١١٢ - ٱلْإِخْلَاص
112 - Al-Ikhlas (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : قبل الخوض في التفسير لا بد من تقديم فصول: الفصل الأول: روى أبي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قرأ سورة قل هو الله أحد، فكأنما قرأ ثلث القرآن وأعطى من الأجر عشر حسنات بعدد من أشرك بالله وأمن بالله» تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من قرأ قل هو الله أحد مرة واحدة أعطى من الأجر كمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وأعطى من الأجر مثل مائة شهيد»، تفسير : وروى: «حديث : أنه كان جبريل عليه السلام مع الرسول عليه الصلاة والسلام إذا أقبل أبو ذر الغفاري، فقال جبريل: هذا أبو ذر قد أقبل، فقال عليه الصلاة والسلام: أو تعرفونه؟ قال: هو أشهر عندنا منه عندكم، فقال عليه الصلاة والسلام: بماذا نال هذه الفضيلة؟ قال لصغره في نفسه وكثرة قراءته قل هو الله أحد» تفسير : وروى أنس قال: «حديث : كنا في تبوك فطلعت الشمس مالها شعاع وضياء وما رأيناها على تلك الحالة قط قبل ذلك فعجب كلنا، فنزل جبريل وقال: إن الله أمر أن ينزل من الملائكة سبعون ألف ملك فيصلوا على معاوية بن معاوية، فهل لك أن تصلي عليه ثم ضرب بجناحه الأرض فأزال الجبال وصار الرسول عليه الصلاة والسلام كأنه مشرف عليه فصلى هو وأصحابه عليه، ثم قال: بم بلغ ما بلغ؟ فقال جبريل: كان يحب سورة الإخلاص»تفسير : وروى: «حديث : أنه دخل المسجد فسمع رجلاً يدعو ويقول أسألك يا ألله يا أحد يا صمد يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فقال: غفر لك غفر لك غفر لك ثلاث مرات» تفسير : وعن سهل بن سعد: «حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الفقر فقال: إذا دخلت بيتك فسلم إن كان فيه أحد وإن لم يكن فيه أحد فسلم على نفسك، واقرأ قل هو الله أحد مرة واحدة ففعل الرجل فأدر الله عليه رزقاً حتى أفاض على جيرانه» تفسير : وعن أنس: «حديث : أن رجلاً كان يقرأ في جميع صلاته: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } فسأله الرسول عن ذلك فقال: يا رسول الله إني أحبها، فقال: حبك إياها يدخلك الجنة»تفسير : وقيل من قرأها في المنام: أعطي التوحيد وقلة العيال وكثرة الذكر لله، وكان مستجاب الدعوة. الفصل الثاني: في سبب نزولها وفيه وجوه الأول: أنها نزلت بسبب سؤال المشركين، قال الضحاك: إن المشركين أرسلوا عامر بن الطفيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: شققت عصانا وسببت آلهتنا، وخالفت دين آبائك، فإن كنت فقيراً أغنيناك، وإن كنت مجنوناً داويناك، وإن هويت امرأة زوجناكها، فقال عليه الصلاة والسلام: حديث : لست بفقير، ولا مجنون، ولا هويت امرأة، أنا رسول الله أدعوكم من عبادة الأصنام إلى عبادته، تفسير : فأرسلوه ثانية وقالوا: قل له بين لنا جنس معبودك، أمن ذهب أو فضة، فأنزل الله هذه السورة، فقالوا له: ثلثمائة وستون صنماً لا تقوم بحوائجنا، فكيف يقوم الواحد بحوائج الخلق؟ فنزلت: {وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ } إلى قوله: {أية : إِنَّ إِلَـٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ }تفسير : [الصافات: 1-4] فأرسلوه أخرى، وقالوا: بين لنا أفعاله فنزل: {أية : إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الأعراف:54] الثاني: أنها نزلت بسبب سؤال اليهود روى عكرمة عن ابن عباس، أن اليهود جاؤا إلى رسول الله ومعهم كعب بن الأشرف، فقالوا: يا محمد هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ فغضب نبي الله عليه السلام فنزل جبريل فسكنه، وقال: اخفض جناحك يا محمد، فنزل: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } فلما تلاه عليهم قالوا: صف لنا ربك كيف عضده، وكيف ذراعه؟ فغضب أشد من غضبه الأول، فأتاه جبريل بقوله: {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } تفسير : [الأنعام: 91] الثالث: أنها نزلت بسبب سؤال النصارى، روى عطاء عن ابن عباس، قال: قدم وفد نجران، فقالوا: صف لنا ربك أمن زبرجد أو ياقوت، أو ذهب، أو فضة؟ فقال: حديث : إن ربي ليس من شيء لأنه خالق الأشياء تفسير : فنزلت: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } قالوا: هو واحد، وأنت واحد، فقال: ليس كمثله شيء، قالوا: زدنا من الصفة، فقال: {ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ } فقالوا: وما الصمد؟ فقال: الذي يصمد إليه الخلق في الحوائج، فقالوا: زدنا فنزل: {لَمْ يَلِدْ } كما ولدت مريم: {وَلَمْ يُولَدْ } كما ولد عيسى: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } يريد نظيراً من خلقه. الفصل الثالث: في أساميها، اعلم أن كثرة الألقاب تدل على مزيد الفضيلة، والعرف يشهد لما ذكرناه فأحدها: سورة التفريد وثانيها: سورة التجريد وثالثها: سورة التوحيد ورابعها: سورة الإخلاص لأنه لم يذكر في هذه السورة سوى صفاته السلبية التي هي صفات الجلال، ولأن من اعتقده كان مخلصاً في دين الله، ولأن من مات عليه كان خلاصه من النار، ولأن ما قبله خلص في ذم أبي لهب فكان جزاء من قرأه أن لا يجمع بينه وبين أبي لهب وخامسها: سورة النجاة لأنها تنجيك عن التشبيه والكفر في الدنيا، وعن النار في الآخرة وسادسها: سورة الولاية لأن من قرأها صار من أولياء الله ولأن من عرف الله على هذا الوجه فقد والاه فبعد محنة رحمة كما بعد منحة نعمة وسابعها: سورة النسبة لما روينا أنه ورد جواباً لسؤال من قال: أنسب لنا ربك، ولأنه عليه السلام قال لرجل من بني سليم: «حديث : يا أخا بني سليم استوص بنسبة الله خيراً» تفسير : وهو من لطيف المباني، لأنهم لما قالوا: انسب لنا ربك، فقال: نسبة الله هذا والمحافظة على الأنساب من شأن العرب، وكانوا يتشددون على من يزيد في بعض الأنساب أو ينقص، فنسبة الله في هذه السورة أولى بالمحافظة عليها وثامنها: سورة المعرفة لأن معرفة الله لا تتم إلا بمعرفة هذه السورة، روى جابر أن رجلاً صلى فقرأ: قل هو الله أحد فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن هذا عبد عرف ربه فسميت سورة المعرفة لذلك وتاسعها: سورة الجمال قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن الله جميل يحب الجمال» تفسير : فسألوه عن ذلك فقال: أحد صمد لم يلد ولم يولد لأنه إذا لم يكن واحداً عديم النظير جاز أن ينوب ذلك المثل منابه وعاشرها: سورة المقشقشة، يقال: تقشيش المريض مما به، فمن عرف هذا حصل له البرء من الشرك والنفاق لأن النفاق مرض كما قال: {أية : فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } تفسير : [التوبة: 10] الحادي عشر: المعوذة، روى أنه عليه السلام دخل على عثمان بن مظعون فعوذه بها وباللتين بعدها، ثم قال: «حديث : نعوذ بهن فما تعوذت بخير منها»تفسير : والثاني عشر: سورة الصمد لأنها مختصة بذكره تعالى والثالث عشر: سورة الأساس، قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أسست السموات السبع والأرضون السبع على قل هو الله أحد» تفسير : ومما يدل عليه أن القول بالثلاثة سبب لخراب السموات والأرض بدليل قوله: {أية : تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ } تفسير : [مريم: 90] فوجب أن يكون التوحيد سبباً لعمارة هذه الأشياء وقيل السبب فيه معنى قوله تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22] الرابع عشر: سورة المانعة روى ابن عباس أنه تعالى قال: لنبيه حين عرج به أعطيتك سورة الإخلاص وهي من ذخائر كنوز عرشي، وهي المانعة تمنع عذاب القبر ولفحات النيران الخامس عشر: سورة المحضر لأن الملائكة تحضر لاستماعها إذا قرئت السادس عشر: المنفرة لأن الشيطان ينفر عند قراءتها السابع عشر: البراءة لأنه روي أنه عليه السلام رأى رجل يقرأ هذه السورة، فقال: أما هذا فقد برىء من الشرك، وقال عليه السلام: من قرأ سورة قل هو الله أحد مائة مرة في صلاة أو في غيرها كتبت له براءة من النار الثامن عشر: سورة المذكرة لأنها تذكر العبد خالص التوحيد فقراءة السورة كالوسمة تذكرك ما تتغافل عنه مما أنت محتاج إليه التاسع عشر: سورة النور قال الله تعالى: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } تفسير : [النور: 35] فهوالمنور للسموات والأرض، والسورة تنور قلبك وقال عليه السلام: «حديث : إن لكل شيء نور ونور القرآن قل هو الله أحد» تفسير : ونظيره أن نور الإنسان في أصغر أعضائه وهو الحدقة، فصارت السورة للقرآن كالحدقة للإنسان العشرون: سورة الأمان قال عليه السلام: «حديث : إذا قال العبد لا إله إلا الله دخل حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي».تفسير : الفصل الرابع: في فضائل هذه السورة وهي من وجوه الأول: اشتهر في الأحاديث أن قراءة هذه السورة تعدل قراءة ثلث القرآن، ولعل الغرض منه أن المقصود الأشرف من جميع الشرائع والعبادات، معرفة ذات الله ومعرفة صفاته ومعرفة أفعاله، وهذه السورة مشتملة على معرفة الذات، فكانت هذه السورة معادلة لثلث القرآن، وأما سورة: {قُلْ يا أَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ } فهي معادلة لربع القرآن، لأن المقصود من القرآن إما الفعل وإما الترك وكل واحد منهما فهو إما في أفعال القلوب وإما في أفعال الجوارح فالأقسام أربعة، وسورة: {قُلْ يا أَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ } لبيان ما ينبغي تركه من أفعال القلوب، فكانت في الحقيقة مشتملة على ربع القرآن، ومن هذا السبب اشتركت السورتان أعني: {قُلْ يا أَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ }، و: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } في بعض الأسامي فهما المقشقشتان والمبرئتان، من حيث إن كل واحدة منهما تفيد براءة القلب عما سوى الله تعالى، إلا أن: {قُلْ يا أَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ } يفيد بلفظه البراءة عما سوى الله وملازمة الاشتغال بالله و: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } يفيد بلفظه الاشتغال بالله وملازمة الإعراض عن غير الله أو من حيث إن: {قُلْ يا أَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ } تفيد براءة القلب عن سائر المعبودين سوى الله، و: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } تفيد براءة المعبود عن كل مالا يليق به الوجه الثاني: وهو أن ليلة القدر لكونها صدقاً للقرآن كانت خيراً من ألف شهر فالقرآن كله صدف والدر هو قوله: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } فلا جرم حصلت لها هذه الفضيلة الوجه الثالث: وهو أن الدليل العقلي دل على أن أعظم درجات العبد أن يكون قلبه مستنيراً بنور جلال الله وكبريائه، وذلك لا يحصل إلا من هذه السورة، فكانت هذه السورة أعظم السور، فإن قيل: فصفات الله أيضاً مذكورة في سائر السور، قلنا: لكن هذه السورة لها خاصية وهي أنها لصغرها في الصورة تبقى محفوظة في القلوب معلومة للعقول فيكون ذكر جلال الله حاضراً أبداً بهذا السبب، فلا جرم امتازت عن سائر السور بهذه الفضائل ولنرجع الآن إلى التفسير. قوله تعالى: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن معرفة الله تعالى جنة حاضرة إذ الجنة أن تنال ما يوافق عقلك وشهوتك، ولذلك لم تكن الجنة جنة لآدم لما نازع عقله هواه، ولا كان القبر سجناً على المؤمن لأنه حصل له هناك ما يلائم عقله وهواه، ثم إن معرفة الله تعالى مما يريدها الهوى والعقل، فصارت جنة مطلقة، وبيان ما قلنا: أن العقل يريد أميناً تودع عنده الحسنات، والشهوة تريد غنياً يطلب منه المستلذات، بل العقل كالإنسان الذي له همة عالية فلا ينقاد إلا لمولاه، والهوى كالمنتجع الذي إذا سمع حضور غني، فإنه ينشط للانتجاع إليه، بل العقل يطلب معرفة المولى ليشكر له النعم الماضية والهوى يطلبها ليطمع منه في النعم المتربصة، فلما عرفاه كما أراده عالماً وغنياً تعلقا بذيله، فقال العقل: لا أشكر أحداً سواك، وقالت الشهوة: لا أسأل أحداً إلا إياك، ثم جاءت الشبهة فقالت: يا عقل كيف أفردته بالشكر ولعل له مثلاً؟ ويا شهوة كيف اقتصرت عليه ولعل ههنا باباً آخر؟ فبقي العقل متحيراً وتنغصت عليه تلك الراحة، فأراد أن يسافر في عالم الاستدلال ليفوز بجوهرة اليقين فكأن الحق سبحانه قال: كيف أنغص على عبدي لذة الاشتغال بخدمتي وشكري، فبعث الله رسوله وقال: لا تقله من عند نفسك، بل قل هو الذي عرفته صادقاً يقول لي: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } فعرفك الوحدانية بالسمع وكفاك مؤنة النظر والاستدلال بالعقل، وتحقيقه أن المطالب على ثلاثة أقسام قسم منها لا يمكن الوصول إليه بالسمع وهو كل ما تتوقف صحة السمع على صحته كالعلم بذات الله تعالى وعلمه وقدرته وصحة المعجزات، وقسم منها لا يمكن الوصول إليه إلا بالسمع وهو وقوع كل ما علم بالعقل والسمع معاً، وهو كالعلم بأنه واحد وبأنه مرئي إلى غيرهما، وقد استقصينا في تقرير دلائل الوحدانية في تفسير قوله تعالى: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22]. المسألة الثانية: اعلم أنهم أجمعوا على أنه لا بد في سورة: {قُلْ يا أَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ } من قل وأجمعوا على أنه لا يجوز لفظ قل في سورة: {تُبْتُ } وأما في هذه السورة فقد اختلفوا، فالقراءة المشهورة: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } وقرأ أبي وابن مسعود. بغير قل هكذا: {هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم، بدون (قل هو) هكذا: {ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ } فمن أثبت قل قال: السبب فيه بيان أن النظم ليس في مقدوره، بل يحكي كل ما يقال له، ومن حذفه قال: لئلا يتوهم أن ذلك ما كان معلوماً للنبي عليه الصلاة والسلام. المسألة الثالثة: اعلم أن في إعراب هذه الآية وجوهاً أحدها: أن هو كناية عن اسم الله، فيكون قوله: الله مرتفعاً بأنه خبر مبتدأ، ويجوز في قوله: {أَحَدٌ } ما يجوز في قولك: زيد أخوك قائم الثاني: أن هو كناية عن الشأن، وعلى هذا التقرير يكون الله مرتفعاً بالابتداء وأحد خبره، والجملة تكون خبراً عن هو، والتقدير الشأن والحديث: هو أن الله أحد، ونظيره قوله: {أية : فَإِذَا هِىَ شَـٰخِصَةٌ أَبْصَـٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [الأنبياء: 97] إلا أن هي جاءت على التأنيث، لأن في التفسير: اسماً مؤنثاً، وعلى هذا جاء: {أية : فَإِنَّهَا لاَ تعمى ٱلأَبْصَـٰرِ } تفسير : [الحج: 46] أما إذا لم يكن في التفسير مؤنث لم يؤنث ضمير القصة، كقوله: {أية : إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً } تفسير : [طه: 74] والثالث: قال الزجاج: تقدير هذه الآية أن هذا الذي سألتم عنه هو الله أحد. المسألة الرابعة: في أحد وجهان أحدهما: أنه بمعنى واحد، قال الخليل: يجوز أن يقال: أحد إثنان وأصل أحد وحد إلا أنه قلبت الواو همزة للخفيف وأكثر ما يفعلون هذا بالواو المضمومة، والمكسورة كقولهم: وجوه وأجوه وسادة وأسادة والقول الثاني: أن الواحد والأحد ليسا اسمين مترادفين قال الأزهري: لا يوصف شيء بالأحدية غير الله تعالى لا يقال: رجل أحد ولا درهم أحدكما يقال: رجل واحد أي فرد به بل أحد صفة من صفات الله تعالى استأثر بها فلا يشركه فيها شيء. ثم ذكروا في الفرق بين الواحد والأحد وجوهاً أحدها: أن الواحد يدخل في الأحد والأحد لا يدخل فيه وثانيها: أنك إذا قلت: فلان لا يقاومه واحد، جاز أن يقال: لكنه يقاومه إثنان بخلاف الأحد، فإنك لو قلت: فلان لا يقاومع أحد لا يجوز أن يقال: لكنه يقاومه إثنان وثالثها: أن الواحد يستعمل في الإثبات والأحد في النفي، تقول في الإثبات رأيت رجلاً واحداً وتقول في النفي: ما رأيت أحداً فيفيد العموم. المسألة الخامسة: اختلف القراء في قوله: {أَحَدٌ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ } فقراءة العامة بالتنوين وتحريكه بالكسر هكذا أحدن الله، وهو القياس الذي لا إشكال فيه، وذلك لأن التنوين من أحد ساكن ولام المعرفة من الله ساكنة، ولما التقى ساكنان حرك الأول منهما بالكسر، وعن أبي عمرو، أحد الله بغير تنوين، وذلك أن النون شابهت حروف اللين في أنها تزاد كما يزدن فلما شابهتها أجريت مجراها في أن حذفت ساكنة لالتقاء الساكنين كما حذفت الألف والواو والياء لذلك نحو غزا القوم ويغزو القوم، ويرمي القوم، ولهذا حذفت النون الساكنة في الفعل نحو: {أية : لَمْ يَكُ } تفسير : [الأنفال: 53] {أية : فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ } تفسير : [هود: 17] فكذا ههنا حذفت في (أحد الله) لالتقاء الساكنين كما حذفت هذه الحروف. وقد ذكرنا هذا مستقصى عند قوله: {أية : عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 30] وروي أيضاً عن أبي عمرو: {أَحَدٌ ٱللَّهِ } وقال: أدركت القراء يقرؤونها كذلك وصلا على السكون، قال أبو علي: قد تجري الفواصل في الإدراج مجراها في الوقف وعلى هذا قال من قال: {أية : فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ * رَبَّنَا } تفسير : [الأحزاب: 67،68] {أية : وَمَا أَدْرَاكَ ماهيه * نار} تفسير : [القارعة: 10،11] لما كان أكثر القراء فيما حكاه أبو عمرو على الوقف أجراه في الوصل مجراه في الوقف لاستمرار الوقف عليه وكثرته في ألسنتهم، وقرأ الأعمش: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ } فإن قيل: لماذا؟ قيل: أحد على النكرة، قال الماوردي: فيه وجهان أحدهما: حذف لام التعريف على نية إضمارها والتقدير قل: هو الله الأحد والثاني: أن المراد هو التنكير على سبيل التعظيم. المسألة السادسة: اعلم أن قوله: {هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } ألفاظ ثلاثة وكل واحد منها إشارة إلى مقام من مقامات الطالبين فالمقام الأول: مقام المقربين وهو أعلى مقامات السائرين إلى الله وهؤلاء هم الذين نظروا إلى ماهيات الأشياء وحقائقها من حيث هي هي، فلا جرم ما رأوا موجوداً سوى الله لأن الحق هو الذي لذاته يجب وجوده، وأما ما عداه فممكن لذاته والممكن لذاته إذا نظر إليه من حيث هو هو كان معدوماً، فهؤلاء لم يروا موجوداً سوى الحق سبحانه، وقوله: {هُوَ } إشارة مطلقة والإشارة وإن كانت مطلقة إلا أن المشار إليه لما كان معيناً انصرف ذلك المطلق إلى ذلك المعين، فلا جرم كان قولنا: هو إشارة من هؤلاء المقربين إلى الحق سبحانه فلم يفتقروا في تلك الإشارة إلى مميز، لأن الافتقار إلى المميز إنما يحصل حين حصل هناك موجودان، وقد بينا أن هؤلاء ما شاهدوا بعيون عقولهم إلا الواحد فقط، فلهذا السبب كانت لفظة: {هُوَ } كافية في حصول العرفان التام لهؤلاء، المقام الثاني: وهو مقام أصحاب اليمين وهو دون المقام الأول، وذلك لأن هؤلاء شاهدوا الحق موجوداً وشاهدوا الخلق أيضاً موجوداً، فحصلت كثرة في الموجودات فلا جرم لم يكن هو كافياً في الإشارة إلى الحق، بل لا بد هناك من مميز به يتميز الحق عن الخلق: فهؤلاء احتاجوا إلى أن يقرنوا لفظة هو، فقيل: لأجلهم هو الله، لأن الله هو الموجود الذي يفتقر إليه ما عداه، ويستغني هو عن كل ما عداه والمقام الثالث: وهو مقام أصحاب الشمال وهو أخس المقامات وأدونها، وهم الذين يجوزون أن يكون واجب الوجود أكثر من واحد وأن يكون الإله أكثر من واحد فقرن لفظ الأحد بما تقدم رداً على هؤلاء وإبطال لمقالاتهم فقيل: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ }. وههنا بحث آخر أشرف وأعلى مما ذكرناه وهو أن صفات الله تعالى إما أن تكون إضافية وإما أن تكون سلبية، أما الإضافية فكقولنا: عالم، قادر مريد خلاق، وأما السلبية فكقولنا: ليس بجسم ولا بجوهر ولا بعرض والمخلوقات تدل أولا على النوع الأول من الصفات وثانياً على النوع الثاني منها، وقولنا: الله يدل على مجامع الصفات الإضافية، وقولنا: أحد يدل على مجامع الصفات السلبية، فكان قولنا: {ٱللَّهُ أَحَدٌ } تاماً في إفادة العرفان الذي يليق بالعقول البشرية، وإنما قلنا: إن لفظ الله يدل على مجامع الصفات الإضافية، وذلك لأن الله هو الذي يستحق العبادة، واستحقاق العبادة ليس إلا لمن يكون مستبداً بالإيجاد والإبداع والاستبداد بالإيجاد لا يحصل إلا لمن كان موصوفاً بالقدرة التامة والإرادة النافذة والعلم المتعلق بجميع المعلومات من الكليات والجزئيات. وهذه مجامع الصفات الإضافة، وأما مجامع الصفات السلبية فهي الأحدية، وذلك لأن المراد من الأحدية كون تلك الحقيقة في نفسها مفردة منزهة عن أنحاء التركيب، وذلك لأن كل ماهية مركبة فهي مفتقرة إلى كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته، فكل مركب فهو ممكن لذاته، فالإله الذي هو مبدأ لجميع الكائنات ممتنع أن يكون ممكناً، فهو في نفسه فرد أحد وإذا ثبتت الأحدية، وجب أن لا يكون متحيزاً لأن كل متحيز فإن يمينه مغاير ليساره، وكل ما كان كذلك فهو منقسم، فالأحد يستحيل أن يكون متحيزاً، وإذا لم يكن متحيزاً لم يكن في شيء من الأحياز والجهاد ويجب أن لا يكون حالاً في شيء، لأنه مع محله لا يكون أحداً، ولا يكون محلاً لشيء، لأنه مع حاله لا يكون أحداً، وإذا لم يكن حالا ولا محلاً لم يكن متغيراً ألبتة لأن التغير لا بد وأن يكون من صفة إلى صفة، وأيضاً إذا كان أحداً وجب أن يكون واحداً إذ لو فرض موجودان واجباً الوجود لاشتركا في الوجوب ولتمايزا في التعين وما به المشاركة غير ما به الممايزة فكل واحد منهما مركب، فثبت أن كونه أحداً يستلزم كونه واحداً فإن قيل: كيف يعقل كون الشيء أحداً، فإن كل حقيقة توصف بالأحدية فهناك تلك الحقيقة من تلك الأحدية ومجموعهما فذاك ثالث ثلاث لا أحد الجواب: أن الأحدية لازمة لتلك الحقيقة فالمحكوم عليه بالأحدية هو تلك الحقيقة لا المجموع الحاصل منها ومن تلك الأحدية، فقد لاح بما ذكرنا أن قوله: {ٱللَّهُ أَحَدٌ } كلام متضمن لجميع صفات الله تعالى من الإضافيات والسلوب وتمام الكلام في هذا الباب مذكور في تفسير قوله: {أية : وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ } تفسير : [البقرة: 163].
