم ولم يتركوا القتال ومدت قريش بني بكر بالسلاح وقاتل بعضهم معهم ليلا في خفية وخرج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبا من خزاعة فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرونه بالذي أصابهم ويستنصرونه فقام وهو يجر رداءه وهو يقول لا نصرت إن لم أنصركم بما أنصر منه نفسي. وعن ميمونة سمعته صلى الله عليه وسلم يقول في متوضاه ليلا لبيك لبيك لبيك ثلاثا نصرت نصرت نصرت ثلاثا فلما خرج قلت يا رسول الله سمعتك تقول في متوضاك كذا وكذا فهل معك أحد وقال صلى الله عليه وسلم هذا رجل من بني كعب يستصرخني ويزعم أن قريشا أعانت عليهم بني بكر ثم عليه السلام فأمر عائشة أن تجهزه ولا تعلم أحدا قالت فدخل عليها أبو بكر فقال يا بنيتي ما هذا الجهاز فقالت والله ما أدري فقال والله ما هذا زمان غزو بني الأصفر أي النصارى فأين يريد صلى الله عليه وسلم قالت فأقمنا ثلاثا ثم صلى الصبح بالناس فسمعت الراجز ينشد هذه الأبيات: شعر : يا رب إني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا إن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا وزعموا أن لست تدعو أحدا فانصر هداك الله نصرا أبدا وادعو عباد الله باتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا في عسكر كالبحر يجري مزبدا أبيض مثل الشمس يسموصعدا إن اسم خسفا وجهه تربدا تفسير : أي تغير وزاد ابن اسحاق: شعر : هم بيوتنا بالوتير هجدا وقتلونا ركعا وسجدا وزعموا أن لست تدعو أحدا وهم أذل وأقل عددا تفسير : فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرت يا عمرو بن سالم فكان ذلك ما أهاج فتح مكة، وقدم أبو سفيان بن حرب على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يسأله أن يجدد العهد ويزيد في المدة فأبى عليه فانصرف الى مكة فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير إعلام أحد بذلك فكتب حاطب كتابا يخبرهم، وقد مضت قصته وأنه كتابه رد من الطريق ولم يصلهم وبعث صلى الله عليه وسلم إلى من حوله من العرب فجلبهم أسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهينة وسليم فمنهم من وافاه بالمدينة ومنهم من لحقه بالطريق. وكان المسلمون في غزوة الفتح عشرة آلاف وقيل إثني عشر ألفا وجمع بينهما بأنه خرج من المدينة بالعشر ثم تلاحق به الالفان واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم وقيل أبا رهم الغفاري، وكان خروجه يوم الأربعاء لعشر خلون من شهر رمضان بعد العصر سنة ثمان من الهجرة. وقال أبو سعيد خرجنا لليلتين مضتا من رمضان وصحح وقيل لست عشرة وقيل لثماني عشرة وقيل لإثنتي عشرة وقيل لتسع عشرة ولما بلغ صلى الله عليه وسلم الكديد بفتح الكاف ماء بين قديد وعسفان أفطر حتى انسلخ الشهر وكان العباس رضي الله عنه خرج قبل ذلك بأهله مسلما مهاجرا فآتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجفة وكان قبل ذلك مقيما بمكة على سقايته ورسول الله صلى الله عليه وسلم عنه راض وكان ممن لقيه في الطريق أبو سفيان ابن الحارث ابن عمه عليه السلام وأخوه من رضاع حليمة ومعه ولده جعفر، وكان ابو سفيان يألف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما بعث عاداه وهجاه وكان لقاؤهما له عليه السلام بالابواء واسلما قبل دخوله مكة وقيل لقيه هو وعبد الله بن أبي امية بن عمته عاتكة بنت عبد المطلب بين السقيان والعرج فاعرض صلى الله عليه وسلم عنهما لما كان يلقى منهما من شدة الاذى والهجو فقالت له أم سلمة لا يكن ابن عمك وابن عمتك اشقى الناس بك قيل وقال على لابي سفيان رأيت رسول الله عليه وسلم من قبل وجهه فقل له ما قال اخوة يوسف ليوسف تالله لقد اثرك الله علينا وان كنا لخاطئين فانه لا يرضى ان يكون احد احسن منه قولا ففعل ذلك ابو سفيان فقال له صلى الله عليه وسلم لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو ارحم الراحمين ويقال انه ما رفع رأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ اسلم حياء منه ولما بلغ قديدا عقد الالوية والرايات ودفعها الى القبائل ثم نزل من الظهران عشاء فامر اصحابه فاوقدوا عشرة الاف نارا ولم يبلغ قريش مسيره وهم مهتمون لما يخافون من غزوه فبعثوا ابا سفيان بن حرب فقالوا ان لقيت محمدا فخذ لنا منه امانا فخرج هو وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء حتى اتوا من الظهران فلما راوا العسكر كان افزعهم كان نيرانهم نيران عرفة فقال ابو سفيان ما هذه النيران لكأنها نيران عرفة بديل نيران بني عمرو فقال ابو سفيان نيرانهم اقل من ذلك فارآهم ناس من حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوهم فأتوا بهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ابو سفيان ولما سار قال العباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى ينظر الى المسلمين فحبسه العباس فجعلت القبائل تمر مع النبي صلى الله عليه وسلم كتبت كتيبة على ابي سفيان كلما مرت قبيلة قال يا عباس من هذه قال بنو فلان قال مالي ولهم واقبلت كتيبة لم ير مثلها قال من هذه قال هؤلاء الانصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية فقال سعد بن عبادة يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة أي يوم الحرب اليوم تستحل الكعبة فقال أبو سفيان يا عباس حبذا يوم الذمار بالذال المعجمة المكسورة أي الهلاك قيل تمنى أن تكون له يد يدفع بها عن قومه وقيل هذا الغضب للحرم والأهل وقيل يوم يلزم حفظي من أن ينالي مكروه. وقيل إن سعدا قال اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة فسمعه رجل من المهاجرين فقال يا رسول الله ما آمن ان تكون لسعد في قريش صولة فقال لعلي أدركه فخذ الراية منه وادخل بها وقيل حاذى أبو سفيان النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أمرت بقتل قومك قال لا فذكر له ما قال سعد ثم ناشده الله والرحم فقال يا أبو سفيان اليوم يوم المرحمة اليوم يعز الله قريشا وأرسل إلى سعد فأخذ الراية منه فدفعها إلى ابنه قيس، وعند ابن عساكر من طريق ابي الزبير عن جابر قال لما قال سعد ذلك قال امرأته: شعر : يا نبي الهدى اليك لحاجتي قريش ولات حين لجاء حين ضاقت عليهم سعة الأرض وعاداهم إله السماء إن سعدا يريد قاصمة الظهر بأهل الحجون والبطحاء تفسير : فدخلته صلى الله عليه وسلم رأفة فأخذت الراية من سعد ودفعت إلى ابنه قيس وعند أبي يعلي من حديث الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم دفعها اليه فدخل مكة بلوائين وهو ضعيف الإسناد وعن الزهري أنه دفعها إلى الزبير بن العوام وجمع بين الأقوال أن عليا أرسل ليأخذها فخشي تغير خاطر سعد فدفعها إلى ابنه قيس وخشي سعد أن يقع من ابنه ما يكره رسول الله عليه وسلم فسأل النبي صل الله عليه وسلم أن يأخذها منه فأخذها الزبير ويرده أنه ما كان علي ليعطيها غيره وقد أمره صلى الله عليه وسلم أن يدخل بها بنفسه وقيل إن رأيته صلى الله عليه وسلم مع الزبير وإن أبا سفيان قال ألم تعلم ما قال سعد قال ما قال قال كذا وكذا فقال كذب سعد ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة ويوم تكسى فيه الكعبة وأمر صلى الله عليه وسلم أن تركز رايته بالحجون، قال نافع بن جبير بن مطعم سمعت العباس يقول للزبير بن العوام يا أبا عبد الله ها هنا أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تركز الراية قال نعم وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء بالفتح والمد ودخل صلى الله عليه وسلم من كدى بالضم والقصر فقتل من خيل خالد رجلان حبيش بن الأشقر وكرز بن جابر الفهري وروى ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم دخل من كداء بالفتح والمد من أعلى مكة وكذا عائشة وغيرها. وعن ابن عمر دخل على راحلته مردفا أسامة بن زيد وذكروا أنه بعث الزبير على المهاجرين وخيلهم وأمره أن يدخلها من أعلى مكة من كداء وأن يغرز رايته بالحجون ولا يبرح حتى يأتيه وبعث خالد بن الوليد في قبائل فضاعة وسليم وغيرهم أن يدخلا من أسفل مكة من كدى وأن يغرز رايته عند أدنى البيوت وبعث سعدا في الأنصار وأمرهم أن يكفوا عن القتال إلا إن قوتلوا، ودخل خالد من أسفل مكة وقد تجمع بها بنو بكر وبنو الحارث بن عبد مناف وناس من هذيل ومن الأحابيش الذين استنصرت بهم قريش فقاتلوا خالدا فقاتلهم فانهزموا وقتل من بني بكر نحو من عشرين رجلا ومن هذيل ثلاثة أو أربعة حتى انتهى بهم القتل إلى الحزورة إلى باب المسجد حتى دخلوا الدور فارتفعت طائفة منهم على الجبال وصاح أبو سفيان من أغلق بابه وكف يده فهو آمن لما اطمأن صلى الله عليه وسلم قال لخالد لم قاتلت وقد نهيتك عن القتال وقال هم بدأونا بالقتال وقد كففت يدي ما استطعت فقال قضاء الله خير. وعن ابن اسحاق لما نزل صلى الله عليه وسلم من الظهران رقت نفس العباس بأهل مكة فخرج ليلا راكبا بغلة النبي صلى الله عليه سولم لكي يجد أحدا ليعلم أهل مكة بمجيئ النبي صلى الله عليه وسلم ليتأمنوه فسمع صوت أبي سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء فأردف أبا سفيان خلقه وأتى به النبي صلى الله عليه وسلم وانصرف الأخران ليعلما أهل مكة ويمكن الجمع بأن الحرس ملا أخذوه استنفذه العباس، وروي أن عمر لما رأى أبا سفيان رديف العباس دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هذا أبو سفيان دعني أضرب عنقه فقال العباس يا رسول الله إني قد آجرته فقال صلى الله عليه وسلم اذهب يا عباس به إلى رحلك فإذا أصبحت فاتني به فذهب فلما أصبح غذا به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه صلى الله عليه وسلم قال ويحك يا أبا سفيان ألم يإن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله فقال بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك لقد ظننت أنه لو كا مع الله إله غيره أغنى عني شيئا ثم قال ويحك يا أبا سفيان ألم يإن لك أن تعلم أني رسول الله قال بأبي أنت وأمي احلمك وأكرمك وأوصلك أما هذه ففي النفس منها شيء فقال له العباس ويحك اسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك فأسلم وشهد شهادة الحق فقال العباس يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا قال نعم وأمر صلى الله عليه وسلم أن ينادي مناد من دخل المسجد فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه على نفسه فهو آمن إلا المستثنيين عبد الله بن سعد بن أبي سرح أسلم وهلال بن خطل. وروي عبد الله بن خطل قتله أبو برزة وقينتاه وهما فرنتا بالفاء المفتوحة والراء الساكنة والتاء المثناة الفوقية والنون وقريبة بالقاف والموحدة مصغرا أسلمت إحداهما وقتلت الأخرى قيل التي أسلمت فرنتا وقتلت قريبة وسارة مولاة لبني عبد المطلب أسلمت وقيل كانت مولاة عمرو بن صيفي بن هشام وأرنب علم امرأة وعكرمة بن أبي جهل أسلم والحارث بن نقيد قتله علي ونقيص بن صبابة بصاد مهملة مضمومة وموحدتين الأولى خفيفة قتله نميلة الليثي وهبار بن الأسود أسلم وهو الذي عرض لزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجرت فنحس بها حتى سقطت على صخرة وأسقطت جنينها وكعب بن الزهير أسلم وهند بنت عتبة أسلمت ووحشي بن حرب أسلم وبعث صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة إلى الحراي الذين بغير سلاح فقال لي يا أبا هريرة اهتف لي بالانصار فهتفت بهم فجاؤوا فطافوا به فقال لهم أترون إلي أوباش قريش وأتباعهم ثم قال بإحدى يديه على الأخرى احصدوهم حصدا حتى توافوني بالصفا قال أبو هريرة فانطلقنا فما نشاء أن نقتل أحدا منهم إلا قتلناه فجاء أبو سفيان فقال يا رسول الله أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم فقال صلى الله عليه وسلم من أغلق بابه فهو آمن وتمسك بذلك من قال إن مكة فتحت عنوة وهو قول الأكثر، وقال الشافعي إنها فتحت صلحا لما وقع من هذا التأمين ولإضافة الدور إلى أهلها لأنها لم تقسم ولأن الغانمين لم يملكوا دورها وإلا لجاز إخراج أهل الدور منها وحجة الأولين ما وقع التصريح به من الأمر بالقتال ووقوعه من خالد بن الوليد وبتصريحه عليه السلام بأنها أحلت له ساعة من نهار ونهيه عن التأسي به في ذلك وأجابوا عن ترك القسمة بأنها لا تستلزم عدم العنوة فقد تفتح البلدة عنوة ويمن على أهلها وتترك لهم دورهم. واحتج الشافعي بأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم صالحهم بمر الظهران قبل دخول مكة وبحث فيه بأن الذي أشار اليه إذ كان مراده ما وقع من قوله صلى الله عليه وسلم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن فإن ذلك لا يسمى صلحا إلا إذا التزم من أشير اليه بذلك الكف عن القتال، والذي ورد في الأحاديث الصحيحة ظاهر وإن قريشا لم يلتزموا بذلك لأنهم استعدوا للحرب وإن أراد بالصلح وقوع عقده فهذا لم ينقل ولا أظنه عني إلا الإحتمال وفيه ما ذكرنا ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في كتيبتها الخضراء وهو على ناقته القصوى بين أبي بكر وأسيد بن خدير فرأى أبو سفيان ما لا قبل له به فقال للعباس يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك ملكا عظيما، وروي أنه صلى الله عليه وسلم وضع رأسه تواضعا لله لما رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى أن رأسه لتكاد تمس رحله شكرا وخضوعا لعظمته أن أحل له بلده ولم يحله لأحد قبله ولا لأحد بعده. وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر وهو بكسر الميم وسكون العين المعجمة وفتح الفاء زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، وفي المحكم هو ما يجعل من فضل درع الحديد على الرأس مثل القلنسوة فلما نزعه جاء رجل فقال ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال اقتله، وروي أن ابن خطل قتله الزبير، وروي أنه تعلق بأستار الكعبة فاستبق اليه سعيد بن حويرث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا وكان أشب ولعله سبقه ولكن باشر قتله أبو برزة، ونص ابن هشام صاحب السير أن سعيدا وأبا برزة اشتركا في قتله وإنما أمر بقتل ابن خطل لأنه كان مسلما فبعثه صلى الله عليه وسلم مصدقا وبعث معه رجلا من الأنصار وكان معه مولى يخدمه وكان مسلما ونزل منزلا فأمر المولى أن يذبح تيسا ويصنع طعاما ونام فاستيقظ ولم يصنع له شيئا فقتله وارتد وكانت له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما اختلف في اسمه لأنه كان يسمى عبد العزى ولما أسلم سمي عبد الله ومن سماه بهلال فالتبس عليه بأخ له يسمى هلالا واختفى ابن أبي سرح عند عثمان بن عفان فلما دعا الناس صلى الله عليه وسلم إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله بايع عبد الله فرفع رأسه فنظر اليه ثلاثا كل ذلك بأبى فبايعه بعد ثلاث ثم أقبل على أصحابه فقال ما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين كففت عن بيعته فيقتله فقالوا يا رسول الله ما ندري ما في نفسك ألا أومأت الينا قال إنه لا ينبغي للنبي أن تكون له خائنة الأعين وليس صلى الله عليه وسلم محرما يومئذ، قال جابر بن عبد الله دخل صلى الله عليه وسلم وعليه عمامة سوداء بغير إحرام ولم يدخلها غير محرم إلا ذلك اليوم وجمع بين حديث دخوله بالمغفر وحديث دخوله بالعمامة بأنه كان أول دخوله بالمغفر ثم أزاله ولبس العمامة فحكى كل ما رآه وخطب بتلك العمامة وكانت الخطبة عند باب الكعبة وقيل إن العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر أو كانت تحته وقاية لرأسه من صدى الحديد فذكر أنس وهو صاحب حديث المغفر أنه دخل بالمغفر مريد أن يعلم الناس أنه متأهب للحرب، وأراد جابر بذكر العمامة إعلامهم أنه دخل غير محرم، وقال أسامة ابن زيد أين منزل رسول الله فقال وهل ترك لنا عقيل من منزل وكان عقيل وطالب كافرين فورث عقيل طالبا ولم يرث جعفر ولا علي شيئا فكان عمر يقول لا يرث الكافر المؤمن ولا المؤمن الكافر، وفي رواية قال عليه الصلاة والسلام منزلنا ان شاء الله إذا فتح الله الخيف حيث تقاسموا على الكفر يعني به المحصب وذلك أن قريشا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا اليهم النبي صلى الله عليه وسلم، وروي أنه اغتسل يوم الفتح في بيت أم هاني ثم صلى الضحى ثمان ركعات قالت لم أره صلى صلاة أخف منها غير أنه يتم الركوع والسجود وأجارت أم هاني حموين لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجرنا من أجرت يا أم هاني، ورجلان الحارث بن هشام وزهير بن أمية بن المغيرة وقد أراد أخوها علي قتلهما فأغلقت عليهما باب دارها وذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولما كان الغد من يوم الفتح قام عليه الصلاة والسلام خطيبا في الناس فحمد الله وأثنى عليه ومجده بما هو أهله ثم قال أيها الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة فلا يحل لإمرء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرة فإن أحد ترخص فيها لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وإنما أحلت لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب ثم قال يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم قالوا خيرا أخ كريم وابن أخ كريم قال اذهبوا فأنتم الطلقاء أي الذين أطلقوا فلم يسترقوا ولم يؤسروا والطليق الأسير إذا أطلق والساعة المحللة له ما بين أول ذلك النهار ودخول وقت العصر ولما فتح الله تعالى مكة قال الأنصار فيما بينهم أترون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها وكان صلى الله عليه وسلم يدعو على الصفا رافعا يديه فلما فرغ من دعائه قال ماذا قلتم قالوا لا شيء يا رسول الله فلم يزل بهم حتى اخبروه فقال صلى الله عليه وسلم معاذ الله المحيي محياكم والممات مماتكم وهم فضالة بن عمير بن الملوح ان يقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت فلما دنا منه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضالة قال نعم يا رسول الله قال ماذا كنت تحدث به نفسك قال لا شيء كنت اذكر الله فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له استغفر الله ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه وكان فضالة يقول والله ما رفع يده عن صدري حتى ما خلق الله شيئا أحب إلي منه، وطاف صلى الله عليه وسلم بالبيت يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان وكان حول البيت ثلاثمائة وستين صنما فكلما مر بصنم أشار اليه بقضيبه وهو يقول جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا فيقع الصنم لوجهه. وروى أبو نعيم قد ألزقها الشيطان بالرصاص والحديد، وروي أنه أمره سبحانه وتعالى أن يقول إذا دخل مكة وقل جاء الحق وزهق الباطل، فصار يقول ذلك ويطعن الأصنام حول الكعبة بمحجنه فيخر الصنم ساقطا مع إثباتها بالحديد والرصاص والحق القرآن والباطل الشيطان أو الحق الجهاد والباطل الشرك أو الحق عبادة الله والباطل عبادة الشيطان وكانت الثلاثمائة والستين صنما لقبائل العرب يحجون اليها وينحرون لها فشكى البيت أي رب حتى متى تعبد هذه الأصنام حولي دونك فأوحى الله اليه أني سأحدث لك نوبة جديدة يدفون اليك دفيف النسور ويحنون اليك حنين الطير إلى بيضها لهم عجيج حولك بالتلبية ولما نزل قل جاء الحق وزهق الباطل فتح مكة يوم قال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خذ محضرتك ثم القها فجعل يأتي صنما صنما ويطعن في بطنه أو عينه بمحضرته ويقول جاء الحق وزهق الباطل فينكب الصنم لوجهه حتى ألقاها جميعا وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة وكان من قوارير صفر فقال يا علي ارم به فحمله عليه السلام حتى صعد ورمى به وكسره فجعل أهل مكة يتعجبون ولما قدم أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة فأخرجت بأمره فأخرجوا صورة ابراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والله لقد علموا أنهما لم يستقسما بالأزلام قط فدخل البيت وكبر في نواحيه ولم يصل وعن ابن عمر دخل مكة مردفا أسامة وأناخ بفناء الكعبة ودعا عثمان بن طلحة فقال آتني بالمفتاح فذهب إلى أمه فأبت أن تعطيه فقال والله لتعطينه أو ليخرجن هذا السيف من صلبي فأعطته إياه فجاء به صلى الله عليه وسلم فدفعه اليه ففتح الباب وكان بنوا أبي طلحة يزعمون أنه لا يستطيع أحد فتح الكعبة غيرهم فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المفتاح ففتحها بيده وعثمان المذكور هو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى ويقال له الحجبي بفتح المهملة والجيم ويعرفون بعد ذلك بكثير بالشيبيين نسبة إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وهو ابن عم عثمان وعثمان هذا لا ولد له فيما قيل وله صحبة ورواية واسم أمه سلافة بالضم. قال عثمان المذكور كنا نفتح الكعبة في الجاهلية يوم الاثنين والخميس فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم يوم يريد أن يدخل الكعبة مع الناس فأغلظت له ونلت منه فحلم عني ثم قال يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت فقلت له لقد هلكت قريش يومئذ وذلت قال بل عمرت وعزت يومئذ ودخل الكعبة فوقعت كلمته مني موقعا ظننت أن الأمر سيصير إلى ما قال ولما كان يوم الفتح قال يا عثمان أتني بالمفتاح فأتيته به فأخذه مني ثم دفعه الي وقال خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته فكلوا مما يصل اليكم منه بالمعروف فلما وليت ناداني فرجعت فقال ألم يكن الذي قلت لك فذكرت قوله بمكة قبل الهجرة لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت قلت بلى أشهد أنك رسول الله. وروي أنه نزل {أية : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} تفسير : في عثمان بن طلحة الحجبي أمره صلى الله عليه وسلم أن يأتيه مفتاح الكعبة فأبي وأغلق باب البيت وصعد إلى السطح وقال لو علمت أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أمنعه فلوى على يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب ودخل ولما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له بين السقاية والسدانة فنزلت إن الله الآية فأمر عليا أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر اليه ففعل فقال عثمان أكرهت وأوذيت ثم جئت ترفق فقال علي لقد أنزل الله في شأنك قرآنا وقرأ عليه الآية وقال عثمان أشهد أن محمدا رسول الله فجاء جبريل عليه السلام فقال ما دام هذا البيت أو لبنة من لبناته قائمة فإن المفتاح والسدانة في أولاد عثمان ولما مات دفع لأخيه شيبة فهما في أولادهم إلى يوم القيامة واعترض قوله لو علمت أنه رسول لن أمنعه بأنه وهم من الراوي لأنه كان ممن أسلم، فلو قال هذا كان مرتدا ولما طلب قيل المفتاح من عثمان مد يده إليه فقال العباس يا رسول الله اجعله لي مع السقاية فقبض عثمان يده بالمفتاح فقال صلى الله عليه وسلم إن كنت يا عثمان تؤمن بالله واليوم الآخر فهاكه فقال هاته بالأمانة فأعطاه إياه ونزلت الآية، قال ابن ظفر وهذا أولى بالقبول وروي أنه دخل هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة الحجبي وأغلقوا الباب، قال ابن عمر ولما فتحوا الباب كنت أول من ولج فلقيت بلال فسألته هل صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم بين العمودين اليمانين وذهب عني أن أسأله كم صلى، وروي أنه جعل عمودا عن يساره وعمودا عن يمينه وثلاثة وراءه وليس بين الروايتين مخالفة. وروي أن البيت يومئذ على ستة أعمدة وروي أن عن يمينه عمودين ولعله على خمسة بعد ذلك ويدل له لفظ يومئذ أو الثالث لم يكن على سمت الإثنين في اليمين وروي الإثنين عن يساره وبين موقفه والجدار الذي استقبله نحو ثلاثة أذرع وعن ابن عمر ذراعان أو ثلاثة فمن جعل بينه وبين الجدار ثلاثة وقعت قدماه في مكان قدميه صلى الله عليه وسلم إن كان الثلاثة أو تقع ركبتاه أو يداه أو وجهه إن كانت أقل من ثلاثة وعن ابن عباس عن أسامة أنه صلى الله عليه وسلم دعا في نواحيه كلها ولم يصل وخرج وركع في قيل البيت ركعتين وقال هذه القبلة وروي أنه صلى ركعتين داخلا، وروي أنه لم يصل. عن أسامة أيضا فجمع بأنه اعتمد على غيره حيث أثبت وعلى علمه حيث نفي لكونه لم يره صلى لاشتغاله بالدعاء لما رآه صلى الله عليه وسلم يدعو في الأركان ورآه بلال لقربه ولم يره أسامة لاشتغاله وخفة الصلاة وإغلاق الباب وبعده وابن عمر ابتدأ بلال بالسؤال ثم أراد زيادة الاستثبات في مكان الصلاة فسأل أسامة أو صلى لما غاب أسامة من الكعبة فلم يره فقد روي أن أسامة دخل عليه صلى الله عليه وسلم صورا، فاعا بدلو من ماء مات له بتله بماء فجعل صلى الله عليه وسلم يمحوها ويقول قاتل الله قوما يصورون ما لا يخلقون. وروي أن خالدا بن الوليد كان على باب الكعبة يذب عنه الناس وأقام خمس عشرة ليلة، وروي تسع عشرة ليلة روي سبع عشرة وروي ثماني عشرة وكان الفتح لعشر بقين من شهر رمضان وكان الصلح قبل الفتح على عشرين سنة وقيل عشر وممن أعان بني بكر على خزاعة ليلة نقض الصلح بكر بن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي لهب وسهل بن عمرو وعبيدهم، وروي أن منشد يا رب إني ناشد محمدا الأبيات أنشد على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد بين الناس وبنو كعب الذين شهدت السحابة بنصرهم رهط عمرو بن سالم وروي أن بديلا ونفرا من خزاعة قدموا عليه صلى الله عليه وسلم فأخبروا بما أصيب منهم وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم ورجعوا الى مكة وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه كأنكم بأبي سفيان بعثته قريش يشدد في العقد ويزيد في المدة ولقى بديل بن ورقاء ونفره أبا سفيان فقال من أين يا بديل وهل أتيت محمدا قال لا لكني كنت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن الوادي ولما ذهب مضى إلى مبرك ناقته ففت البعر فرأى النوى فقال أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا ودخل أبو سفيان على بنته أم حبيبة في المدينة وأراد الجلوس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم فطوته فقال يا بنيتي أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني فقالت بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت مشرك نجس فقال والله لقد أصابك شر بعدي يا بنيتي وخرج، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فلم يرد عليه شيئا ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما أنا بفاعل ثم أتى عمر فقال أأنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله لو لم أجد إلا الدر لجاهدتكم به وأتى عليا وعند فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسن غلاما يدب بين يديها فقال يا علي إنك أمس القوم رحما مني فلا أرجعن خائبا اشفع لنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ويحك لقد عزم صلى الله عليه وسلم على أمر لا نستطيع أن نكلمه فيه فالتفت إلى فاطمة وقال يا بنت محمد هل لك أن تأمري بنيك هذا فيحجز بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر قالت والله ما بلغ ابني أن يجير بين الناس فيكون سيد العرب وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا الحسن أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني قال والله ما أعلم شيئا يغني عنك ولكنك سير بني كنانة فقم فأجر بين الناس ثم ألحق بأرضك قال وترى ذلك مغنيا عني شيئا قال لا والله ما أظن ذلك ولكن لم أجد غير ذلك فقام أبو سفيان في المسجد فقال يا أيها الناس إني قد اجرت بين الناس ثم ركب بعيره فانطلق ولما قدم على قريش قالوا ما وراءك قال جئت محمدا فكلمته فوالله ما رد علي شيئا ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد عنده خبرا ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أعدى القوم ثم أتيت علينا فوجدته ألينهم وقد أشار علي بشئ صنعته فوالله ما أدري هل يغني ذلك شيئا أم لا قالوا وماذا أمرك قال أمرني أن أجير بين الناس ففعلت قالوا فهل أجاز ذلك محمدا قال لا قالوا ويلك لعب بك فما يغني عنك شيء مما قلت قال لا والله ما وجدت غير ذلك وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز وأمر أهله أن يجهزوه فدخل أبو بكر رضي الله عنه على عائشة تصلح بعض جهاز رسول الله صلى ا لله عليه وسلم فقال أي بنيتي أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تجهزوه قالت نعم قال فأين ترينه يريد قالت والله ما أدري ثم أعلن الناس أنه سائر إلى مكة وأمرهم بالجد والتهيئ وقال اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها فتجهز الناس واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن عتبة بن خلف الغفاري وخرج لعشر بقينا من رمضان سنة ثمان من الهجرة ولم يتخلف مهاجري ولا أنصاري ونزل من الظهران وقد عميت الأخبار عن قريش وقد خرج في تلك الليالي سفيان وحكيم بن حزام وبدليل يتجسسون الأخبار وقد لقى العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجفة مهاجرا بعياله وكان قبل مقيما على سقايته ورسول الله صلى الله عليه وسلم راض عنه ولما نزل من الظهران قال العباس ليلتئذ وأصباح قريش والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر فخرج على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء فوصل الأراك لعله يجد حطايا أو لبانا يدخلها فيخبرهم فيستأمنونه وسمع كلام أبي سفيان وبديل قبل إضاءة الشمس يتواجعان وأبو سفيان يقول ما رأيت كالليلة نيرانا قط على حد ما مر قال فقلت أبا حنضلة فقال أبا الفضل مالك فذاك أبي وأمي فقلت ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله صل الله عليه وسلم جاء بما لا قبل لكم به بعشرة آلاف من المسلمين قال وما الحيلة قلت والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك فاركب على هذه البغلة حتى آتي لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فستأمنه فردفه ورجع صاحباه فخرجت لركض به كلما مررت بنار من نيران المسلمين نظروا وقالوا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال من هذا وقام إلي فلما رأى أبا سفيان على عجز البغلة قال أبو سفيان عدو الله الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد فخرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وركضت فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيئ فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عمر عليه فقال يا رسول الله هذا أبو سفيان عدو الله أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد فدعني أضرب عنقه فقلت يا رسول الله إني آجرته ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه فقلت والله لا يناجيك أحد دوني فلما أكثر عمر في شأنه قلت مهلا يا عمر فوالله ما تصنع هذا إلا لأنه من عبد مناف ولو كان من عدي ما قلت فقال مهلا يا عباس فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب يا عباس إلى رحلك فإذا أصبحت فإت به قال فذهبت به إلى رحلي وبات عندي فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأه قال ويحك يا أبا سفيان ألم يئن لك إلى آخر ما مر إلا أن في هذه الرواية في المرة الثانية أن أبا سفيان لما أمر بالإسلام قال أما هذه فإن في النفس منها حتى الآن شيئا وفيها أن كتيبته صلى الله عليه وسلم الخضراء من المهاجرين والأنصار لا يرى منهم الا الحدق من الحديد ثم جاء حكيم وبديل فاسلما وارسلهما الى مكة يدعوان الى الاسلام وان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في ذي طوى على راحلته معتجرا سيفه يرد عليه الخبر وضرب قبته بأعلى مكة وقتل من المشركين اثنا عشر او ثلاثة عشر وثلاثة من المسلمين من خيل خالد وممن أمر صلى الله عليه وسلم بقتله سارة مولاة لبني عبد المطلب فتغيبت حتى استومن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنها وعاشت إلى خلافة عمر فوطأها رجل بالأبطح فرسا له فماتت وفي قصة إجارة أم هاني الرجلين أنها وجدته صلى الله عليه وسلم يغتسل من جفنه وأن فيها لأثر العجين وأن فاطمة بنته تستره بثوبه ولما اغتسل توشح بثوبه وصلى ثمان ركعات الضحى وانصرف وقال لها مرحبا بأم هاني ما جاء بك فأخبرته خبر الرجلين وخبر علي فقال قد أجرنا من أجرت وآمنا من أمنت فلا تقتلهما فلما دخل الكعبة وجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده وطرحا ووقف بباب الكعبة وقد استكف له الناس في المسجد فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده إلى كل مآثره أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين الأسد إنه البيت وسقاية الحاج إلى وقتل الخطأ شبيه العمد بالسوط والعصى فيه الدية كاملة مائة من الإبل أربعون منها في بطونها أولادها يا معشر قريش إن الله تعالى أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظيمها بالأباء، الناس من آدم وآدم من تراب ثم تلى {أية : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} تفسير : الآية ثم قال يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم قالوا خيرا أخ كريم وابن أخ كريم قال اذهبوا فأنتم الطلقاء يعني أعتقهم فأهل مكة يسمون الطلقاء وقام اليه في المسجد علي وفي يده مفتاح الكعبة فقال اجمع لنا بين الحجابة والسقاية فقال صلى الله عليه وسلم أين عثمان بن طلحة فدعا به فقال هاك مفتاحك يا عثمان اليوم يوم وفاء ويروى اجتمع الناس بالبيعة وهو على الصفا وعمر أسفل منه يأخذ على الناس فبايعوه على السمع والطاعة فيما استطاعوا وبايعته النساء بعد الرجال. وخرج صفوان بن أمية يريد جدة ليركب البحر منها إلى اليمن فقال عمير بن وهب الجمحي يا رسول الله إن صفوان بن أمية سيد قومه وقد هرب ليقذف نفسه في البحر فأمنه صلى الله عليه وسلم قال اعطني ما يعرف به أمانك فأعطاه عمامته التي دخل بها مكة فخرج بها وأدركه بجدة يريد ركوب البحر فقال يا صفوان فذاك أبي وأمي أذكر الله في نفسك إن تهلكها فهذا أمان رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبك به فقال ويلك أغرب عني ولا تكلمني قال أي صفوان فداك أبي وأمي أفضل الناس واعلم الناس وخير الناس ابن عمتك عزه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك قال أخاف على نفسي قال هو زعلى من ذلك وأكرم فرجع به معه حتى وقف به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صفوان هذا يزعم أنك آمنتني قال صدق قال فاجعلني في الخيار شهرين قال أنت فيه أربعة أشهر وكان صلى الله عليه وسلم يقصر الصلاة في أيام إقامته بمكة وقتل خزاعة لليلتا عام الفتح بقتيل في الجاهلية فقام صلى الله عليه وسلم وأثنى على الله سبحانه وقال إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين ألا وإنما أحلت لي ساعة ولا يفر صيدها ولا يحل شوكها ولا ساقطتها إلا لمنشدها ومن قتل له قتيل فهو مخير يفتدي أو يقيد فقال العباس إلا الأذخر بأنه لا بد منه لقبورنا وبيوتنا فقال إلا الأدخر فقال أبو شاة رجل من اليمن اكتبوا الى يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم اكتبو لأبو شاة يعني الخطبة المذكورة وفي رواية لما قال أبو سفيان يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به الخ أخذت هند بشاربه فقالت اقتلوا الحمية الدسم قبح من ضليعه قوم قال ويلكم لا تغرنكم هذه فإنه قد جاءكم مالا قبل لكم به ولما قال من دخل دار أبي سفيان فهو آمن قالوا قاتلك الله وما تغني عنا دارك، وروي أنه وقف على راحلته بذي طوى متعرجا بشقة برد حمراء وأنه لما قال للأنصار معاذ الله المحي محياكم والممات مماتكم أقبلوا اليه يبكون ويقولون والله ما قلنا ذلك إلا الظن بالله ورسوله فقال صلى الله عليه وسلم إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم والحمية الرق نسبته الضخامة والدسم السمين. وروي أنها قالت يا آل غالب اقتلوا الأحمق فقال لها أبو سفيان والله لتسلمن أو لأضربن عنقك وأمر صلى الله عليه وسلم بلالا فأذن وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن اسيد والحارث بن هشام بفناء الكعبة فقال عتاب لقد أكرم أسيد أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه فقال الحارث أما والله لو علم أنه محق لا تبعته فقال أبو سفيان لا أقول شيئا لو تكلمت لأخبرته عني هذه الحصاة فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال قد علمت الذي قلتم وذكر لهم ذلك وقال الحارث وعتاب نشهد أنك رسول الله والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك وخرج على أبي سفيان في المسجد فقال في نفسه ليت شعري بأي شيء غلبتني فأقبل اليه حتى ضرب بيده بين كتفيه وقال بالله غلبنك يا أبا سفيان فقال أبو سفيان أشهد أنك رسول الله وسمع أبو محذورة الجمحي الأذان واسمه سلمة وهو في فتية من قريش خارج مكة وأقبل هو وهم مستهزئين حاكين صوت المؤذن حزنا وغيظا وأبو محذورة أحسنهم صوتا وقد رفعه صوته بالآذان مستهزئا فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم فأمر به فجاء يظن أنه مقتول فمسح صلى الله عليه وسلم رأسه وناصيته وصدره بيده قال فامتلأ قلبي إيمانا ويقينا وألقى عليه الآذان وعلمه وأمره أن يؤذن لأهل مكة وهو ابن ست عشرة سنة وكان يؤذن حتى مات وتوارث عقبه الآذان ولما سمعت بنت أبي جهل قول المؤذن على الكعبة أشهد أن محمدا رسول الله قالت لعمري قد أكرمك الله ورفع ذكرك وسمعت حي على الصلاة فقالت فأما الصلاة فسنؤديها ثم قالت إن هذا الأمر لحق ولقد جاء به الملك أبى ولكن كره مخالفة قومه ودين أبائه، ولما فتح صلى الله عليه وسلم مكة أتى حرم قبر فجلس وجلس الناس حوله كالمخاطب وقام يبكي فاستقبله عمر رضي الله عنه وهو من أجرأ الناس عليه فقال بأبي أنتا وأمي يا رسول الله ما الذي أبكاك قال هذا قبر أمي سألت ربي عز وجل الزيارة فأذن لي وسألته الإستغفار ولم يأذن لي فذكرتها وبكيت، فلم ير أكثر باكيا من يومئذ. وروي أنه قال ذكرت ضعفها وشدة عذاب الله فبكيت وروي أنه زار قبرها في ألف مقنع ولما فرغ من بدر أمر ذا الجوشن بالإسلام فقال لا لأني رأيت قومك أولعوا بك قال وكيف بلغك عن مصارعهم ببدر قال قد بلغني قال صلى الله عليه وسلم فإني مهد لك قال إن تغلب على الكعبة وتقطعنيها قال لعلك إن عشت ترذلك ثم قال لبلال خذ حقيبته وزوده من العجوة قال فوالله إني بموضع إذا أقبل فارس فقلت من أين قال من مكة قلت ما فعل الناس قال والله لقد غلب عليها محمد فقال ثقلتني امي لو أسلمت يومئذ ثم سألته الحيرة لأقطعنيها والله أعلم.