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } أي الواحد الوِتر، الذي لا شبيه له، ولا نظير ولا صاحبة، ولا ولد ولا شريك. وأصل «أَحَدٌ»: وَحَدٌ؛ قُلِبت الواو همزة. ومنه قول النابغة: شعر : بذِي الجَلِيلِ عَلى مُسْتَأْنِسٍ وَحَدِ تفسير : وقد تقدّم في سورة «البقرة» الفرق بين واحِد وأَحَدٍ، وفي كتاب «الأَسْنَى، في شرح أسماء الله الحسنى» أيضاً مُسْتَوفًى. والحمدُ لله. و{أَحَدٌ } مرفوع، على معنى: هو أَحدٌ. وقيل: المعنى: قل: الأمرُ والشأن: اللَّهُ أَحَد. وقيل: «أَحَد» بدل من قوله: «الله». وقرأ جماعة «أَحَدُ اللَّه» بلا تنوين، طلباً للخفة، وفراراً منِ التقاء الساكنين؛ ومنه قول الشاعر: شعر : ولا ذاكـرَ اللَّهَ إلاّ قَـلِـيـلاَ تفسير : {ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ } أي الذي يُصْمَد إليه في الحاجات. كذا رَوَى الضحاك عن ابن عباس، قال: الذي يُصْمَد إليه في الحاجات؛ كما قال عز وجل: { أية : ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ } تفسير : [النحل: 53]. قال أهل اللغة: الصمد: السيد الذي يُصْمد إليه في النوازل والحوائج. قال: شعر : أَلاَ بَكَّر الناعِي بِخيرِ بنِي أَسَدْ بعمرِو بن مَسْعُودٍ بالسيدِ الصَّمَد تفسير : وقال قوم: الصَّمَدُ: الدائم الباقي، الذي لم يزل ولا يزال. وقيل: تفسيره ما بعده {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ }. قال أُبَيُّ بنُ كَعْب: الصَّمَدُ: الذي لا يلِدُ ولا يُولَد؛ لأنه ليس شيء إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا يُورث. وقال عليّ وابن عباس أيضاً وأبو وائل شقِيق بن سلمة وسفيان: الصَّمَد: هو السيد الذي قد انتهى سُودَدُه في أنواع الشرف والسُّودَد؛ ومنه قول الشاعر: شعر : عَلَوتُهُ بحُسامٍ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ خُذْهَا حُذَيفَ فأنتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ تفسير : وقال أبو هريرة: إنه المستغنِي عن كل أحد، والمحتاج إليه كل أحد. وقال السدّيّ: إنه: المقصود في الرغائب، والمستعان به في المصائب. وقال الحسين بن الفضل: إنه الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وقال مقاتل: إنه: الكامل الذي لا عيب فيه؛ ومنه قول الزبرِقان: شعر : سِيروا جميعاً بِنِصفِ الليلِ واعتمِدُوا ولا رَهِينةَ إلاّ سَيِّدٌ صَمَدُ تفسير : وقال الحسن وعِكرمة والضحاك وابن جُبير: الصَّمَد: المُصْمَتُ الّذي لا جَوْف له؛ قال الشاعر: شعر : شِهابُ حُرُوبٍ لا تَزالُ جِيادُه عَوَابِسَ يَعْلُكْن الشكِيمَ المُصَمَّدا تفسير : قلت: قد أتينا على هذه الأقوال مبينة في الصَّمَد، في (كتاب الأَسنَى) وأن الصحيح منها ما شهد له الاشتقاق؛ وهو القول الأوّل، ذكره الخَطَّابي. وقد أسقط مِن هذه السورة من أبعده الله وأخزاه، وجعل النار مقامه ومثواه، وقرأ «اللَّهُ الواحدُ الصَّمَدُ» في الصلاة، والناس يستمعون، فأَسْقَط: «قُلْ هو»، وزعم أنه ليس من القرآن. وغيَّر لفظ «أَحَدٍ»، وادعى أن هذا هو الصواب، والذي عليه الناس هو الباطل والمحال؛ فأبطل معنى الآية؛ لأن أهل التفسير قالوا: نزلت الآية جواباً لأهل الشرك لما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: صِفْ لَنَا رَبَّك، أمِن ذهب هو أم مِن نحاس أم مِن صُفْر؟ فقال الله عز وجل رداً عليهم: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } ففي «هُوَ» دلالة على موضع الردّ، ومكان الجواب، فإذا سقط بطل معنى الآية، وصح الافتراء على الله عز وجل، والتكذيب لرسوله صلى الله عليه وسلم. ورَوى الترمذي عن أُبيّ بن كعب: أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انْسُبْ لنا ربك؛ فأنزل الله عز وجل: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ }. والصَّمَد: الذي لم يلد ولم يُولَد؛ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وأن الله تعالى لا يموت ولا يورث. {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ }: قال: لم يكن له شبيه ولا عدْل، وليس كمثله شيء. ورُوِي عن أبي العالية: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم ذكر آلهتهم فقالوا: انْسُب لنا رَبّك. قال: فأتاه جبريل بهذه السورة {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ }، فذكر نحوه، ولم يذكر فيه عن أُبيّ بن كعب، وهذا أصح؛ قاله الترمذيّ. قلت: ففي هذا الحديث إثبات لفظ {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } وتفسير الصَّمَد، وقد تقدّم. وعن عكرمة نحوه. وقال ابن عباس: {لَمْ يَلِدْ} كما وَلَدَتْ مَرْيَم، ولم يُولد كما وُلِدَ عيسى وعُزَيرٌ. وهو رد على النصارى، وعلى من قال: عُزيرٌ ابن الله. {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } أي لم يكن له مِثلاً أحد. وفيه تقديم وتأخير؛ تقديره: ولم يكن له كفواً أحد؛ فقدّم خبر كان على اسمها، لينساقَ أواخرُ الآي على نظم واحد. وقرِىء «كُفُواً» بضم الفاء وسكونها. وقد تقدّم في «البقرة» أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوّله مضموم، فإنه يجوز في عينه الضم والإسكان؛ إلا قوله تعالى: { أية : وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا } تفسير : [الزخرف: 15] لِعِلة تقدّمت. وقرأ حفص «كفواً» مضموم الفاء غير مهموز. وكلها لغات فصيحة. القول في الأحاديث الواردة في فضل هذه السورة؛ وفيه ثلاث مسائل: الأولى: ثبت في صحيح البخاريّ عن أبي سعيد الخُدْريّ: « حديث : أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } يردّدها؛ فلما أصبح جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، وكان الرجل يَتقالُّها؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثُلُثَ القُرْآن» » تفسير : . وعنه قال: « حديث : قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «أيعجِز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة» فشَقَّ ذلك عليهم، وقالوا: أينا يطِيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: «اللَّهُ الواحدُ الصَّمد ثُلُثُ القرآن» تفسير : خرجه مسلم من حديث أبي الدرداء بمعناه. وخرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : احْشِدوا فإني سأقرأ عليكُم ثلثَ القُرْآن»، فحشدَ مَنْ حَشَد؛ ثم خرج نبيّ الله صلى الله عليه وسلم فقرأ {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } ثم دخل، فقال بعضنا لبعض: إني أرى هذا خبراً جاءه من السماء، فذاك الذي أدخله. ثم خرج فقال:«إني قلت لكم سأقرأ عليكم ثلث القرآن، أَلاَ إنّها تَعْدِل ثلثَ القرآن » تفسير : قال بعض العلماء: إنها عَدَلَت ثلث القرآن لأجل هذا الاسم، الذي هو «الصَّمَد»، فإنه لا يوجد في غيرها من السُّور. وكذلك «أَحَدٌ». وقيل: إن القرآن أنزل أثلاثاً، ثلثاً منه أحكام، وثلثاً منه وعد ووعيد، وثلثاً منه أسماء وصفات؛ وقد جمعت {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } أحَدَ الأثلاث، وهو الأسماء والصّفات. ودل على هذا التأويل ما في صحيح مسلم، من حديث أبي الدرداء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: « حديث : إن الله جلّ وعز جزأ القرآن ثلاثة أجزاء، فجعل {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } جزءاً من أجزاء القرآن » تفسير : . وهذا نَصُّ؛ وبهذا المعنى سميت سورة الإخلاص، والله أعلم. الثانية: روى مسلم عن عائشة: « حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على سَرِية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بـ{ـقُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ }؛ فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «سَلُوهُ لأيّ شَيء يصْنع ذلك؟» فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن، فأنا أحِبُّ أن أقرأ بها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخبروه أن الله عز وجل يحبه» »تفسير : . وروى الترمذيّ حديث : عن أنس بن مالك قال: كان رجل من الأنصار يؤمّهم في مسجد قُباء، وكان كلما افتتح سورة يقرؤها لهم في الصلاة فقرأ بها، افتتح بـ{ـقُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ }؛ حتى يفرغ منها، ثم يقرأ بسورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة؛ فكلمه أصحابه، فقالوا: إنك تقرأ بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تَجْزيك حتى تقرأَ بسُورة أخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها وتقرأ بسورة أخرى؟ قال: ما أنا بتاركها وإن أحببتم أن أؤمّكم بها فعلت، وإن كرهتم تركتكم؛ وكانوا يرونه أفضلهم، وكرهوا أن يؤمّهم غيره؛ فلما أتاهم النبيّ صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر، فقال: «يا فلان ما يمنعك مما يأمر به أصحابك؟ وما يحملك أن تقرأ هذه السورة في كل ركعة»؟ فقال: يا رسول الله، إني أحبها؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ حُبَّها أدْخَلَكَ الجَنَّة» » تفسير : قال: حديث حسن غريب صحيح. قال ابن العربيّ: «فكان هذا دليلا على أنه يجوز تكرار سورة في كل ركعة. وقد رأيت على باب الأسباط فيما يقرب منه، إماماً من جملة الثمانية والعشرين إماماً، كان يصلي فيه التراويح في رمضان بالأتراك؛ فيقرأ في كل ركعة «الحمد لله» و«قل هو الله أحد» حتى يتِم التراويح؛ تخفيفاً عليه، ورغبة في فضلها وليس من السنة ختم القرآن في رمضان». قلت: هذا نص قولِ مالك، قال مالك: وليس ختم القرآن في المساجد بسنة. الثالثة: روى الترمذيّ « حديث : عن أنس بن مالك قال: أقبلت مع النبيّ صلى الله عليه وسلم فسمع رجلاً يقرأ {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ }؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وجبت». قلت: وما وجبت؟ قال: «الجنة»تفسير : . قال: هذا حديث حسن صحيح. قال الترمذي: حدّثنا محمد بن مرزوق البصريّ قال حدّثنا حاتم بن ميمون أبو سهل عن ثابت البُنَانِيّ عن أنس بن مالك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : من قرأ كل يوم مائتي مرة قل هو الله أحد، مُحِيَ عنه ذنوب خمسين سنة، إلا أن يكون عليه دين » تفسير : . وبهذا الإسناد عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : من أراد أن ينام على فراشه، فنام على يمينه، ثم قرأ {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } مائة مرة، فإذا كان يومَ القيامة يقول الرب: يا عبدي، ادخل على يمينك الجنة » تفسير : . قال: هذا حديث غريب من حديث ثابت عن أنس. وفي مسند أبي محمد الدارميّ، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من قرأ {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } خمسين مرة، غفرت له ذنوب خمسين سنة » تفسير : قال: وحدّثنا عبد الله بن يزيد قال: حدّثنا حَيْوة قال: أخبرني أبو عَقيل: أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : من قرأ {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } عشر مرات بُنِي له قصر في الجنة. ومن قرأها عشرين مرة بُنِي له بها قصران في الجنة. ومن قرأها ثلاثين مرة بُنِي له بها ثلاثة قصور في الجنة. فقال عمر بن الخطاب: واللَّهِ يا رسول الله إذاً لَنُكْثِرَنّ قصورنا؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أوسع من ذلك » تفسير : قال أبو محمد: أبو عقيل زُهْرة بن معبد، وزعموا أنه كان من الأبدال. وذكر أبو نَعِيم الحافظ من حديث أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير عن أبيه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : مَنْ قَرَأَ {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } في مرضه الذي يموت فيه، لم يَفْتَن في قبره. وأمن من ضغطةِ القبر. وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفها، حتى تجيزه من الصراط إلى الجنة » تفسير : . قال: هذا حديث غريب من حديث يزيد، تفرد به نصر بن حماد البَجَليّ. وذكر أبو بكر أحمد بن علي ابن ثابت الحافظ عن عيسى بن أبي فاطمة الرازي قَال سمعت مالك بن أنس يقول: إذا نُقِس بالناقوس اشتدّ غضب الرحمن، فتنزل الملائكة، فيأخذون بأقطار الأرض، فلا يزالون يقرؤون {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } حتى يسكُن غضبُه جل وعز. وخَرّج من حديث محمد بن خالد الجَنَدِيّ عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من دخل يوم الجمعة المسجد، فصلى أربع ركعات يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب و{قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } خمسين مرة فذلك مائتا مرة في أربع ركعات، لم يَمُتْ حتى يرى منزله في الجنة أو يُرَى له » تفسير : . وقال أبو عُمر مولى جرير بن عبد الله البجلِيّ، عن جرير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من قرأ {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } حين يدخل منزله، نفت الفقر عن أهل ذلك المنزِل وعن الجيران »تفسير : . وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من قرأ {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } مرة بورِك عليه، ومن قرأها مرتين بورك عليه وعلى أهله، ومن قرأها ثلاث مرات بورك عليه وعلى جميع جيرانه، ومن قرأها اثنتي عشرة بنى الله له اثني عشر قصراً في الجنة، وتقول الحفظة انطلقوا بنا ننظر إلى قصر أخينا، فإن قرأها مائة مرة كفّر الله عنه ذنوب خمسين سنة، ما خلا الدماء والأموال، فإن قرأها أربعمائة مرة كفر الله عنه ذنوب مائة سنة، ما خلا الدماء والأموال، فإن قرأها ألف مرة لم يمت حتى يرى مكانه في الجنة أو يرى له » تفسير : . وعن سهل بن سعد الساعديّ قال: « حديث : شكا رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقر وضيق المعيشة؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخلتَ البيت فسلِّمْ إن كان فيه أحد، وإن لم يكن فيه أحد فسلم عليّ، واقرأ {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } مرة واحدة» ففعل الرجل فأدرّ الله عليه الرزق، حتى أفاض عليه جيرانه. حديث : وقال أنس: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتَبُوكَ، فطلعت الشمس بيضاء لها شعاع ونور، لم أرها فيما مضى طلعت قط كذلك، فأتى جبريل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا جبريلُ، ما لي أرى الشمس طلعت بيضاء بشعاع لم أرها طلعت كذلك فيما مضى قط»؟ فقال: «ذلك لأن معاوية بن معاوية الليثي توفي بالمدينة اليوم، فبعث الله سبعين ألف ملك يُصَلُّون عليه». قال: «ومِمّ ذلك»؟ قال: «كان يكثر قراءة {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } آناء الليل وآناء النهار، وفي ممشاه وقيامه وقعوده، فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض، فتصلي عليه»؟ قال: «نعم» فصلى عليه، ثم رجع » تفسير : . ذكره الثعلبي، والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : مختلف فيها، وآيها أربع آيات بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } الضمير للشأن كقولك: هو زيد منطلق وارتفاعه بالإِبتداء وخبره الجملة ولا حاجة إلى العائد لأنها هي هو، أو لما سُئِلَ عنهُ صلى الله عليه وسلم أي الذي سألتموني عنه هو الله، إذحديث : روي أن قريشاً قالوا: يا محمد صف لنا ربك الذي تدعونا إليه فنزلتتفسير : واحد بدل أو خبر ثان يدل على مجامع صفات الجلال كما دل الله على جميع صفات الكمال إذا الواحد الحقيقي ما يكون منزه الذات عن أنحاء التركيب والتعدد، وما يستلزم أحدهما كالجسمية والتحيز والمشاركة في الحقيقة وخواصها كوجوب الوجود والقدرة الذاتية والحكمة التامة المقتضية للألوهية وقرىء «هو الله» بلا {قُلْ } مع الاتفاق على أنه لا بد منه في {قُلْ يا أَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ }، ولا يجوز في «تبت»، ولعل ذاك لأن سورة «الكافرون» مشاقة الرسول أو موادعته لهم و «تبت» معاتبة عمه فلا يناسب أن تكون منه، وأما هذا فتوحيد يقول به تارة ويؤمر بأن يدعو إليه أخرى. {ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ } السيد المصمود إليه في الحوائج من صمد إليه إذا قصد، وهو الموصوف به على الإِطلاق فإنه يستغني عن غيره مطلقاً، وكل ما عداه محتاج إليه في جميع جهاته، وتعريفه لعلمهم بصمديته بخلاف أحديته وتكرير لفظة {ٱللَّهِ } للإشعار بأن من لم يتصف به لم يستحق الألوهية، وإخلاء الجملة عن العاطف لأنها كالنتيجة للأولى أو الدليل عليها. {لَمْ يَلِدْ } لأنه لم يجانس ولم يفتقر إلى ما يعينه أو يخلف عنه لامتناع الحاجة والفناء عليه، ولعل الاقتصاد على لفظ الماضي لوروده رداً على من قال الملائكة بنات الله، أو المسيح ابن الله أو ليطابق قوله: {وَلَمْ يُولَدْ } وذلك لأنه لا يفتقر إلى شيء ولا يسبقه عدم. {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } أي ولم يكن أحد يكافئه أو يماثله من صاحبة أو غيرها، وكان أصله أن يؤخر الظرف لأنه صلة {كُفُواً } لكن لما كان المقصود نفي المكافأة عن ذاته تعالى قدم تقديماً للأهم، ويجوز أن يكون حالاً من المستكن في {كُفُواً } أو خبراً، ويكون {كُفُواً } حالاً من {أَحَدٌ }، ولعل ربط الجمل الثلاث بالعطف لأن المراد منها نفي أقسام المكافأة فهي كجملة واحدة منبهة عليها بالجمل، وقرأ حمزة ويعقوب ونافع في رواية «كُفْواً» بالتخفيف، وحفص {كُفُواً } بالحركة وقلب الهمزة واواً، ولاشتمال هذه السور مع قصرها على جميع المعارف الإلهية والرد على من ألحد فيها،حديث : جاء في الحديث أنها تعدل ثلث القرآنتفسير : فإن مقاصده محصورة في بيان العقائد والأحكام والقصص ومن عدلها بكله اعتبر المقصود بالذات من ذلك. وعنه صلى الله عليه وسلم، حديث : أنه سمع رجلاً يقرؤها فقال: «وجبت» تفسير : قيل: يا رسول الله وما وجبت قال: «حديث : وجبت له الجنة».
ابن كثير
تفسير : قد تقدم ذكر سبب نزولها، وقال عكرمة: لما قالت اليهود: نحن نعبد عزيراً ابن الله، وقالت النصارى: نحن نعبد المسيح ابن الله، وقالت المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر، وقالت المشركون: نحن نعبد الأوثان، أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: { قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} يعني: هو الواحد الأحد، الذي لا نظير له ولا وزير، ولا نديد ولا شبيه ولا عديل، ولا يطلق هذا اللفظ على أحد في الإثبات إلا على الله عز وجل؛ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله. وقوله تعالى: { ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ} قال عكرمة عن ابن عباس: يعني: الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته. وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار. وقال الأعمش عن شقيق عن أبي وائل: {ٱلصَّمَدُ}: السيد الذي قد انتهى سؤدده، ورواه عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود مثله. وقال مالك عن زيد بن أسلم: {ٱلصَّمَدُ}: السيد، وقال الحسن وقتادة: هو الباقي بعد خلقه، وقال الحسن أيضاً: {ٱلصَّمَدُ}: الحي القيوم الذي لا زوال له. وقال عكرمة: الصمد: الذي لم يخرج منه شيء، ولا يطعم. وقال الربيع بن أنس: هو الذي لم يلد ولم يولد؛ كأنه جعل ما بعده تفسيراً له، وهو قوله: { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}، وهو تفسير جيد، وقد تقدم الحديث من رواية ابن جرير عن أبي بن كعب في ذلك، وهو صريح فيه. وقال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب ومجاهد وعبد الله بن بريدة وعكرمة أيضاً، وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وعطية العوفي والضحاك والسدي: {ٱلصَّمَدُ}: الذي لا جوف له. وقال سفيان عن منصور عن مجاهد: {ٱلصَّمَدُ}: المصمت الذي لا جوف له. وقال الشعبي: هو الذي لا يأكل الطعام، ولا يشرب الشراب. وقال عبد الله بن بريدة أيضاً: {ٱلصَّمَدُ}: نور يتلألأ، روى ذلك كله وحكاه ابن أبي حاتم والبيهقي والطبراني، وكذا أبو جعفر بن جرير ساق أكثر ذلك بأسانيده، وقال: حدثني العباس بن أبي طالب، حدثنا محمد بن عمرو بن رومي عن عبيد الله بن سعيد قائد الأعمش، حدثنا صالح بن حبان عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: لا أعلم إلا قد رفعه، قال: «حديث : الصمد: الذي لا جوف له» تفسير : وهذا غريب جداً، والصحيح أنه موقوف على عبد الله بن بريدة. وقد قال الحافظ أبو القاسم الطبراني في كتاب السنة له بعد إيراده كثيراً من هذه الأقوال في تفسير الصمد: وكل هذه صحيحة، وهي صفات ربنا عز وجل، هو الذي يصمد إليه في الحوائج، وهو الذي قد انتهى سؤدده، وهو الصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وهو الباقي بعد خلقه. وقال البيهقي نحو ذلك. وقوله تعالى: { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } أي: ليس له ولد، ولا والد، ولا صاحبة. قال مجاهد: { وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} يعني: لا صاحبة له، وهذا كما قال تعالى: {أية : بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَـٰحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ} تفسير : [الأنعام: 101] أي: هو مالك كل شيء وخالقه، فكيف يكون له من خلقه نظير يساميه، أو قريب يدانيه؟ تعالى وتقدس وتنزه، قال الله تعالى: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً وَمَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً لَّقَدْ أَحْصَـٰهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَرْداً} تفسير : [مريم: 88 ــــ 95]. وقال تعالى: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } تفسير : [الأنبياء: 26 ــــ 27] وقال تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } تفسير : [الصافات: 158 ــــ 159] وفي صحيح البخاري: «حديث : لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، يجعلون له ولداً، وهو يرزقهم ويعافيهم» تفسير : وقال البخاري: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قال الله عز وجل: كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني، ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي، فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي، فقوله: اتخذ الله ولداً، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفواً أحد» تفسير : ورواه أيضاً من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة مرفوعاً بمثله، تفرد بهما من هذين الوجهين. آخر تفسير سورة الإخلاص، ولله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } فالله خبر «هو» و «أحد» بدل منه أو خبر ثان.
الشوكاني
تفسير : قوله: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } الضمير يجوز أن يكون عائداً إلى ما يفهم من السياق لما قدمنا من بيان سبب النزول، وأن المشركين قالوا: يا محمد انسب لنا ربك. فيكون مبتدأ، والله مبتدأ ثان. و{أحد} خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأوّل. ويجوز أن يكون {الله} بدلاً من {هو}، والخبر {أحد}. ويجوز أن يكون الله خبراً أوّلاً، و{أحد} خبراً ثانياً، ويجوز أن يكون {أحد} خبراً لمبتدأ محذوف، أي: هو أحد. ويجوز أن يكون {هو} ضمير شأن؛ لأنه موضع تعظيم، والجملة بعده مفسرة له وخبر عنه، والأوّل أولى. قال الزجاج: هو كناية عن ذكر الله، والمعنى: إن سألتم تبيين نسبته {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ }. قيل: وهمزة {أحد} بدل من الواو، وأصله واحد. وقال أبو البقاء: همزة {أحد} أصل بنفسها غير مقلوبة، وذكر أن أحد يفيد العموم دون واحد. ومما يفيد الفرق بينهما ما قاله الأزهري: أنه لا يوصف بالأحدية غير الله تعالى، لا يقال رجل أحد، ولا درهم أحد؛ كما يقال رجل واحد، ودرهم واحد، قيل: والواحد يدخل في الأحد، والأحد لا يدخل فيه فإذا قلت لا يقاومه واحد جاز أن يقال لكنه يقاومه اثنان بخلاف قولك لا يقاومه أحد. وفرّق ثعلب بين واحد وبين أحد بأن الواحد يدخل في العدد وأحد لا يدخل فيه. وردّ عليه أبو حيان بأنه يقال أحد وعشرون، ونحوه، فقد دخله العدد، وهذا كما ترى، ومن جملة القائلين بالقلب الخليل. قرأ الجمهور: {قل هو الله أحد} بإثبات {قل}. وقرأ عبد الله بن مسعود وأبيّ: (الله أحد) بدون {قل}. وقرأ الأعمش: (قل هو الله الواحد) وقرأ الجمهور: بتنوين {أحد}، وهو: الأصل. وقرأ زيد بن عليّ، وأبان بن عثمان، وابن أبي إسحاق، والحسن، وأبو السماك، وأبو عمرو في رواية عنه بحذف التنوين للخفة، كما في قول الشاعر:شعر : عمرو الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف تفسير : وقيل: إن ترك التنوين لملاقاته لام التعريف، فيكون الترك لأجل الفرار من التقاء الساكنين. ويجاب عنه بأن الفرار من التقاء الساكنين قد حصل مع التنوين بتحريك الأوّل منهما بالكسر {ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ } الإسم الشريف مبتدأ، و{الصمد} خبره. والصمد: هو الذي يصمد إليه في الحاجات، أي: يقصد لكونه قادراً على قضائها، فهو فعل بمعنى مفعول كالقبض بمعنى المقبوض؛ لأنه مصمود إليه، أي: مقصود إليه، قال الزجاج: الصمد السند الذي انتهى إليه السؤدد. فلا سيد فوقه، قال الشاعر:شعر : ألا بكر الناعي بخير بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد تفسير : وقيل: معنى الصمد: الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزول. وقيل: معنى الصمد ما ذكر بعده من أنه الذي لم يلد ولم يولد. وقيل: هو المستغني عن كل أحد، والمحتاج إليه كل أحد. وقيل: هو المقصود في الرغائب، والمستعان به في المصائب، وهذان القولان يرجعان إلى معنى القول الأوّل. وقيل: هو الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. وقيل: هو الكامل الذي لا عيب فيه. وقال الحسن، وعكرمة، والضحاك، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، وعبد الله بن بريدة، وعطاء، وعطية العوفي، والسديّ، الصمد هو المصمت الذي لا جوف، ومنه قول الشاعر:شعر : شهاب حروب لا تزال جياده عوابس يعلكن الشكيم المصمدا تفسير : وهذا لا ينافي القول الأوّل لجواز أن يكون هذا أصل معنى الصمد، ثم استعمل في السيد المصمود إليه في الحوائج، ولهذا أطبق على القول الأوّل أهل اللغة وجمهور أهل التفسير، ومنه قول الشاعر:شعر : علوته بحسام ثم قلت له خذها حذيف فأنت السيد الصمد تفسير : وقال الزبرقان بن بدر:شعر : سيروا جميعاً بنصف الليل واعتمدوا ولا رهينة إلاّ سيد صمد تفسير : وتكرير الاسم الجليل؛ للإشعار بأن من لم يتصف بذلك، فهو بمعزل عن استحقاق الألوهية، وحذف العاطف من هذه الجملة؛ لأنها كالنتيجة للجملة الأولى. وقيل: إن الصمد صفة للاسم الشريف، والخبر هو ما بعده. والأوّل أولى؛ لأن السياق يقتضي استقلال كل جملة. {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } أي: لم يصدر عنه ولد، ولم يصدر هو عن شيء، لأنه لا يجانسه شيء، ولاستحالة نسبة العدم إليه سابقاً ولاحقاً. قال قتادة: إن مشركي العرب قالوا: الملائكة بنات الله. وقالت اليهود: عزير ابن الله. وقالت النصارى: المسيح ابن الله، فأكذبهم الله فقال: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ }. قال الرازي: قدّم ذكر نفي الولد مع أن الولد مقدّم للاهتمام، لأجل ما كان يقوله الكفار من المشركين: إن الملائكة بنات الله، واليهود: عزير ابن الله، والنصارى: المسيح ابن الله، ولم يدّع أحد أن له والداً، فلهذا السبب بدأ بالأهمّ، فقال: {لَمْ يَلِدْ } ثم أشار إلى الحجة فقال: {وَلَمْ يُولَدْ }، كأنه قيل: الدليل على امتناع الولد اتفاقنا على أنه ما كان ولداً لغيره، وإنما عبّر سبحانه بما يفيد انتفاء كونه لم يلد ولم يولد في الماضي، ولم يذكر ما يفيد انتفاء كونه كذلك في المستقبل؛ لأنه ورد جواباً عن قولهم: ولد الله، كما حكى الله عنهم بقوله: {أية : أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ } تفسير : [الصافات: 151، 152] فلما كان المقصود من هذه الآية تكذيب قولهم، وهم: إنما قالوا ذلك بلفظ يفيد النفي فيما مضى، وردت الآية لدفع قولهم هذا. {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } هذه الجملة مقرّرة لمضمون ما قبلها؛ لأنه سبحانه إذا كان متصفاً بالصفات المتقدمة كان متصفاً بكونه لم يكافئه أحد، ولا يماثله ولا يشاركه في شيء، وأخر اسم كان لرعاية الفواصل، وقوله: {له} متعلق بقوله: {كفواً} قدم عليه لرعاية الاهتمام؛ لأن المقصود نفي المكافأة عن ذاته. وقيل: إنه في محل نصب على الحال، والأوّل أولى. وقد ردّ المبرد على سيبويه بهذه الآية؛ لأن سيبويه قال: إنه إذا تقدّم الظرف كان هو الخبر، وههنا لم يجعل خبراً مع تقدّمه، وقد ردّ على المبرد بوجهين: أحدهما أن سيبويه لم يجعل ذلك حتماً بل جوّزه. والثاني أنا لا نسلم كون الظرف هنا ليس بخبر، بل يجوز أن يكون خبراً ويكون كفواً منتصباً على الحال وحكى في الكشاف عن سيبويه على أن الكلام العربيّ الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقرّ، واقتصر في هذه الحكاية على نقل أوّل كلام سيبويه، ولم ينظر إلى أخره، فإنه قال في آخر كلامه: والتقديم والتأخير والإلغاء، والاستقرار عربيّ جيد كثير. انتهى. قرأ الجمهور: {كفواً} بضم الكاف والفاء، وتسهيل الهمزة، وقرأ الأعرج، وسيبويه، ونافع في رواية عنه بإسكان الفاء، وروي ذلك عن حمزة مع إبداله الهمزة واواً وصلاً ووقفاً، وقرأ نافع في رواية عنه: (كفأ) بكسر الكاف، وفتح الفاء من غير مدّ. وقرأ سليمان بن عليّ بن عبد الله بن العباس كذلك مع المد، وأنشد قول النابغة:شعر : لا تقذفني بركن لا كفاء له تفسير : والكفء في لغة العرب النظير. يقول. هذا كفؤك أي: نظيرك. والاسم الكفاءة بالفتح. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والمحاملي في أماليه، والطبراني، وأبو الشيخ في العظمة عن بريد لا أعلمه إلاّ رفعه. قال: {ٱلصَّمَدُ } الذي لا جوف له، ولا يصح رفع هذا. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: {ٱلصَّمَدُ } الذي لا جوف له، وفي لفظ: ليس له أحشاء. وأخرج ابن أبي عاصم، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن المنذر عنه قال: {ٱلصَّمَدُ } الذي لا يطعم، وهو المصمت. وقال: أو ما سمعت النائحة، وهي تقول:شعر : لقد بكر الناعي بخير بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد تفسير : وكان لا يطعم عند القتال، وقد روي عنه أن الذي يصمد إليه في الحوائج، وأنه أنشد البيت، واستدلّ به على هذا المعنى، وهو أظهر في المدح، وأدخل في الشرف، وليس لوصفه بأنه لا يطعم عند القتال كثير معنى. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: {ٱلصَّمَدُ } السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغنيّ الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه هذه صفة لا تنبغي إلاّ له ليس له كفو وليس كمثله شيء. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن مسعود قال: {ٱلصَّمَدُ } هو السيد الذي قد انتهى سؤدده، فلا شيء أسود منه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: {ٱلصَّمَدُ } الذي تصمد إليه الأشياء إذا نزل بهم كربة أو بلاء. وأخرج ابن جرير من طرق عنه في قوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } قال: ليس له كفو ولا مثل.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ هُو اللهُ أَحَدٌ} اختلف في سبب نزول هذه الآية على ثلاثة أقاويل: أحدها: أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم هذا الله خَلَق الخلْق، فمن خلَقَ الله؟ فنزلت هذه السورة جواباً لهم، قاله قتادة. الثاني: أن مشركي قريش قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك، فأنزل الله هذه السورة، وقال: يا محمد انسبني إلى هذا، وهذا قول أُبي بن كعب. الثالث: ما رواه أبو روق عن الضحاك أن المشركين أرسلوا عامر بن الطفيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: قل له شققت عصانا وسببت آلهتنا وخالفت دين آبائك، فإن كنت فقيراً أغنيناك وإن كنت مجنوناً داويناك، وإن هويت امرأة زوجناكها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لست بفقير ولا مجنون ولا هويت امرأة، أنا رسول الله إليكم، أدعوكم من عبادة الأصنام إلى عبادته تفسير : ، أرسلوه ثانية وقالوا له: قل له بيّن لنا جنس معبودك، فأنزل الله هذه السورة، فأرسلوه ثالثة وقالوا: قل له لنا ثلاثمائة وستون صنماً لا تقوم بحوائجنا، فكيف يقوم إله واحِد بحوائج الخلق كلهم؟ فأنزل الله سورة الصافات إلى قوله {إن إلهاكم لواحد} يعني في جميع حوائجكم، فأرسلوه رابعة وقالوا: قل له بيّن لنا أفعال ربك، فأنزل الله تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض} الآية، وقوله {الذي خلقكم ثم رزقكم}. {قل هو الله أحد} خرج مخرج جواب السائل عن الله تعالى، فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم {قل هو اللهُ أحَدٌ} والأحد: هو المتفرد بصفاته الذي لا مِثل له ولا شبه. فإن قيل: فلم قال " أحَدٌ" على وجه النكرة، ولم يقل الأحَدُ؟ قيل عنه جوابان: أحدهما: أنه حذف لام التعريف على نية إضمارها فصارت محذوفة في الظاهر، مثبتة في الباطن، ومعناه قل هو الله الأحد. الثاني: أنه ليس بنكرة، وإنما هو بيان وترجمة، قاله المبرد. فأما الأحد والواحد ففيهما وجهان: أحدهما: أن الأحد لا يدخل العدد، والواحد يدخل في العدد، لأنك تجعل للواحد ثانياً، ولا تجعل للأحد ثانياً. الثاني: أن الأحد يستوعب جنسه، والواحد لا يستوعب، لأنك لو قلت فلان لا يقاومه أحد، لم يجز أن يقاومه اثنان ولا أكثر، فصار الأحد أبلغ من الواحد. وفي تسميتها بسورة الإخلاص ثلاثة أوجه: أحدها: لأن في قراءتها خلاصاً من عذاب الله. الثاني: لأن فيها إخلاص لله من كل عيب ومن كل شريك وولد، قاله عبد الله ابن المبارك. الثالث: لأنها خالصة لله ليس فيها أمر ولا نهي. {اللَّهُ الصّمَدُ} فيه عشرة تأويلات: أحدها: أن الصمد المصمت الذي لا جوف له، قاله الحسن وعكرمه والضحاك وابن جبير، قال الشاعر: شعر : شِهابُ حُروب لا تَزالُ جيادُه عوابسَ يعْلُكْنَ الشكيمَ المُصَمّدا تفسير : الثاني: هو الذي لا يأكل ولا يشرب، قاله الشعبي. الثالث: أنه الباقي الذي لا يفنى، قاله قتادة، وقال الحسن: إنه الدائم الذي لم يزل ولا يزال. الرابع: هو الذي لم يلد ولم يولد، قاله محمد بن كعب. الخامس: أنه الذي يصمد الناس إليه في حوائجهم، قاله ابن عباس، ومنه قول الشاعر: شعر : ألا بكّر الناعي بخَيريْ بني أسدْ بعمرِو بن مَسعودٍ وبالسيّد الصَّمَد. تفسير : السادس: أنه السيد الذي قد انتهى سؤدده، قاله أبو وائل وسفيان وقال الشاعر: شعر : عَلوْتُه بحُسامٍ ثم قلت له خُذْها حُذَيْفَ فأنت السيّد الصَّمَدُ. تفسير : السابع: أنه الكامل الذي لا عيب فيه، قاله مقاتل، ومنه قول الزبرقان: شعر : ساروا جَميعاً بنصْفِ الليلِ واعْتَمدوا ألاّ رهينةَ إلا السيّدُ الصَمَدُ. تفسير : الثامن: أنه المقصود إليه في الرغائب، والمستغاث به في المصائب، قاله السدي. التاسع: أنه المستغني عن كل أحد قاله أبو هريرة. العاشر:أنه الذي يفعل مايشاء ويحكم بما يريد، قاله الحسين بن فضيل. {لم يَلِدْ ولم يُولَدْ} فيه وجهان: أحدهما: لم يلد فيكون والداً، ولم يولد فيكون ولداً، قاله ابن عباس. الثاني: لم يلد فيكون في العز مشاركاً، ولم يولد فيكون موروثاً هالكاً، قاله الحسين بن فضيل. وإنما كان كذلك لأمرين: أحدهما: أن هاتين صفتا نقص فانتفتا عنه. الثاني: أنه لا مثل له، فلو وَلَدَ أو وُلدِ لصار ذا مثل، والله تعالى منزه عن أن يكون له مثل. {ولم يَكُن له كُفُواً أَحَدٌ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لم يكن له مثل ولا عديل، قاله أبي بن كعب وعطاء. الثاني: يعني لم تكن له صاحبة، فنفى عنه الولد والوالدة والصاحبة، قاله مجاهد. الثالث: أنه لا يكافئه في خلقه أحد، قاله قتادة وفيه تقديم وتأخير، تقديره: ولم يكن له أحدٌ كُفواً، فقدم خبر كان على اسمها لتنساق أواخر الآي على نظم واحد.