اطفيش

تفسير : {إذَأ جَاءَ نَصْرُ اللهِ} إذا جاءَك نصر الله أى إعانته إياك وإظهارك على عدوك وحفظك مما تكره من الملمات وذل أهل الدين ولا حاجة إلى تخصيصه بالإعانة والإظهار ولو كان أنسب بقوله: {وَالْفَتْحُ} وإذا متعلق بجوابها وهو سبح على المشهور الصحيح وهكذا تقول أبداً وإذا منع مانع فتأَوله والمراد بالنصر تغليبه - صلى الله عليه وسلم - على قريش وسائر العرب أو المراد نصره ونصر أُمته بعده وهذا أوله وكأَنه موجود كله فى الحين، وعن ابن عباس النصر صلح الحديبية والفتح فتح مكة وهذا هو الصحيح وقيل الفتح فتح بلاد الشرك ولأُمته بعده لأَن فتح مكة أوله وبابه فهو متتابع كأَنه حضر كله والنصر الإظهار على العدو وهو متقدم على الفتح ولذلك قدمه على الفتح والسورة نعى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال ابن عباس، وجاءَ به الحديث وما بقى بعدها إلاَّ عامين ولما نزلت بكى عمر وقال قد قرب موته - صلى الله عليه وسلم - وكان الفتح فى السنة الثامنة لثلاث عشرة بقيت من رمضان على رأس ثمانى سنين ونصف من الهجرة وخرج إليها لليلتين مضتا من رمضان أو لثمانى عشرة أو لاثنتى عشرة أو لست عشرة أو يوم الأَربعاءِ لعشر مضين بعد العصر وضعف أو لعشر بقين بعشرة آلاف من المهاجرين والأنصار كلهم وغيرهم من العرب أو بإِثنى عشر ألفاً ويجمع بأَنه خرج بعشرة آلاف وتلاحق ألفان بعد ولما بلغ الكديد أفطر بين عسفان وأمج وأفطروا ولم يعلم بهم أحد حتى نزل بمر الظهران وذلك من المعجزات لكثرة الناس وكون البر للعرب والأَعراب والسفر وقد دعا - صلى الله عليه وسلم - أن يعمى عنهم الأَخبار إلاَّ أن حاطبا أخبر أهل مكة فى كتاب كما مر فى الممتحنة واستخلف على المدينة أبا رَهْم كلثوم بن حصين الغفارى ولا يخفى أن السورة نزلت قبل الفتح ويحمل النصر على ما كان مع الفتح المذكور وذلك إخبار بالغيب وهو معجزة، وإن نزلت السورة بعد الفتح كما زعم بعض فإذا بمعنى إذ متعلق بمحذوف أى كمل الأَمر أو تم أو تبقى للاستقبال فيتوجه الاستقبال إلى شىء مستقبل مترقب باعتبار ما يدل عليه ولو تحقق باعتباره فى نفسه وفتح مكة أم الفتوح جالب لما بعد منها أو الاستقبال باعتبار المجموع الذى بعد إذا فإن منه ما هو مستقبل فإن رؤيته الناس يدخلون فى دين الله أفواجاً معتبرة ولو بآخر من يدخل فى دين الله عز وجل إن لم يكن النزول بعد تمام الدخول أو يراد بالنصر نصر الله الرحمن الرحيم لرسوله والمؤمنين فى أمر مكة زادها الله شرفاً وحفظها وبالفتح ما كان فيها وفى غيرها ولا إشكال فى الاستقبال والمجىء حقيقة فى الحصول وقيل فى الشروع فيما به الحصول كالتنقل ولعله مشترك وضعا وسبب الفتح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صالح قريشا فى الحديبية على وضع الحرب عشر سنين وقيل عشرين ومن شاءَ كان على عهده - صلى الله عليه وسلم - ومن شاء كان معهم فكان معه - صلى الله عليه وسلم - خزاعة ومعهم بنو بكرثم قتل بنو بكر رجلاً من خزاعة على ماء لخزاعة يسمى الوتير أسفل مكة وأعانهم قريش ببعض الرجال وبسلاح خفية ليلاً حتى أدخلوهم الحرم وقاتلوا فيه وأرسلوا بديل بن ورقاء بذلك وجاءَته جماعة أيضاً فقال حديث : لا نصرت إنْ لم أنصركم وأن هذه السحابة تشهد بنصركم تفسير : وقال - صلى الله عليه وسلم - "حديث : كأني بأَبي سفيان جاءَكم يشد العقد" تفسير : فجاءَ فاستشفع بأَبى بكر بعده - صلى الله عليه وسلم - ثم بعمر ثم بعلي أن يكلموه - صلى الله عليه وسلم - فلم يجبه أحد ثم بفاطمة ثم بابنها الحسن غلاماً يدب وقال له علي لا أجد لك إلاَّ أن ترجع إلى مكة، وتقول أجرت بين الناس ولما نزلوا بمر الظهران رق العباس على أهل مكة فخرج ولقى أبا سفيان فجاءَ به إليه - صلى الله عليه وسلم - فأَركبه معه على بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال عمر دعنى يا رسول الله أقتله لم يجبه وقد سبقه العباس بالأَمن وما أمن إلاَّ بعد شدة وكان يحب الفخر فقال - صلى الله عليه وسلم - حديث : ناد فى مكة من أغلق على نفسه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمنتفسير : ، وقد قال قبل إسلامه له - صلى الله عليه وسلم - ما أفعل باللات والعزى فقال عمر اخرأ عليها فقال - صلى الله عليه وسلم - دعنى وابن عمى يا عمر ولما ارتحل لدخول مكة قال يا عباس بمضيق الوادى فكلما مرت قبيلة بلوائها مثل سليم ومزينة قال مالى ولها حتى مرت الكتيبة الخضراء المهاجرون والأنصار سميت لكثرة سلاح الحديد فيهم حتى لا يظهر وإلاَّ عيونهم فقال لا طاقة على هؤلاء.

الالوسي

تفسير : {إِذَا جَاء نَصْرُ ٱللَّهِ } أي إعانته تعالى وإظهاره إياك على عدوك وهذا معنى النصر المعدي بعلى وفسر به لأنه أوفق بقوله تعالى: {وَٱلْفَتْحُ } وجوز أن يراد به المعدى بمن ومعناه الحفظ والفتح يتضمن النصر بالمعنى الأول فحينئذٍ يكون الكلام مشتملاً على إفادة النصرين والأول هو الظاهر و{إِذَا} منصوب بـ {سَبِحْ} والفاء غير مانعة على ما عليه الجمهور في مثل ذلك وأبو حيان على أنها معمولة للفعل بعدها وليست مضافة إليه وسيأتي إن شاء الله تعالى قول آخر. والمراد بهذا النصر ما كان في أمر مكة من غلبته عليه الصلاة والسلام على قريش وذكر النقاش عن ابن عباس أن النصر هو صلح الحديبية وكان في آخر سنة ست وأما الفتح فقد أخرج جماعة عنه وعن عائشة أن المراد به فتح مكة وروي ذلك عن مجاهد وغيره وصححه الجمهور وكان في السنة الثامنة وقال ابن شهاب لثلاث عشرة بقيت من شهر رمضان على رأس ثمان سنين ونصف من الهجرة وخرج عليه الصلاة والسلام - على ما أخرجه أحمد بسند صحيح عن أبـي سعيد - لليلتين خلتا من شهر رمضان وفي رواية أخرى عن أحمد لثمان عشرة وفي أخرى لثنتي عشرة وعند مسلم لست عشرة وقال الواقدي خرج صلى الله عليه وسلم يوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان بعد العصر وضعفه القسطلاني. وكان المسلمون في تلك الغزوة عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وطوائف من العرب وفي «الإكليل» اثني / عشر ألفاً وجمع بأن العشرة خرج بها عليه الصلاة والسلام من المدينة ثم تلاحق الألفان والأولى أن يحمل النصر على ما كان مع الفتح المذكور فإن كانت السورة الكريمة نازلة قبل ذلك فالأمر ظاهر وتتضمن الإعلام بذلك قبل كونه وهو من أعلام النبوة وإذا كانت نازلة بعده فقال الماتريدي في «التأويلات» إن (إذا) بمعنى إذ التي للماضي ومجيئها بهذا المعنى كثير في القرآن وعليه تكون متعلقة بمقدر ككمل الأمر أو أتم النعمة على العباد أو نحو ذلك لا بسبح لأن الكلام حينئذٍ نحو أضرب زيداً أمس. وقال بعض الأجلة هي لما يستقبل كما هو الأكثر في استعمالها وحينئذٍ لم يكن بد من أن يجعل شيء من ذلك مستقبلاً مترقباً باعتبار أن فتح مكة كان أم الفتوح والدستور لما يكون من بعده فهو مترقب باعتبار ما يدل عليه وإن كان متحققاً باعتباره في نفسه وجوز أن يكون الاستقبال باعتبار مجموع ما في حيز (إذا) فمنه ما هو مستقبل وهو ما تضمنه قوله سبحانه: {وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوٰجاً}.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة الصغيرة.. كما تحمل البشرى لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بنصر الله والفتح ودخول الناس في دين الله أفواجاً؛ وكما توجهه ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين يتحقق نصر الله وفتحه واجتماع الناس على دينه إلى التوجه إلى ربه بالتسبيح والحمد والاستغفار.. كما تحمل إلى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ البشرى والتوجيه.. تكشف في الوقت ذاته عن طبيعة هذه العقيدة وحقيقة هذا المنهج، ومدى ما يريد أن يبلغ بالبشرية من الرفعة والكرامة والتجرد والخلوص، والانطلاق والتحرر.. هذه القمة السامقة الوضيئة، التي لم تبلغها البشرية قط إلا في ظل الإسلام. ولا يمكن أن تبلغها إلا وهي تلبي الهدف العلوي الكريم. وقد وردت روايات عدة عن نزول هذه السورة نختار منها رواية الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، قال: قالت عائشة: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يكثر في آخر أمره من قوله: "سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه" قال: "حديث : إن ربي كان أخبرني أني سأرى علامة في أمتي، وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره إنه كان تواباً" فقد رأيتها.. {إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا }".. تفسير : (ورواه مسلم من طريق داود بن أبي هند بهذا النص).. وقال ابن كثير في التفسير: والمراد بالفتح ها هنا فتح مكة. قولاً واحداً. فإن أحياء العرب كانت تتلوم (أي تنتظر) بإسلامها فتح مكة يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبي، فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجاً، فلم تمض سنتان حتى استوسقت جزيرة العرب إيماناً، ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مُظهر للإسلام ولله الحمد والمنة، وقد روى البخاري في صحيحه عن عمرو بن سلمة قال: لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكانت الأحياء تتلوم بإسلامها فتح مكة يقولون: دعوه وقومه فإن ظهر عليهم فهو نبي.. "الحديث".. فهذه الرواية هي التي تتفق مع ظاهر النص في السورة: {إذا جاء نصر الله والفتح.. الخ} فهي إشارة عند نزول السورة إلى أمر سيجيء بعد ذلك، مع توجيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى ما يعمله عند تحقق هذه البشارة وظهور هذه العلامة. وهناك رواية أخرى عن ابن عباس؛ لا يصعب التوفيق بينها وبين هذه الرواية التي اخترناها.. قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن علمتم. فدعاهم ذات يوم فأدخلني معهم. فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم فقال: ما تقولون في قول الله عز وجل: {إذا جاء نصر الله والفتح}؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً. فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ "فقلت لا. فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعلمه له. قال: {إذا جاء نصر الله والفتح} فذلك علامة أجلك {فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً}. فقال عمر ابن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول (تفرد به البخاري). فلا يمتنع أن يكون الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين رأى علامة ربه أدرك أن واجبه في الأرض قد كمل، وأنه سيلقى ربه قريباً. فكان هذا معنى قول ابن عباس: هو أجل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعلمه له.. الخ.. ولكن هناك حديث رواه الحافظ البيهقي ـ بإسناده ـ عن ابن عباس كذلك: قال: لما نزلت: {إذا جاء نصر الله والفتح}.. دعا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاطمة وقال: "حديث : إنه قد نعيت إليّ نفسي" تفسير : فبكت. ثم ضحكت. وقالت أخبرني: أنه نعيت إليه نفسه فبكيت، ثم قال: "حديث : اصبري فإنك أول أهلي لحوقاً بي" تفسير : فضحكت. ففي هذا الحديث تحديد لنزول السورة. فكأنها نزلت والعلامة حاضرة. أي إنه كان الفتح قد تم ودخول الناس أفواجاً قد تحقق. فلما نزلت السورة مطابقة للعلامة علم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه أجله.. إلا أن السياق الأول أوثق وأكثر اتساقاً مع ظاهر النص القرآني. وبخاصة أن حديث بكاء فاطمة وضحكها قد روي بصورة أخرى تتفق مع هذا الذي نرجحه.. عن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ قالت: "دعا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاطمة عام الفتح فناجاها، فبكت، ثم ناجاها فضحكت. قالت: فلما توفي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سألتها عن بكائها وضحكها. قالت: أخبرني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه يموت، فبكيت، ثم أخبرني أني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران. فضحكت.. (أخرجه الترمذي). فهذه الرواية تتفق مع ظاهر النص القرآني، ومع الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأخرجه مسلم في صحيحه. من أنه كانت هناك علامة بين الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وربه هي: {إذا جاء نصر الله والفتح..} فلما كان الفتح عرف أن قد قرب لقاؤه لربه فناجى فاطمة رضي الله عنها بما روته عنها أم سلمة رضي الله عنها. ونخلص من هذا كله إلى المدلول الثابت والتوجيه الدائم الذي جاءت به هذه السورة الصغيرة.. فإلى أي مرتقى يشير هذا النص القصير: {إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، فسبح بحمد ربك واستغفره، إنه كان تواباً}.. في مطلع الآية الأولى من السورة إيحاء معين لإنشاء تصور خاص، عن حقيقة ما يجري في هذا الكون من أحداث، وما يقع في هذه الحياة من حوادث. وعن دور الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودور المؤمنين في هذه الدعوة. وحدّهم الذي ينتهون إليه في هذا الأمر.. هذا الإيحاء يتمثل في قوله تعالى: {إذا جاء نصر الله..}.. فهو نصر الله يجيء به الله: في الوقت الذي يقدره. في الصورة التي يريدها. للغاية التي يرسمها. وليس للنبي ولا لأصحابه من أمره شيء، وليس لهم في هذا النصر يد. وليس لأشخاصهم فيه كسب. وليس لذواتهم منه نصيب. وليس لنفوسهم منه حظ! إنما هو أمر الله يحققه بهم أو بدونهم. وحسبهم منه أن يجريه الله على أيديهم، وأن يقيمهم عليه حراساً، ويجعلهم عليه أمناء.. هذا هو كل حظهم من النصر ومن الفتح ومن دخول الناس في دين الله أفواجاً.. وبناء على هذا الإيحاء وما ينشئه من تصور خاص لحقيقة الأمر يتحدد شأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن معه بإزاء تكريم الله لهم، وإكرامهم بتحقيق نصره على أيديهم. إن شأنه ـ ومن معه ـ هو الاتجاه إلى الله بالتسبيح وبالحمد والاستغفار في لحظة الانتصار. التسبيح والحمد على ما أولاهم من منة بأن جعلهم أمناء على دعوته حراساً لدينه. وعلى ما أولى البشرية كلها من رحمة بنصره لدينه، وفتحه على رسوله ودخول الناس أفواجاً في هذا الخير الفائض العميم، بعد العمى والضلال والخسران. والاستغفار لملابسات نفسية كثيرة دقيقة لطيفة المدخل: الاستغفار من الزهو الذي قد يساور القلب أو يتدسس إليه من سكرة النصر بعد طول الكفاح، وفرحة الظفر بعد طول العناء. وهو مدخل يصعب توقيه في القلب البشري. فمن هذا يكون الاستغفار. والاستغفار مما قد يكون ساور القلب أو تدسس إليه في فترة الكفاح الطويل والعناء القاسي، والشدة الطاغية والكرب الغامر.. من ضيق بالشدة، واستبطاء لوعد الله بالنصر، وزلزلة كالتي قال عنها في موضع آخر: {أية : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسآء والضرآء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} تفسير : فمن هذا يكون الاستغفار. والاستغفار من التقصير في حمد الله وشكره. فجهد الإنسان، مهما كان، ضعيف محدود، وآلاء الله دائمة الفيض والهملان.. {أية : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}.. تفسير : فمن هذا التقصير يكون الاستغفار.. وهناك لطيفة أخرى للاستغفار لحظة الانتصار.. ففيه إيحاء للنفس وإشعار في لحظة الزهو والفخر بأنها في موقف التقصير والعجز. فأولى أن تطامن من كبريائها، وتطلب العفو من ربها. وهذا يصد قوى الشعور بالزهو والغرور.. ثم إن ذلك الشعور بالنقص والعجز والتقصير والاتجاه إلى الله طلباً للعفو والسماحة والمغفرة يضمن كذلك عدم الطغيان على المقهورين المغلوبين. ليرقب المنتصر الله فيهم، فهو الذي سلطه عليهم، وهو العاجز القاصر المقصر. وإنها سلطة الله عليهم تحقيقاً لأمر يريده هو. والنصر نصره، والفتح فتحه، والدين دينه، وإلى الله تصير الأمور. إنه الأفق الوضيء الكريم، الذي يهتف القرآن بالنفس البشرية لتتطلع إليه، وترقى في مدارجه، على حدائه النبيل البار. الأفق الذي يكبر فيه الإنسان لأنه يطامن من كبريائه، وترف فيه روحه طليقة لأنها تعنو لله! إنه الانطلاق من قيود الذات ليصبح البشر أرواحاً من روح الله. وليس لها حفظ في شيء إلا رضاه. ومع هذا الانطلاق جهاد لنصرة الخير وتحقيق الحق؛ وعمل لعمارة الأرض وترقية الحياة؛ وقيادة للبشرية قيادة رشيدة نظيفة معمرة، بانية عادلة خيرة،.. الاتجاه فيها إلى الله. وعبثاً يحاول الإنسان الانطلاق والتحرر وهو مشدود إلى ذاته، مقيد برغباته، مثقل بشهواته. عبثاً يحاول ما لم يتحرر من نفسه، ويتجرد في لحظة النصر والغنم من حظ نفسه ليذكر الله وحده. وهذا هو الأدب الذي اتسمت به النبوة دائماً، يريد الله أن ترتفع البشرية إلى آفاقه، أو تتطلع إلى هذه الآفاق دائماً.. كان هذا هو أدب يوسف ـ عليه السلام ـ في اللحظة التي تم فيها كل شيء، وتحققت رؤياه: {أية : ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً، وقال: يا أبت هـذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً. وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجآء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي. إن ربي لطيف لما يشآء، إنه هو العليم الحكيم }.. تفسير : وفي هذه اللحظة نزع يوسف ـ عليه السلام ـ. نفسه من الصفاء والعناق والفرحة والابتهاج ليتجه إلى ربه في تسبيح الشاكر الذاكر. كل دعوته وهو في أبهة السلطان وفي فرحة تحقيق الأحلام: {أية : رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث، فاطر السماوات والأرض، أنت وليي في الدنيا والآخرة، توفني مسلماً، وألحقني بالصالحين}.. تفسير : وهنا يتوارى الجاه والسلطان، وتتوارى فرحة اللقاء وتجمع الأهل ولمة الإخوان، ويبدو المشهد مشهد إنسان فرد يبتهل إلى ربه أن يحفظ له إسلامه حتى يتوفاه إليه، وأن يلحقه بالصالحين عنده. من فضله ومنه وكرمه.. وكان هذا هو أدب سليمان عليه السلام وقد رأى عرش ملكه سبأ حاضراً بين يديه قبل أن يرتد إليه طرفه: {أية : فما رآه مستقراً عنده قال: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم }.. تفسير : وهذا كان أدب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حياته كلها، وفي موقف النصر والفتح الذي جعله ربه علامة له.. انحنى لله شاكراً على ظهر دابته ودخل مكة في هذه الصورة. مكة التي آذته وأخرجته وحاربته ووقفت في طريق الدعوة تلك الوقفة العنيدة.. فلما أن جاءه نصر الله والفتح، نسي فرحة النصر وانحنى انحناءة الشكر، وسبح وحمد واستغفر كما لقنه ربه، وجعل يكثر من التسبيح والحمد والاستغفار كما وردت بذلك الآثار. وكانت هذه سنته في أصحابه من بعده، رضي الله عنهم أجمعين. وهكذا ارتفعت البشرية بالإيمان بالله، وهكذا أشرقت وشفت ورفرفت، وهكذا بلغت من العظمة والقوة والانطلاق..