ابن عطية
تفسير : قرأ عمر بن الخطاب وابن مسعود والربيع بن خيثم: "قل هو الله أحد الواحد الصمد"، وروى أبي بن كعب أن المشركين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نسب ربه تعالى عما يقول الجاهلون فنزلت هذه السورة، وروى ابن عباس أن اليهود دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد صف لنا ربك وانسبه فإنه وصف نفسه في التوراة ونسبها، فارتعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خر مغشياً عليه ونزل عليه جبريل بهذه السورة، وقال أبو العالية قال قتادة: الأحزاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك، فأتاه الوحي بهذه السورة، و {أحد} معناه: فرد من جميع جهات الوحدانية، ليست كمثله شيء، وهو ابتداء و {الله} ابتداء ثان و {أحد} خبره، والجملة خبر الأول، وقيل: {هو} ابتداء و {الله} خبره و {أحد} بدل منه، وحذف أبو عمرو التنوين من {أحد} لالتقاء الساكنين "أحدُ الله" وأثبتها الباقون مكسورة للالتقاء، وأما وفقهم كلهم فبسكون الدال، وقد روي عن أبي عمرو: الوصل بسكون الدال، وروي عنه أيضاً تنوينها، و {الصمد} في كلام العرب السيد الذي يصمد إليه في الأمور ويستقل بها، وأنشدوا: [الطويل] شعر : ألا بكر الناعي بخير بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد تفسير : وبهذا تفسر هذه الآية لأن الله جلت قدرته هو موجود الموجودات، وإليه تصمد به قوامها، ولا غني بنفسه إلا هو تبارك وتعالى، وقال كثير من المفسرين: {الصمد} الذي لا جوف له، كأنه بمعنى المصمت، وقال الشعبي: هو الذي لا يأكل ولا يشرب، وفي هذا التفسير كله نظر، لأن الجسم في غاية البعد عن صفات الله تعالى. فما الذي تعطينا هذه العبارات، و {الله الصمد} ابتداء وخبر، وقيل: {الصمد} نعت، والخبر فيما بعد، وقوله تعالى: {لم يلد ولم يولد} رد على إشارة الكفار في النسب الذي سألوه، وقال ابن عباس: تفكروا في كل شيء ولا تتفكروا في ذات الله تعالى. قال القاضي أبو محمد: لأن الأفهام تقف دون ذلك حسيرة، والمؤمنون يعرفون الله تعالى بواجب وجوده وافتقار كل شيء إليه واستغنائه عن كل شيء وينفي العقل عنه كل ما لا يليق به تبارك وتعالى، وأن ليس كمثله شيء، وكل ما ذكرته فهو في ضمن هذه السورة الوجيزة البليغة، قوله تعالى: {ولم يكن له كفؤاً أحد} معناه: ليس له ضد ولا ند ولا شبيه، والكفأ والكفؤ والكفاء النظير، وقرأ "كُفؤاً" بضم الكاف وهمز مسهل نافع والأعرج وأبو جعفر وشيبة، وقرأ بالهمز عاصم وأبو عمرو بخلاف عنه، وقرأ حمزة: "كفْواً" بالهمز وإسكان الفاء وروي عن نافع "كفاً" بفتح الفاء وبغير همز. وقرأ سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس: "ولم يكن له كِفاء أحد" بكسر الكاف وفتح الفاء، والمد، و {كفؤاً}: خبر كان واسمها {أحد}، والظرف ملغى، وسيبويه رحمه الله يستحسن أن يكون الظرف إذا تقدم خبراً، ولكن قد يجيء ملغى في أماكن يقتضيها المعنى كهذه الآية، وكما قال الشاعر: شعر : ما دام فيهن فصيل حيا تفسير : ويحتمل أن يكون: {كفؤاً}، حالاً لما قدم من كونه وصفاً للنكرة، كما قال: لعزة موحشاً طلل، قال سيبويه: وهذا يقل في الكلام، وبابه الشعر، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن {قل هو الله أحد} تعدل ثلث القرآن ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: بما فيها من التوحيد.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَحَدٌ} الأحد المنفرد بصفاته فلا شبْه له ولا مثل تقديره الأحد فحذفت الألف واللام أو ليس بنكرة وإنما هو بيان وترجمة قال المبرد: الأحد والواحد سواء أو الأحد الذي لا يدخل في العدد والواحد يدخل في العدد لأنك تقول للواحد ثانياً أو الأحد يستوعب جنسه والواحد لا يستوعبه لأنك لو قلت فلان لا يقاومه أحد لم يجز أن يقاومه اثنان ولا أكثر فالأحد أبلغ من الواحد وسميت سورة الإخلاص لأن قراءتها خلاص من عذاب الله [أو] لأن فيها إخلاص الله تعالى من شريك وولد أو لانها خالصة لله تعالى ليس فيها أمر ولا نهي.
النسفي
تفسير : أربع آيات مكية عند الجمهور وقيل: مدنية عند أهل البصرة بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } هو ضمير الشأن و{ٱللَّهُ أَحَدٌ } هو الشأن كقولك: هو زيد منطلق كأنه قيل: الشأن هذا وهو أن الله واحد لا ثاني له، ومحل {هُوَ } الرفع على الابتداء والخبر هو الجملة، ولا يحتاج إلى الراجح لأنه في حكم المفرد في قولك: زيد غلامك في أنه هو المبتدأ في المعنى، وذلك أن قوله {ٱللَّهُ أَحَدٌ } هو الشأن الذي عبارة عنه وليس: كذلك زيد أبوه منطلق، فإن زيداً أو الجملة يدلان على معنيين مختلفين فلا بد مما يصل بينهما. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: قالت قريش: يا محمد صف لنا ربك الذي تدعونا إليه فنزلت. يعني الذي سألتموني وصفه هو الله تعالى. وعلى هذا {أَحَدٌ } خبر مبتدأ محذوف أي هو أحد وهو بمعنى واحد، وأصله وحد فقلبت الواو همزة لوقوعها طرفاً. والدليل على أنه واحد من جهة العقل أن الواحد إما أن يكون في تدبير العالم وتخليقه كافياً أولاً، فإن كان كافياً كان الآخر ضائعاً غير محتاج إليه وذلك نقص والناقص لا يكون إلهاً، وإن لم يكن كافياً فهو ناقص. ولأن العقل يقتضي احتياج المفعول إلى فاعل والفاعل الواحد كافٍ وما وراء الواحد فليس عدد أولي من عدد فيفضي ذلك إلى وجود أعداد لا نهاية لها وذا محال. فالقول بوجود إلهين محال، ولأن أحدهما إما أن يقدر على أن يستر شيئاً من أفعاله عن الآخر أو لا يقدر، فإن قدر لزم كون المستور عنه جاهلاً، وإن لم يقدر لزم كونه عاجزاً. ولأنا لو فرضنا معدوماً ممكن الوجود فإن لم يقدر واحد منهما على إيجاده كان كل واحد منهما عاجزاً والعاجز لا يكون إلهاً، وإن قدر أحدهما دون الآخر فالآخر لا يكون إلهاً، وإن قدراً جميعاً فإما أن يوجداه بالتعاون فيكون كل واحد منهما محتاجاً إلى إعانة الآخر فيكون كل واحد منهما عاجزاً، وإن قدر كل واحد منهما على إيجاده بالاستقلال فإذا أوجده أحدهما فإما أن يبقى الثاني قادراً عليه وهو محال، لأن إيجاد الموجود محال، وإن لم يبق فحينئذ يكون الأول مزيلاً قدرة الثاني فيكون عاجزاً ومقهوراً تحت تصرفه فلا يكون إلهاً. فإن قلت: الواحد إذا أوجد مقدور نفسه فقد زالت قدرته فيلزمكم أن يكون هذا الواحد قد جعل نفسه عاجزاً. قلنا: الواحد إذا أوجد مقدور نفسه فقد نفذت قدرته، ومن نفذت قدرته لا يكون عاجزاً، وأما الشريك فما نفذت قدرته بل زالت قدرته بسبب قدرة الآخر فكان ذلك تعجيزاً. {ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ } هو فعل بمعنى مفعول من صمد إليه إذا قصده، وهو السيد المصمود إليه في الحوائج. والمعنى هو الله الذي تعرفونه وتقرون بأنه خالق السماوات والأرض وخالقكم، وهو واحد لا شريك له، وهو الذي يصمد إليه كل مخلوق ولا يستغنون عنه وهو الغني عنهم {لَمْ يَلِدْ } لأنه لا يجانس حتى تكون له من جنسه صاحبة فيتوالدا، وقد دل على هذا المعنى بقوله: {أية : أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَـٰحِبَةٌ }تفسير : [الأنعام: 101] {وَلَمْ يُولَدْ } لأن كل مولود محدث وجسم وهو قديم لا أول لوجوده إذ لو لم يكن قديماً لكان حادثاً لعدم الواسطة بينهما، ولو كان حادثاً لافتقر إلى محدث، وكذا الثاني والثالث فيؤدي إلى التسلسل وهو باطل. وليس بجسم لأنه اسم للمتركب ولا يخلو حينئذ من أن يتصف كل جزء منه بصفات الكمال فيكون كل جزء إلهاً فيفسد القول به كما فسد بإلهين، أو غير متصف بها بل بأضدادها من سمات الحدوث وهو محال {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } ولم يكافئه أحد أي لم يماثله. سألوه أن يصفه لهم فأوحى إليه ما يحتوي على صفاته تعالى، فقوله: {هُوَ ٱللَّهُ } إشارة إلى أنه خالق الأشياء وفاطرها، وفي طي ذلك وصفه بأنه قادر عالم لأن الخلق يستدعي القدرة والعلم لكونه واقعاً على غاية إحكام واتساق وانتظام، وفي ذلك وصفه بأنه حي لأن المتصف بالقدرة والعلم لا بد وأن يكون حياً، وفي ذلك وصفه بأنه سميع بصير مريد متكلم إلى غير ذلك من صفات الكمال، إذ لو لم يكن موصوفاً بها لكان موصوفاً بأضدادها وهي نقائص وذا من أمارات الحدوث فيستحيل اتصاف القديم بها، وقوله: {أَحَدٌ } وصف بالوحدانية ونفي الشريك، وبأنه المتفرد بإيجاد المعدومات والمتوحد بعلم الخفيات، وقوله: {ٱلصَّمَدُ } وصف بأنه ليس إلا محتاجاً إليه وإذا لم يكن إلا محتاجاً إليه فهو غني لا يحتاج إلى أحد ويحتاج إليه كل أحد، وقوله {لَمْ يَلِدْ } نفي للشبه والمجانسة، وقوله {وَلَمْ يُولَدْ } نفي للحدوث ووصف بالقدم والأولية. وقوله {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } نفي أن يماثله شيء. ومن زعم أن نفي الكفء وهو المثل في الماضي لا يدل على نفيه للحال والكفار يدعونه في الحال فقد تاه في غيه، لأنه إذا لم يكن فيما مضى لم يكن في الحال ضرورة إذ الحادث لا يكون كفؤاً للقديم، وحاصل كلام الكفرة يئول إلى الإشراك والتشبيه والتعطيل، والسورة تدفع الكل كما قررنا، واستحسن سيبويه تقديم الظرف إذا كان مستقراً أي خبراً لأنه لما كان محتاجاً إليه قدم ليعلم من أول الأمر أنه خبر لا فضلة، وتأخيره إذا كان لغواً أي فضلة لأن التأخير مستحق للفضلات. وإنما قدم في الكلام الأفصح لأن الكلام سيق لنفي المكافأة عن ذات الباريء سبحانه، وهذا المعنى مصبه ومركزه هو هذا الظرف فكان الأهم تقديمه. وكان أبو عمرو يستحب الوقف على {أَحَدٌ } ولا يستحب الوصل، قال عبد الوارث: على هذا أدركنا القراء، وإذا وصل نوّن وكسر أو حذف التنوين كقراءة {أية : عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ }تفسير : [التوبة: 30]، {كفؤا} بسكون الفاء والهمزة: حمزة وخلف. { كُفُواً } مثقلة غير مهموزة: حفص. الباقون مثقلة مهموزة. وفي الحديث: «حديث : من قرأ سورة الإخلاص فقد قرأ ثلث القرآن»تفسير : لأن القرآن يشتمل على توحيد الله وذكر صفاته وعلى الأوامر والنواهي وعلى القصص والمواعظ، وهذه السورة قد تجردت للتوحيد والصفات فقد تضمنت ثلث القرآن، وفيه دليل شرف علم التوحيد وكيف لا يكون كذلك والعلم يشرف بشرف المعلوم ويتضع بضعته، ومعلوم هذا العلم هو الله وصفاته، وما يجوز عليه وما لا يجوز عليه، فما ظنك بشرف منزلته وجلالة محله! اللهم احشرنا في زمرة العالمين بك العاملين لك، الراجين لثوابك، الخائفين من عقابك، المكرمين بلقائك، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يقرأ {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } فقال: وجبت. فقيل: يا رسول الله ما وجبت؟ قال «حديث : وجبت له الجنة»
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {قل هو الله أحد} عن أبي بن كعب "حديث : أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك، فأنزل الله {قل هو الله أحد الله الصمد} والصّمد الذي لم يلد، ولم يولد لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله لا يموت ولا يورث، ولم يكن له كفواً أحد. قال لم يكن له شبيه، ولا عديل، وليس كمثله شيء" تفسير : أخرجه التّرمذي وقال: وقد روي عن أبي العالية أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر آلهتهم، فقالوا انسب لنا ربك، فأتاه جبريل بهذه السّورة {قل هو الله أحد} وذكر نحوه، ولم يذكر فيه عن أبي بن كعب، وهذا أصح وقال ابن عباس حديث : أن عامر بن الطفيل، وأربد بن ربيعة أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عامر: إلام تدعونا يا محمد قال إلى الله قال صفه لنا أمن ذهب هو أم من فضة، أم من حديد، أم من خشب، فنزلت هذه السّورة، وأهلك الله أربد بالصاعقة وعامر بالطاعونتفسير : ، وقد تقدم ذكرهما في سورة الرّعد، وقيل جاء ناس من أحبار اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا صف لنا ربك لعلنا نؤمن بك، فإن الله تعالى أنزل نعته في التوراة، فأخبرنا من أي شيء هو، وهل يأكل ويشرب، وممن ورث الربوبية، ولمن يورثها، فأنزل الله هذه السّورة {قل هو الله أحد} يعني الذي سألتموني عنه هو الله الواحد في الألوهية، والرّبوبية الموصوف بصفات الكمال والعظمة المنفرد عن الشبه، والمثل والنظير، وقيل لا يوصف أحد بالأحدية غير الله تعالى فلا يقال رجل أحد، ودرهم أحد بل أحد صفة من صفات الله تعالى. استأثر بها فلا يشركه فيها أحد، والفرق بين الواحد، والأحد أن الواحد يدخل في الأحد، ولا ينعكس، وقيل إن الواحد يستعمل في الإثبات والأحد في النفي تقول في الإثبات رأيت رجلاً واحداً، وفي النفي ما رأيت أحداً، فتفيد العموم، وقيل الواحد هو المنفرد بالذات فلا يضاهيه أحد، والأحد هو المنفرد بالمعنى فلا يشاركه فيه أحد {الله الصمد} قال ابن عباس: الصمد الذي لا جوف له وبه قال جماعة من المفسرين، ووجه ذلك من حيث اللّغة أن الصّمد الشيء المصمد الصّلب الذي ليس فيه رطوبة، ولا رخاوة، ومنه يقال لسداد القارورة الصماد. فإن فسر الصمد بهذا كان من صفات الأجسام، ويتعالى الله جلّ وعزّ عن صفات الجسمية، وقيل وجه هذا القول إن الصمد الذي ليس بأجوف، معناه هو الذي لا يأكل، ولا يشرب، وهو الغني عن كل شيء، فعلى هذا الاعتبار هو صفة كمال، والقصد بقوله الله الصّمد التّنبيه على أنه تعالى بخلاف من أثبتوا له الإلهية، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام} تفسير : [المائدة: 75] وقيل الصّمد الذي ليس بأجوف شيئان أحدهما دون الإنسان، وهو سائر الجمادات الصّلبة والثاني أشرف من الإنسان وأعلى منه وهو البارىء جل وعز وقال أبي بن كعب الصمد الذي لم يلد، ولم يولد لأن من يولد سيموت، ومن يموت يورث منه. وروى البخاري في أفراده عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: الصّمد هو السّيد الذي انتهى سؤدده، وهي رواية عن ابن عباس، أيضاً قال هو السيد الذي كمل فيه جميع أوصاف السؤدد، وقيل هو السيد المقصود في جميع الحوائج المرغوب إليه في الرغائب المستعان به عند المصائب، وتفريج الكرب وقيل هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله وتلك دالة على أنه المتناهي في السودد والشرف، والعلو والعظمة، والكمال والكرم والإحسان، وقيل الصمد الدائم الباقي بعد فناء خلقه، وقيل الصمد الذي ليس فوقه أحد، وهو قول علي، وقيل هو الذي لا تعتريه الآفات ولا تغيره الأوقات وقيل هو الذي لا عيب فيه وقيل الصمد هو الأول الذي ليس له زوال والآخر الذي ليس لملكه انتقال. والأولى أن يحمل لفظ الصمد على كل ما قيل فيه لأنه محتمل له، فعلى هذا يقتضي أن لا يكون في الوجود صمد سوى الله تعالى العظيم القادر على كل شيء وأنه اسم خاص بالله تعالى انفرد به له الأسماء الحسنى والصّفات العليا {أية : ليس كمثله شيء وهو السّميع البصير} تفسير : [الشورىٰ: 11]. قوله عز وجل: {لم يلد ولم يولد} وذلك أن مشركي العرب قالوا الملائكة بنات الله، وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النّصارى المسيح ابن الله فكذبهم الله عز وجل، ونفى عن نفسه ما قالوا بقوله {لم يلد} يعني كما ولد عيسى، وعزير، {ولم يولد} معناه أن من ولد كان له والد فنفى عنه إحاطة النسب من جميع الجهات، فهو الأول الذي لم يتقدمه، والد كان عنه وهو الآخر الذي لم يتأخر عنه ولد يكون عنه، ومن كان كذلك فهو الذي لم يكن له كفواً أحد، أي ليس له من خلقه مثل، ولا نظير ولا شبيه فنفى عنه. بقوله {ولم يكن له كفواً أحد} العديل والنّظير، والصّاحبة والولد (خ) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : قال الله عز وجل: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني، ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إيّاي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولداً وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد، ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد" تفسير : والله سبحانه وتعالى أعلم.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: كانوا أبو عمرو يستحب الوقف على قوله {قل هو الله أحد} وإذا وصل كان له وجهان من القراءة: أحدهما التنوين وكسره، والثاني حذف التنوين كقراءة عزير بن الله لاجتماع الساكنين، وكل صواب {وكفؤاً} بالسكون والهمزة: حمزة وخلف وعباس والمفضل وإسماعيل ورويس عن يعقوب. وكان حمزة يقف ساكنة الفاء ملينة الهمزة ويجعلها شبه الواو إتباعاً للمصحف. وقرأ حفص غير الخراز مثقلاً غير مهموز. الباقون: مثقلاً مهموزاً. الوقوف: {أحد} ه ج لاحتمال أن ما بعدها جملة أخرى أو خبران آخران {الصمد} ه ج لمثل ذلك {ولم يولد} لا {أحد} ه. التفسير: قد وردت الأخبار الكثيرة بفضل سورة الإخلاص وأنها تعدل ثلث القرآن فاستنبط العلماء لذلك وجهاً مناسباً وهو أن القرآن مع عزارة فوائده اشتمل على ثلاثة معانٍ فقط: معرفة ذات الله تعالى وتقدّس، ومعرفة صفاته وأسمائه، ومعرفة أفعاله وسننه مع عباده. ولما تضمنت سورة الإخلاص أحد هذه الأقسام الثلاثة وهو التقديس، وازنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلث القرآن. حديث : وعن أنس أن رجلاً كان يقرأ في جميع صلاته " قل هو الله أحد " فسأله الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: يا رسول الله إني أحبها فقال: حبك إياها يدخلك الجنةتفسير : . أما سبب نزولها فعن أبيّ بن كعب أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك فأنزل الله تعالى هذه السورة. وعن عطاء عن ابن عباس قال: قدم وفد نجران فقالوا: صف لنا ربك أزبرجد أم ياقوت أم ذهب أم فضة. فقال: إن ربي ليس من شيء لأنه خلق الأشياء فنزلت {قل هو الله أحد} فقالوا: هو واحد وأنت واحد فقال {أية : ليس كمثله شيء}تفسير : [الشورى: 11] قالوا: زدنا من الصفة. قال {الله الصمد} فقالوا: وما الصمد؟ قال: الذي يصمد الخلق إليه في الحوائج فقالوا: زدنا فقال {لم يَلد} كما ولدت مريم {ولم يولد} كما ولد عيسى {ولم يكن له كفواً أحد} يريد نظيراً من خلقه. ولشرف هذه السورة سميت بأسماء كثيرة أشهرها الإخلاص لأنها تخلص العبد من الشرك أو من النار. وقد يقال لها سورة التفريد أو التجريد أو التوحيد أو النجاة أو الولاية لأن من قرأها صار من أولياء الله أو المعرفة لما روى جابر أن رجلاً صلى فقرأ السورة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا عبد عرف ربه. أو الجمال لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله جميل يحب الجمال"تفسير : ومن كمالات الجميل كونه عديم النظير. أو الأساس لقوله صلى الله عليه وسلم " حديث : أسست السموات السبع والأرضون اسبع على {قل هو الله أحد} "تفسير : وهذا قول معقول لأن القول بالتثليث يوجب خراب السموات والأرض كما قال {أية : تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخرّ الجبال هدّا أن ادعو للرحمن ولداً}تفسير : [مريم: 90] فوجب أن يكون التوحيد سبباً لعمارة العالم. وقد تسمى سورة النسبة لما مر أنها نزلت عند قول المشركين " انسب لنا ربك " فكأنه قيل: نسبه الله هذا. والمانعة لرواية ابن عباس أنه تعالى قال لنبيه حين عرج به: أعطيتك سورة الإخلاص وهي من ذخائر كنوز العرش، وهي المانعة تمنع فتان القبر ونفحات النيران، والمحضرة لأن الملائكة تحضر لاستماعها إذا قرئت، والمنفرة أي للشيطان، والراءة أي من الشرك، وسورة النور لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن لكل شيء نوراً ونور القرآن قل هو الله أحد"تفسير : قلت: وذلك لأن الله تعالى نور الله نور السموات والأرض، وكما أن نور الإنسان في أصغر أعضائه وهو الحدقة كذلك نور القرآن في أقصر السور سوى " الكوثر ". ثم إن العلماء أجمعوا على أن الوحدانية مما يمكن معرفتها بطريق السمع والعقل جميعاً وليست كمعرفة ذات الصانع حيث لا يمكن معرفته إلا بطريق العقل فقال أهل العرفان في بيانه: إن العقل يريد عالماً كاملاً أميناً تودع عنده الحسنات، والشهوة تريد غنياً تطلب منه المستلذات بل العقل كالإنسان الذي له همة عليه لا تنقاد إلا لمولاه، والهوى كالمنتجع الذي يطلب غنياً يتكدى منه بل العقل يطلب معرفة المولى ليشكر له على النعم السابقة، والهوى يطلبها ليستفيد منه النعم اللاحقة. فلما عرفاه كما أرادا تعلقاً بذيل عنايته فقال العقل: لا أشكر أحداً سواك. وقالت الشهوة: لا أسأل أحداً إلا إياك. فجاءت الشبهة وقالت: يا عقل كيف أفردته بالشكر ولعل له مثلاً؟ ويا شهوة كيف اقتصرت عليه ولعل ههنا باباً آخر؟ فبقي العقل متحيزاً وتبغصت عليه راحة المعرفة حين أراد أن يسافر في عالم الاستدلال لتحصيل ربح التوحيد ويغوص في بحر الفكر ليعود بجوهرة النحر، فأدركته عناية المولى فقال: كيف أنغص على عبدي لذة الاشتغال بخدمتي وشكري؟ فبعث إلأيه رسولاً صادقاً وقال: لا تقله من عند نفسك فيوقعك الوهم في الشك ولكن اقبله من الصادق الأمين {قل هو الله أحد} والضمير للشأن أي الشأن والحديث الله أحد. هذا قول جمهور النجاة وقريب منه قول الزجاج: إن المراد هذا الذي سألتم عنه الله أحد. وقيل: هو كناية عن الله فيكون كقولك " زيد أخوك قائم " قال الأزهري: لا يوصف شيء بالأحدية غير الله تعالى لا يقال: رجل أحد ولا درهم أحد. وقال غيره: الفرق بين الواحد والأحد من ثلاثة أوجه أحدها: أن الواحد يدخل في الأحد والأحد لا يدخل فيه. وثانيها أنك إذا قلت " فلان لا يقاومه واحد " جاز أن يقال لكنه يقاومه اثنان. وثالثها أن الواحد يستعمل في الإثبات كقولك " رأيت رجلاً واحداً " والأحد يستعمل في النفي نحو " ما رأيت أحداً " فيفيد العموم. قلت: ولعلّ وجه تخصيص الله بالأحد هو هذا المعنى وذلك أنه أبسط الأشياء وكأنك قلت: إنه لا جزء له أصلاً بوجه من الوجوه ومن هنا قال بعضهم: إن الأحد يدل على جميع المعاني السلبية ككونه ليس بجوهر ولا عرض ولا متحيز وغير ذلك كما أن اسم الله يدل على مجامع الصفات الإضافية لأن الله اسم للمعبود بالحق واستحقاق العبادة لا يتجه إلا إذا كان مبدأ لجميع ما سواه عالماً قادراً إلى غير ذلك. وأما لفظة {هو} فإنها تدل على نفس الذات فتبين أن قوله {قل هو الله أحد} يدل على الذات والصفات جميعاً. وههنا لطيفة وهي أن قوله {هو} إشارة إلى مرتبة السابقين الذين لا يرون معه شيئاً آخر فيكفي الكناية بالنسبة إليهم، وأما اسم {الله} فإشارة إلى مرتبة أصحاب اليمين وهم الذين عرفوه بالبرهان مستدلين على الوجوب بالإمكان فهم ينظرون إلى الحق وإلى الخلق جميعاً فيحتاجون في التمييز إلى اسمه العلم. وأما " الأحد " فرمز إلى أدون المراتب الإنسانية وهم أصحاب الشمال الذي يثبتون مع الله إلهاً آخر فوجب التنبيه على إبطال معتقدهم بأن الله أحد لا شريك له أو لا جزء بوجه من الوجوه، وبعبارة أخرى هو للأخص والله للخواص وأحد للعموم. وأما " الصمد " فقيل: إنّه فعل بمعنى " مفعول " من صمده إذا قصده أي هو السيد المقصود إليه في الحوائج كما مرّ في الحديث الوارد في سبب النزول. وقيل: هو الذي لا جوف له ومنه قولهم لسداد القارورة " صماد " وشيء مصمد أي صلب ليس فيه رخاوة. قال ابن قتيبة: يجوز على هذا التفسير أن تكون الدال بدل التاء في " مصمت ". وقال بعض المتأخرين من أهل اللغة: الصمد هو الأملس من الحجر لا يقبل الغبار ولا يدخله شيء ولا يخرج منه شيء. ولا يخفى أن هذين المعنيين من صفات الأجسام حقيقة إلا أن مقدّمة الآية وهي {الله أحد} تمنع من حملهما على حقيقتهما لأن كل جسم مركب فوجب الحمل على المجاز وهو أنه لوجوب ذاته ممتنع التغير في وجوده وبقائه وسائر صفاته، ومن هنا اختلفت عبارات المفسرين فعن بعضهم: الصمد هو العالم بجميع المعلومات لأن كونه مبدأ مرجوعاً إليه في قضاء الحاجات لا يتم إلا بذلك. وعن ابن مسعود والضحاك: هو السيد الذي انتهى سودده. وقال الأصم: هو الخلق للأشياء لأن السيد الحقيقي هو هو. وقال السدي: هو المقصود في الرغائب المستغاث عند المصائب. وقال الحسن بن الفضل: هو الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وقال قتادة: لا يأكل ولا يشرب وهو يطعم ولا يطعم. وعن جعفر الصادق رضي الله عنه أنه يغلب ولا يغلب. وسائر عباراتهم كلها متقاربة تدور حول ما ذكرنا. سؤال: لما جاء الخبر ههنا معرفاً وفي قوله {الله أحد} منكراً؟ الجواب لأنه كان معلوماً عندهم أنه غني على الإطلاق ومرجوع إليه في الحوائج {أية : فإذا مس الإنسان ضرُّ دعا ربه} تفسير : [الزمر: 8] أما التوحيد فلم يكن ثابتاً في أوهامهم بل ركز في أوهام العامة أن كل موجود فإنه محسوس وكل محسوس فهو منقسم فلا جرم جاء لفظ {أحد} منكراً ولفظ {الصمد} معرفاً. آخر: لم مكرر ثانياً اسم الله ولم يقتصر على ضميره؟ الجواب لما قيل: شعر : هو المسك ما كررته يتضوّع تفسير : ولأنه قد سبق ضمير الشأن ولأنه يلزم الاشتراك، ولما مر أن الإشارة بلفظة " هو " مرتبة الصديقين والخطاب بقوله {الله الصمد} لعموم الخلائق والسابقون منهم قليل فاعتبار الأغلب أولى. آخر: كون الشخص مولوداً أقدم من كونه والداً فلم قدم قوله {لم يلد} على قوله {ولم يولد} أجيب بأن النزاع إنما وقع في كونه والداً حين قالت النصارى المسيح ابن الله، واليهود عزير ابن الله، ومشركو العرب الملائكة بنات الله، بل المتفلسفة الذين قالوا إنه يتولد عن واجب الوجود عقل، وعن العقل الأول عقل آخر ونفس إلى آخر العقول العشرة والنفوس وهو العقل الفعال المدبر بزعمهم لما دون فلك القمر، فكان نفي كونه والداً أهم. ثم أشار إلى طريق الاستدلال بقوله {ولم يولد} كأنه قال: الدليل على امتناع الوالد اتفاقنا على أنه ما كان ولداً لغيره. وأنا أقول: كون الشخص مولوداً اعتبار لمعلوليته، وكونه والداً اعتبار لعليته، ولا ريب أن اعتبار العلية مقدم على اعتبار المعلولية كما أن العلة بالذات متقدمة على المعلول، فالسؤال مدفوع. قالوا: وإنما اقتصر على لفظ الماضي لأن النزاع كان واقعاً في المسيح وعزير ونحوهما فوقع قوله {لم يلد} جواباً عما ادعوه عليه. وأما قوله {ولم يولد} فلم يكن مفتقراً إلى هذا التوجيه لأن كل موجود إذا لم يكن مولوداً في مبدإ تكوّنه فلن يكون مولوداً بعد ذلك. وأقول: لعل المراد بقوله {لم يلد} نفي أن يكون هو ممن شأنه الولادة وهذا المعنى يشمل كل زمان، وبهذا التفسير لا يصح على العاقر أنه لا يلد ويصح أنه يلد. واعلم أنه سبحانه بين كونه في ذاته وحقيقته منزهاً عن جميع أنحاء التراكيب بقوله {هو الله أحد} ثم بين كونه ممتنع التغير عما هو عليه من صفات الكمال ونعوت الجلال بقوله {الله الصمد} ثم أراد أن يشير إلى نفي من يماثله وهو إما لا حق وأبطله بقوله {لم يلد} وإما سابق وأحاله بقوله {ولم يولد} وإما مقارن في الوجود وزيفه بقوله {ولم يكن له كفواً أحد} ويجوز أن يكون الأوّلان إشارة إلى نفي من يماثله بطريق التولد أو التوالد، والثالث تعميماً بعد التخصيص. ويحتمل أن يراد بالأخير نفي المصاحبة لأن المصاهرة تستدعي الكفاءة شرعاً وعقلاً فيكون رداً على من حكى الله عنهم في قوله {أية : وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً}تفسير : [الصافات: 158] قاله مجاهد. سؤال: قد نص سيبويه في كتابه على أن الخبر قد يقدم على الاسم في باب " كان " ولكن تعلق الخبر حينئذ لا يتقدم على الخبر كيلا يلزم العدول عن الأصل بمرتبتين فكيف قدم الصرف على الاسم والخبر جميعاً؟ أجاب النحويون عنه بأن هذا الظرف وقع بياناً للمحذوف كأنه قال: ولم يكن أحد فقيل: لمن؟ فأجيب بقوله " له " نظيره قوله {أية : وكانوا فيه من الزاهدين}تفسير : [يوسف: 20] وقوله {أية : فلما بلغ معه السعي}تفسير : [الصافات: 102].