ابن عاشور

تفسير : {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ}. {إذا} اسم زمان مبهم يتعين مقدارهُ بمضمون جملةٍ يضاف إليها هو. فــــ {إذا} اسمُ زمان مطلق، فقد يستعمل للزمن المستقبل غالباً. ولذلك يضمَّن معنى الشرط غالباً، ويكون الفعل الذي تضاف إليه بصيغة الماضي غالباً لإفادة التحقق، وقد يكون مضارعاً كقوله تعالى: { أية : وهو على جمعهم إذا يشاء قدير } تفسير : [الشورى: 29]. ويستعمل في الزمن الماضي وحينئذ يتعين أن تقع الجملة بعده بصيغة الماضي، ولا تضمن {إذا} معنى الشرط حينئذ وإنما هي لمجرد الإِخبار دون قصد تعليق نحو: { أية : وإذَا رأوا تجارةً أو لهواً انفضوا إليها } تفسير : [الجمعة: 11]. و{إذا} هنا مضمنة الشرط لا محالة لوجود الفاء في قوله: {فسبح بحمد ربك} وقضية الاستقبال وعدمه تقدمت. والنصر: الإِعانة على العدوّ. ونصر الله يعقبه التغلب على العدو. و{الفتح}: امتلاك بلد العدوّ وأرضِه لأنه يكون بفتح باب البلد كقوله تعالى: { أية : ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون } تفسير : [المائدة: 23]، ويكون باقتحام ثغور الأرض ومحارسها فقد كانوا ينزلون بالأَرضين التي لها شعاب وثغور قال لبيد: شعر : وأَجَنَّ عوراتِ الثغور ظَلاَمُها تفسير : وقد فتح المسلمون خيْبر قبل نزول هذه الآية فتعين أن الفتح المذكور فيها فتح آخر وهو فتح مكة كما يشعر به التعريف بلام العهد، وهو المعهود في قوله تعالى: { أية : إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك اللَّه ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً وينصرك اللَّه نصراً عزيزاً } تفسير : [الفتح: 1 ـــ 3]. فإضافة {نصر} إلى {اللَّه} تشعر بتعظيم هذا النصر وأنه نصر عزيز خارق للعادة اعتنى الله بإيجاد أسبابه ولم تجر على متعارف تولد الحوادث عن أمثالها. و{جاء} مستعمل في معنى: حصَل وتحقق مجازاً. والتعريف في «الفتح» للعهد وقد وعد الله رسوله صلى الله عليه وسلم به غير مرة من ذلك قوله تعالى: { أية : إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد } تفسير : [القصص: 85] وقوله: { أية : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء اللَّه آمنين مُحَلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً } تفسير : [الفتح: 27]. وهذه الآية نزلت عام الحديبية وذلك قبل نزول سورة {إذا جاء نصر الله} على جميع الأقوال. وقد اتفقت أقوال المفسرين من السلف فمَن بعدهم على أن الفتح المذكور في هذه السورة هو فتح مكة إلا رواية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس هو فتح المدائن والقَصور، يعني الحصون. وقد كان فتح مكة يخالج نفوس العرب كلهم فالمسلمون كانوا يرجونه ويعلمون ما أشار به القرآن من الوعد به وأهل مَكة يتوقعونه وبقية العرب ينتظرون ماذا يكون الحال بين أهل مكة وبين النبي صلى الله عليه وسلم ويتلومون بدخولهم في الإِسلام فتحَ مكة يقولون: إنْ ظهر محمد على قومه فهو نبيء. وتكرر أنْ صَدَّ بعضُهم بعضاً ممن يريد اتباع الاسلام عن الدخول فيه وإنظاره إلى ما سيظهر من غلب الإِسلام أو غلب الشرك. أخرج البخاري عن عمرو بن سلمة قال: «لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الأحياء تتلوم بإسلامها فتح مكة فيقولون دَعوه وقومه فإن ظهر عليهم فهو نبيء». وعن الحسن: لما فتحت مكة أقبلت العرب بعضها على بعض فقالوا: أما إذ ظفر بأهل الحرم فليس لنا به يَدانِ فكانوا يدخلون في الإِسلام أفواجاً. فعلى قول الجمهور في أن الفتح هو فتح مكة يستقيم أن تكون هذه السورة نزلت بعد فتح خيبر وهو قول الأكثرين في وقت نزولها. ويحتمل على قول القائلين بأنها نزلت عقب غزوة حنين أن يكون الفتح قد مضى ويكون التعليق على مجموع فتح مكة ومجيء نصر من الله آخر ودخول الناس في الإِسلام وذلك بما فتح عليه بعد ذلك ودخول العرب كلهم في الإِسلام سنة الوفود. وعلى ما روي عن ابن عمر: «أنها نزلت في حجة الوداع» يكون تعليق جملة: {فسبح بحمد ربك} على الشرط الماضي مراداً به التذكير بأنه حصل، أي إذا تحقق ما وعدناك به من النصر والفتح وعموم الإِسلام بلادَ العرب فسبح بحمد ربك، وهو مراد مَن قال من المفسرين {إذا} بمعنى (قد)، فهو تفسير حاصل المعنى، وليست {إذا} مما يأتي بمعنى (قد). والرؤية في قوله: {ورأيت الناس} يجوز أن تكون علمية، أي وعلمت علم اليقين أن الناس يدخلون في دين الله أفواجاً وذلك بالأخبار الواردة من آفاق بلاد العرب ومواطن قبائلهم وبمَنْ يحضر من وفودهم. فيكون جملة {يدخلون} في محل المفعول الثاني لــــ {رأيت}. ويجوز أن تكون رؤية بصرية بأن رأى أفواج وفود العرب يردون إلى المدينة يدخلون في الإِسلام وذلك سنة تسع، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ببصره ما علم منه دخولهم كلهم في الإِسلام بمن حضر معه الموقف في حجة الوداع فقد كانوا مائة ألف من مختلف قبائل العرب فتكون جملة {يدخلون} في موضع الحال من الناس. و{دين اللَّه} هو الإِسلام لقوله تعالى: { أية : إن الدين عند اللَّه الإسلام } تفسير : [آل عمران: 19] وقوله: { أية : فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت اللَّه التي فطر الناس عليها } تفسير : [الروم: 30]. والدخول في الدين: مستعار للنطق بكلمة الشهادة والتزام أحكام الدين الناشئة عن تلك الشهادة. فشُبه الدين ببيت أو حظيرة على طريقة المكنية ورمز إليه بما هو من لوازم المشبه به وهو الدخول، على تشبيه التلبس بالدين بتلبس المظروف بالظرف، ففيه استعارة أخرى تصريحية. و{الناس}: اسم جمع يدل على جماعة من الآدميين، وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : ومن الناس من يقول آمنا باللَّه } تفسير : في سورة [البقرة: 8]. وإذا عُرّف اسم ناس باللام احتملت العهد نحو: { أية : الذين قال لهم الناس } تفسير : [آل عمران: 173]، واحتملت الجنس نحو: { أية : إن الناس قد جمعوا لكم } تفسير : [آل عمران: 173] واحتملت الاستغراق نحو: { أية : ومن الناس من يقول } تفسير : [البقرة: 8] ونحو: { أية : قل أعوذ برب الناس } تفسير : [الناس: 1]. والتعريف في هذه الآية للاستغراق العرفي، أي جميع الناس الذين يخطرون بالبال لعدم إرادة معهودين معينين ولاستحالة دخول كل إنسان في دين الله بدليل المشاهدة، فالمعنى: ورأيتَ ناساً كثيرين أو ورأيت العرب. قال ابن عطية: «قال أبو عُمر بن عبد البر النمري رحمه الله في كتاب «الاستيعاب» في باب خراش الهذلي: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي العرب رجل كافر بل دخل الكل في الإِسلام بعد حُنين والطائِف، منهم من قدِم ومنهم من قدِم وافده» ا هــــ. وإنما يراد عرب الحجاز ونجد واليمن لأن مِن عرب الشام والعراق من لم يدخلوا في الإِسلام، وهم: تَغلب وغسان في مشارف الشام والشامِ، وكذلك لخم وكلب من العراق فهؤلاء كانوا نصارى ولم يسلم من أسلم منهم إلا بعد فتح الشام والعراق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلون في دين الله رؤية بصرية. ويجوز أن يكون اللَّهُ أعلمه بذلك إن جعلنا الرؤية علمية. والأفواج: جمع فوج وهو الجماعة الكثيرة، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : هذا فوج مقتحم معكم } تفسير : في سورة [ص: 59]، أي يدخلون في الإِسلام قبائل، وانتصب {أفواجاً} على الحال من ضمير {يدخلون}. وجملة: {فسبح بحمد ربك} جواب {إذا} باعتبار ما تضمنته من معنى الشرط، وفعل {فسبح} هو العامل في {إذا} النصبَ على الظرفية، والفاء رابطة للجواب لأنه فعل إنشاء. وقَرن التسبيح بالحمد بباء المصاحبة المقتضية أن التسبيح لاحقٌ للحمد لأن باء المصاحبة بمعنى (مع) فهي مثل (مع) في أنها تدخل على المتبوع فكان حمد الله على حصول النصر والفتح ودخول الناس في الإِسلام شيئاً مفروغاً منه لا يحتاج إلى الأمر بإيقاعه لأن شأن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قد فعله، وإنما يحتاج إلى تذكيره بتسبيح خاص لم يحصل من قبل في تسبيحاته وباستغفار خاص لم يحصل من قبل في استغفاره. ويجوز أن يكون التسبيح المأمور به تسبيحَ ابتهاج وتعجب من تيسير الله تعالى له ما لا يخطر ببال أحد أن يتم له ذلك، فإن سبحان الله ونحوه يستعمل في التعجب كقول الأعشى: شعر : قد قلتُ لما جاءني فخرُه سبحانَ من علقمةَ الفاخِر تفسير : وفي تقديم الأمر بالتسبيح والحمد على الأمر بالاستغفار تمهيد لإجابة استغفاره على عادة العرب في تقديم الثناء قبل سؤال الحاجة كما قال ابن أبي الصلت: شعر : إذا أثنى عليك المرء يوماً كفاه عن تعرضه الثناء تفسير : فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يخلو عن تسبيح الله فأريد تسبيح يقارن الحمد على ما أعطيه من النصر والفتح ودخول الأمة في الإِسلام. وعطف الأمر باستغفار الله تعالى على الأمر بالتسبيح مع الحمد يقتضي أنه من حَيِّز جواب {إذا}، وأنه استغفار يحصل مع الحمد مثل ما قرر في {فسبح بحمد ربك} فيدل على أنه استغفار خاص لأن الاستغفار الذي يعم طلب غفران التقصير ونحوه مأمور به من قبل وهو من شأن النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال: « حديث : إنه لَيُغَانَ على قلْبي فأستغفر اللَّه في اليوم والليلة مائة مرة » تفسير : فكان تعليق الأمر بالتسبيح وبالاستغفار على حصول النصر والفتح إيماءً إلى تسبيح واستغفار يحصل بهما تقرب لم يُنْو من قبل، وهو التهيّؤ للقاء الله، وأن حياته الدنيوية أوشكت على الانتهاء، وانتهاء أعمال الطاعات والقربات التي تزيد النبي صلى الله عليه وسلم في رفع درجاته عند ربه فلم يبق إلا أن يسأل ربه التجاوز عما يعرض له من اشتغال ببعض الحظوظ الضرورية للحياة أو من اشتغال بمهم من أحوال الأمة يفوته بسببه أمر آخر هو أهم منه، مثل فِداء أسرى بدر مع فوات مصلحة استئصالهم الذي هو أصلح للأمة فعوتِبَ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: { أية : ما كان لنبي أن يكون له أسرى } تفسير : [الأنفال: 67] الآية، أو من ضرورات الإِنسان كالنوم والطعام التي تنقص من حالة شبهه بالملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فكان هذا إيذاناً باقتراب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بانتقاله من حياة تحمل أعباء الرسالة إلى حياة أبدية في العلويات الملكية. والكلام من قبيل الكناية الرمزية وهي لا تنافي إرادة المعنى الصريح بأن يحمل الأمر بالتسبيح والاستغفار على معنى الإِكثار من قول ذلك. وقد دل ذوق الكلام بعضَ ذوي الأفهام النافذة من الصحابة على هذا المعنى وغاصت عليه مثل أبي بكر وعمر والعباس وابنه عبد الله وابن مسعود، فعن مقاتل: « حديث : لما نزلت قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه ففرحوا واستبشروا وبكى العباس فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما يبكيك يا عم؟ قال: نُعيتْ إليك نفسك. فقال: إنه لكَما تقول »تفسير : . وفي رواية: « حديث : نزلت في منى فبكى عمر والعباس فقيل لهما، فقالا: فيه نُعي رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدقتما نُعِيَتْ إليّ نفسي » تفسير : . وفي «صحيح البخاري» وغيره عن ابن عباس: «كان عمر يأذن لأهل بدر ويأذن لي معهم فوجد بعضهم من ذلك، فقال لهم عمر: إنه مَن قد علمتم. قال: فأذن لهم ذات يوم وأذن لي معهم، فسألهم عن هذه السورة: {إذا جاء نصر الله والفتح} فقالوا: أمر الله نبيه إذا فتح عليه أن يستغفره ويتوب إليه فقال: ما تقول يا ابن عباس؟ قلت: ليس كذلك ولكن أخبر الله نبيه حضور أجله فقال: {إذا جاء نصر الله والفتح}، فذلك علامة موتك؟ فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول» فهذا فهم عمر والعباس وعبد الله ابنه. وقال في «الكشاف»: روي أنه لما نزلت خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « حديث : إن عبداً خيّره الله بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله عز وجل. فعلم أبو بكر فقال: فديناك بأنفسنا وأموالنا وآبائنا وأولادنا » تفسير : اهــــ. قال ابن حجر في «تخريج أحاديث الكشاف»: الحديث متفق عليه إلا صدره دون أوله من كونه كان عند نزول السورة ا هــــ. ويحتمل أن يكون بكاء أبي بكر تكرر مرتين أولاهما عند نزول سورة النصر كما في رواية «الكشاف» والثانية عند خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه. وعن ابن مسعود أن هذه السورة «تسمى سورة التوديع» أي لأنهم علموا أنها إيذان بقرب وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتقديم التسبيح والحمد على الاستغفار لأن التسبيح راجع إلى وصف الله تعالى بالتنزه عن النقص وهو يجمع صفات السلب، فالتسبيح متمحض لجانب الله تعالى، ولأن الحمد ثناء على الله لإنعامه، وهو أداء العبد ما يجب عليه لشكر المنعم فهو مستلزم إثبات صفات الكمال لله التي هي منشأ إنعامه على عبده فهو جامع بين جانب الله وحظ العبد، وأما الاستغفار فهو حظ للعبد وحده لأنه طلبه اللَّه أن يعفو عما يؤاخذه عليه. ومقتضى الظاهر أن يقول: فسبح بحمده، لتقدم اسم الجلالة في قوله: {إذا جاء نصر اللَّه} فعدل عن الضمير إلى الاسم الظاهر وهو {ربك} لما في صفة (رب) وإضافتها إلى ضمير المخاطب من الإِيماء إلى أن من حكمة ذلك النصر والفتح ودخول الناس في الإِسلام نعمةً أنعم الله بها عليه إذا حصل هذا الخير الجليل بواسطته فذلك تكريم له وعناية به وهو شأن تلطف الرب بالمربوب، لأن معناه السيادة المرفوقة بالرفق والإِبلاغ إلى الكمال. وقد انتهى الكلام عند قوله: {واستغفره}. وقد روي: «حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في قراءته يقف عند {واستغفره} ثم يكمل السورة»تفسير : . {إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً}. تذييل للكلام السابق كله وتعليل لما يقتضي التعليل فيه من الأمر باستغفار ربه باعتبار الصريح من الكلام السابق كما سيتبين لك. وتوّاب: مثال مبالغة من تاب عليه. وفعل تاب المتعدي بحرف (على) يطلق بمعنى: وفّق للتوبة، أثبته في «اللسان» و«القاموس»، وهذا الإِطلاق خاص بما أسند إلى الله. وقد اشتملت الجملة على أربع مؤكدات هي: إنّ، وكانَ، وصيغة المبالغة في التوّاب، وتنوين التعظيم فيه. وحيث كان توكيد بــــ (إنَّ) هنا غير مقصودٍ به ردُّ إنكار ولا إزالة تردد إذ لا يفرضان في جانب المخاطب صلى الله عليه وسلم فقد تمحض (إنَّ) لإفادة الاهتمام بالخبر بتأكيده. وقد تقرر أن من شأن (إنَّ) إذا جاءت على هذا الوجه أن تغني غَناء فاء الترتيب والتسبب وتفيد التعليل وربط الكلام بما قبله كما تفيده الفاء، وقد تقدم غير مرة، منها عند قوله تعالى: { أية : إنك أنت العليم الحكيم } تفسير : في سورة [البقرة: 32]، فالمعنى: هو شديد القبول لتوبة عباده كثير قبوله إياها. وإذ قد كان الكلام تذييلاً وتعليلاً للكلام السابق تعين أن حذف متعلق {توّاباً} يُقدر بنحو: على التائبين. وهذا المقدر مراد به العموم، وهو عموم مخصوص بالمشيئة تخصصه أدلة وصف الربوبية، ولما ذكر دليل العموم عَقب أمرِه بالاستغفار أفاد أنه إذا استغفره غفر له دلالة تقتضيها مستتبعات التراكيب، فأفادت هذه الجملة تعليل الأمر بالاستغفار لأن الاستغفار طلب لغفر، فالطالب يترقب إجابة طلبه، وأما ما في الجملة من الأمر بالتسبيح والحمد فلا يحتاج إلى تعليل لأنهما إنشاء تنزيه وثناء على الله. ومن وراء ذلك أفادت الجملة إشارة إلى وعدٍ بحسن القبول عند الله تعالى حينما يقدم على العالم القدسي، وهذا معنى كنائي لأن من عُرف بكثرة قبول توبة التائبين شأنه أن يكرم وفادة الوافدين الذين سَعوْا جهودهم في مرضاته بمنتهى الاستطاعة، أو هو مجاز بعلاقة اللزوم العرفي لأن منتهى ما يخافه الأحبة عند اللقاء مرارة العتاب، فالإِخبار بأنه توّاب اقتضى أنه لا يخاف عتاباً. فهذه الجملة بمدلولها الصريح ومدلولها الكنائي أو المجازي ومستتبعاتها تعليل لما تضمنته الجملة التي قبلها من معنى صريح أو كنائي يناسبه التعليل بالتسبيح والحمد باعتبارهما تمهيداً للأمر بالاستغفار كما تقدم آنفاً لا يحتاجان إلى التعليل، أو يغني تعليل الممهد له بهما عن تعليلهما ولكنهما باعتبار كونهما رمزاً إلى مداناة وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون ما في قوله: {إنه كان تواباً} من الوعد بحسن القبول تعليلاً لمدلولهما الكنائي، وأما الأمر بالاستغفار فمناسبة التعليل له بقوله: {إنه كان تواباً} ناهضة باعتبار كلتا دلالتيه الصريحة والكنائيّة، أي إنه متقبل استغفارك ومتقبلك بأحسن قبول، شأنَ من عهد من الصفح والتكرم. وفعل {كان} هنا مستعمل في لازم معنى الاتصاف بالوصف في الزمن الماضي. وهو أن هذا الوصف ذاتي له لا يتخلف معموله عن عباده فقد دل استقراء القرآن على إخبار الله عن نفسه بذلك من مبدأ الخليقة قال تعالى: { أية : فتلقى آدم من ربّه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم } تفسير : [البقرة: 37]. ومقتضى الظاهر أن يقال: إنه كان غفّاراً، كما في آية: { أية : فقلتُ استغفروا ربكم إنه كان غفّاراً } تفسير : [نوح: 10] فيُجرى الوصف على ما يناسب قوله: {واستغفره}، فعُدل عن ذلك تلطفاً مع النبي صلى الله عليه وسلم بأنَّ أمره بالاستغفار ليس مقتضياً إثبات ذنب له لما علمت آنفاً من أن وصف (تواب) جاء من تاب عليه الذي يستعمل بمعنى وفقه للتوبة إيماء إلى أن أمره بالاستغفار إرشاد إلى مقام التأدب مع الله تعالى، فإنه لا يُسأل عما يفعل بعباده، لولا تفضله بما بيَّن لهم من مراده، ولأن وصف (توّاب) أشد ملاءمة لإقامة الفاصلة مع فاصلة {أفواجاً} لأن حرف الجيم وحرف الباء كليهما حرف من الحروف الموصوفة بالشدة، بخلاف حرف الراء فهو من الحروف التي صفتها بين الشدة والرِّخوة. وروي في «الصحيح» عن عائشة قالت: «حديث : ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاةً بعد أن نزلت عليه سورة: {إذا جاء نصر الله والفتح} إلا يقول: سبحانك ربّنا وبحمدك، اللهم اغفر لي يتأول القرآن » تفسير : أي يتأول الأمر في قوله: {فسبح بحمد ربك واستغفره} على ظاهره كما تأوله في مقام آخر على معنى اقتراب أجله صلى الله عليه وسلم.

الشنقيطي

تفسير : فيه ذكر النصر والفتح، مع أن كلاً منهما مرتبط بالآخر: فمع كل نصر فتح، ومع كل فتح نصر. فهل هما متلازمان أم لا؟ كما جاء النصر مضافاً إلى الله تعالى، والفتح مطلقاً. أولاً اتفقوا على نزول هذه السورة بعد فتح مكة. ومعلوم: أنه سبق فتح مكة عدة فتوحات. منها فتح خيبر، ومنها صلح الحديبية، سماه الله تعالى فتحاً في قوله: {أية : فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً} تفسير : [الفتح: 27]. والنصر يكون في معارك القتال ويكون بالحجة والسلطان، ويكون بكف العدو، كما في الأحزاب. {أية : وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً} تفسير : [الأحزاب: 25]. وكما في اليهود قوله: {أية : وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} تفسير : [الأحزاب: 26-27]. فالنصر حق من الله، {أية : وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} تفسير : [آل عمران: 126]. وقد علم المسلمون ذلك، كما جاء في قوله تعالى: {أية : مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 214]، فهم يتطلعون إلى النصر. ويأتيهم الجواب {أية : أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ} تفسير : [البقرة: 214]. وجاء قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نصرت بالرعب مسيرة شهر ". تفسير : وقد قال تعالى لموسى وأخيه {أية : لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ} تفسير : [طه: 46]، فهو نصر معية وتأييد، فالنصر هنا عام. وكذلك الفتح في الدين بانتشار الإسلام، وأعظم الفتح فتحان: فتح الحديبية، وفتح مكة. إذ الأول تمهيد للثاني، والثاني قضاء على دولة الشرك في الجزيرة، ويدل لإرادة العموم في النصر والفتح.

الواحدي

تفسير : {إذا جاء نصر الله} إيَّاك على مَنْ ناوأك من اليهود والعرب {والفتح} يعني: فتح مكة. {ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا} جماعاتٍ جماعاتٍ بعد ما كان يدخل واحدٌ فواحدٌ. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا نزلت هذه السورة قال: قد نُعِيَتْ إليَّ نفسي. {فسبح بحمد ربك} أمره الله عزَّ وجل أن يُكثر التَّسبيح والاستغفار، ليختم له في آخر عمره بالزِّيادة في العمل الصّالح.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- إذا تحقق نصر الله والفتح لك وللمؤمنين. 2- ورأيت الناس يدخلون فى دين الله جماعات جماعات. 3- فاشكر ربك، وسبح بحمده. واطلب مغفرته لك ولأمتك. إنه كان تَوَّابا كثير القبول لتوبة عباده.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إذا جاء نصر الله: أي نصر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم على أعدائه المشركين. والفتح: أي فتح مكة. في دين الله أفواجا: أي في الإِسلام جماعات جماعات. فسبح بحمد ربك: أي نزهه عن الشريك ملتبسا بحمده. واستغفره: أي أُطلب منه المغفرة توبة منك إليه. معنى الآيات: قوله تعالى {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ} الآيات الثلاث المباركات نزلت في أخريات أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وهي تحمل علامة للنبي صلى الله عليه وسلم على قرب أجله فقوله {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ} أي لك يا رسولنا فأصبحت تنتصر على أعدائك في كل معركة تخوضها معهم وجاءك الفتح فتح مكة ففتحها الله عليك وأصبحت دار إسلام بعد أن كانت دار كفر، {وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ} من سكان اليمن وغيرهم {يَدْخُلُونَ فِي} دينك الدين الإِسلامي {أَفْوَاجاً} وجماعات جماعة بعد أخرى بعد أن كانوا يدخلون فرادى واحدا واحدا وهم خائفون إذا تم هذا ورأيته {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} شكرا له على نعمة النصر والفتح ودخول الناس في دينك وانتهاء دين المشركين الباطل. {وَٱسْتَغْفِرْهُ} أي اطلب منه المغفرة لما فرط منك مما هو ذنب في حقك لقربك وكمال علمك وأما غيرك فليس هو بالذنب الذي يُسْتَغْفَرْ منه ويَنَابُ إلى الله تعالى منه وقوله تعالى {إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} أي إن الله تعالى الذي أمرك بالاستغفار توبة إليه كان توابا على عباده يقبل توبتهم فيغفر ذنوبهم ويرحمهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مشروعية نعي الميت إلى أهله ولكن بدون إعلان وصوت عال. 2- وجوب الشكر عند تحقق النعمة ومن ذلك سجدة الشكر. 3- مشروعية قول سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي في الركوع.