الثعالبي
تفسير : رُوِيَ أنَّ اليهودَ دَخَلُوا عَلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له: يا مُحَمَّدُ؛ صِفْ لَنَا رَبَّك وانْسِبْه، فإنَّه وَصَفَ نَفْسَه في التوراةِ وَنَسَبها، فارْتَعَدَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ قولِهِم حَتَّى خَرَّ مغشياً عليه، ونَزَلَ جبريلُ بهذهِ السورةِ. و{أَحَدٌ} مَعناه: وَاحدٌ فَرْدٌ مِنْ جميعِ جِهَاتِ الوَحْدَانِيَّة، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيءٌ و{هُوَ} ابتداءٌ، و{ٱللَّهُ} ابتداءٌ ثانٍ، و{أَحَدٌ} خَبَرُه والجملةُ خَبَرُ الأوَّلِ، وقيلَ هو ابتداءُ و{ٱللَّهُ} خبرُه و{أَحَدٌ} بَدَلٌ منه، وَقَرَأَ عمر بن الخطابِ وغَيْرُهُ: «قُلْ هُوَ اللَّهُ الواحِدُ الصَّمَدُ» و{ٱلصَّمَدُ} في كلامِ العربِ السيدُ الذي يُصْمَدُ إليه في الأُمُورِ وَيَسْتَقِلُّ بها وأنْشَدُوا: [الطويل] شعر : لَقَدْ بَكَّرَ النَّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أَسَدِ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعَودٍ وَبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ تفسير : وبهذا تَتَفَسَّرُ هذه الآيةُ لأَنَّ اللَّهَ تعالى ـــ جلت قدرته ـــ هُوَ مُوجِدُ المَوْجُودَاتِ وإليهِ تَصْمُدُ وبه قِوَامُها ـــ سبحانه وتعالى ـــ. وقوله تعالى: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} رَدٌّ عَلى إشارَةِ الكفارِ في النَّسَبِ الذي سأَلُوه، وقال ابن عباس: تَفَكَّروا في كلّ شَيْءٍ ولا تتفكروا في ذاتِ اللَّه، قال * ع *: لأَنَّ الأفْهَامَ تَقِفُ دونَ ذلكَ حَسِيرَةً. وقوله سبحانه: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} معناه ليسَ له ضِدٌّ، وَلاَ نِدٌّ ولا شبيهٌ، {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} تفسير : [الشورى:11]، والكُفُؤُ النَّظِيرُ و«كفواً» خبر كان وٱسْمُهَا {أَحَدٌ}. قال * ص *: وحَسُنَ تأخيرُ اسمها لِوُقُوعِه فاصلةً، وله مُتَعَلِّقٌ بـ{كفؤًا} أي: لَمْ يَكُنْ أحَدٌ كُفُؤاً لَهُ، وقُدَّمَ اهتماماً بِه لاِشْتِمالِهِ على ضميرِ البَارِي سبحَانه، انتهى، وفي الحديثِ الصحيحِ عنه صلى الله عليه وسلم حديث : إنَّ {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآنتفسير : ، قال * ع *: لِمَا فِيهَا مِنَ التوحيدِ، ورَوَى أبو محمدٍ الدارميّ في «مسندهِ» قال: حدثنا عبد اللَّه بن مزيد حدثنا حيوة قال: أخبرنا أبو عقيل، أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مَنْ قَرَأَ: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} إحْدَى عَشَرَةَ مَرَّةً بُنِيَ لهُ قصرٌ في الجنةِ، ومَنْ قَرَأَها عِشْرينَ مرةً، بُنِيَ له قَصْرَانِ في الجنةِ، ومَنْ قرأَها ثَلاثِينَ مرةً؛ بُنِيَ له ثلاثةُ قصورٍ في الجنة. فقال عمر بن الخطاب: إذَنْ تَكْثُرُ قصورُنَا يا رسولَ اللَّهِ؛ فقَال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: اللَّهُ أوْسَعُ من ذلك» تفسير : [أي: فَضْلُ اللَّهِ أوْسَعُ مِنْ ذَلك]. قال الدارمي: أبو عقيل هو زهرة بن معبد، وزعموا أنه من الأبْدَالِ، انتهى من «التذكرة».
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}. في "هُوَ" وجهان: أحدهما: أنه ضمير عائد على ما يفهم من السياق، فإنه يروى في سبب النزول أنهم قالوا: صف لنا ربَّك وانسبه. وقيل: قالوا له: أنُحَاسٌ هو أم حَديدٌ؟ فنزلت. وحينئذ يجوز أن يكون "اللهُ" مبتدأ، و "أحد" خبره، والجملة خبر الأولِ، ويجوز أن يكون "الله" بدلاً، و "أحد" الخبر، ويجوز أن يكون "الله" خبراً أولاً، و "أحد" خبراً ثانياً، ويجوز أن يكون "أحد" خبراً لمبتدأ محذوف، أي "هو أحد"، والثاني: ضمير الشأن؛ لأنه موضع تعظيم، والجملة بعد خبره مفسرة. وهمزة "أحد" بدل من واو؛ لأنه من الوحدة، وإبدال الهمزة من الواو المفتوحة قليل، منه: امرأة أناة من الونى، وهو الفُتُور، وتقدم الفرق بين "أحد" هذا، و "أحد" المراد به العموم، فإن همزة ذاك أصل بنفسها. ونقل أبو البقاء: أن همزة "أحد" هذا غير مقلوبة، بل أصلها بنفسها، فالمراد به العموم. والأول هو المعروف. وفرق ثعلب بين "أحد" و "واحد" بأنَّ الواحد يدخله العدد والجمع والاثنان و "أحد" لا يدخله ذلك، ويقال: اللهُ أحد، ولا يقال: زيد أحد؛ لأن الله تعالى هذه الخصوصية، وزيد له حالات شتى. ورد عليه أبو حيَّان بأنه يقال: أحد وعشرون، ونحوه، فقد دخله العدد انتهى. وقال مكيٌّ: إن أصله: "واحد" فأبدلت الواو همزة، فاجتمع ألفان؛ لأن الهمزة تشبه الألف، فحذفت إحداهما تخفيفاً. وقرأ عبد الله وأبيّ: {ٱللَّهُ أَحَدٌ} دون "قُلْ". وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم: {ٱللَّهُ أَحَدٌ} بغير {قُلْ هُوَ}. وقرأ الأعمش: "قل هو الله الواحد". وقرأ العامة: بتنوين "أحَدٌ" وهو الأصل. وزيد بن علي وأبان بن عثمان، وابن أبي إسحاق والحسن، وأبو السمال، وأبو عمرو في رواية، في عدد كثير: بحذف التنوين للخفة، ولالتقاء الساكنين، كقوله: [الكامل] شعر : 5352- عَمروُ الذي هَشمَ الثَّريدَ لقومهِ ورِجالُ مكَّة مُسنتُــونَ عِجَـــافُ تفسير : وقوله: [المتقارب] شعر : 5353- …….......................... ولا ذَاكِـــرَ الـلَّــهَ إلاَّ قَـلِــيــــلاً تفسير : فصل والصمد: الذي يصمدُ إليه في الحاجات، ولا يقدر على قضائها إلا هو. قال: [الطويل] شعر : 5354- ألاَ بكَّرَ النَّاعِي بخَيْرِ بَنِي أسَـدْ بِعمْرِو بنِ مسعُودٍ وبالسَّيِّدِ الصَّمَدْ تفسير : وقال آخر: [البسيط] شعر : 5355- عَلـوتــهُ بحُسَــامٍ ثُمَّ قلــتُ لــهُ خُـذهَا حُذيْــفُ فأنـتَ السيِّـدُ الصَّمــدُ تفسير : وقيل: الصمد: المصمت الذي لا جوف له. ومنه قوله: [الطويل] شعر : 5356- شِهَابُ حُروبٍ لا تَزَالُ جِيَادهُ عَوابِسَ يَعلُكْنَ الشَّكيمَ المُصَمَّدَا تفسير : وقال أبيّ بن كعب رضي الله عنه: تفسيره، من قوله تعالى: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} وهذا يشبه ما قالوه من تفسير الهلوع، والأحسن في هذه الجملة أن تكون مستقلة بفائدة هذا الخبر، ويجوز أن يكون "الصَّمدُ" صفة، والخبر في الجملة بعده، كذا قيل، وهو ضعيف من حيث السِّياق، فإن السياق يقتضي الاستقلال بأخبار عن كل جملة. قال القرطبي: ["لأنه ليس شيء إلا سيموت]، وليس شيء يموت إلا يورث". قيل: الصمد: الدائمُ الباقي الذي لم يزل، ولا يزال. وقال أبو هريرة: إنه المستغني عن كل أحد, والمحتاج إليه كل أحد. وقال السديُّ: إنه المقصود في الرغائب، والمستعان به في المصائب. [وقال الحسن بن الفضل: إنه الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. وقال مقاتل: إنه الكامل الذي لا عيب فيه]. قال القرطبيُّ: والصحيح من هذه الأقوال ما شهد له الاشتقاق وهو القول الأول، ذكره الخطابي. فصل في لفظ أحد قال ابن الخطيب: ونكر لفظ أحد، لأن الذي يعرفه الخلق من الموجودات محسوس، وكل محسوس منقسم، فأما ما لا ينقسم فلا يعرف، وعرَّف الصمد؛ لأنه الذي يقصد إليه في الحوائج، وذلك معلوم عند الخلق، وقدم {لَمْ يَلِدْ} وإن كان العرف سبق؛ لأنه الأهم، وقوله تعالى: {وَلَمْ يُولَدْ} كالحجة على أنه لم يلدْ، وجاء هنا {لَمْ يَلِدْ}، وفي سورة "الإسراء": {أية : لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً} تفسير : [الإسراء: 111]، لأن من النصارى من يقول: عيسى ولدُ الله حقيقة، ومنهم من يقول: إن الله اتخذه ولداً تشريفاً، فنفى الأمرين. فصل في الرد على من أسقط "قل هو" قال القرطبي: وقد أسقط من هذه السورة من أبعده الله وأخزاه، وجعل النار مقامه ومثواه، وقرأ "الله الواحد الصمد" والناس يستمعون، فأسقط "قل هو" وزعم أنه ليس من القرآن، وغير لفظ "أحد"، وادَّعى أن هذا الصواب، والذي عليه الناس هو الباطلُ، فأبطل معنى الآية، لأن أهل التفسير قالوا: نزلت الآية جواباً لأهل الشركِ، لما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: صِفْ لَنَا ربَّك أمِنْ ذهبٍ هُو أم من نُحاس أم من [صفر]؟. فقال الله تعالى رداً عليهم: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}، ففي "هُوَ" دلالة على موضع الرد، ومكان الجواب، فإذا سقط بطل معنى الآية، وصح الافتراء على الله - عز وجل - والتكذيب لرسوله صلى الله عليه وسلم. وروى الترمذي عن أبيِّ بن كعب: أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "انسب لنا ربك" فأنزل الله تعالى: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}، والصمد: الذي لم يلد، ولم يولد؛ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله تعالى لا يموت، ولا يورث. وروى أبو العالية: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر آلهتهم، فقالوا: انسب لنا ربك، قال: فأتاه جبريل بهذه السورة: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}. قال الترمذي: وهذا أصحّ. قال القرطبيُّ: "ففي هذا الحديث إثبات لفظ، "قل هو الله أحد"، وعن عكرمة نحوه". وقال ابن عباس: "لَم يلدْ" كما ولدت مريم، و "لَمْ يُولدْ" كما ولد عيسى، وعزير، وهو رد على النصارى، وعلى من قال: عزير ابن الله، {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} فقدم خبر كان على اسمها، لينساق أواخر الآي على نظم واحدٍ. فصل في الكلام على الآية قال ابن الخطيب: دل العقل على استحالة كونه تعالى ولداً ووالداً، والأحديَّةُ والصَّمديَّةُ يوجبان نفي كونه تعالى والداً، أو مولوداً، وذكر بعدهما كما ذكر النتيجة بعد الدليل. قوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}. في نصب "كُفُواً" وجهان: أحدهما: أنه خبر "يَكُونُ" و "أحَدٌ" اسمها و "لهُ" متعلق بالخبر, أي: ولم يكن كفواً له كما تقدم وقد رد المبرد على سيبويه بهذه الآية من حيث إنه يزعم أنه إذا تقدم الظَّرف كان هو الخبر, وهنا لم يجعله خبراً مع تقدمه. وقد رد على المبرِّد بوجهين: أحدهما: أن سيبويه لم يحتم ذلك بل جوزه. والثاني: أنا لا نسلم أنَّ الظرف هنا ليس بخبر، بل هو خبر، ونصب "كُفواً" على الحال، على ما سيأتي بيانه. وقال الزمخشري: الكلام العربي الفصيح، أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم، وقد نص سيبويه في كتابه على ذلك، فما باله مقدماً في أفصح كلام وأعربه؟ قلت: هذا الكلام إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات الباري سبحانه، وهذا المعنى مصبُّه ومركزه هو هذا الظرف، فكان لذلك أهم شيء وأعناه، وأحقه بالتقديم وأحراه. والثاني: أن ينصب على الحال من "أحدٌ"؛ لأنه كان صفة، فلما تقدم عليه نصب حالاً و "له" هو الخبر. قاله مكي، وأبو البقاء، وغيرهما. ويجوز أن يكون حالاً من الضمير المستكن في الجار لوقوعه خبراً. قال أبو حيان بعد أن حكى كلام الزمخشري ومكي: وهذه الجملة ليست من هذا الباب، وذلك أن قوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} ليس الجار والمجرور فيه تامَّا، إنما هو ناقص، لا يصلح أن يكون خبراً لـ "كان" بل متعلق بـ "كُفُواً"، وتقدم على "كُفُواً" للاهتمام به, إذ فيه ضمير الباري تعالى, وتوسط الخبر وإن كان الأصل التأخير؛ لآن تأخير الاسم هو فاصلة، فحسن ذلك، وعلى هذا الذي قررناه يبطل إعراب مكي وغيره، أن "لهُ" والخبر، و "كُفُواً" حال من "أحَدٌ" لأنه ظرف ناقص، ولا يصلح أن يكون خبراً، وبذلك يبطل سؤال الزمخشري وجوابه، وسيبويه إنما تكلم في الظرف الذي يصلح أن يكون خبراً، ويصلح أن يكون غير خبر. قال سيبويه: وتقول: ما كان فيها أحد خير منك، وما كان أحد مثلك فيها، وليس أحد فيها خير منك، إذا جعلت "فيها" مستقراً, ولم تجعله على قولك: فيها زيد قائم، ثم أجريت الصفة على الاسم, فإن جعلته على قولك: فيها زيد قائم, نصبت، تقول: ما كان فيها أحد خيراً منك، وما كان أحد خيراً منك فيها، إلا أنك إذا أردت الإلغاء، فكلما أخرت الذي تلغيه كان أحسن، وإذا أردت أن يكون مستقراً، تكتفي به، فكلما قدمته كان أحسن، والتقديم والتأخير والإلغاء والاستقرار عربي جيد كثير، قال تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}. وقال الشاعر: [الرجز] شعر : 5357- مَــا دَامَ فيهِـنَّ فَصِيـــلٌ حَيَّـــا تفسير : انتهى كلام سيبويه. قال أبو حيَّان: فأنت ترى كلامه، وتمثيله بالظرف الذي لا يصلح أن يكون خبراً، ومعنى قوله: "مستقرَّا" أي: خبراً للمبتدأ، ولـ "كان". فإن قلت: قد مثل بالآية الكريمة. قلت: هذا الذي أوقع مكياً والزمخشري وغيرهما فيما وقعوا فيه، وإنما أراد سيبويه أن الظرف التام، وهو في قوله: [الرجز] شعر : 5358- مَــا دَامَ فيهِـنَّ فَصِيـــلٌ حَيَّـــا تفسير : أجري فضلة، لا خبراً، كما أن "لهُ" في الآية أجري فضلة، فجعل الظرف القابل أن يكون خبراً كالظرف الناقص في كونه لم يستعمل خبراً، ولا يشك من له ذهن صحيح أنه لا ينعقد كلام من قوله: "ولم يكن له أحد" بل لو تأخر "كُفُواًُ" وارتفع على الصفة وجعل "لهُ" خبراً لم ينعقد منه كلام، بل أنت ترى أن النفي لم يتسلط إلا على الخبر الذي هو "كُفُواً" و "لَهُ" متعلق به، والمعنى: لم يكن أحد مكافئه انتهى ما قاله ابن حيَّان. قال شهاب الدين: قوله: "ولا يشك" إلى آخره، تهويل على الناظر، وإلا فقوله: "هذا الظرف ناقص" ممنوع، لأن الظرف الناقص عبارة عما لم يكن في الإخبار به فائدة كالمقطوع عن الإضافة ونحوه، وقد نقل سيبويه الأمثلة المتقدمة، نحو: "ما كان فيها أحد خيراً منك" وما الفرق بين هذا، وبين الآية الكريمة، وكيف يقول هذا، وقد قال سيبويه في آخر كلامه: "والتقديم والتأخير، والإلغاء، والاستقرار عربي جيد كثير". فصل قرأ العامة: "كُفُواً" بضم الكاف والفاء، وقد سهل الهمزة الأعرج ونافع في رواية، وسكن الفاء حمزة وأبدل الهمزة واواً وقفاً خاصة، وأبدلها حفص واواً مطلقاً، والباقون بالهمزة مطلقاً. قال القرطبي: وتقدم في البقرة أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، فإنه يجوز في عينه الضم والإسكان إلا قوله تعالى "أتتّخذنا هزواً". وقرأ سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم "كفاء" بالكسر والمد أي لا مثل له، وأنشد للنابغة: [البسيط] شعر : 5359- لاَ تَقْذفنِّــي برُكــنٍ لا كِفــاءَ لَــهُ ……................................. تفسير : وقرأ نافع في رواية: كِفَا بالكسر وفتح الفاء من غير مد كأنه نقل حركة الهمزة وحذفها. والكفو النظير كقوله: هذا كفؤ لك: أي نظيرك، والاسم الكفاءة بالفتح. قال ابن الخطيب: والتحقيق أنه تعالى لما أثبت الأحديَّة، والصمديّة، ونفى الوالدية، والمولودية ختم السورة بأن شيئاً من الموجودات يمتنع أن يساويه في شيء من صفات الجلال، والعظمة لانفراده سبحانه، وتعالى بوجوب الوجود لذاته. فصل روى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يَقُول الله تعالى: كذَّبنِي ابنُ آدمَ ولمْ يكُنْ لهُ ذلِكَ، وشَتمنِي ولمْ يكُنْ لهُ ذلِكَ، فأما تَكْذيبهُ فقوله: لن يُعِيدنِي كَمَا بَدأنِي، وليْسَ بأوَّل الخَلقِ وليس بأهْونَ عليَّ مِنْ إعَادَتِهِ، وأمَّا شتمهُ إيَّاي، فقوله: اتخذ الله ولداً، وأنا الأحدُ الصَّمَدُ، لم ألدْ ولم أولَدْ ولم يكن لي كفواً أحد ". تفسير : فصل في فضائل هذه السورة روى البخاري عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - حديث : أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} يرددها، فلما أصبح جاء النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والَّذي نَفْسِي بيدهِ، إنَّها لتعْدِلُ ثُلثَ القُرآنِ"" تفسير : لأن القرآن أنزل ثلاثاً؛ ثلثاً: أحكام. وثلثاً: وعد ووعيد. وثلثاً: أسماء وصفات، وجمعت هذه السورة أحد الأثلاث، وهو الأسماء والصفات. وروى مسلم عن عائشة - رضي الله عنها - حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بـ {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "سلُوه لأيِّ شيءٍ يصْنَعُ ذلِكَ"؟ فسألوه: فقال: لأنَّها صفةُ الرَّحمنِ، فأنا أحبُّ أن أقرأ بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أخبرُوهُ أنَّ الله تعالى يُحِبُّهُ" ". تفسير : وروى الترمذي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَجَبَتْ"، قلتُ: ومَا وَجبَتْ؟ قال: "الجَنَّةُ" ". تفسير : وروى أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : مَنْ قَرَأ: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} خمسِينَ مرَّة غُفِرَتْ ذُنوبهُ ". تفسير : وروى سعيد بن المسيب - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : "مَنْ قَرَأ: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} أحَدَ عشرة مرَّة بَنَى اللهُ لهُ قصْراً في الجنَّةِ، ومن قَرَأهَا عِشْرينَ مَرَّةً بَنى اللهُ لهُ قَصرينِ في الجنَّة، ومن قَرأهَا ثلاثين مرَّةً، بَنَى له بِهَا ثلاثة قُصُورٍ في الجنَّة" فقال عمرُ بن الخطاب: والله يا رسول الله إذاً لنُكثِّرنَّ قُصُورنَا، فقال - عليه الصلاة والسلام -: "اللهُ أوسعُ مِنْ ذلِكَ" ". تفسير : وقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ قَرَأ: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} في مَرَضِه الَّذي يَمُوتُ فِيهِ لمْ يُفْتَنْ في قَبْرِهِ، وأمِنَ من ضغطهِ القبْرِ، وحمَلتهُ الملائِكةُ يومَ القِيامةِ بأكُفِّها، حتَّى يُجيزَ الصِّراطَ إلى الجنَّةِ". تفسير : فصل في أسماء هذه السورة في أسمائها: قال ابن الخطيب: سورة التفريد، وسورة التجريد، وسورة التوحيد، وسورة الإخلاص، وسورة النجاة، وسورة الولاية، وسورة النسبة، لقولهم: انسبْ لنا ربَّك، وسورة المعرفة، وسورة الجمال، وسورة البراءة؛ لأنها تبرئ من النفاق، وسورة الأساس، وسورة المحضر؛ لأن الملائكة تحضر لسماعها، وسورة المانعة، والمنفرة، لأنها تنفر الشيطان، وسورة النور، لأنها تنور القلب، والله نور السموات والأرض. والله أعلم.