القطان

تفسير : النصر: الإعانة والتأييد، نصره: أعانه وأيّده. الفتح: غَلَبة الأعداء وفتح البلاد، والمراد به هنا فتح مكة. أفواجا: جماعاتٍ جماعات، واحده فوج. واستغفِرهُ: اسأل المغفرة لك ولأُمتك. توّابا: كثير القبول لتوبة عباده. {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ}. إذا نصرك الله يا محمد على أعدائك، وتحقَّقَ وعدُ الله بالنصر للمؤمنين وهزيمة المشركين، وفَتَحَ الله لكم ديارَكم ودخلْتُم مكّة. {وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً} جماعاتٍ جماعات. وقد تحقَّق ذلك بعدَ فتحِ مكة، فدخَل الناسُ في الإسلام أفواجا، وعمّ الإسلامُ جزيرةَ العرب. {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابَا} فاشكر ربك، وسبّح بحمده، ونزّهْه عن كل شريك - لما حقّق لك وللمؤمنين من النصر العظيم - واطلُب المغفرةَ لك ولأمتك من الله تعالى، فإنه يَقْبَلُ التوبةَ، وبابُه مفتوحٌ دائما للتوابين. روى الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قال: حديث : كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُكثر في آخر أمره من قوله: سبحانَ الله وبحمدِه، أستغفرُ الله وأتوبُ إليه. قال: إن ربي أخبرني أني سأرى علامةً في أُمتي، وأمرني إذا رأيتُها أن أسبّح بحمده وأستغفرَه إنّه كان توابا. فقد رأيتها... {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ...} تفسير : رواه مسلم أيضا. وهكذا تم النصرُ والفتح، وأشْرَقت الأرضُ بنورِ ربّها، وعمّ الإسلامُ جوانبَ الأرض. نسأل الله تعالى أن يُلهم زعماءَنا وكبراءنا التوفيقَ وسَدادَ الرأي، فتجتمعَ كلمتُهم على نصرِ دين الله وتتوحّدَ صفوفهم، ويجتمعَ شملُهم ليعملوا على انقاذ هذه الأُمة وردِّ كرامتها واستردادِ الأرض المقدّسة بإذن الله.

د. أسعد حومد

تفسير : (1) - إِذَا رَأَيْتَ نَصْرَ اللهِ لِدِينِهِ الحَقِّ، وَانْهِزَامَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ وَخِذْلاَنَهُمْ، وَإِذَا رَأَيْتَ الغَلَبَةَ قَدْ تَحَقَّقَتْ لَكَ عَلَى المُشْرِكِينَ، وََفَتَحَ اللهُ عَلَيْكَ.

الثعلبي

تفسير : {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} على من عاداك وناوءك {وَٱلْفَتْحُ} قال يمان: فتح المدائن والقصور، وقال عامة المفسرين: فتح مكة، وكانت قصته على ما ذكره محمد بن إسحاق بن بشار والعلماء من أصحاب الأخبار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صالح قريش عام الحديبية كان فيما أشترطوا أنه من أحب أن يدخل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فدخلت بنو بكر في عقد قريش ودخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان بينهما شرّ قديم، وكان السبب الذي هاج ما بين بكر وخزاعة أن رجلا من يلحضرمي يقال له مالك بن عماد خرج تاجراً، فلما توسّط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه، فعدت خزاعة قبيل الإسلام على بني الأسود بن رزين الديلي وهم من أشراف بكر فقتلوه بعرفة عند أنصاب الحرم، فبينا بكر وخزاعة على ذلك من الشر حجز بينهم الإسلام وتشاغل الناس به، فلما كان صلح الحديبيّة ووقعت تلك الهدنة أغتنمها بنو الديل من بني بكر من خزاعة وأرادوا أن يصيبوا منهم بأؤلئك النفر الذين أصابوا منهم بني الأسود بن رزين، فخرج نوفل بن معونة الديلي في بني الديل، وهو يومئذ قائدهم حتى بيّت خزاعة وهم على الوتير ماء لهم بأسفل مكة، فأصابوا منهم رجلا وتحاوروا واقتتلوا، ورفدت قريش بني بكر بالسلاح وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفياً حتى جاوزوا خزاعة الى الحرم، وكان ممن أعان من قريش بني بكر على خزاعة ليلتين بأنفسهم مشتكرين صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو ومع عبيدهم قالوا: فلما أنتهوا الى الحرم قالت بنو بكر: يانوفل إنا دخلنا الحرم، إلهك الهك، فقال كلمة عظيمة: أنه لا إله اليوم [يا بني بكر] أصيبوا ثأركم فيه فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم أفلا تصيبون ثأركم فيه. فلما دخلت خزاعة مكة لجأوا الى دار بديل بن ورقاء الخزاعي ودار مولى لهم يقال له رافع، فلما تظاهرت قريش على خزاعة وأصابوا منهم ما أصابوا ونقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد لما أستحلّوا من خزاعة، وكانوا في عقدة، حديث : خرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ذلك مما هاج فتح مكة فوقف عليه وهو في المسجد جالس بين ظهراني الناس فقال لهم: إني بايعت محمداً وذكر الأبيات كما ذكرها في سورة التوبة الى قوله: *هم بيتونا بالوتير هجّدا * فقتلونا ركعاً وسجدا* فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد نصرت يا عمرو بن سالم"، ثم عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم عنان من السماء فقال: "إن هذه السحابة لتستهلّ بنصر بني كعب" [وأمر رسول الله الناس بالجهاز وكتمهم مخرجه] ". تفسير : وقد قال حسن: بلغه إسلام أم هاني بنت أبي طالب وأسمها هند: شعر : أشاقتك هند أم ناك سؤالها كذاك النوى أسبابها وأنفتالها تفسير : القصيدة. قال ابن إسحاق، وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف من بني غفار أربعمائة ومن أسلم أربعمائة ومن مزينة ألف ومن بني سلم سبعمائة ومن جهينة ألف وأربعمائة رجل وسائرهم من قريش والأنصار وحلفائهم وطوائف العرب من تميم وقيس واسد. قالوا: وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد فتحها خمس عشر ليلة يقصر الصلاة، ثم خرج الى هوازن وثقيف وقد نزلوا حنين. {وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً} زمراً وأرسالا القبيلة بأسّرها، والقوم بأجمعهم من غير قتال. قال الحسن: لمّا فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قالت العرب بعضها لبعض: أما إذ ظفر محمد بأهل الحرم وقد كان الله سبحانه أجارهم من أصحاب الفيل فليس لكم به يدان، فكانوا يدخلون في دين الله أفواجاً، وقال عكرمة ومقاتل: أراد بالناس أهل اليمن، قال ابن عباس وأبو هريرة: حديث : لما نزلت هذه السورة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر جاء نصر الله والفتح " تفسير : وجاء أهل اليمن قوم رقيقة قلوبهم لينة طاعتهم الإيمان يمان والفقه يمان والحكمة يمانية. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شبنة قال: حدّثنا محمد بن مصفر قال: حدّثنا بقيّة بن الوليد قال: حدّثنا الأوزاعي قال: حدّثنا شدّاد أبو عمار قال: حدّثني جار لجابر قال: غدا جابر ليسلم عليّ فجعل يسألني عن حال الناس فجعلت أخبره نحواً مما رأيت من أختلافهم وفرقتهم فجعلت أخبره وهو يبكي فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أن الناس دخلوا في دين الله أفواجاً وسيخرجون من دين الله أفواجاً ". تفسير : {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} فإنك حينئذ لاحق به وذائق الموت كما ذاق من قبلك من الرسل، وعند الكمال يرتقب الزوال كما قيل. شعر : إذا تم أمرٌ نقصه توقع زوالا إذا قيل تم تفسير : وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب كان يأذن لأهل بدر ويأذن لي معهم فقال عبد الرحمن بن عوف: أتأذن لهذا الفتى معنا ومن أبنائنا من هو مثله، فقال: إنه ممن قد علمتم، قال ابن عباس: فأذن لهم ذات يوم وأذن لي معهم فسألهم عن قول الله سبحانه: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} الآية ولا أراه سألهم إلاّ من أجلي، فقال بعضهم: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم إذا فتح عليه أن يستغفره ويتوب إليه، فسألني فقلت: ليس كذلك ولكن أخبر نبي الله صلى الله عليه وسلم بحضور أجله ونعيت إليه نفسه، فذلك علامة موته. فقال عمر: ما أعلم منها إلاّ مثل ما تعلم، ثم قال: كيف تلومونني عليه بعد ما ترون. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن جعفر المطيري قال: حدّثنا ابن فضل قال: حدّثنا عطاء عن سعيد عن ابن عباس قال: لما نزلت {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : نعيت إليّ نفسي" تفسير : بأنّه مقبوض في تلك السنة، وقال مقاتل وقتادة: عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه السورة سنتين. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن جعفر قال: حدّثنا علي بن حرب قال: حدّثنا أبو عامر العقدي عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي عبدة عن عبد الله قال: لما نزلت {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك أغفر لي إنك أنت التواب ". تفسير : وأخبرنا عبد الله قال: أخبرني مكي قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم عن مسروق حديث : عن عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول قبل أن يموت: "سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك" فقلت: يا رسول الله ما هؤلاء الكلمات التي أراك قد أحدثتها بقولها؟ قال: "جعلتها علامة في أمتي أذا رأيتها قلتها {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ}" الى آخر السورة . تفسير : وبه عن ابن هاشم قال: حدّثنا عبد الله بن نمير قال: أخبرنا الأعمش عن مسلم وهو ابن صبيح عن مسروق حديث : عن عائشة رضى الله عنها وعن أبيها قالت: لما نزلت {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} الى آخرها ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم صلّى صلاة ألا قال: "سبحانك اللهم وبحمدك اللّهم أغفر لي ". تفسير : وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا حفص بن غياث عن عاصم الأحول عن الشعبي عن أم سلمة قالت: حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم بآخره لا يقوم ولا يقعد ولا يجيء ولا يذهب إلا قال: "سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه" فقلنا: يارسول الله لا تقوم ولا تقعد ولا تجيء ولا تذهب إلا قلت: سبحان الله أستغفر الله وأتوب إليه قال: "فإني أُمرت بها" ثم قرأ {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} حتى ختمها . تفسير : وقال: مقاتل: حديث : لما نزلت هذه الآية قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه وفيهم أبو بكر وعمر وسعيد بن أبي العاص ففرحوا واستبشروا، وسمعها العباس فبكى فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "وما يبكيك ياعم" قال: نعيت إليك نفسك قال: "إنه لكما تقول" فعاش بعدها سنتين ما رُئي فيهما ضاحكاً مستبشراًتفسير : ، وهذه السورة تسمّى سورة التوديع. أخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا محمد بن عمران قال: حدّثنا أبو الدرداء عبد العزيز بن منيب قال: حدّثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان قال: حدّثني أبي عن عكرمة عن ابن عباس قال: حديث : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين فنزل عليه {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} السورة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا علي ويا فاطمة بنت محمد قد جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً سبحان ربي وبحمده وأستغفره أنه كان توباً ويا علي بن أبي طالب إنه يكون من بعدي في المؤمنين الجهاد"، فقال علي: ما نجاهد المؤمنين الذين يقولون آمنا؟ قال: "على الإحداث في الدين إذا عملوا بالرأي، ولا رأي في الدين إنَّما الدين من الرب أمره ونهيه". فقال علي: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت إن عرض لنا أمر لم يبيّن الله فيه قرآناً ولم ينصّ فيه سنّة منك؟ قال: "تجعلونه شورى بين العابدين ولا تقضون برأي خاصة ولو كنت مستخلفاً أحداً لم يكن أحد أحق منك لقدمك في الإسلام وقرابتك من رسول الله وصهرك وعندك فاطمة سيدة نساء المؤمنين، وقبل ذلك ما كان من بلاء أبي طالب إياي حين نزل القرآن فأنا حريص على أن أرعى ذلك في ولده ". تفسير : وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكّي قال: حدّثنا أحمد بن منصور المروزي أبو صالح قال: حدّثني أحمد بن المصعب المروزي قال: حدّثنا عمر بن إبراهيم قال: حدّثنا عيسى ابن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده قال: حديث : لما نزلت {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} جاء العباس الى علي رضي الله عنه فقال: أدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان هذا الأمر من بعده لنا لم تشاحنا عليه قريش، وإن كان للغير سألته الوصاة بنا، قال: سأفعل، قال: فدخل العباس على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسّراً فذكر ذلك له فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "يا عباس يا عم رسول الله إن الله جعل أبا بكر خليفتي على دين الله سبحانه ووحيه فأسمعوا له تفلحوا وأطيعوه تُرشدوا ". تفسير : قال ابن عباس: فقعدوا والله فرشدوا.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا هشيم عن أَبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} [الآية: 1]. قال: يعني فتح مكة. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، مثله. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً} [الآية: 2]. قال: يعني زمراً زمراً، فعند ذلك موتك يا محمد. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} [الآية: 3]. قال له: اعلم أَنك ستموت عند ذلك.