البقاعي
تفسير : ولما كان المقصود من القرآن دعوة العباد إلى المعبود، وكان المدعو إلى شيء أحوج ما يكون إلى معرفته، وكان التعريف تارة للذات وتارة للصفات وتارة للأفعال، وكانت هذه الأمة - أشرف الأمم لأن نبيها أعلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكان هي الختام، أشبع الكلام في تعريفه سبحانه في القرآن، وأنهى البيان في ذلك إلى حد لا مزيد عليه ولم يقاربه في ذلك كتاب من الكتب السالفة، ولكنه لما كان الكبير إذا تناهى كبره عزت معرفة ذاته، وكان الله تعالى هو الأكبر مطلقاً، وكانت معرفة ذاته - كما أشار إليه الغزالي في الجواهر، والفخر الرازي في كتبه - أضيق ما يكون مجالاً وأعسره مقالاً، وأعصاه على الفكر منالاً، وأبعده عن قبول الذكر استرسالاً لأن القرآن لا يشتمل من ذلك إلا على تلويحات وإشارات أكثرها رجع إلى ذكر التقديس المطلق كقوله تعالى{أية : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}تفسير : [الشورى: 112] وإلى التعظيم المطلق كقوله {سبحانه وتعالى عما يصفون} فكام القياس أن يقتصر على ذلك مع التعريف بالصفات والأفعال، لكن لما كانت هذه الأمة في الذروة من حسن الأفهام مع ما نالته من الشرف، حباها سبحانه وتعالى بسورة الإخلاص كاملة ببيان لا يمكن أن تحتمل عقول البشر زيادة عليه، وذلك ببيان أنه ثابت ثباتاً لا يشبهه ثبات على وجه لا يكون لغيره أصلاً، وأنه سبحانه وتعالى منزه عن الشبيه والنظير والمكافىء والمثيل، فلا زوجة له ولا ولد، ولا حاجة بوجه إلى أحد، بل له الخلق والأمر، فهو يهلك من أراد ويسعد من شاء، فقال آمراً لنبيه صلى الله عليه وسلم ليكون أول كلمة فيها دالة على رسالته رداً على من كذبه في خاصة نفسه وعلى البراهمة القائلين: إن في العقل غنى عن الرسل. ويكون البيان جارياً على لسانه صلى الله عليه وسلم ليكون إلى فهم الخلق عنه لتلك الصفات العلى أقرب لما لهم به من المجانسة: {قل} أي يا أكرم الخلائق ومن لا يفهم عن مرسله حق الفهم سواه، وإطلاق الأمر بعدم التقييد بمقول له يفهم عموم الرسالة، وأن المراد كل من يمكن القول له سواء كان سائلاً عن ذلك بالفعل أو بالقوة حثاً على استحضار - ما لرب هذا الدين - الذي حاطه هذه الحياطة ورباه هذه التربية - من العظمة والجلال، والكبرياء والكمال، ففي الإطلاق المشير إلى التعميم رد على من أقر بإرساله صلى الله عليه وسلم إلى العرب خاصة، ويدل على أن مقول القول لا ضرر فيه على أحد فإن ظواهره مفهومة لكل أحد لا فتنة فيها بوجه، وإنما تأتي الفتنة عند تعمق الضال إلى ما لا - يحتمله عقله. ولما كان أهم المقاصد الرد على المعطلة الذين هم ضرب ممن يقول {أية : نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر}تفسير : [الجاثية: 24] أثبت وجوده سبحانه على أتم الوجوه وأعلاها وأوفاها وأجلاها بما معناه أن حقيقته ثابتة ثباتاً لا يتوجه نحوه شك بوجه من الوجوه، فقال مكاشفاً للأسرار - فإنه لا يمكن غيبته عنها أصلاً - وللوالهين: {هو} فابتدأ بهذا الاسم الشريف الذي هو أبطن الأسماء إشارة إلى أنه غيب الغيب بالنظر إلى ذاته كالألف، وإلى أنه واجب الوجود لذاته - وأن هويته ليست مستفادة من شيء سواها ولا موقوفة على شيء سواها، فإن كل ما كانت هويته مستفادة من غيره أو موقوفة عليه فمتى لم يتعبر غيره فلم يكن هو هو، وما كانت هويته لذاته فهو هو سواء اعتبر غير أو لم يعتبر، فإذاً لا يستحق هذا الاسم غيره أصلاً على أن الهاء بمفردها مشيرة - بكونها من أبطن - الحلق إلى أنه هو الأول والباطن المبدع لما سواه، والواو - بكونها من أظهر حروف الشفة - إلى أنه الآخر والظاهر، وأن إليه المنتهى، وليس وراءه مرمى، وأنه المبدىء المعيد - كما يشير إلى ذلك تكرير الواو في اسمها، وإلى أنه محيط بكل شيء لما فيها من الإحاطة. ولما كان وجوده سبحانه لذاته، ولم يكن مستفاداً من غيره، فإن ما استفيد وجوده من غيره كان ممكناً، كان لا يمكن شرح اسمه الذي هو هو، لا اسم لحقيقة غيره يقوم من جنس ولا نوع ولا فصل لأنه لا جنس له ولا نوع له ولا سبب يعرف به، والذي لا سبب له لا يمكن معرفته إلا بلوازمه، واللوازم منها سلبية ومنها إضافية ومنها قريبة ومنها بعيدة، والتعريف بالإضافية وبالقريبة أتم من التعريف بالسلبية وبالبعيدة، لأن البعيد كالضاحك الذي هو بعد المتعجب بالنسبة إلى الإنسان لا يكون معلولاً لشيء بل معلولاً لمعلوله، وبالجمع بين السلبية والإضافية أتم من الاقتصار على أحدهما، فلذلك اختير اسم جامع للنوعين ليكون التعريف أتم، وذلك هو كون تلك الهوية إلهاً، فاختير لذلك اسم دال عليها وهو مختص غير مشترك، وهو أول مظاهر الضمير كما أن الهمزة أول مظاهر الألف، ولهذا قال بعضهم: الاسم الأعظم آخر الظواهر من الأسماء، ولهذا كانت كلها صفات له وهو أول البواطن، فقال مكاشفاً للأرواح وللموحدين: {الله} أي الموجود الذي لا موجود في الحقيقة سواه! هو المسمى بهذا الاسم، واختير هذا الاسم للإخبار عنه لدلالته على جميع صفات الكمال: الجلال والجمال ولأنه اسم جامع لجميع معاني الأسماء الحسنى، وهو أقرب اللوازم إلى الهوية الهوية لأنه لا لازم لها أقرب من وجوب الوجود الذي هو مقتضى الذات على ما هي عليه من الصفات، لا بواسطة شيء آخر، وبواسطة وجوب وجوده كان مفيضاً باختياره الإيجاد على كل شيء أراده، ومجموع الوجوب الذي هو سلب وحده الإيجاد الذي هو اختيار للجود بإضافة الوجود وإضافة للإلهية التي جمعتها الجلالة، وهي أقرب اللوازم إلى الذات الأقدس، ودل التعبير به على أنه لا مقوم للهوية من جنس ولا غيره ولا سبب، وإلا لكان العدول عنه إلى التعريف باللازم قاصراً، وعلى أن إلهيته على الإطلاق لجميع الموجدات، فكان شرح تلك الهوية باللازم أبلغ البلاغة وأحكم الحكمة، لأنه - مع كونه هو الحق - مشيراً إلى ما ذكر من الدقائق. ولما ذكرت الذات التي لا سبب لها ولا مقوم من جنس ونوع وغيره أصلاً بل هي مجرد وحدة وتنزه عن تركب لا كثرة لها ولا اثنينية بوجه، وعرفها باسم جامع الأنواع السلوب والإضافات اللازمة له هو أقرب اللوازم إليها، فانشرح وجودها المخصوص على ما هو عليه، فكان ذلك تعريفاً كاملاً لأن تعريف ما لا تركب فيه باللوازم القريبة في الكمال كتعريف المركبات بمقوماتها، فإن التعريف البالغ هو أن يحصل في النفس صورة مطابقة للمعقول، وكانت الزيادة في الشرح مطلوبة لأنها أكمل لا سيما في الأمور الباطنة الخفية، أتبع ذلك باسم سلبي إشارة إلى أن النظر في هذه الدار إلى جانب الجلال ينبغي كونه أعظم، وذلك الاسم قربه من الجلالة كقربتها من الهوية، فإنه دال على الوحدة الكاملة المجردة وهو متنزل الجلالة كما أنها متنزل الهوية، وهو كما أن الجلالة لم يقع فيها شركة أصلاً قد ضاهاها في أنه لا شركة لغيره تعالى فيه عند استعماله مفرداً بمعناه الحقيقي إلا أن في النفي إشارة إلى أن كل ما عداه سبحانه عدم، فقال مكاشفاً للقلوب وللعارفين مكذباً للنصارى القائلين بالأب والابن وروح القدس، ولليهود القائلين بأنه جسم، وللمجوس الذين يقولون بأنه اثنان: نور يخلق الخير، وظلام يخلق الشر، وللصابئة الذين يعبدون النجوم، وللمشركين القائلين بإلهية الأصنام، مخبراً خبراً آخر، أو مبدلاً من الجلالة، أو مخبراً عن مبتدأ محذوف: {أحد} وهو لأجل كونه خاصة في الإثبات حال الانفراد به تعالى معرفة غني عن "آل" المعرفة، وهو أعرق في الدلالة على صفات الجلال كما أن الجلالة أعرق في الدلالة على صفات الكمال لأن الواحد الحقيقي ما يكون منزه الذات عن أنحاء التركيب والتعدد وما يستلزم أحدهما كالجسمية والتحيز والمشاركة في الحقيقة وخواصها كوجوب الوجود والقدرة الكاملة والحكمة التامة المقتضية للألوهية من غير لزوم دور ولا تسلسل من جهة تركب أو غيره، وقرىء بإسقاط "قل" هنا وفي المعوذتين مع الاتفاق على إثباتها في الكافرون ونفيها في تبت، ولعل الحكمة أن الكافرون مخاطبة للكفار بما بين مشاققة ومتاركة، فناسب الحال أن يكون ذلك منه صلى الله عليه وسلم، وتبت معاتبة عم الرسول صلى الله عليه وسلم وتوبيخه فلا يناسب أن يكون ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، والباقيات ما بين توحيد وتعوذ، فناسب أن يؤمر بتبليغه وأن يدعو به، ورتب الأحدية على الإلهية دون العكس، لأن الإلهية عبارة عن استغنائه عن الكل، واحتياج الكل إليه، وكل ما كان كذلك كان واحداً مطلقاً، وإلا لكان محتاجاً إلى أجزائه، فالإلهية من حيث هي تقتضي الوحدة، والوحدة لا تقتضي الإلهية، وعبر به دون "واحد" لأن المراد الإبلاغ في الوصف بالوحدة إلى حد لا يكون شيء أشد منه، والواحد - قال ابن سينا - مقول على ما تحته بالتشكيك، والذي لا ينقسم بوجه أصلاً أولى بالواحدية مما ينقسم من بعض الوجوه، والذي ينقسم انقساماً عقلياً أولى مما ينقسم بالحس والذي ينقسم بالحس وهو بالقوة أولى من المنقسم بالحس بالفعل، وإذا ثبت أن الوحدة قابلة للأشد والأضعف. وأن الواحد مقول على ما تحته بالتشكيك كان الأكمل في الوحدة الذي لا يمكن أن يكون شيء آخر أقوى منه فيها، وإلا لم يكن بالغاً أقصى المرام، والأحد جامع لذلك دال على الواحدية من جميع الوجوه، وأنه لا كثرة هناك أصلاً، لا معنوية من المقومات من الأجناس والفصول ولا بالأجزاء العقلية كالمادة والصورة، ولا حسية بقوة ولا فعل كما في الأجسام، وذلك لكونه سبحانه منزهاً عن الجنس والفصل والمادة والصورة والأعراض والأبعاض والأعضاء والأشكال والألوان وسائر وجوه التثنية التي تثلم الوحدة الكاملة الحقة اللائقة بكرم وجهه وعز جلاله أن يشبهه شيء أو يساويه لأن كل ما كانت هويته إنما تحصل من اجتماع أجزاء كانت هويته موقوفة على حصول تلك الأجزاء، فلا يكون هو هو لذاته بل لغيره، فلذا كان منزهاً عن الكثرة بكل اعتبار، ومتصفاً بالوحدة من كل الوجوه، فقد بلغ هذا النظم من البيان أعظم شأن، فسبحان من أنزل هذا الكلام ما أعظم شأنه وأقهر سلطانه، فهو منتهى الحاجات، ومن عنده نيل الطلبات، ولا يبلغ أدنى ما استأثره من الجلال والعظم والبهج أقصى نعوت الناعتين وأعظم وصف الواصفين، بل القدر الممكن منه الممتنع أزيد منه هو الذي ذكره في كتابه العزيز، وأودعه وحيه المقدس الحكيم، وبالكلام على معناه ومعنى الواحد تحقق ما تقدم، قال الإمام أبو العبا الإقليشي في شرح الأسماء: فمن أهل اللسان من ساوى بينهما جعلهما مترادفين، فمنهم من قال: أصل أحد واحد سقطت منه الألف ثم أبدلت الهمزة من الواو المفتوحة، ومنهم من قال: ليس أصله واحد وإن كانا بمعنى واحد، بل أصله وحد - من الوحدة - يحد فهو وحد - مثل حسن يحسن فهو حسن - من الحسن، أبدلت الواو همزة، وأما من فرق بينهما فمنهم من قال: أحد اسم على حياله لا إبدال فيه ولا تغيير، ومنهم من قال: أصله وحد، أبدلت الواو همزة - انتهى، وقد استخلصت الكلام على الاسمين الشريفين من عدة شروح للأسماء الحسنى وغيرها منها شرح الفخر الرازي والفخر الحرالي وغيرهما، قالوا: الواحد الذي لا كثرة فيه بوجه لا بقسمة ولا بغيرها مع اتصافه بالعظمة ليخرج الجوهر الفرد وهو أيضاً الذي لا يتثنى، أي لا ضد له ولا شبيه، فهو سبحانه واحد بالمعنيين على الإطلاق لا بالنظر على حال ولا شيء، قال الإمام أبو العباس الاقليشي في شرح الأسماء: هذه حقيقة الوحدة عند المحققين، فلا يصح أن يوصف شيء مركب بها إلا مجازاً، كما تقول: رجل واحد، ودرهم واحد، وإنما يوصف بها حقيقة ما لا جزء له كالجوهر الفرد عند الأشعرية غير أنك إذا نظرت فوجدت وجوده من غيره علمت أن استحقاقه لهذا الوصف ليس كاستحقاق موجده له، وهو أيضاً إنما يوصف به لحقارته، وموجده سبحانه موصوف به مع الاتصاف بالعظمة، فاتصافه بالوحدة على الإطلاق، واتصاف الجوهر بالنظر إلى عدم التركب من الجسم مع أن صحة اتصافه بأنه جزء يزيل عنه حقيقة ذلك، والوحدة أيضاً بالنظر إلى المعنى الثاني وهو ما لا نظير له لا تصح بالحقيقة إلا له سبحانه، وكل ما نوعيته في شخصيته كالعرش والكرسي والشمس والقمر يصح أن يقدر لها نظائر، وله معنى ثالث وهو التوحد بالفعل والإيجاد، فيفعل كل ما يريد من غير توقف على شيء، والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن الأول ناظر إلى نفي إله ثان، وهذا ناف لمعين ووزير، وكلاهما وصف ذاتي سلبي، والحاصل أن النظر الصحيح دل على أن لنا موجداً واحداً بمعنى أنه لا يصح أن يلحقه نقص القسمة بوجه من الوجوه وبمعنى أنه معدوم النظير بكل اعتبار، وبمعنى أنه مستبد بالفعل مستقل بالإيجاد ومتوحد بالنصع متفرد بالتدبير، قضى بهذا شاهد العقل المعصوم من ظلمة الهوى وكثافة الطبع، وورد به قواطع النقل ونواطق السمع، ولهذا كان من أعظم الحق دعاؤه سبحانه لجميع الخلق، وكانت دعوة رسوله الخاتم صلى الله عليه وسلم للخلق كافة، وقال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في آخر شرحه للأسماء في بيان رد الأسماء الكثيرة إلى ذات واحدة وسبع صفات: الأحد المسلوب عنه النظير، وقال في الشرح المذكور: الواحد هو الذي لا يتجرى ولا يتثنى، أما الذي لا يتجزى فكالجوهر الواحد الذي لا ينقسم فقال: إنه واحد - بمعنى أنه لا جزء له، ولذلك النقطة لا جزء لها، والله تعالى واحد - بمعنى أنه يستحيل تقدير الانقسام في ذاته، وأما الذي لا يتثنى فهو الذي لا نظير له كالشمس مثلاً فإنها وإن كانت قابلة للانقسام بالوهم متحيزة في ذاتها لأنها من قبيل الأجسام فهي لا نظير لها إلا أنه يمكن أن يكون لها نظير، وليس في الوجود موجود يتفرد بخصوص وجوده تفرداً لا يتصور أن يشاركه فيه غيره أصلاً إلا الواحد المطلق أزلاً وأبداً، والعبد إنما يكون واحداً إذا لم يكن له في أبناء جنسه نظير في خصلة من خصال الخير، وذلك بالإضافة إلى أبناء جنسه وبالإضافة إلى الوقت إذ يمكن أن يكون في وقت آخر مثله، وبالإضافة إلى بعض الخصال دون الجميع، فلا وحدة على الإطلاق إلا لله تعالى، وقال الإمام محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في مقدمة كتابه الملل والنحل: واختلفوا في الواحد أهو من العدد أم هو مبدأ العدد وليس داخلاً في العدد، وهذا الاختلاف إنما ينشأ من اشتراك لفظ الواحد، فالواحد يطلق ويراد به ما يتركب منه العدد، فإن الاثنين لا معنى له إلا واحد، تكرر أول تكرير، وكذا الثلاثة والأربعة، ويطلق ويراد به ما يحصل منه العدد، أي هو علته ولا يدخل في العد أي لا يتركب منه العدد، وقد تلازم الواحدية جميع الأعداد لا على أن العدد تركب منها بل وكل موجود فهو جنسه أو نوعه أو شخصه واحد يقال: إنسان واحد، وشخص واحد، وفي العدد كذلك فإن الثلاثة في أنها ثلاثة واحدة، فالواحدة بالمعنى الأول داخلة في العدد، وبالمعنى الثاني علة العدد، وبالمعنى الثالث ملازمة للعدد، وليس من الأقسام الثلاثة قسم يطلق على البارىء تعالى معناه: فهو واحد لا كالأحاد أي هذه الوحدات والكثرة منه وجدت ويستحيل عليه الانقسام بوجه من وجوه القسمة - انتهى، وهو واحد أيضاً بنفسه لا بالنسبة إلى ثان بوجه من الوجوه، وقال بعضهم: الواحد يدل على الأزلية والأولية، لأن الواحد في الأعداد ركنها وإظهار مبدئها، والأحد يدل على بينونته من خلقه في جميع صفاته ونفي أبواب الشرك عنه، فالأحد بني لنفي ما ذكر معه من العدد، والواحد اسم لمفتتح العدد، وقال الإمام أبو حاتم محمد بن مهران الرازي في كتابه الزينة، قال بعض الحكماء: إنما قيل له سبحانه "واحد" لأنه عز وجل لم يزل قبل الخلائق متوحداً بالأزل لا ثاني معه ولا خلق، ثم أبدع الخق، فكان الخلق كله مع احتياجه إليه سبحانه محتاجاً بعضه إلى بعض ممسكاً بعضه بعضاً متعادياً ومتضاداً ومتشاكلاً ومزدوجاً ومتصلاً ومنفصلاً، واستغنى عز وجل عن الخلائق فلم يحتج إلى شيء فيكون ذلك الشيء مقروناً به لحاجته إليه ولا ناواه شيء فيكون ذلك الشيء ضداً له نصراً به، فيكون ذلك الضد والقرين له ثانياً، بل توحد بالغنى عن جميع خلقه لأنه كان قبل كل شيء، والأولية دلت على الوحدانية، فالواحد اسم يدل على نظام واحد يعلم باسمه أنه واحد ليس قبله شيء: شعر : وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد تفسير : والواحد من العدد في الحساب ليس قبله شيء، بل هو قبل كل عدد وهو خارج عن العدد، والواحد كيفما أدرته لم يزد فيه شيء ولم ينقص منه شيء، تقول: واحد في واحد بواحد - فلم يزد على الواحد شيء، فدل على أنه لا شيء قبله، وإذا دل على أنه لا شيء قبله دل على أنه محدث الشيء، فإذا دل على أنه محدث الشيء دل على أنه مغني الشيء، وإذا كان مغني الشيء دل على أنه لا شيء بعده، فإذا لم يكن قبله شيء ولا بعده شيء فهو المتوحد بالأزل، يعني فهو الواحد الذي لا نظير له فهو الأحد، قال: فلذلك قيل: هو واحد وأحد، وقلنا: إن الأحد هو اسم أكمل - أي أعم - من الواحد، ألا ترى أنك إذا قلت: فلان لا يقوم له واحد، جاز في المعنى أن يقوم له اثنان أو ثلاثة فما فوقها، وإذا قلت: فلان لا يقوم له أحد، فقد جزمت بأنه لا يقوم له واحد ولا اثنان ولا ما فوقهما، فصار الأحد أكمل من الواحد، وفي الأحد خصوصية ليست في الواحد، تقول: ليس في الدار واحد، يجوز أن يكون واحداً من الدواب أو الطير أو الوحش أو الإنس، فكان الواحد يعم الناس وغير الناس، وإذا قلت: ليس في الدار أحد، فهو مخصوص للآدميين دون سائرهم، والأحد ممتنع من الدخول في الضرب وفي العدد وفي القسمة وفي شيء من الحساب، وهو منفرد بالأحدية، والواحد منقاد للعدد والقسمة وغيرها داخل في الحساب، تقول: واحد واثنان وثلاثة، فهذا وإن لم يكن من العدد فهو علة العدد، وداخل في العدد، لأنك إذا ضربت واحداً في واحد لم يزد، واثنان هو جذر الحساب، وتقول في القسمة، واحد بين اثنين أو ثلاثة، لكل واحد من الاثنين نصف، ومن الثلاثة ثلث، فهذه القسمة، والأحد ممتنع من هذا، لا يقال: أحد واثنان ولا أحد في أحد ولا أحد في واحد ولا في اثنين أو ثلاثة، والواحد وإن لم يتجزأ من الواحد فهو يتجزأ من الاثنين والثلاثة فما فوقهما، تقول: جزء واحد من جزأين أو ثلاث فما فوقها، ولا يجوز: جزء أحد من جزأين فما فوقهما، وقد سمى الله نفسه واحداً أحداً ووصف نفسه بالوحدانية والأحدية، فالواحد نعت يلزمه على الحقيقة لأنه كان قبل ولا ثاني معه، والثاني خلال الواحد، فهو واحد لاتحاده في القدم، والخلق اثنان لاقترانه بالحدث لأن الحدث ثان للقدم، وبه ظهرت التثنية، فالواحد هو الأحد في ذاته فهو لا شيء قبله ولا من شيء ولا في شيء ولا على شيء ولا لشيء ولا مع شيء، فيكون ذاك الشيء ثانياً معه بل هو الواحد منشىء والأشياء كلها له، وهو المتحد بذاته ممتنع من أن يكون له شيء ثانياً بوجه من الوجوه والخلق كله له، وإن كان يسمى بالواحد، أو كانت هذه الصفة قد لزمت جميع الأشياء في وجه فإنها تزول عنها في وجه. كما قيل: إنسان واحد وفرس واحد وبعير واحد، وكذلك يقال لسائر الأشياء، وهذه صفة تلزمها في اللفظ، والمسمى لا يخلو من معان كثيرة مجتمعة فيه كالجسم والعرض، وهو واحد مجموع من أشياء متفرقة، وكل شيء لا يخلو من ازدواج وتضاد وتشاكل وحد وعد، وهذه الصفات كلها تنفي عنه معنى الأحدية والواحدية، وفي الواحد عن العرب لغات كثيرة، يقال: واحد وأحد ووحد ووحيد وحاد وأحاد وموحد وأوحد - وهذا كله راجع إلى معنى الواحد، وإن كان في ذلك معان لطيفة ولم يجىء في صفة الله عز وجل إلا الواحد والأحد، قلت: والوحيد على بعض الإعرابات في المدثر، قال: وكلها مشتقة من الواحد، وكأن ذلك مأخوذ من الحد. كأن الأشياء كلها إليه انتهاؤها وهي محدودة كلها غيره عز وجل وهو محدود، بل هو غاية المحدودين وغاية الغايات لا غاية له، والأحد يجيء في الكلام بمعنى الأول وبمعنى الواحد، فإذا جاء بمعنى الأول وبمعنى الواحد جاز أن يتكلم به في الخبر كقولك: هذا واحد أحد، والعرب كانت تسمي يوم الأحد في الجاهلية أولاً، وقولك "يوم الأحد" دليل على أنه اليوم الأول من الأسبوع، والاثنين دليل على أنه اليوم الثاني، وفي التوراة أن الله عز وجل أول ما خلق من الأيام "يوم الأحد" قلت: يمكن أن يكون معنى يوم الأحد يوم الله، أضيف إليه لكونه أول مخلوقاته من الأيام، فلما أوجد الثاني سمي يوم الاثنين، لأنه ثاني يوم الأحد، قال: وضد الواحد اثنان، وضد الأحد الآخر، قال الله تعالى:{أية : قال أحدهما إني أراني أعصر خمراً}تفسير : [يوسف: 36] ثم قال في ضده "وقال الآخر" فهذا دليل على أن معنى قولهم "يوم الأحد" اليوم الأول: لأنهم قالوا لما بعده اثنان، ولم يقولوا: الآخر، لأن الأحد إذا لم يكن بمعنى الأول فضده الآخر، وإذا كان الأحد بمعنى الأول جاز الخبر والجحد، وإذا لم يكون بمعنى الأول وكان بمعنى الواحد جاز في الخبر وجاز في الجحد، قال الله تعالى:{أية : فابعثوا أحدكم بورقكم هذه}تفسير : [الكهف: 19] فهذه من الخبر، فإذا لم يكن أحد بمعنى الأول وبمعنى الواحد لم يجز أن يتكلم به إلا في الجحد، تقول: ما جاءني أحد، ولا يجوز: جاءني أحد، وكلمني أحد، قال الله تعالى في معنى الجحد{أية : أيحسب أن لن يقدر عليه أحد}تفسير : [البلد: 5] وأحد يستوي فيه المذكر والمؤنث، قال الله تعالى:{أية : يا نساء النبي لستن كأحد من النساء}تفسير : [الأحزاب: 32] وواحد لا يستوي فيه المذكر والمؤنت حتى يدخل فيه الهاء فيقال "واحدة" لا يجوز "كواحد من النساء" وأحد يكون بمعنى الجمع، تقول العرب: يظل أحدنا الأيام لا يأكل، بمعنى كلنا لا يأكل، فاحتمل معنى الواحد والجماعة - انتهى، فالواحد من الأسماء الثبوتية الإضافية، يكون في أصل اللغة بالنسبة إلى ثان هو نصفه، وثالث هو ثلثه، وهكذا هو صفة الله تعالى بمعنى المتوحد في الاتصاف بالألوهية حتى لا يقبلها غيره بوجه، فلا شريك له، والأحد من النعوت السلبية، بل هو مجمعها، هو أحد في نفسه لا يقبل العدد ولا التركيب بوجه لا بالقسمة ولا بغيرها سواء نظر إليه بالنسبة إلى الغير أو لا، فهو متمحض للسلب، فهو وصف راجع إلى نفس الذات بمعنى أنه كامل في ذاته لا يؤثر في مفهومه النظر إلى شيء أصلاً، والفرد ناظر إلى نفي العدد، فافترقت الأوصاف الثلاثة وإن كانت متقاربة في المعنى. وقال الإمام أبو الخير القزويني الشافعي في كتابه "العروة الوثقى في أصول الدين" ناقلاً عن بعض من فرق بينه وبين الواحد: إن الأحد اسم لنفي ما يذكر معه، وعن بعضهم أنه الذي لا يجوز له التبعيض لا فعلاً ولا وهماً، فهو أحد بذاته وأحد بصفاته، وتوحيد الله تعالى لنفسه علمه بأنه واحد، وإخباره بذلك وتوحيد العبد له علمه بذلك مع إقراره به، وقال الإمام فخر الدين الرازي في شرح الأسماء الحسنى: فالله سبحانه وتعالى أحد في ذاته، أحد في صفاته، أحد في أفعاله، أحد لا عن أحد غير متجزىء ولا متبعض، أحد غير مركب ولا مؤلف، أحد لا يشبهه شيء ولا يشبه شيئاً، أحد غني عن كل أحد - انتهى، وهذا معنى ما نقله المعربون عن ثعلب أنه فرق بينهما بأن واحداً يدخله العدد، وأحد لا يدخله ذلك، يقال: الله أحد، ولا يقال: زيد أحد، لأن الأحد خصوصية الله تعالى، زيد يكون منه حالات، ونقض عليه بالعدد المعدد المعطوف، يقال: أحد وعشرون واثنان وعشرون، ورد بأن أحداً فيه بمعنى واحد، وقال الإمام فخر الدين في شرح الأسماء: إنه اختص به البارىء سبحانه، أما الواحد فيحصل فيه المشاركة، ولهذا السبب أعري من لام التعريف لأنه صار نعتاً لله عز وجل على الخصوص، فصار معرفة، وقال الأزهري: سئل أحمد بن يحيى عن الأحاد هل هي جمع أحد، فقال: معاذ الله ليس للأحد جمع، ولا يبعد أن يقال إنه جمع واحد كالأشهاد جمع شاهد - انتهى، وقال الإقليشي في شرح الأسماء: الأحد هو الذي ليس بمنقسم ولا متجزىء، فهو