الصابوني

تفسير : التفسِير: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يذكّره ربه بالنعمة والفضل عليه وعلى سائر المؤمنين، والمعنى: إِذا نصرك الله يا محمد على أعدائك، وفتح عليك مكة أم القرى قال المفسرون: الإِخبارُ بفتح مكة قبل وقوعه إِخبارٌ بالغيب، فهو من أعلام النبوَّة {وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً} أي ورأيت العرب يدخلون في الإِسلام جماعاتٍ جماعات من غير حربٍ ولا قتال، وذلك بعد فتح مكة صارت العرب تأتي من أقطار الأرض طائعة قال ابن كثير: إِنَّ أحياء العرب كانت تنتظر فتح مكة، يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبيٌّ، فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجاً فلم تمض سنتان حتى استوثقت جزيرة العرب إِيماناً، ولم يبق في سائر قبائل العرب إِلا مظهرٌ للإِسلام {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} أي فسبّح ربك وعظمه ملتبساً بحمده على هذه النعم، واشكره على ما أولاك من النصر على الأعداء، وفتح البلاد، وإِسلام العباد {وَٱسْتَغْفِرْهُ} أي اطلب منه المغفرة لك ولأُمتك {إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} أي إِنه جلّ وعلا كثير التوبة، عظيم الرحمة لعباده المؤمنين. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي: 1- ذكر الخاص بعد العام {نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} نصر الله يشمل جميع الفتوحات فعطف عليه (فتح مكة) تعظيماً لشأن هذا الفتح واعتناءً بأمره. 2- إِطلاق العموم وإِرادة الخصوص {وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ} لفظ الناس عام والمراد به العرب. 3- دين الله هو الإِسلام {يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ} وأضافه اليه تشريفاً وتعظيماً، كبيت الله وناقة الله. 4- صيغة المبالغة {إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} لأن صيغة "فعال" للمبالغة. تنبيه: هذه السورة الكريمة فيها نعيُ النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا تسمى سورة (التوديع) وحين نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة: ما أراه إِلا حضور أجلي، وقال ابن عمر: نزلت هذه السورة بمنى في حجة الوداع، ثم نزلت {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}تفسير : [المائدة: 3] الآية فعاش بعدهما النبي صلى الله عليه وسلم ثمانين يوماً. وروى الإِمام البخاري عن ابن عباس قال: "كان عمر يدْخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: إِنه من علمتم!! فدعاني ذات يوم فأدخلني معهم - قال فما رأيت أنه دعاني إِلا ليريهم - فقال عمر: ما تقولون في قول الله تعالى {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ}؟ فقال بعضهم: أُمرنا بأن نحمد الله ونستغفره إِذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً، فقال لي: أكذا تقول يا ابن عباس؟ قلت: لا قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه إِياه فقال {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} فذلك علامة أجلك {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} فقال عمر: والله ما أعلم منها إِلا ما تقول".

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} هذه السورة مدنية نزلت منصرفة عليه السلام من غزوة حنين وعاش بعد نزولها سنتين وقيل نزلت في أيام التشريق بمنى من حجة الوداع وعاش بعدها ثمانين يوماً ولما كان في قوله: {أية : لَكُمْ دِينُكُمْ}تفسير : [الكافرون: 6] موادعة جاء في هذه بما يدل على تخويفهم وتهديدهم وإن مجيء نصر الله وفتح مكة واضمحلال ملة الأصنام وإظهار دين الله تعالى والفتح فتح البلاد. {أَفْوَاجاً} أي جماعات كثيرة كانت تدخل فيه القبيلة بأسرها بعد ما كانوا يدخلون فيه واحداً واحداً واثنين اثنين. {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} أي ملتبساً بحمده على هذه النعم التي خولكها من نصرك على الأعداء وفتحك البلاد وإسلام الناس وأي نعمة أعظم من هذه إذ كل حسنة يعملها المسلمون فهي في ميزانه وعن عائشة رضي الله عنها: حديث : كان عليه السلام يكثر قبل موته ان يقول: سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك وقد علم صلى الله عليه وسلم من هذه السورة دنو أجله وحين قرأها عليه السلام استبشر الصحابة وبكى العباس فقال: وما يبكيك يا عم قال نعيت إليك نفسك فقال: إنها لكما تقول فعاش بعدها سنتين . تفسير : {إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} فيه ترجئة عظيمة للمستغفرين.

الجيلاني

تفسير : {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ} أي: إذا جاءك يا أكمل الرسل وعد الله الذي وعدك أن ينصرك على جميع أعدائك، ويظهر دينك على الأديان كلها {وَٱلْفَتْحُ} [النصر: 1] الذي أخبرك الحق بقوله: {أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً}تفسير : [الفتح: 1]. {وَ} بعدما جاءك الفتح والنصر الموعود آن لك وكمل ظهورك واستيلاؤك على عموم الأعادي، وظهر دينك على سائر الأديان {رَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً} [النصر: 2] فوجاً فوجاً، فرقةً فرقةً، بعدما كانوا يدخلون فيه فرادى فرادى. {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} يا أكمل الرسل؛ شكراً لما أعطاك جميع ما وعدك، وفتح عليك الآفاق، وأتم ببعثتك وظهورك محاسن الشيم ومكارم الأخلاق {وَٱسْتَغْفِرْهُ} واطلب منه العفو والغفران من لدنه؛ هضماً لنفسك وفرطاتك؛ إذ قلمَّا يخلو المبشر من الخطر. {إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} [النصر: 3] يغفر من استغفر له، ويقبل توبة من أناب إليه أيضاً، سيما إذا كانت مقرونة بالإخلاص. وبعدما نزلت هذه السورة، وأمر سبحانه صلى الله عليه وسلم بالحمد والاستغفار، تغمم الأصحاب وتحزنوا، وفهموا منها أن أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قرُب، فودَّعه الحق، وأمره بالحمد والاستغفار؛ لذلك سما هذه السورة سورة التوديع أيضاً. خاتمة السورة عليك أيها الطالب للنجاة الأخروية والراغب إلى اللذات اللدنية الروحانية الموعودة فيها أن تستغفر إلى الله، وتسترجع نحوه في أوقاتك وحالاتك، وتفوض أمورك كلها إليه، وتتخذه وكيلاً، وتجعله حسيباً وكفيلاً، فلك أن تواظب على الطاعات والعبادات، وتجتنب عن مطلق المحارم والمنكرات، يحفظك الحق عن جميع الملمَّات ويوصلك إلى عموم المهمات بفضله ولطفه.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : يا صاحب الفتح، اعلم أن الله تعالى يقول: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} [النصر: 1] في جهادك ومقاتلتك الأعداء النفسانية والشيطانية، والفتح الذي حصل لك في تخليص حصونهم لمشيده. {وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ} [النصر: 2]؛ أي: القوى النفسانية والشيطانية، {يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ} [النصر: 2]؛ أي: يدخلون في حكم اللطيفة القلبية، ويدخلون دين الحق، ويكسرون أصنام الخلق ودنان خمر الغفلات، ويخربون بيت الأوثان وحان الشهوات، أو يدبرون عن الباطل ويقبلون على الحق، ويتوجهون إلى كعبة القلب ويستقبلون قبلته {أَفْوَاجاً} [النصر: 2]؛ أي: فوجاً بعد فوج من القوى الطبيعية والحسية والفكرية والعقلية. {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} [النصر: 3]؛ أي: نزه نفسك عن رؤية النصرة والفتح باجتهادك وكفايتك وحلتك ورأيك، وتيقن بأن النصر والفتح كان من تو فيق الله تعالى، واحمد ربك على وجدان التوفيق لتنزيه نفسك عن هذه الرؤية وتسبيحك الحق؛ لأنه ما نصرك وما فتح عليك بعلة من العلل الخارجة والداخلة؛ لأنه منزّه عن أن يعمل عملاً بعلة - تبارك وتعالى - عن مباشرة فعل معلول وعمل مجهول، {وَٱسْتَغْفِرْهُ} [النصر: 3] من خطرات خطرت بقلبك من السرور بالنصر والفرح بالفتح؛ لأنهما من هذا المقام يحجبانك عن النصير الفتاح بالحقيقة. {إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً} [النصر: 3] يقبل توبة العبد ويوفقه بالتوبة؛ لأنه يحب توبة العبد المذنب كما أنه يحب عبادة العبد الصالح؛ لأن العبد المذنب مظهر لصفة غفاريته، والتائب مظهر لصفة توابيته، كما أن العابد مظهر لصفة معبوديته، على سمة الأسماء تجري أمور الناس، والأسماء مصدر الآثار، كما أن الصفات مصدر الأفعال، فاحفظ هذا السر العزيز. واعلم أن النصرة إشارة إلى غلبة لطيفتك الخفية على جنود الباطل، والفتح إشارة إلى فتح مكة وجودك حرم صدرك وكعبة قلبك وتطهيرها عن جنود النسناس، وأحزاب الخناس، وأصنام الوسواس. وفي هذه المقام يدخل السالك في زمرة الإنسان بعد خروجه عن مرتبة الناس، ولا يمكن للسالك الخروج عن المرتبة الناسية والدخول في دار الإنسانية إلا بالانخلاع عن لباس البشرية وخلاصة عن تلبيس الشيطانية، ولا تدرك هذه المعاني بالفكر والقياس والحدس الذكي وحده الحواس. اللهم انصرنا على الأعادي، وافتح علينا أبواب الأيادي، واحفظنا في البوادي عن الخلق العادي، لنشكرك شكر الصادي عن الماء الزلال البارد في الحر الشديد إذا سقى في الكوز الجديد المملوء من الجليد ليكون بثمر المريد يا رب العالمين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : في هذه السورة الكريمة، بشارة وأمر لرسوله عند حصولها، وإشارة وتنبيه على ما يترتب على ذلك. فالبشارة هي البشارة بنصر الله لرسوله، وفتحه مكة، ودخول الناس في دين الله أفواجًا، بحيث يكون كثير منهم من أهله وأنصاره، بعد أن كانوا من أعدائه، وقد وقع هذا المبشر به، وأما الأمر بعد حصول النصر والفتح، فأمر رسوله أن يشكر ربه على ذلك، ويسبح بحمده ويستغفره، وأما الإشارة، فإن في ذلك إشارتين: إشارة لأن يستمر النصر لهذا الدين، ويزداد عند حصول التسبيح بحمد الله واستغفاره من رسوله، فإن هذا من الشكر، والله يقول: {أية : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ } تفسير : وقد وجد ذلك في زمن الخلفاء الراشدين وبعدهم في هذه الأمة لم يزل نصر الله مستمرًا، حتى وصل الإسلام إلى ما لم يصل إليه دين من الأديان، ودخل فيه ما لم يدخل في غيره، حتى حدث من الأمة من مخالفة أمر الله ما حدث، فابتلاهم الله بتفرق الكلمة، وتشتت الأمر، فحصل ما حصل. [ومع هذا] فلهذه الأمة، وهذا الدين، من رحمة الله ولطفه، ما لا يخطر بالبال، أو يدور في الخيال. وأما الإشارة الثانية، فهي الإشارة إلى أن أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قرب ودنا، ووجه ذلك أن عمره عمر فاضل أقسم الله به. وقد عهد أن الأمور الفاضلة تختم بالاستغفار، كالصلاة والحج، وغير ذلك. فأمر الله لرسوله بالحمد والاستغفار في هذه الحال، إشارة إلى أن أجله قد انتهى، فليستعد ويتهيأ للقاء ربه، ويختم عمره بأفضل ما يجده صلوات الله وسلامه عليه. فكان صلى الله عليه وسلم يتأول القرآن، ويقول ذلك في صلاته، يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "حديث : سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي ".

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} [1] 730- أنا محمود بن غيلان، نا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن أبي الضُّحى، عن مسروق، عن عائشة، قالت: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكثر أن يقول في ركوعه وسجوده، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن . تفسير : 731- أنا محمد بن المُثنى، عن يحيى بن سعيد، نا عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن عمر كان يسأل المهاجرين عن هذه الآية: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} فيم نزلت؟ قال بعضهم: أمر الله نبيه إذا رأى الناس [و] دخولهم في الإسلام وتسرُّدهم في الدين أن يحمدوا الله ويستغفروه، قال عمر: ألا أُعجبكم من ابن عباس؟! يا ابن عباس هلم، مالك لا تتكلم؟ قال: سأله متى يموت، قال: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ [1] وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً [2]} فهي آيتك من الموت. قال: صدقت، والذي نفسي بيده ما علمت منها إلا الذي علمت. 732- أنا عمرو بن منصور، نا محمد بن محبوب، نا أبو عوانة، عن هلال بن خبَّاب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزلت: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} إلى آخر السورة / قال: نُعِيَت لرسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه حين أُنْزلت، فأخذ في أشد ما كان اجتهاداً في أمر الآخرة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: "حديث : جاء الفتح وجاء نصر الله، وجاء أهل اليَمَن" فقال رجل: يا رسول الله، وما أهل اليَمَن؟ قال: قوم رقيقة قلوبهم، لينة قلوبهم، الإيمان يمان، والحكمة يمانية، والفقه يمان ". تفسير : 733- أنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، نا جعفر، عن أبي العُميس وأنا أحمد بن سليمان، نا جعفر بن عون، نا أبو عُميس، عن عبد المجيد بن سُهيل، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، قال: قال لي ابن عباس: يا ابن عُتبة، أتعلم آخر سورة من القرآن نزلت؟ قلت: نعم {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} [1] قال: صدقت. - اللفظ لأحمد -.

همام الصنعاني

تفسير : 3728- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، قال: كان إذا قرأ: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ}: [الآية: 1]، قال: أجيب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، وقورب له فقارب، والله ما قورب له، فالحمد لله الذي أقر بعينه، وأسرع به إلى كرامته، وحيث وعد بحظه. 3729- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، أن ابن عباس قال في قوله تعالى: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ}: إلى آخرها، قال: علمٌ وَحَدٌّ حدَّه اللهُ عزَّ وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم، ونعى إليه نفسه، إنك لن تعيش بعد فتح مكة إلاَّ قَلِيلاً. 3730- عبد الرزاق، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، قال: سمعت أبا هريرة يقول: لما نزلَتْ: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} [الآية: 1]، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أتاكم أهْلُ اليمن، هُمْ أرق قُلُوباً، الإيمانُ يَمانٍ، الفقِهُ يَمَانٍ، الحكمة يمانية ". تفسير : 3731- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه سلم، مثله، إلا أن معمراً لم يقل: حين نزلت: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ}. 3732- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن عِكْرِمة، قال: لَمَّا نَزَلَتْ {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ} قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : جاء نصر الله، وجاء الفتح، وجاء أهل اليمن" قالوا: يا رسول الله، ومَا أهل اليمن؟ قال: "رقيقة قلوبهم، لَيِّنة طاعتهم، الإيمان يمان، الفِقه يمان، الحكمة يَمَانيةٌ ". تفسير : 3733- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا هشيم بن بشير، عن أبي بشر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن عمر دَعَا نفراً مِنْ أصْحَابِ النبي صلى الله عليه وسلم، فسألَهُم عن {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ}: فلم يقولوا شيئاً، قال ابن عباس، فقلت: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ}: فتح مكة {وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ}: [النصر: 2-3].