على هذا اسم لعين الذات، فيه سلب الكثرة عن ذاته، فتقدس بهذا الوصف عن صفات الأجسام القابلة للتجزي والانقسام، والنقطة والجوهر الفرد عن مثبته - يعني من المتكلمين، والجوهر البسيط عند مدعيه - يعني من الفلاسفة، وإن كانت هذه لا تتجزى ولا تنقسم وإنها مخالفة للبارىء تعالى في أحديته، أما النقطة فعرض عند بعضهم إذ هي عبارة عن طرف الخط، وإذا كان الخط عرضاً فالنقطة أولى بالعرضية، وأما الجوهر الفرد فإنه وإن كان لا ينقسم فهو مقدر بجزء، وكل ما قدر بجزء فلا يخلو من الأكوان وهو كيفما كان على رأي من أثبته من المتكلمين وإن كانوا في أوصافه متنازعين فلا يخلو من الأعراض، وأما الجوهر البسيط عند من أثبته فوجوده عندهم ليس عينه إذا اثنينيته غير ماهيته، وما هو بهذا الوصف عندهم ففيه اثنينية، ففارق البارىء سبحانه وتعالى بأحديته هذه الموجودات كما فارق بذاته الأجسام، فوجوده عن ذاته وليست صفاته تعالى مغايرة لذاته، وأما الواحد فهو وصف لذاته، فيه سلب الشريك والنظير عنه، فافترقا - يعني بأن الأحد ناظر إلى نفس الذات، والواحد إلى أمر خارج عنها، وقال البيهقي في كتاب الأسماء والصفات: الأحد فيما يدعوه المشركون إلهاً من دونه لا يجوز أن يكون إلهاً إذ كانت إمارات الحدث من التجزي والتناهي قائمة فيه لازمة له، والبارىء سبحانه وتعالى لا يتجزى ولا يتناهى، فقد مر أن الأحد خاص بالله سبحانه وتعالى: إنه لا فرق في إطلاقه عليه سبحانه وتعالى بين تعريفه وتنكيره لأنه معرفة في نفسة، فطاح اعتراض من قال من الملحدين: الجلالة معرفة وأحد نكرة لا ينعت به. وعلى تقدير التسليم يجوز جعله بدلاً كما تقدم ولا مانع من إبدال النكرة من المعرفة مثل لنسفعاً بالناصية ناصية كاذبة، قال صاحب كتاب الزينة: وعلى هذه القراءة - أي قراءة التنكير - أجمعت الأمة، وروى قوم عن أبي عبد الله بن جعفر بن محمد الصادق أنه قرأ قل هو الله أحد الله الواحد الأحد الصمد، وقال الإمام أبو الحسن الحرالي في شرح الأسماء الحسنى: الأحد اسم أعجز الله العقول عن إدراك آيته في الخلق إثباتاً فلم تستعمله العرب مفرداً قط أي وهو بمعناه الحقيقي لا بمعنى واحد ولا بمعنى أول مثلاً إلا في النفي لما علموا أنه مفصح عن إحاطة جامعة لا يشذ عنها شيء، وذلك مما تدركه العقول والحواس في النفي ولا تدركه في الإثبات فيقولون: ما في الدار أحد - نفياً لكل ولا يسوغ في عقولهم أن يقولوا: في الدار أو في الوجود أحد -، إذ لا يعقل عندهم ذات إنسان هي جامعة لكل إنسان، فلما ورد عن الله اسمه في القرآن تلقاه المؤمنون بالإيمان وأحبت قلوبهم سورة ذكره لجمعها لما لا يحصى من ثناء الرحمن وهي أحد الأنوار الثلاثة في القرآن، القرآن - نور{أية : ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا}تفسير : [الشورى: 52] ونور نوره سورة ذكر الأحد في ختمه وآية الكرسي في ابتدائه وسورة يس التي هي قبله في محلها منه واحد مبين عن اسم الله الذي هو بكل شيء محيط، لا يتطرق إليه شرك في حق ولا باطل، وهو واحد مبين عن اسم الإله الذي لا يصح فيه الشرك حقاً، وقد يتطرق إليه باطلاً {أية : واتخذوا من دون الله آلهة}تفسير : [يس: 74] وذلك لأن الواحد يضائف الثاني، وأحد جامع محيط لم يبق خارج عنه فيضايفه يعني أن مفهومه ناظر إلى كونه سبحانه وتعالى الآن كما كان في الأزل وحده، فإن الخلق فانٍ فهو في الحقيقة عدم، وكأنه ما كان لإحاطته به وكونه في قبضته وطوع مشيئته، فلا خارج يكون مضايفاً له لأنه لا يضايف الشيء إلا مناظر لمساواة أو مباراة بمعاندة أو غيرها، فالكل بالنسبة إليه عدم{أية : إنك ميت وإنهم ميتون}تفسير : [الزمر: 30]{أية : كل من عليها فان}تفسير : [الرحمن: 26] {أية : كل شيء هالك إلا وجهه} تفسير : [القصص: 88] هذا مراده بدليل سابقه ولاحقه فلا شبهة فيه لأهل الوحدة عليهم الخزي واللعنة، قال: والوحدة من الواحد هي حد النهاية، والغاية مما هي وحدته، وما دون الوحدة التي هي الغاية ثانية ودونه وجماع إحاطات كل ذلك أعلى وأدنى هي الأحدية التي لا يشذ عنها شاذ ولا يخرج عنها خارج، فمن الأسماء معلوم لخليفة من خليقته بما أتاهم منه كالرحيم والعليم، ومنها ما يعجز عنه خلافتهم كالأسماء المتقدمة من اسمه المحصي، ولكن ينال مثلاً من قولهم، ومنها ما لم ينله العلم ولا أدركت مثله العقول وهو اسمه الأحد، فالله هو الأحد الذي لا أحد إلا هو - انتهى، وقال الإمام أبو الحكم بن برجان في شرح الأسماء الحسنى: وهو - أي الأحد - أصل لباب الوحدة، يدل على محض الوحدة، ألا ترى أنه نافٍ يأتي معه، إذا قلت: لم يأتني أحد، انتفى الاثنان، ولا تقول: جاءني أحد كما تقول! جاءني واحد، لأن واحداً تزول عنه الواحدية بضم ثان إليه بخلاف الأحدية فإنها لازمة الواحد لا يفارقه حكمها بعد ضم الثاني بل لها من جهة محفوظة عليها يظهر ذاك بالأشفاع والأوتار، فإنك تقول ما جاءني أحد، فتنتفي الأشفاع كما تنتفي الأوتار، وهذا دليل على زيادة شرفه فإن الاسم كلما غمضت دلالته وتعذرت معرفته عن الأفهام وعزب عن العقول علمه كان ذلك دليلاً على قربه من الاسم الأعظم - انتهى، وقال بعض العارفين في كشف معنى الأحد ورتبته: إن الذات الأعظم غيب محض والأحد أول تعيناتها، ولذلك بدىء بالهمزة التي هي أول تعينات الألف التي هي لهيب محض وذلك سر مخالفتها للأحرف في أن كل حرف يدل على مسماه أول حروف اسمه إلا الألف لكونها غيباً، فكان أول اسمها الهمزة التي هي أول تعيناتها، والهمزة لكونها مرقى إلى غيب الألف كان أول اسمها أيضاً غير دال على مسماها. ثم بعد التعيين بالأحدية الشاملة المستغرقة يتنزل إلى الإلهية ثم منها إلى الواحدية، ولذلك ابتدىء الواحد بالواو التي هي وصلة إلى ما فيه من الألف الذي هو غيب، فإن الواحد مرقى إلى فهم الإله، والإله مرقى إلى تعقل الأحد، والأحد مرقى إلى التعبد للذات الأقدس الأنزه، ومن اعتقد أحديته سبحانه وتعالى، أنتج له ذلك حبه وتعظيمه، وهو توحيد الألوهية لأن التفرد بذلك يقتضي الكمال والجمال - والله الموفق. قال الإمام جعفر بن الزبير: لما انقضى مقصود الكتاب العزيز بجملته عاد الأمر إلى ما كان، وأشعر العالم بحالهم من ترددهم بين عدمين{أية : ثم الله ينشىء النشأة الآخرة}تفسير : [العنكبوت: 20] فوجودهم منه سبحانه وتعالى وبقاؤهم به وهم وجميع ما يصدر عنهم من أقوالهم وأفعالهم كل ذلك خلقه واختراعه، وقد كان سبحانه وتعالى ولا عالم ولا زمان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان، لا يفتقر إلى أحد ولا يحتاج إلى معين، ولا يتقيد بالزمان، ولا يتحيز بالمكان، فالحمد لله رب العالمين، أهل الحمد ومستحقه مطلقاً، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه المصير {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد} هو الموجود الحق، وكلامه الصدق،{أية : وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوانُ لو كانوا يعلمون}تفسير : [العنكبوت: 64] فطوبى لمن استوضح آي كتاب الله، وأتى الأمر من بابه وعرف نفسه ودنياه، وأجاب داعي الله ولم ير فاعلاً في الوجود حقيقة إلا هو سبحانه وتعالى والحمد لله رب العالمين، ولما كمل مقصود الكتاب، واتضح عظيم رحمة الله به لمن تدبر واعتبر وأناب، كان مظنة الاستعاذة واللجأ من شر الحاسد وكيد الأعداء فختم بالمعوذتين من شر ما خلق وذرأ وشر الثقلين - انتهى. ولما تم البيان لهويته سبحانه وتعالى على هذا الوجه الذي أنهاه بالأحدية المعلمة بالتنزه عن القسمة والنظير، وكان بيان القرآن بالغاً أقصى نهايات البيان، وكان الأحد من النعوت المتوغلة في السلب، وكانت الشركة تقع في التعبير به في النفي وهو بمعناه الحقيقي وتقع فيه بالإثبات والسلب على حد سواء، أو دلالته على الكمال والإضافة أكمل، وبناه على الاسم الأعظم الذي هو آخر الأسماء الظاهرة وأول الأسماء الباطنة، ولم يقع فيه شركة بوجه دفعاً لكل تعنت، وإشعاراً بأن لم يسم به لم يستحق الألوهية، وأخلى الجملة عن عاطف لأنها كالنتيجة للأولى والدليل عليها، فقال مكاشفاً لنفوس المؤمنين وللعلماء معيداً الاسم ولم يضمر لئلا يظن تقيد بحيثية غيب أو غيرها: {الله} أي الذي ثبتت إلهيته وأحديته، لا غيره {الصمد} الذي تناهى سؤدده المطلق في كل شيء إلى حد تنقطع دونه الآمال، فكان بحيث لا يحتاج إلى شيء وكل شيء إليه محتاج، وتنزه عن الجوفية فلم تدن من جنابه بفعل ولا قوة لأنه تنزه عن القسمة بكل اعتبار مع العظمة التي لا يشببها عظمة، فكان واحداً بكل اعتبار، وذلك هو مفهوم الأحدية عبارة وإشارة، فكان مصموداً إليه في الحوائج أي مقصوداً لأجلها، فهو الموصوف بهذا الاسم على الإطلاق، وبكل اعتبار، فكان موجداً للعالم لأن العالم مركب بدليل المشاهدة فكان ممكناً فكان محدثه واجباً قديماً، نفياً للدور والتسلسل المحالين، وخلقه له بالقدرة والاختيار لأنه لو كان بالطبع والإيجاب لكان وجوده مع وجوده لأن العلة لا تنفك عن المعلول، فيلزم من قدم البارىء عز وجل قدم العالم، ومن حدوث العالم حدوث البارىء جل وعز، وذلك جمع بين النقيضين وهو محال، وقصر الصمدية عليه لأن اشتداد الألف لحاجة الشيء إلى غيره ربما كان موجباً لخفاء اختصاصه به، ولم يقصر الأحدية إما للتنبيه على أن ذلك لشدة ظهوره غني عن التأكيد، وإما استئلافاً لهم لئلا ينفروا قبل سماع تمام السورة على أنه بظهور قصر الصمدية التي أحد معنييها لازم الأحدية ظهر الاختصاص بالأحدية، قال العلماء رحمهم الله تعالى: والصمد من صمد إليه - إذا قصده، وهو كالأحد، بني على هذا الوزن لأنه لا تلحقه المضارعة ولا تدن منه المشابهة لأنه اسم خاص فهو السيد المصمود إليه، وهو أيضاً الذي لا جوف له ولا رخاوة بوجه فيه، لأن الأجواف وعاء، وكل وعاء محتاج إلى موعيه، يقال: شيء مصمد، أي صلب، وحجر صمد: أملس لا يقبل الغبار ولا يدخل فيه شيء ولا يخرج منه شيء، قال ابن قتيبة: وهو على هذا الدال فيه مبدله من التاء وهو المصمت، وهو أيضاً العالي الذي تناهى علوه، تقول العرب لما أشرف من الأرض: صمد - بإسكان الميم، وبناء صمد أي معلى، فهو على التفسير الأول من الصفات الإضافية بمعنى أنه سيد لكل موجود، والكل محتاجون إليه في ابتداء إيجادهم وفي تربيتهم، فهم يصمدون إليه في الحوائج ويقصدون إليه في جميع الرغائب، وهو غني على الإطلاق، وذلك هو اتصافه بصفات الإلهية، قال الإقليشي فعلى هذا أي أنه الذي يلجأ إليه ويعتمد عليه لتناهي سؤدده - يتشعب من صفة الصمد صفات السؤدد كلها من الجود، والحلم وغير ذلك وإذا قلنا: إن الصمد العالي تشعبت منه صفات التعالي كلها من العزة والقهر والعلو ونحوها - انتهى، وقد روى البيهقي رحمة الله تعالى بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله "الصمد" قال: هو السيد الذي كمل في سؤدده، والشريف الذي كمل في شرفه، والعظيم الذي كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي كمل في غناه، والجبار الذي كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكم الذي قد كمل في حكمه، وهو الذي كمل في أنواع الشرف والسؤدد وهو الله عز وجل، هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفوء، وليس كمثله شيء، فسبحان الله الواحد القهار وقال أبو العباس بن تيمية الحنبلي في كتابه "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان": أجمع سلف الأمة وأئمتها أن الرب سبحانه وتعالى بائن من مخلوقاته، يوصف بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل بوصف من صفات الكمال دون صفات النقص، ونعلم أنه ليس كمثله شيء ولا كفوء له في شيء من صفات الكمال كما قال الله تعالى: {قل هو الله أحد الله الصمد} - إلى آخرها، قال ابن عباس رضي الله عنهما: الصمد إلى آخر ما مضى عنه، وقال ابن مسعود رضي الله عنه وغيره: هو الذي لا جوف له، والأحد الذي لا نظير له. فاسمه الصمد يتضمن اتصافه بصفات الكمال ونفي النقائص عنه، واسمه الأحد يتضمن أنه لا مثل له، وقال الحرالي: الصمد - يعني بالسكون: - التوجه بالحاجات إلى مليّ بقضائها لا يحتاج إلى سواه، فلذلك يكون الصمد سيداً لا يساد، السيد الله - انتهى، وعلى التفسير الثاني: هو من النعوت السلبية، فهو دال على نفي الماهية التي تعنت بها فرعون لاقتضائها المقومات المستلزمة للحاجة إلى ما به التقويم، وعلى إثبات الهوية المنزهة عن كل شائبة نقص، فإن كل ما له ماهية كان له جوف وباطن، وهو تلك الماهية، وهو ما لا باطن له، وهو موجود فلا جهة ولا اعتبار في ذاته إلا الوجود، فهو واجب الوجود غير قابل للعدم، وقد علم بهذا أنه جامع لما ذكر فيما قبله، فإن هذا التفسير الثاني يتشعب منه من الأسماء ما ينظر إلى نفي التركيب كالأحد ونحوه وهذان التفسيران الأول والثاني جامعان لجميع ما فسر به ولما عسى أن يقال فيه سبحانه من صفات الكمال، ونعوت العظمة والجلال، فمن كان مصموداً إليه في جميع الحاجات ومتعالياً عن كل سمت حدث وشائبة نقص كان موجداً لكل ما يريد من نفع وضر ونافع وضار قادراً على حفظ ما يريد، وكان معلوماً كالشمس أنه لا شريك له، وأنه هو وحده المستحق للعبادة لاحتياج الكل إليه الاحتياج المطلق وغناه عنهم الغنى المطلق، وتفرده بصفات الكمال والانقطاع عن قرين وإلى الصمدانية ينتهي التوجه وهو الإقبال بالكلية، وهي ترد على الفلاسفة القائلين بتدبير القول، والصابية القائلين بتدبير النجوم، وعلى غيرهم من كل من ادعى تدبيراً لغير الله سبحانه وتعالى، ومن اعتقد صمديته المقتضية لكمال الذات والصفات وشمول التدبير، أنتج له كمال التفويض والتوكل وهو توحيد الربوبية، وهذه الأسماء الأربعة مشيرة إلى مقامات السائرين ومرامات الحائرين والجائرين، فالمقربون نظروا إلى الأشياء فوجدوا كل ما سواه سبحانه وتعالى معدوماً بالذات، فكان ذكرهم "هو" وأصحاب اليمين نظروا إلى وجود الممكنات فعينوا مرادهم وميزوا مذكورهم بالجلالة، وأصحاب الشمال جوزوا الكثرة في الإله فاحتاجوا في تذكيرهم إلى الوصف بالأحدية والصمدية وهي رادة على أهل الاتحاد أعظم رد، فإنهم يقولون: إن الإله هو هذا العالم، وهو منقسم بالحس فضلاً عما عداه ومحتاج أشد احتياج. ولما انتهى بيان حقيقته سبحانه وتعالى، وأنه غير مركب أصلاً، وبين سبحانه بصمديته المستلزمة لوحدانيته أن الكل مستند إليه ومحتاج إليه، وأنه المعطي لوجود جميع الموجوات، والمفيض للجود على كل الماهيات فلا يجانس شيئاً ولا يجانسه شيء، ولا يكون له نظير في شيء من ذلك. وكان ربما تعلق بوهم واهم أن تولد غيره عنه يكون من تمام سؤدده المعبر به عن قدرته، بين أن ذلك محال لاقتضائه الحاجة مما لا تعلق له بالقدرة لأن القدرة من شأنها أنها لا تتعلق بالمحال، وهذا محال، لأنه سبحانه صمد، فكان ذاك بياناً للصمدية في كلا معنييها، فقال من غير عاطف دالاًّ على انتفاء الجوف الذي هو أحد مدلولي "صمد" مكاشفاً للعقلاء شارحاً لأنه لا يساويه شيء من نوع يتولد عنه ولا جنس يولد هو عنه، ولا غير ذلك يوازيه في وجود ولا غيره {لم يلد} أي يصح ولم ينبغ بوجه من الوجوه أن يقع تولد الغير عنه مرة من المرات، فكيف بما فوقها لأن ذلك مستلزم للجوف وهو صمد لا جوف له، لأن الجوف من صفات النفس المستلزم للحاجة وهو مستغن بدوامه في أبديته عمن يخلفه أو يعينه لامتناع الحاجة والفناء عليه، فهو رد على من قال: الملائكة بنات الله أو عزير أو المسيح أو غيره. ولما بين أنه لا فصل له، ظهر أنه لا جنس له، فدل عليه بقوله: {ولم يولد} لأنه لو تولد عنه غيره تولد هو عن غيره كما هو المعهود والمعقول، فهو قديم لا أول له بل هو الأول الذي لم يسبقه عدم، أن الولادة لا تكون ولا تتشخص إلا بواسطة المادة وعلاقتها، وكل ما كان مادياً أو كان له علاقة بالمادة، كان متولداً عن غيره فكان لا يصح أن يتولد عنه شيء لأنه لا يصح أن يكون هو متولداً عن غيره لأنه لا ماهية له ولا اعتبار لوجوده سوى أنه هو، فهويته لذاته، ومن كانت هويته لذاته لم يصح بوجه أن يتولد عن غيره لأنه لو تولد عن غيره لم يكن هو هو لذاته، ولا يكون أحداً حقيقياً ولا صمداً، فينتفي من أصله، ولا يكون له من ذاته إلا العدم، فقد تبين أنه واجب الوجود، فوضح كالشمس أنه ليس مادياً لأنه غير محتاج بوجه، فلا يصح أن يتولد عنه غيره، لأنه لم يصح أن يتولد هو عن غيره، ومن كان كذلك لم يكن له مثل، فلا يصح بوجه أن يساويه شيء ليصح أن يقوم مقامه فيما بين ما انتفى في الأول والآخر، فدل على ذلك إتماماً لشرح حقيقته المعبر عنها بهو بقوله: {ولم يكن} أي لم يتحقق ولم يوجد بوجه من الوجوه ولا بتقدير من التقادير {له} أي خاصة {كفواً} أي مثلاً ومساوياً {أحد} على الإطلاق، أي لا يساويه في قوة الوجود لأنه لو ساواه في ذلك لكانت مساواته باعتبار الجنس والفصل، فيكون وجوده متولداً عن الازدواج الحاصل من الجنس الذي يكون كالأم، والفصل الذي يكون كالأب، وقد ثبت أنه لا يصح بوجه أن يكون في شيء من الولادة، لأن وجوب وجوده لذاته، فانتفى أن يساويه شيء في قوة وجوده، فانتفى قطعاً أن يساويه أحد في شيء من قوة أفعاله، فعطف هاتين الجملتين على الجملة التي قبلها لأن الثلاث شرح الصمدية النافية لأقسام الأمثال، فهي كالجملة الواحدة، وقدم الظرف في الثالثة لأن المقصود الأعظم نفي المكافأة عن الذات الأعظم، فكان أهم "وكفواً" حال من أحد. ويجوز أن يكون "كان" ناقصة ويكون "كفواً" خبرها، وسوغ خبريته تخصيصه بـ"له" كما قالوا في "إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله" وقد وضح أن هذه السورة أعظم مبين للذات الأقدس بترتيب لا يتصور في العقل أن يكون شيء يساويه، وكلمات لا تقع في الوهم أن يكون شيء يساويها أو يساوي شيئاً منها، فأثبت أولاً حقيقته المحضة وهويته بأنه هو، لا اسم لتلك الحقيقة من حيث هي إلا ذلك، فعلم أنه واجب الوجود لذاته لا لشيء آخر أصلاً، ثم عقب ذلك بياناً له بذكر الإلهية التي هي أقرب اللوازم لتلك الحقيقة وأشدها تعريفاً. ولما اقتضت الإلهية الوحدة لأنها عبارة عن الاستغناء المطلق واحتياج الغير إليه الاحتياج المطلق، دل عليها بالأحد، ودل على تحقيق معنى الإلهية والواحدة معاً بالصمدية لما لها من المعنيين: وجوب الوجود بعدم الجوف وجوداً أو تقديراً والسيادة المفيضة لكل وجود على كل موجود وجوداً لا يشبه وجوده سبحانه: شعر : "وأين الثريا من يد المتناول" "الأمر أعظم من مقالة قائل" تفسير : وبين المعنيين كليهما بعدم صحة التوليد منه وله وعدم المساوي، فمن أول السورة إلى آخر الأسماء في بيان حقيقته سبحانه وتعالى ولوازمها الأقرب فالأقرب ووحدتها بكل اعتبار، ومن ثم إلى آخرها في بيان أن لا مساوي له لأنه لا جنس له ولا نوع حتى يكون هو متولداً عن شيء أو يكون متولداً عنه شيء، أو يكون شيء موازياً له في الوجود، وبهذا القدر حصل تمام معرفة ذاته، وأنه لا يساويه شيء في قوة وجوده فلا يساويه في تمام أفعاله بدلالة شاهد الوجود الذي كشف عنه والشهود بنصر نبيه صلى الله عليه وسلم الذي كان يدعو أبا لهب وجميع الكافرين الشانئين وحده وهم ملء الأرض ويخبرهم مع تحاملهم كلهم عليه أنهم مغلوبون، وأنه أتاهم بالذبح لأن لمن أرسله الإحاطة الكاملة بجميع الكمال، وقد كان الأمر كما قال صلى الله عليه وسلم، فقد صدقت مقالاته، فثبتت إلى الخلق كافة رسالاته، وثبت مضمون جميع السورة بما ثبت من هذه الأدلة المشهورة، والبراهين القاطعة المنصورة، وقد ثبت أنه صمد بما دل على أحد معنييه الذي هو انتفاء الجوفية بعدم التولد، وعلى المعنى الآخر الذي هو بلوغ المنتهى من السيادة بعدم المكافىء فبان أنه هو لذاته فلا إله غيره، فانطبق آخرها على أولها، والتحم أيّ التحام مفصلها بموصلها، فعلم أنه هو هو لا غيره بزيادة أنه الأحد ولا أحد حقاً غيره، ومن تحقق آخرها أقبل بكليته إليه سبحانه، فلم يلتفت إلى غيره لأن الكل في قبضته، وقد نقلت في كتابي مصاعد النظر عن الإحياء للإمام الغزالي رحمة الله تعالى عليه في شيء من أسرار هذه السورة كلاماً هو في غاية النفاسة. وروى الترمذي عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أن المشركين قالوا: يا محمد انسب لنا ربك، فأنزل الله تعالى: قل هو الله أحد إلى آخرها، قال: لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وأن الله تعالى لا يموت ولا يورث، ولم يكن له كفواً أحد - انتهى. ومن كان كذلك فهو الجامع للأسماء الحسنى والصفات العلى كلها، وعلم أن حاصلها تنزيه المعبود عن أن يكون له مجانس، أو يكون له مكافىء، والرد على كل من يخالف في شيء من ذلك، وأعظم مقاصد آل عمران المناظرة لها في رد المقطع على المطلع، المفتتحة بالحي القيوم، المودعة أوضح الأدلة على كفر من كفر بالله سبحانه وتعالى لا سيما من ادعى أن عيسى عليه الصلاة والسلام إله أو أنه ولد له سبحانه وتعالى وكذا غيره الدلالةُ على بطلان مذهب من ادعاه إلها وعلى أن عيسى عليه الصلاة والسلام عبد من عبيده أوجده على ما أراد كما أوجد من هو أغرب حالاً منه وإبطال قول من ادعى فيه غير ذلك. ولما عرفت هذه السورة حقيقة الذات أتم تعريف، وكان الغرض الأقصى من طلب العلوم بأسرها معرفة ذاته سبحانه وتعالى وصفاته وكيفية صدور الأفعال عنه وكان القرآن العظيم كفيلاً بجميع هذه العلوم، وكانت هذه السورة منه قد تكفلت بجميع ما يتعلق بالبحث عن الذات على سبيل التعريض والإيماء، وكانت معادلة لثلث القرآن وهي ثلث أيضاً باعتبار آخر وهو أن الدين اعتقاد، وفعل لساني يترجم عن الاعتقاد، وفعل يصحح ذلك، وهي وافية بأمر الاعتقاد بالوحدانية الذي هو رأس الاعتقاد، وباعتبار أن مقاصده كلها محصورة في بيان العقائد والأحكام والقصص، وهذه السورة على وجازتها قد اشتملت على جميع المعارف الإلهية والرد على من ألحد فيها، ولأجل أن هذا هو المقصود بالذات الذي يتبعه جميع المقاصد عدلت في بعض الأقوال بجميع القرآن، وحاصل شرح هذه السورة العظمى أنه سبحانه وتعالى دل على الذات الأقدس بالهوية، وعبر عنها بالضمير إشارة إلى نفي الماهية التي غلظ أو غالط فيها الكفور الأعظم فرعون - لعنة الله عليه وعلى أتباعه أهل الإلحاد، وأنصاره وأشياعه من أهل الاتحاد، ودل على ذلك بالاسم الأعظم المجمع عليه ودل عليه بالوحدة الجامعة للغنى، النافية للكثرة الموجبة لحاجة، ودل عليها بالصمدية النافية للجوفية المثبتة للسيادة الخفية، ودل على أول معنييها بانتفاء الولادة منه وله، الدالان على نفي الجنس للقوم والفصل المقسم، ودل على الثاني بعدم المكافىء، ودل على هذا العدم بأفعاله العظيمة المشاهدة التي أشار قطعاً ترتيب السور بما انتهى إليه وضع هذه السورة في هذا الموضع إلى استحضارها. وتأمل ما كان منها من تربية هذا الدين بنصر نبيه الذي أرسله صلى الله عليه وسلم لإقامته، وسلط الكافرين - وهم ملء الأرض - على أذاه، وجعل أعظمهم له أذى أقربهم إليه نسباً عمه أبا لهب الذي كان يتبعه في تلك المشاهد والقبائل، ويلزمه في تلك المواسم والمعاهد والمحافل، يصرح بتكذيبه كلما دعى الناس إلى الحق، ويواجه بما هو أشد الأشياء على النفس كراهة وأشق، فكانت تلك الشهرة عين الرفعة والنصرة، لأن الشيء، إذا خرج عن حده انقلب إلى ضده، فإنه إذا تناهت شهرته ثم بان بطلانه أو صحته رجعت شهرته بكونه باطلاً أو صحيحاً أعظم منها لو لم يتقدمها شهرة بغير ذلك، فانقلبت النصرة، وعظمت الكثرة، فجلت المعاونة، وزالت المباينة، وحصل الوفاق، وزال الشقاق، فدل هذا الفعل الأعظم من صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وهو وحده، وكذب المعاندين وهم من لا يحصيهم إلا الله في كل ما قال، وجميع ما قالوا على عزته سبحانه وتعالى بكونه نصر عبده على ذلك الوجه الخارق للعادة وعلى حكمته بما سلطهم به عليه حتى أسرعت الشهرة وعمت النصرة، فعلم بتلك المشاهدة أنه العزيز الحكيم كما دلت عليه سورة التوحيد المناظرة لهذه في رد المقطع على المطلع، وهي آل عمران المناظرة لهذه في الدلالة على التوحيد والمحاججة لمن ادعى أن له صاحبة وولد، فعلم قطعاً أنه لا كفوء له، فعلم أنه لا يصح أصلاً أن يلد ولا أن يولد، فبطلت قطعاً دعوى إلهية عيسى عليه الصلاة والسلام وغيره ممن ادعى فيه الولدية بالأحدية لما تقتضيه الولادة من المادة المقتضية للكثرة، الموجبة للحاجة، وعظم البيان بما دل عليه الاسم الأعظم من الإجماع بما تقتضي الإلهية، ولا إجماع على غيره، وجل الأمر وانقطع النزاع بما دل عليه الضمير من وجوب الوجود النافي لما سواه من كل موجود - والله الهادي، فلقد أبانت السورة على أعظم الوجوه أن مرسله صلى الله عليه وسلم أجل موجود وأشرف حقيقة وأنفس معلوم، وأعظم ذات، وذلك يستلزم نفي كل ما لا ينبغي، وحصول كل ما ينبغي استلزاماً لا يقبل الانفكاك، كالفردية في الوتر، والزوجية في الشفع، وتفصيل ذلك بعشرة أشياء تبسط على كلمات السورة على الترتيب: الأول أنه تعالى له الوجود الذي ما مثله فليس هو كالممكنات المسبوقة بالعدم والمنقطعة بالانعدام، والمنصرمة في الدوام، بل هو أزلي لا أول له أبدي لا آخر له، قيوم لا انصرام له، الثاني أن له السبوحية الآبية على نفع كل نقص وعيب، الثالث أن له القدوسية المشتملة على الاتصاف بكل كمال، من جلال وجمال وتعال، الرابع أن له العظمة والجلالة عن أن يكون عرضاً أو كالأعراض، أو جوهراً أو كالجواهر، أو جسماً أو كالأجسام، الخامس أن له العلو عن أن يحل في شيء أو يحل فيه شيء أو يتحد بشيء أو يتحد به شيء، السادس أنه تعالى له الغنى عن الموجد كالرب والموجب كالأب والمفيد أي لشيء من الكمالات، السابع أنه تعالى له الوحدانية التي ليس فيها شبيه أي في صفاته، ولا مثيل أي في نوع ولا نسب أي كالقرابة، الثامن أنه تعالى له الفردانية التي لا يصح فيها شرك، لا في الملك - بكسر الميم، ولا في الملك - بضمها، ولا في التدبير، ولا في التأثير، التاسع أنه تعالى له الكبرياء المنافية لفوت كمال أو كمال كمال، العاشر أنه تعالى له العزة المنافية لأن يكون له ضد - وهو المفسد لما يفعله، أو ند - وهو الموجد لمثل ما يوجده، وتنزل هذه العشرة على السورة واضح لمن تأمل الكلام وتدبره، وابتدأ سبحانه السورة بالضمير قبل الظاهر بعد التصريح بالنصر والفتح وخسارة أهل الكفر بخسارة أبي لهب الذي هو أعلاهم وأعزهم إشارة إلى أن من صحح باطنه باسم الله تعالى نصر وفتح له - كما يشير إليه تعقيب الأمر في آخر سورة البقرة بالرغبة إليه في النصر على الكافرين بقوله{أية : الله لا إله إلا هو الحي القيوم}تفسير : [البقرة: 255] فإنه ترجمة أول هذه السورة التالية للنصر والكافرون سواء بالضمير والاسم الأعظم والتوحيد الأعظم المقرون بدليل وهو القيومية، فقد بين آخر السورة الذي هو نتيجتها ورد مقطعها على مطلعها أنه أحد حاضر في كل زمن لا يغيب أصلاً، ولا أحد يكافئه أو يشابهه، لأنه لم يتولد عنه شيء ولا تولد هو عن شيء، لأنه صمد لا جوف له مطلقاً لا في ذاته بالفعل، ولا بحيث يجوّزه الوهم لأنه أحد محيط بكل شيء لأنه هو الله المحيط بجميع صفات الكمال والجمال، وهو غيب محض لأنه لا يقوى غيره على معرفته إلا باللوازم من الصفات المعقولة تقريباً، والأفعال المشاهدة آثارها، وهو هو الذي هو - مع كونه غيب الغيب - مستحضر في كل لب، لا يظهر بغيب عن أحد بما له من الآثار، التي ملأت الأقطار، ولذلك استحق التسمية بـ"هو" ولم يستحقها غيره لحضوره لكل قلب وغيبة غيره بكل اعتبار، لأنه ليس للغير من ذاته إلا الغيبة بالعدم، وأما هو فهو الواجب وجوده، وهو الذي أوجد غيره، وركز في كل قطرة ذكره، لما له سبحانه من الكمال، ولغيره من شدة الحاجة إليه والاحتلال، فكان سبوحاً قدوساً جامعاً بين الوصفين لأنه ممدوح بالفضائل والمحاسن، التقديس مضمر في صريح التسبيح، والتسبيح مضمر في صريح التقديس، وقد جمع الله سبحانه وتعالى بينهما في هذه السورة بالأسماء التي جلاها أولها، فهو صريح التقديس، ومن ثم إلى آخرها صريح التسبيح، والأمران راجعان إلى إفراده وتوحيده ونفي التشريك والتشبيه عنه، وذلك هو الجمع بين الإثبات والنفي على تهييج ما وقع في كلمة الإخلاص ليعلم أن الإثبات لا يكمل إلا بصيانته عن كل ما يتضمن مخالفته، لكن كلمة الإخلاص تركبت من نفي ثم إثبات، وسورة الإخلاص من إثبات ثم نفي، فأولها إثبات وآخرها نفي، وآخر الإثبات الصمد، فهو جامع بين الأمرين فإنه جمع كل صفة لا يتم الخلق إلا بها "لأن أحد مدلوليه" في اللغة: السيد الذي يرجع إليه، فاقتضى ذلك إثبات صفات الكمال التي بها يتم اتساق الأفعال ونفي كل صفة ينزه عنها، لأن ثاني مدلوليه في اللغة: الذي لا جوف له، وذلك يتضمن نفي النهاية ونفي الحد والجهة والجسم والجوهر، لأن من اتصف بشيء من ذلك لم يستحل اتصافه بالتركيب ووجود الجوف، فقررت هذه الكلمة وجوب المعرفة بالنفي والإثبات ليميز بين الحق والباطل، لأن من لم يتحقق صفاء الباطل لم يتقرر له المعرفة بالحق، ولذلك كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن الحق لصحة الاعتقاد والمعرفة، وعن الباطل والشر للتمكن من مجانبته حتى قال حذيفة رضي الله تعالى عنه "وكان الناس يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر" وذلك لأن من لم يعرف الشر يوشك أن يقع فيه، وأن ما خالفت كلمة الشهادة في الترتيب لأن تلك أتت للإدخال في الدين، والأليق بمن كان خارجاً أو ضعيفاً - وهم الأكثر - نفي الباطل أولاً ومحوه من لوح القلب ليأتي إثبات الحق فيه وهو فارغ فيقر فيه، فلما نفت أولاً كل غير كان سبباً للمجانبة والبعد عن حضرات القدس، ثم أثبتت الذات الأقدس والمسمى الأشرف الأنفس، أكدت سورة الإخلاص لأنها للكمل الذين تخلقوا بما قبلها من السور، هذا الإثبات عند استحضاره، وشهود الجميل من آثاره، ثم ختمت بنفي الأغيار، ليكون بذلك تجلى ختام الأعمار، عند الرجوع إلى الآثار، بالعرض على الواحد القهار، وقد بين بهذه السورة أنه طريق بين الخلق والأمر، فلما فتح الخلق بمتشابه خلق آدم عليه الصلاة والسلام لأن المتشابه ما خرج عن أشكاله، وختمت أقسامه الأربعة بمتشابه خلق عيسى عليه الصلاة والسلام - كما تقدم عند {أية : إن الله اصطفى}تفسير : [آل عمران: 33] في آل عمران المناظرة لهذه السورة، لذلك فتح الأمر بعد أم الكتاب بمتشابه الحروف المقطعة، وختم دون المعوذتين اللتين هما في الحال المرتحل كالمقدمة، والافتتاح بالتعوذ لأم الكتاب بمتشابه هو سورة الإخلاص، وكان متشابه أوله متشابهاً من جميع وجوهه، لا يمكن أحداً أن يقول فيه قولاً مقطوعاً به أو مظنوناً ظناً راجحاً، ومتشابه آخره لا يقنع فيه بدون القطع في أوله فيما كلفنا أمره في هذه الدار وهو أصول الدين، ووراء ذلك ما لا يدركه أحد من الأبرار ولا المقربين، وهو الذات الأقدس، فمن رجع متشابه الخلق فوق منزلته كفر، ومن وضع متشابه الأمر عن رتبته العلية كفر، وجعل آخره أجلى من أوله من بعض الوجوه إشارة إلى ترقية الموفق في أمره، وأنه في الآخر يكون أجلى انكشافاً وأوضح معرفة، وتلاه بالتعوذ إشارة إلى سؤال الاعتصام في شأنه، والحفظ التام في مضمار عرفانه، وكرر بالتثنية لأجل الإحاطة بأمري الظاهر والباطن، والتأكيد تنبيهاً على صعوبة المرام، وخطر المقام. ولما افتتح القرآن بسورة مشتملة على جميع معانيه، ختم بسورتين يدخل معناهما، وهو التعوذ، ويندب ذكره في جميع أجزائه ومبانيه، وفي ذلك لطيفة أخرى عظيمة جداً، وهي أنه لما علم بالإخلاص تمام العلم وظهور الدين على هذا الوجه الأعظم، فحصل بذلك غاية السرور، وكان التمام في هذه الدار مؤذناً بالنقصان، جاءت المعوذتان لدفع شر ذلك، وقد انقضى الكلام على ما يسره الله تعالى من كنوز معاني سورة الإخلاص بحسب التركيب والنظم والترتيب، وبقي الكلام على ما فتح الله به من أسرارها في الدلالة على مقصود السورة بالنظر إلى كلماتها مفردة ظواهر وضمائر ثم حروفها، ففيها من الأسماء الحسنى والصفات العلى، التي أسس عليها بنيانها، وانبنت عليها أركانها، خمسة هي العشر من كلمات آية الكرسي كما أن الصلوات المكتوبات خمس وهي خمسون في أم الكتاب "الحسنة بعشر أمثالها" فمن لطائف إشاراتها أنها كدعائم الدين الخمس، فالضمير مشير إلى تصحيح ضمير القلب بالإيمان، وصحة القصد والإذعان، حتى يقوم بناء العبادة، والاسم الأعظم إشارة إلى أن ذلك التصحيح لأجل التأله بالخضوع للإله الحق باستحضار اسمه الأعظم كما أن الصلاة أعظم عبادات البدن، هذا للتهيئة في الدخول في العبادة، ثم إن الدخول فيها شرطه أحدية التوجه تحقيقاً للصدق في صحة العزم عليها كما أن الزكاة تكون مصدقة للإيمان، وذلك التوحيد في التوحيد يكون لأجل الصدق في التأله بما يشير إليه إعادة الاسم الأعظم كما هو شأن الحاج الأشعث الأغبر المتجرد، ويكون ذلك التأله باستحضار افتقار العابد إلى المعبود وتداعيه إلى الهلاك بكل اعتبار لأنه أجوف، وغنى المعبود على الإطلاق بما يشير إليه الاسم الإضافي الصمد كما هو شأن الصائم في عبادته، واستحضاره لحقارته وشدة حاجته، ولجلالة مولاه، وتعاليه في غناه، فمن صحت له هذه الدعائم الخمس كانت عبادته في الذروة العليا من القبول، وإلا كان لها اسم الحصول من غير كثير محصول - والله الموفق، وكونها خمس عشرة كلمة إشارة إلى أنهم في السنة الخامسة عشرة من النبوة يعلمون - بغلبة قهره وسطوة سلطانه وتأييده للمستضعفين من حزبه، وتقويته لهم في وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة - أن مرسله لا كفوء له بعلم شهودي لا يقدر أحد على تكذيبه ودفعه، فيقوم به دليل الإخلاص، ولات حين مناص، وإذا ضممت إليها الضمير الواجب الاستتار في {قل} كانت ست عشرة إشارة إلى أنه في السنة السادسة عشرة من النبوة وهي الثالثة من الهجرة في غزوة أحد يكون الظاهر فيها اسمه تعالى الباطن، فإنه كان فيها من المصيبة ما هو مذكور في السير تفصيله من قتل سبعين من الصحابه رضي الله تعالى عنهم منهم حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسد رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك بعد أن ظهر فيها النبي صلى الله عليه وسلم في أول النهار، ظهوراً بيناً حتى كانت هزيمة الكفار، لا شك فيها - كما قال الله تعالى{أية : ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم} تفسير : [آل عمران: 152] - الآيات، ثم أخفى الله ذلك في إزالة الكفار في أثناء النهار، فهزم الصحابة رضي الله تعالى عنهم حتى لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم منهم إلا نفر يسير جداً أكثر ما ورد في عددهم أنهم يقاربون الأربعين وهو ثابت بهم - صلى الله عليه وسلم - في نحر العدو وهم نحو من ثلاثة آلاف فيهم مائتا فارس يحاولهم ويصاولهم يشتملون عليه مرة ويفترقون عنه أخرى ليعلم أن الناصر إنما هو الله سبحانه وتعالى وحده، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما نصر النبي صلى الله عليه وسلم في موطن من المواطن ما نصر في غزوة أحد، وقال أبو سفيان ابن حرب يوم إسلامه في عام الفتح للنبي صلى الله عليه وسلم: ما قاتلتك من مرة إلا ظهرت عليّ، أظن لو كان مع الله غيره لقد أغنى شيئاً. ولكن الذي ظهر منها ما كان في آخر النهار من ظهور الكفار، فأخفى الله تعالى نصره لنبيه صلى الله عليه وسلم فيها باسمه الباطن إلا على أرباب البصائر، فما علم ذلك إلا بوجه خفي جداً مناسبة للضمير الباطن الواجب الاستتار، وإذا ضممت إلى ذلك الضميرين المستترين الجائزي الظهور، فكانت الكلمات بذلك ثماني عشرة، كان إشارة إلى أن في السنة الثامنة عشرة من النبوة - وهي الخامسة من الهجرة دلالة عظيمة على أنه لا كفوء له يوجب الإخلاص على وجه هو أجلى مما كان في غزوة أحد وإن كان فيه نوع خفاء، وذلك في غزوة الأحزاب وبني قريظة حين رد الله الكفار بغيظهم لم ينالوا خيراً بعد أن كانوا في عشرة آلاف مقاتل غير بني قريظة، يقولون: إنه لا غالب لهم، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قوياً عزيزاً قاهراً لهم بريح وجنود لم يروها، وأمكن من بني قريظة، وكان الله قوياً عزيزاً، وذلك في شوال وذي القعدة سنة خمس من الهجرة، فإذا ضممت إليها الضمير الآخر البارز بالفعل في "له" فكانت تسع عشرة، كانت إشارة إلى مثل ذلك على وجه أجلى في عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة، فإنه كان فيها الفتح السببي الذي أنزل الله سبحانه وتعالى فيه سورة الفتح، وكان فيها من دلائل الوحدانية أمور كثيرة توجب الإخلاص، وإن كان في ذلك نوع خفاء مناسبة للضمير وإن كان بارزاً بالفعل، فقد خفي على كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين حتى نبههم النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا ضممت إليها كلمات البسملة الأربع كانت ثلاثاً وعشرين توازي السنة العاشرة من الهجرة، وهي الثالثة والعشرون من النبوة، وفيها كان استقرار الفتح الأكبر والإخلاص الأعظم بنفي الشرك وأهله من جزيرة العرب لحجة الوداع التي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيها:"حديث : إن الشيطان - قد أيس أن يعبد في أرض العرب"تفسير : ولذلك توفى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عقبها بعد إظهار الدين وإذلال الكافرين وإتمام النعمة، وقام سبحانه بنصر الأمة وحده بعد أن مهد أسباب النصر بنبيه صلى الله عليه وسلم حتى علم قطعاً في الردة وأحوالها، وموج الفتنة وأهوالها، وغلبة رعبها على القلوب وزلزالها، في ذلك الاضطراب الشديد، أنه الإله وحده الذي لا كفوء له لحفظ الدين في حياة نبيه صلى الله عليه وسلم وبعده، وكذا فيما بعد ذلك من فتوح البلاد، وإذلال الملوك العتاة الشداد، مع ما لهم من الكثرة والقوة بالأموال والأجناد، والتمكن العظيم في البلاد، وجعل النصر عليهم بأهل الضعف والقلة آية في آية، ودلالة بالغة في ظهورها الغاية، وإذا سلكت طريقاً آخر في الترتيب في الكلمات الخطية والاصطلاحية دلّك على مثل ذلك بطريق آخر، وذلك أن تضم إلى الكمات الخمس عشرة كلمات البسملة الأربع لتكون تسع عشرة فنوازي سنة ست من الهجرة، وذلك سنة عمرة الحديبية التي سماها الله تعالى فتحاً، وأنزل فيها سورة الفتح لكونها كانت سبب الفتح الذي هو عمود الإخلاص، فإذا ضممت إليها الضمير المستتر كانت عشرين، فوازت سنه سبع التي كانت فيها عمرة القضاء، فأظهر الله فيها الإخلاص على عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم بين أظهر المشركين في البلد الذي كان بعثه منه وفيه على وجه ظهر فيه أنه لا كفوء له، ولكن كان ذلك بوجه خفي، فإذا ضممت إليها الضميرين المستترين الجائزي البروز كانت اثنتين وعشرين موازية لسنة تسع سنة الوفود ودخول الناس في دين الله أفواجاً، فالإلهية من حيث هي تقتضي الوحدة، والوحدة لا تقتضي الإلهية، وعبر به دون الواحد لأن المراد الإبلاغ في الوصف بالوحدة إلى حد لا يكون شيء أشد منه، والواحد - قال ابن سينا - مقول على ما تحته من التشكيك، والذي لا ينقسم بوجه أصلاً أولى بالوحدانية مما ينقسم من بعض الوجوه، والذي ينقسم انقساماً عقلياً أولى مما ينقسم بالحس، والذي ينقسم بالحس وهو بالقوة أولى من المنقسم بالحس بالفعل، وإذا ثبت أن الوحدة قابلة للأشد والأضعف وأن الواحد مقول على ما تحته بالتشكيك كان الأكمل في الفعل الذي لا يمكن أن يكون شيء آخر أقوى منه فيها وإلا لم يكن بالغاً أقصى المرام، والأحد جامع لذلك دال عل الواحدية من جميع الوجوه، وأنه لا كثرة هناك أصلاً، لا معنوية من المقولات من الأجناس والفصول ولا بالأجزاء العقلية كالمادة والصورة، ولا حسية بقوة ولا فعل كما في الأجسام، وذلك لكونه سبحانه وتعالى منزهاً عن الجنس والفصل والمادة والصورة والأعراض والأبعاض والأعضاء والأشكال والألوان وسائر الوجوه وجوه التشبيه التي تثلم الوحدة الكاملة الحقة اللائقة بكرم وجهه وعز جلاله أن يشبهه شيء أو يساويه شيء لأن كل ما كانت هويته أن تحصل من اجتماع آخر كانت هويته موقوفة على تلك الأجزاء فلا يكون هو هو لذاته بل لغيره، فلذا كان منزهاً عن الكثرة بكل اعتبار ومتصفاً بالوحد من كل الوجوه، فقد بلغ هذا النظم من البيان أعظم شأن، فسبحان من أنزل هذا الكلام ما أعظم شأنه وأقهر سلطانه! فهو منتهى الحاجات، ومن عنده نيل الطلبات، ولا يبلغ أدنى ما استأثره من الجلال والعظمة والبهجة أقصى نعوت الناعتين، وأعظم وصف الواصفين، بل القدر الممكن منه الممتنع أزيد منه هو الذي ذكره في كتابه العزيز، وأودعه وحيه المقدس الحكيم، وبالكلام على معناه والمعنى الواحد تحقق ما تقدم، قال الإمام أبو العباس الاقليشي في شرح الأسماء الحسنى، فمن أهل اللسان من ساوى بينهما جعلهما مترادفين، ومنهم من قال: أصل "أحد" واحد، أسقطت منه الألف، ثم أبدلت الهمزة من الواو المفتوحة مثل حسن يحسن فهو حسن - من الحسن، أبدلت الواو همزة، وأما من فرق بينهما فمنهم من قال: "أحد" على حياله، لا إبدال فيه ولا تغيير، ومنهم من قال: أصله وحد - أبدلت الواو همزة - انتهى. وقد استخلصت الكلام على الاسمين الشريفين من عدة شروح للأسماء الحسنى وغيرها، منها شرح الفخر الرازي والفخر الحرالي وغيرهما - قالوا: الواحد الذي لا كثرة فيه بوجه لا بقسمة ولا بغيرها مع اتصافه بالعظمة ليخرج الجوهر الفرد وهو الذي لا يتثنى، أي لا ضد له ولا شبيه، فهو سبحانه وتعالى واحد بالمعنيين على الإطلاق لا بالنظر إلى حال ولا شيء، قال الإمام أبو العباس الاقليشي في شرح الأسماء الحسنى: هذه حقيقة الوحدة عند المحققين فلا يصح أن يوصف شيء مركب بها إلا مجازاً كما تقول: رجل واحد ودرهم واحد، وإنما يوصف بها حقيقة ما حراك له كالجوهر عند الأشعرية غير أنك إذا نظرت فوجدت وجوده من غيره علمت أن استحقاقه لهذا الوصف ليس كاستحقاق موجده له، وهو أيضاً إنما يوصف به لحقارته، وموجده سبحانه وتعالى موصوف به مع اتصافه بالعظمة، فاتصافه بالوحدة على الإطلاق، والاتصاف بالجوهر بالنظر إلى عدم التركيب من الجسم مع صحة اتصافه بأنه جزء يزل عنه حقيقة ذلك، والوحدة أيضاً بالنظر إلى المعنى الثاني - وهو ما لا نظر له - لا تصح بالحقيقة إلا له سبحانه وتعالى، وكل ما نوعيته في شخصيته كالعرش والكرسي والشمس والقمر يصح أن يقدر لها نظائر، ولها معنى ثالث وهو التوحيد بالفعل والإيجاد، فيفعل كل ما يريد من غير توقف على شيء، والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن الأول ناظر إلى نفي إله ثان، وهذا ناف لمعين ووزير، وكلاهما وصف ذاتي سلبي، والحاصل أن النظر الصحيح دل على أن لنا موجداً واحداً بمعنى أنه لا يصح أن يلحقه نقص لقسمته بوجه من الوجوه، وبمعنى أنه معدوم النظير بكل اعتبار، ومعنى أنه مستبد بالفعل مستقل بالإيجاد ومتوحد بالصنع منفرد بالتدبير، قضى بهذا شاهد العقل المعصوم من ظلمة الهوى وكثافة الطبع، وورد به قواطع النقل ونواطق السمع، ولهذا كان من أعظم الخلق دعاؤه سبحانه وتعالى لجميع الخلق، وكانت دعوة رسوله الخاتم صلى الله عليه وسلم للخلق كافة، وقال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في آخر شرحه للأسماء الحسنى في شرحه في بيان رد الأسماء الكثيرة إلى ذات الواحد وسبع صفات الأحد المسلوب عنه النظير، وقال في الشرح المذكور: الواحد هو الذي لا يتجزى ولا يتثنى، أما الذي لا يتجزى فكالجوهر الذي لا ينقسم فيقال عنه: إنه واحد - بمعنى أنه لا جزء له، وكذلك النقطة لا جزء لها، والله تعالى واحد بمعنى أنه يستحيل تقدير الانقسام في ذاته، وأما الذي لا يتثنى فهو الذي لا نظير له كالشمس مثلاً فإنها - وإن كانت قابلة للانقسام بالوهم - متحيزة في ذاتها لأنها من قبيل الأجسام فهي لا نظير لها إلا أنه يمكن لها نظير، وليس في الوجود موجود يتفرد بخصوص وجوده تفرداً لا يتصور أن يشاركه فيه غيره أصلاً إلا الواحد المطلق أزلاً وأبداً، والعبد إنما يكون واحداً إذا لم يكن له في أبناء جنسه نظير في خصلة من خصال الخير، وذلك بالإضافة إلى بعض الخصال دون الجميع، فلا وحدة على الإطلاق إلا لله سبحانه وتعالى، وقال محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في مقدمة كتاب الملل والنحل: واختلفوا في الواحد أهو من العدم أم مبدأ العدد وليس داخلاً في العدد، وهذا الاختلاف إنما ينشأ من اشتراط لفظ الواحد أيضاً، فالواحد يطلق به ويراد به ما يتركب منه العدد، فإن الاثنين لا معنى له إلا واحد تكرر أول تكرير وكذا الثلاثة والأربعة، ويطلق ويراد به ما يحصل منه العدد الذي هو علة، ولا يدخل في العدد الذي لا يتركب منه العدد، وقد يلازم الواحدية جميع الأعداد لا على أن العدد يتركب بها بل وكل موجود فهو جنسه أو نوعه أو شخصه واحد، يقال: إنسان واحد، وفي العدد أنه لا كفوء له ولكن كان ذلك بوجه خفي، فإذا ضممت إليها الضميرين المستترين الجائزي البروز كانت اثنين وعشرين موازية لسنة تسع سنة الوفود ودخول الناس في الدين أفواجاً، وحجة أبي بكر رضي الله عنه وتطهير المسجد الحرام من نجس الإشراك بالبراءة من المشركين وزجرهم عن أن يحج بعد ذلك العام مشرك، ونهيهم عن قربانهم المسجد الحرام لأنهم نجس، وانتشار الإخلاص في أغلب بلاد العرب، وذلك أجلى مما مضى مناسب لما دل عليه، وفيه نوع خفاء عند من كان بقي من المشركين، وإذا ضممت إليها الضمير الآخر البارز بالفعل كانت ثلاثاً وعشرين توازي سنة حجة الوداع سنة عشر، وهي التي تم فيها الإخلاص ولم يحج بها مشرك، وأيس الشيطان فيها أن يعبد في جزيرة العرب، وفي ذلك - لكون الكلمة ضميراً - نوع يسير في الخفاء بما دل عليه بعد ذلك من الردة، وكان ذلك أنسب الأشياء بالكلمة المتحملة لذلك الضمير وهي له، هذا ما يسره الله من أسرار كلماتها بحسب الأعداد، وأما حروفها فمن الأسرار العظيمة أنه صفة الله، وأن حروفها مع البسملة بالنظر إليها من حيث اللفظ وكذا من حيث الرسم ستة وستون حرفاً، وكذا عدة حروف الجلالة الملفوظة وكذا المرسومة بحساب الجمل، فكل ما دعت إليه هو مدلول هذا الاسم الأعظم، وهذه العدة إذا أخذت من أول مولد النبي صلى الله عليه وسلم كان آخرها منطبقاً على سنة موت صديقه الأكبر الذي سبق غيره بما وقر في صدره وهو أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وذلك دلالة على أنه لا يوازيهما أحد في الإخلاص، وأنهما وصلا فيه إلى الرتبة العليا، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم أعلى الخلق فيه، وفي ذلك أيضاً دلالة على أنه لا كفوء له لأنه نفى الإشراك بحذافيره من جميع جزيرة العرب بعد أن كانوا مطبقين عليه، وأطلقهم سبحانه وتعالى على من يليهم من ملوك الأمم حتى أظهر الله بهم الدين - وقد كانوا أذل الأمم - على الدين كله، ونفوا جبابرة الملوك صغرة بعد أن كان عندهم أنه لا غالب لهم، وحروفها الملفوظة هي بعدد كلمات - آيات التوحيد، وهي آية الكرسي أعظم آية في القرآن، وذلك خمسون حرفاً إلا واحداً هو ألف {كفواً} الذي هو مرسوم غير ملفوظ، وهو الدال على الضمير الذي هو غيب الغيب، فهو غيب - من جهة عدم اللفظ به، ووجود وظهور من جهة شاهد الرسم ومسموع الاسم، كما أن الذات غيب محض من جهة الحقيقة يدرك بمشاهدة الأفعال، ومسموع الأسماء العوال - والله الهادي من الضلال.
السيوطي
تفسير : أخرج أحمد والبخاري في تاريخه والترمذي وابن جرير وابن خزيمة وابن أبي حاتم في السنة والبغوي في معجمه وابن المنذر في العظمة والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد أنسب لنا ربك، فأنزل الله {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد} لأنه ليس يولد شيء إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله لا يموت ولا يورث {ولم يكن له كفواً أحد} ليس له شيبة ولا عدل وليس كمثله شيء. وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه أن المشركين قالوا يا رسول الله: أخبرنا عن ربك، صف لنا ربك ما هو؟ ومن أي شيء هو؟ فأنزل الله {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد} . وأخرج ابن الضريس وابن جرير عن أبي العالية رضي الله عنه قال قالوا: انسب لنا ربك، فأتاه جبريل بهذه السورة {قل هو الله أحد الله الصمد} . وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية والبيهقي بسند حسن عن جابر رضي الله عنه قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أنسب لنا ربك، فأنزل الله {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد} . وأخرج الطبراني وأبو الشيخ في العظمة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قالت قريش، يا رسول الله: أنسب لنا ربك، فأنزل الله {قل هو الله أحد} . وأخرج أبو الشيخ في العظمة وأبو بكر السمرقندي في فضائل {قل هو الله أحد} عن أنس رضي الله عنه قال: جاءت يهود خيبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم خلق الله الملائكة من نور الحجاب وآدم من حمإ مسنون وإبليس من لهب النار، والسماء من دخان، والأرض من زبد الماء، فأخبرنا عن ربك فلم يجبهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه جبريل بهذه السورة {قل هو الله أحد} ليس له عروق تتشعب {الله الصمد} ليس بالأجوف لا يأكل ولا يشرب {لم يلد ولم يولد} ليس له والد ولا ولد ينسب إليه {ولم يكن له كفواً أحد} ليس من خلقه شيء يعدل مكانه يمسك السموات إن زالتا، هذه السورة ليس فيها ذكر جنة ولا نار، ولا دنيا ولا آخرة ولا حلال ولا حرام انتسب الله إليها فهي له خالصة، من قرأها ثلاث مرات عدل بقراءة الوحي كله، ومن قرأها ثلاثين مرة لم يفضله أحد من أهل الدنيا يومئذ إلا من زاد على ما قال، ومن قرأها مائتي مرة أسكن من الفردوس سكناً يرضاه، ومن قرأها حين يدخل منزله ثلاث مرات نفت عنه الفقر ونفعت الجار، وكان رجل يقرأها في كل صلاة فكأنهم هزئوا به وعابوا ذلك عليه فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: وما حملك على ذلك؟ قال يا رسول الله: إني أحبها. قال: حبها أدخلك الجنة. قال: وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها ويرددها حتى أصبح. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم في الحلية من طريق محمد بن حمزة بن يوسف بن عبدالله بن سلام أن عبدالله بن سلام رضي الله عنه قال لأحبار اليهود: إني أردت أن أحدث بمسجد أبينا إبراهيم عهداً، فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، فوافاه بمنى، والناس حوله، فقام مع الناس، فلما نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: أنت عبدالله بن سلام؟ قال: نعم، قال: أدن، فدنا منه، فقال: أنشدك بالله أما تجدني في التوراة رسول الله؟ فقال له: أنعت لنا ربك، فجاء جبريل فقال {قل هو الله أحد} إلى آخر السورة. فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله واشهد أنك رسول الله، ثم انصرف إلى المدينة وكتم إسلامه. وأخرج ابن أبي حاتم وابن عدي والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما أن اليهود جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم منهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب فقالوا يا محمد: صف لنا ربك الذي بعثك، فأنزل الله {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد} فيخرج منه الولد {ولم يولد} فيخرج من شيء. وأخرج الطبراني في السنة عن الضحاك قال: قالت اليهود يا محمد صف لنا ربك، فأنزل الله {قل هو الله أحد الله الصمد} فقالوا: أما الأحد فقد عرفناه، فما الصمد؟ قال: الذي لا جوف له. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: أتى رهط من اليهود النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له: يا محمد هذا الله خلق الخلق فمن خلقه؟ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتقع لونه، ثم ساورهم غضباً لربه، فجاءه جبريل فسكنه وقال: اخفض عليك جناحك، وجاءه من الله جواب ما سألوه عنه {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد} فلما تلاها عليهم قالوا: صف لنا ربك كيف خلقه وكيف عضده وكيف ذراعه، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم أشد من غضبه الأول وساورهم غضباً فأتاه جبريل فقال له مثل مقالته وأتاه جواب ما سألوه عنه {أية : وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون}تفسير : [الزمر: 67]. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: جاء ناس من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أنسب لنا ربك، وفي لفظ: صف لنا ربك، فلم يدر ما يرد عليهم فنزلت {قل هو الله أحد} حتى ختم السورة. وأخرج أبو عبيد وأحمد في فضائله والنسائي في اليوم والليلة وابن منيع ومحمد بن نصر وابن مردويه والضياء في المختارة عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ {قل هو الله أحد} فكأنما قرأ ثلث القرآن ". تفسير : وأخرج ابن الضريس والبزار وسمويه في فوائده والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من قرأ {قل هو الله احد} مائتي مرة غفر له ذنوب مائتي سنة ". تفسير : وأخرج أحمد والترمذي وابن الضريس والبيهقي في سننه عن أنس رضي الله عنه قال: حديث : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أحب هذه السورة {قل هو الله أحد} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حبك إياها أدخلك الجنة" . تفسير : وأخرج ابن الضريس وأبو يعلى وابن الأنباري في المصاحف عن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أما يستطيع أحدكم أن يقرأ {قل هو الله أحد} ثلاث مرات في ليلة، فإنها تعدل ثلث القرآن ". تفسير : وأخرج أبو يعلى ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ {قل هو الله أحد} خمسين مرة غفر له ذنوب خمسين سنة ". تفسير : وأخرج الترمذي وأبو يعلى ومحمد بن نصر وابن عدي والبيهقي في الشعب، واللفظ له، عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ كل يوم مائتي مرة {قل هو الله أحد} كتب الله له ألفاً وخمسمائة حسنة، ومحا عنه ذنوب خمسين سنة، إلا أن يكون عليه دين ". تفسير : وأخرج الترمذي وابن عدي والبيهقي في الشعب عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أراد أن ينام على فراشه من الليل نام على يمينه فقرأ {قل هو الله أحد} مائة مرة، فإذا كان يوم القيامة يقول له الرب: يا عبدي ادخل على يمينك الجنة ". تفسير : وأخرج ابن سعد وابن الضريس وأبو يعلى والبيهقي في الدلائل عن أنس رضي الله عنه قال: حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم بالشام، فهبط عليه جبريل فقال: يا محمد إن معاوية بن معاوية المزني هلك، أفتحب أن تصلي عليه؟ قال: نعم، فضرب بجناحه الأرض فتضعضع له كل شيء ولزق بالأرض ورفع له سريره فصلى عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم من أي شيء أتى معاوية هذا الفضل؟ صلى عليه صفان من الملائكة في كل صف ستمائة ألف ملك. قال: بقراءة {قل هو الله أحد} كان يقرؤها قائماً وقاعداً وجالساً وذاهباً ونائماً . تفسير : وأخرج ابن سعد وابن الضريس والبيهقي في الدلائل والشعب من وجه آخر عن أنس رضي الله عنه قال: حديث : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك فطلعت الشمس ذات يوم بضياء وشعاع ونور لم نرها قبل ذلك فيما مضى، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجب من ضيائها ونورها، إذ أتاه جبريل فسأل جبريل: ما للشمس طلعت لها نور وضياء وشعاع لم أرها طلعت فيما مضى؟ قال: ذاك أن معاوية بن معاوية الليثي مات بالمدينة اليوم، فبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه. قال: بم ذاك يا جبريل؟ قال: كان يكثر {قل هو الله أحد} قائماً وقاعداً وماشياً وآناء الليل والنهار استكثر منها فإنها نسبة ربكم، ومن قرأها خمسين مرة رفع الله له خمسين ألف درجة، وحط عنه خمسين ألف سيئة، وكتب له خمسين ألف حسنة، ومن زاد زاد الله له. قال جبريل: فهل لك أن أقبض الأرض فتصلي عليه! قال: نعم. فصلى عليه . تفسير : وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من قرأ {قل هو الله أحد} مائتي مرة غفر له خطيئة خمسين سنة إذا اجتنب أربع خصال الدماء والأموال والفروج والأشربة ". تفسير : وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من قرأ {قل هو الله أحد} على طهارة مائة مرة كطهارة الصلاة يبدأ بفاتحة الكتاب كتب الله له بكل حرف عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وبنى له مائة قصر في الجنة وكأنما قرأ القرآن ثلاثاً وثلاثين مرة، وهي براءة من الشرك، ومحضرة للملائكة، ومنفرة للشياطين، ولها دويّ حول العرش تذكر بصاحبها حتى ينظر الله إليه، وإذا نظر إليه لم يعذبه أبداً ". تفسير : وأخرج أبو يعلى عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاث من جاء بهن مع الإِيمان دخل من أي أبواب الجنة شاء، وزوج من الحور العين حيث شاء، من عفا عن قاتله، وأدى ديناً خفياً، وقرأ في دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات {قل هو الله أحد} فقال أبو بكر: أو إحداهن يا رسول الله؟ قال: "أو إحداهن" . تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط بسند فيه مجهول عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ {قل هو الله أحد} في كل يوم خمسين مرة نودي يوم القيامة من قبره: قم مادح الله، فأدخل الجنة ". تفسير : وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من نسي أن يسمي على طعامه فليقرأ {قل هو الله أحد} إذا فرغ ". تفسير : وأخرج الطبراني عن جرير البجلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ {قل هو الله أحد} حين يدخل منزله نفت الفقر من أهل ذلك المنزل والجيران ". تفسير : وأخرج البزار والطبراني في الصغير عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ {قل هو الله أحد} فكأنما قرأ ثلث القرآن، ومن قرأ {قل يا أيها الكافرون} [الكافرون:1] فكأنما قرأ ربع القرآن ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية بسند ضعيف عن عبدالله بن الشخير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ {قل هو الله أحد} في مرضه الذي يموت فيه لم يفتن في قبره، وامن من فتنه القبر، وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفها حتى تجيزه الصراط إلى الجنة ". تفسير : وأخرج أبو عبيد في فضائله عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : {قل هو الله أحد} ثلث القرآن ". تفسير : وأخرج ابن الضريس والطبراني في الأوسط وابن مردويه عن ابن عمر قال: "حديث : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في سفر، فقرأ في الركعة الأولى {قل هو الله أحد} وفي الثانية {قل يا أيها الكافرون} فلما سلم قال: قرأت بكم ثلث القرآن وربعه ". تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل وهو بتبوك فقال: يا محمد اشهد جنازة معاوية بن معاوية المزني، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل جبريل في سبعين ألفاً من الملائكة، فوضع جناحه الأيمن على الجبال، فتواضعت ووضع جناحه الأيسر على الأرضين فتواضعت حتى نظر إلى مكة والمدينة فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل والملائكة فلما فرغ قال: يا جبريل: ما بلغ معاوية بن معاوية المزني هذه المنزلة؟ قال: بقراءته {قل هو الله أحد} قائماً وقاعداً وراكباً وماشياً. وأخرج ابن الضريس عن سعيد بن المسيب قال: حديث : كان رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له معاوية، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وهو مريض ثقيل، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أيام ثم لقيه جبريل فقال: إن معاوية بن معاوية توفي، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيسرك أن أريك قبره؟ قال: نعم، فضرب بجناحه الأرض، فلم يبق جبل إلا انخفض حتى أبدى الله قبره فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل عن يمينه وصفوف الملائكة سبعين ألفاً حتى إذا فرغ من صلاته قال: يا جبريل بم نزل معاوية بن معاوية من الله بهذه المنزلة؟ قال: بـ {قل هو الله أحد} كان يقرأها قائماً وقاعداً وماشياً ونائماً، ولقد كنت أخاف على أمتك حتى نزلت هذه السورة فيها . تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ آية الكرسي و {قل هو الله أحد} دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ". تفسير : وأخرج ابن النجار في تاريخ بغداد من طريق مجاشع بن عمرو أحد الكذابين عن يزيد الرقاشي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : جاءني جبريل في أحسن صورة ضاحكاً مستبشراً فقال: يا محمد العلي الأعلى يقرؤك السلام، ويقول: إن لكل شيء نسباً ونسبتي {قل هو الله أحد} فمن أتاني من أمتك قارئاً بـ {قل هو الله أحد} ألف مرة من دهره ألزمه داري واقامة عرشي وشفعته في سبعين ممن وجبت عقوبته، ولولا أني آليت على نفسي، كل نفس ذائقة الموت، لما قبضت روحه ". تفسير : وأخرج ابن النجار في تاريخه عن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أراد سفراً فأخذ بعضادتي منزله فقرأ إحدى عشرة مرة {قل هو الله أحد} كان الله له حارساً حتى يرجع ". تفسير : وأخرج ابن النجار عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من صلى بعد المغرب ركعتين قبل أن ينطق مع أحد يقرأ في الأولى بالحمد و {قل يا أيها الكافرون} وفي الركعة الثانية بالحمد و {قل هو الله أحد} خرج من ذنوبه كما تخرج الحية من سلخها ". تفسير : وأخرج ابن السني في عمل اليوم والليلة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ بعد صلاة الجمعة {قل هو الله أحد} و {قل أعوذ برب الفلق} [الفلق] و {قل أعوذ برب الناس} [الناس] سبع مرات أعاذه الله بها من السوء إلى الجمعة الأخرى ". تفسير : وأخرج الحافظ أبو محمد الحسن بن أحمد السمرقندي في فضائل {قل هو الله أحد} عن اسحق بن عبدالله بن أبي فروة قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : "من قرأ {قل هو الله أحد} فكأنما قرأ ثلث القرآن، ومن قرأها عشر مرات بنى الله له قصرا في الجنة" فقال أبو بكر إذن نستكثر يا رسول الله، فقال: "الله أكثر وأطيب" تفسير : رددها مرتين. وأخرج أيضاً عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ {قل هو الله أحد} فكأنما قرأ ثلث القرآن، ومن قرأ {قل هو الله أحد} مرتين فكأنما قرأ ثلثي القرآن، ومن قرأ {قل هو الله أحد} ثلاث مرات فكأنما قرأ جميع ما أنزل الله ". تفسير : وأخرج أيضاً عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ {قل هو الله أحد} مرة بورك عليه، ومن قرأها مرتين بورك عليه وعلى أهل بيته، ومن قرأها ثلاث مرات بورك عليه وعلى أهل بيته وجيرانه، ومن قرأها اثنتي عشرة مرة بنى الله له في الجنة اثني عشر قصراً. ومن قرأها عشرين مرة كان مع النبيين هكذا وضم الوسطى والتي تليها الابهام، ومن قرأها مائة مرة غفر الله له ذنوب خمس وعشرين سنة إلا الدين والدم، ومن قرأها مائتي مرة غفرت له ذنوب خمسين سنة، ومن قرأها أربعمائة مرة كان له أجر أربعمائة شهيد كل عقر جواده وأهريق دمه، ومن قرأها ألف مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له ". تفسير : وأخرج أيضاً عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ {قل هو الله أحد} مرة فكأنما قرأ ثلث القرآن، ومن قرأها مرتين فكأنما قرأ ثلثي القرآن، ومن قرأها ثلاثاً فكأنما قرأ القرآن ارتجالاً ". تفسير : وأخرج أيضاً عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من قرأ {قل هو الله أحد} ألف مرة كانت أحب إلى الله من ألف ملجمة مسرجة في سبيل الله ". تفسير : وأخرج أيضاً عن كعب الأحبار قال: ثلاثة ينزلون من الجنة حيث شاؤوا: الشهيد ورجل قرأ في كل يوم {قل هو الله أحد} مائتي مرة. وأخرج أيضاً عن كعب الأحبار قال: من واظب على قراءة {قل هو الله أحد} وآية الكرسي عشر مرات في ليل أو نهار استوجب رضوان الله الأكبر، وكان مع أنبيائه، وعصم من الشيطان. وأخرج أيضاً من طريق دينار عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من قرأ {قل هو الله أحد} ألف مرة فقد اشترى نفسه من الله وهو من خاصة الله ". تفسير : وأخرج أيضاً من طريق نعيم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من قرأ {قل هو الله أحد} ثلاثين مرة كتب الله له براءة من النار وأماناً من العذاب، والأمان يوم الفزع الأكبر ". تفسير : وأخرج أيضاً عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أتى منزله فقرأ {الحمد لله} [سورة الفاتحة] و {قل هو الله أحد} نفى الله عنه الفقر، وكثر خير بيته حتى يفيض على جيرانه ". تفسير : وأخرج الطبراني أيضاً من طريق أبي بكر البردعي: حدثنا أبو زرعة وأبو حاتم قالا: حدثنا عيسى بن أبي فاطمة، رازي ثقة، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: إذا نقر في الناقور اشتد غضب الرحمن فتنزل الملائكة فيأخذون بأقطار الأرض، فلا يزالون يقرؤون {قل هو الله أحد} حتى يسكن غضبه. وأخرج إبراهيم بن محمد الخيارجي في فوائده عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ {قل هو الله أحد} ألف مرة فقد اشترى نفسه من الله ". تفسير : وأخرج ابن النجار في تاريخه عن كعب بن عجرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ في ليلة أو يوم {قل هو الله أحد} ثلاث مرات كان مقدار القرآن ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "من قرأ {قل هو الله أحد} إحدى عشرة مرة بنى الله له قصراً في الجنة" فقال عمر: والله يا رسول الله إذن نستكثر من القصور، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فالله أمن وأفضل" أو قال: "أمن وأوسع" . تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات عن عائشة حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على سرية، فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم: بـ {قل هو الله أحد} فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟" فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن، فانا أحب أن أقرأها. فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبروه فقال: "أخبروه أن الله تعالى يحبه" . تفسير : وأخرج ابن الضريس عن الربيع بن خيثم قال: سورة من كتاب الله يراها الناس قصيرة وأراها عظيمة طويلة يحب الله محبها ليس لها خلط، فأيكم قرأها فلا يجمعن إليها شيئاً استقلالاً بها فإنها تجزئه. وأخرج ابن الضريس عن أنس قال: حديث : قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لي أخاً قد حبب إليه قراءة {قل هو الله أحد} فقال: "بشر أخاك بالجنة" . تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن ماجة وابن الضريس عن بريدة قال: حديث : دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ويدي في يده، فإذا رجل يصلي يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب" . تفسير : وأخرج ابن الضريس عن الحسن قال: من قرأ {قل هو الله أحد} مائتي مرة كان له من الأجر عبادة خمسمائة سنة. وأخرج الدارقطني في الأفراد والخطيب في تاريخه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى قرأ على نفسه بـ {قل هو الله أحد} . وأخرج ابن النجار في تاريخه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ {قل هو الله أحد} دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات أوجب الله له رضوانه ومغفرته ". تفسير : وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي غالب مولى خالد بن عبدالله قال: قال عمر ذات ليلة قبيل الصبح يا أبا غالب ألا تقوم فتصلي، ولو تقرأ بثلث القرآن، فقلت: قد دنا الصبح فكيف أقرأ بثلث القرآن فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:حديث : إن سورة الإِخلاص {قل هو الله أحد} تعدل ثلث القرآن ". تفسير : وأخرج العقيلي عن رجاء الغنوي قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ {قل هو الله أحد} ثلاث مرار فكأنما قرأ القرآن أجمع ". تفسير : وأخرج ابن عساكر عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من صلى صلاة الغداة ثم لم يتكلم حتى قرأ {قل هو الله أحد} عشر مرات لم يدركه ذلك اليوم ذنب وأجير من الشيطان ". تفسير : وأخرج الديلمي بسند واه عن البراء بن عازب مرفوعاً: "من قرأ {قل هو الله أحد} مائة بعد صلاة الغداة قبل أن يكلم أحداً رفع له ذلك اليوم عمل خمسين صديقاً". وأخرج ابن عساكر عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين زوجه فاطمة دعا بماء فمجه ثم أدخله معه فرشه في جيبه وبين كتفيه وعوذه بـ {قل هو الله أحد} والمعوّذتين. وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: من صلى ركعتين فقرأ فيهما {قل هو الله أحد} ثلاثين مرة بنى الله له ألف قصر من ذهب في الجنة، ومن قرأها في غير صلاة بنى الله له مائة قصر في الجنة، ومن قرأها في صلاة كان أفضل من ذلك، ومن قرأها إذا دخل إلى أهله أصاب أهله وجيرانه منها خير. وأخرج أحمد عن عبد الله بن عمروحديث : أن أبا أيوب كان في مجلس وهو يقول: ألا يستطيع أحدكم أن يقوم بثلث القرآن كل ليلة؟ قالوا: وهل يستطيع ذلك أحد؟ قال: فإن {قل هو الله أحد} ثلث القرآن، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسمع أبا أيوب فقال: صدق أبو أيوب ". تفسير : وأخرج ابن الضريس والبزار ومحمد بن نصر والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيعجز أحدكم أن يقرأ كل ليلة ثلث القرآن؟ قالوا: ومن يطيق ذلك؟ قال: بلى {قل هو الله أحد} تعدل بثلث القرآن ". تفسير : وأخرج أحمد والطبراني وابن السني بسند ضعيف عن معاذ بن أنس الجهني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من قرأ {قل هو الله أحد} حتى يختمها عشر مرات بنى الله له قصر في الجنة فقال له عمر: إذاً نستكثر يا رسول الله. قال: "الله أكثر وأطيب" . تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن معاذ بن جبل قال: "حديث : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك فلما كان ببعض المنازل صلى بنا صلاة الفجر فقرأ في أول ركعة بفاتحة الكتاب و {قل هو الله أحد} وفي الثانية بـ {قل أعوذ برب الفلق} فلما سلم قال: ما قرأ رجل في صلاة بسورتين أبلغ منهما ولا أفضل ". تفسير : وأخرج محمد بن نصر والطبراني بسند جيد عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : {قل هو الله أحد} تعدل بثلث القرآن ". تفسير : وأخرج أبو عبيد وأحمد والبخاري في التاريخ والترمذي وحسنه والنسائي وابن الضريس والبيهقي في الشعب عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فلما رأى أنه قد شق عليهم قال: من قرأ {قل هو الله أحد الله الصمد} في ليلة فقد قرأ ليلتئذ ثلث القرآن ". تفسير : وأخرج أحمد والطبراني عن أبي أمامة قال: "حديث : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل يقرأ {قل هو الله أحد} فقال: أوجب لهذا الجنة ". تفسير : وأخرج أبو عبيد وأحمد ومسلم وابن الضريس والنسائي عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أيعجز أحدكم أن يقرأ كل يوم ثلث القرآن؟ قالوا: نحن أضعف من ذاك. وأعجز، قال: فإن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء فقال: {قل هو الله أحد} ثلث القرآن ". تفسير : وأخرج مالك وأحمد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن الضريس والبيهقي في سننه حديث : عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رجلاً يقرأ {قل هو الله أحد} يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن" . تفسير : وأخرج أحمد والبخاري وابن الضريس عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه:"حديث : أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة، فشق ذلك عليهم وقالوا: أينا يطيق ذلك؟ فقال: الله الواحد الصمد ثلث القرآن ". تفسير : وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: حديث : بات قتادة بن النعمان يقرأ الليل كله بـ {قل هو الله أحد} فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "والذي نفسي بيده إنها لتعدل نصف القرآن أو ثلثه" . تفسير : وأخرج البيهقي في سننه من طريق أبي سعيد الخدري قال:حديث : أخبرني قتادة بن النعمان أن رجلاً قام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ {قل هو الله أحد} السورة كلها، يرددها لا يزيد عليها، فلما أصبحنا أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إنها لتعدل ثلث القرآن" . تفسير : وأخرج أحمد وأبو عبيد والنسائي وابن ماجة وابن الضريس عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : {قل هو الله أحد} تعدل ثلث القرآن ". تفسير : وأخرج الطبراني في الصغير والبيهقي في الشعب بسند ضعيف عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ {قل هو الله أحد} بعد صلاة الصبح اثني عشرة مرة فكأنما قرأ القرآن أربع مرات، وكان أفضل أهل الأرض يومئذ إذا اتقى ". تفسير : وأخرج أحمد وابن الضريس والنسائي والطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط: "حديث : أن رسول الله سئل عن {قل هو الله أحد} قال: ثلث القرآن أو تعدله ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور عن محمد بن المنكدر قال: "حديث : سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يقرأ {قل هو الله أحد} ويرتل فقال له: سل تعط ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن الضريس عن علي قال: من قرأ {قل هو الله أحد} عشر مرار بعد الفجر وفي لفظ، في دبر الغداة لم يلحق به ذلك اليوم ذنب، وإن جهد الشيطان. وأخرج سعيد بن منصور وابن الضريس عن ابن عباس قال: من صلى ركعتين بعد العشاء فقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وخمس عشرة مرة {قل هو الله أحد} بنى الله له قصرين في الجنة يتراآهما أهل الجنة. وأخرج ابن الضريس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من صلى ركعتين بعد عشاء الآخرة يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وعشرين مرة {قل هو الله أحد} بنى الله له قصرين في الجنة يتراآهما أهل الجنة ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن الضريس عن ابن عباس قال: من قرأ {قل هو الله أحد} مائتي مرة في أربع ركعات في كل ركعة خمسين مرة غفر الله له ذنوب مائة سنة خمسين مستقبلة وخمسين متأخرة. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما {قل هو الله أحد} و {قل أعوذ برب الفلق} [سورة الفلق] و {قل أعوذ برب الناس} [سورة الناس] ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده. يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات. وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد والطبراني عن عبد الله بن حبيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "حديث : اقرأ {قل هو الله أحد} والمعوّذتين حين تصبح وحين تمسي ثلاثاً يكفيك من كل شيء ". تفسير : وأخرج أحمد عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يا عقبة بن عامر ألا أعلمك خير ثلاث سور أنزلت في التوراة والإِنجيل والزبور والفرقان العظيم؟ قلت بلى جعلني الله فداءك، قال: فأقرأني {قل هو الله أحد} و {قل أعوذ برب الفلق} و {قل أعود برب الناس} ثم قال: يا عقبة لا تنساهن ولا تبت ليلة حتى تقرأهن ". تفسير : وأخرج النسائي وابن مردويه والبزار بسند صحيححديث : عن عبد الله بن أنيس الأسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على صدره ثم قال له: "قل، فلم أدر ما أقول، ثم قال: {قل هو الله أحد} ثم قال لي: قل {أعوذ برب الفلق من شر ما خلق} حتى فرغت منها، ثم قال لي: {قل أعوذ برب الناس} حتى فرغت منها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هكذا فتعوّذ فما تعوّذ المتعوّذون بمثلهن قط" . تفسير : وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الشعب عن علي قال: حديث : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة يصلي فوضع يده على الأرض لدغته عقرب فتناولها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنعله فقتلها، فلما انصرف قال: "لعن الله العقرب ما تدع مصلياً ولا غيره أو نبياً أو غيره" ثم دعا بملح وماء فجعله في إناء، ثم جعل يصبه على إصبعه حيث لدغته ويمسحها ويعوذها بالمعوذتين، وفي لفظ فجعل يمسح عليها ويقرأ {قل هو الله أحد} و {قل أعوذ برب الفلق} و {قل أعوذ برب الناس} . تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق علي عن ابن عباس قال: الصمد السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس كفو، وليس كمثله شيء. وأخرج ابن الضريس وأبو الشيخ في العظمة وابن جرير عن كعب قال: إن الله تعالى ذكره أسس السموات السبع والأرضين السبع على هذه السورة {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد} وإن الله لم يكافئه أحد من خلقه.
ابو السعود
تفسير : مختلف فيها، وآيُها أربع {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} الضميرُ للشأنِ ومدارُ وضعِهِ وموضِعِهِ معَ عدمِ سبقِ ذكرِه الإيذانُ بأنَّه منَ الشهرةِ والنباهةِ بحيثُ يستحضرُهُ كلُّ أحدٍ وإليهِ يشيرُ كُلُّ مشيرٍ وإليهِ يعودُ كلُّ ضميرٍ كما ينبىءُ عَنْهُ اسمُهُ الذي أصلُهُ القصدُ أطلقَ عَلى المفعولِ مبالغةً ومحلُّه الرفعُ عَلى الابتداءِ خبرُهُ الجملةُ بعدَهُ ولا حاجةَ إلى الربطِ لأَنَّها عينُ الشأنِ الذي عبرَ عَنْهُ بالضميرِ والسرُّ في تصديرِ الجملةِ بهِ التنبـيهُ منْ أولِ الأمرِ عَلى فخامةِ مضمونِهَا وجلالةِ حيزِهَا معَ مَا فيهِ منْ زيادةِ تحقيقٍ وتقريرٍ فإنَّ الضميرَ لا يُفهمُ من أولِ الأمرِ إلا شأنٌ مبهمٌ لهُ خطرٌ جليلٌ فيبقى الذهنُ مترقباً لما أمامَهُ مما يفسرُهُ ويزيلُ إبهامَهُ فيتمكنُ عندَ ورودِهِ لَهُ فضلُ تمكنٍ، وهمزةُ أحدٍ مُبدلةٌ منْ الواوِ وأصلُهُ وَحَدٌ لاَ كهمزةِ ما يلازمُ النفيَ ويرادُ بهِ العمومُ كمَا في قولِهِ تعالَى: { أية : فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَـٰجِزِينَ} تفسير : [سورة الحاقة، الآية 47] ومَا في قولِهِ عليهِ السلامُ "حديث : ما أحلتْ الغنائمُ لأحدٍ سودِ الرؤوسِ غيرِكُم" تفسير : فإنَّها أصليةٌ وقالَ مكيٌّ: أصلُ أحدٍ واحدٌ فأبدلتْ الواوُ همزةً فاجتمعَ ألفانِ لأنَّ الهمزةَ تشبهُ الألفَ فحذفتْ إحداهُمَا تخفيفاً. وقالَ ثعلبٌ: إنَّ أحدٌ لا يُبنى عليهِ العددُ ابتداءً فلا يقالُ أحدٌ واثنانِ كَما يقالُ واحدٌ واثنانِ ولا يقالُ رجلٌ أحدٌ كما يقالُ رجلٌ واحدٌ ولذلكَ اختصَّ بهِ تعالَى أوْ هُوَ لما سئِلَ عَنْهُ أيِ الذي سألتُم عنْهُ هُو الله إذ رُوِيَ أنَّ قريشاً قالُوا صِفْ لَنَا ربكَ الذي تدعونَا إليهِ وانسُبْهُ فنزلتْ فالضميرُ مبتدأٌ والله خبرُهُ وأحدٌ بدلٌ منْهُ أو خبرٌ ثانٍ أو خبرُه مبتدأٍ محذوفٍ وقُرِىءَ هُوَ الله أحدٌ بغيرِ قُلْ وقُرِىءٍ الله أحدٌ بغيرِ قُلْ هُوَ وقُرِىءَ قُلْ هُوَ الواحدُ وقولُهُ تعالَى: {ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ} مبتدأٌ وخبر والصمدُ فَعَلٌ بمَعْنَى مفعولٍ مَنْ يُصمدُ إليهِ إذَا قَصَدَهُ أيْ هُوَ السيدُ المصمودُ إليهِ في الحوائجِ المُسْتغنى بذاتِهِ وَكُلَّ ما عداهُ محتاجٌ إليهِ في جميعِ جهاتِهِ وقيلَ الصمدُ الدائمُ الباقِي الذي لَمْ يزلْ وَلاَ يزالُ وقيلَ الذي يفعلُ مَا يشاءُ ويَحكمُ مَا يريدُ وتعريفُهُ لعلمِهِم بصمديتِهِ بخلافِ أحديَتِهِ وتكريرُ الإسمِ الجليلِ للإشعارِ بأنَّ منْ لم يتصفْ بذلكَ فهوَ بمعزلٍ منَ استحقاقِ الألوهيةِ وتعريةُ الجملةِ عنِ العاطفِ لأنَّها كالنتيجةِ للأولى بـيَّنَ أولاً ألوهيَتَهُ عزَّ وجلَّ المستتبعةَ لكافةِ نعوتِ الكمالِ ثمَّ أحديتَهُ الموجبةَ تنزهَّهُ عنْ شائبةِ التعددِ والتركيبِ بوجهٍ منَ الوجوهِ وتوهمِ المشاركةِ في الحقيقةِ وخواصِّهَا ثُمَّ صمديتَهُ المقتضيةَ لاستغنائِهِ الذاتِيِّ عَمَّا سواهُ وافتقارِ جميعِ المخلوقاتِ إليهِ في وجودِهَا وبقائِهَا وسائرِ أحوالِهَا تحقيقاً للحقِّ وإرشاداً لهُم إلى سنتِهِ الواضحِ ثُمَّ صرحَ ببعضِ أحكامٍ جزئيةٍ مندرجةٍ تحتَ الأحكامِ السابقةِ فقيلَ {لَمْ يَلِدْ} تنصيصاً على إبطالِ زعمِ المفترينَ في حقِّ الملائكةِ والمسيحِ ولذلكَ وردَ النفيُ على صيغةِ الماضِي أيْ لَمْ يصدُرْ عنْهُ ولدٌ لأنَّهُ لا يجانسُهُ شيءٌ ليمكنَ أنْ يكونَ لهُ من جنسِهِ صاحبةٌ فيتوالدَ كما نطقَ بهِ قولُهُ تعالَى: { أية : أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَـٰحِبَةٌ} تفسير : [سورة الأنعام، 101] ولا يفتقرُ إلى ما يعينُهُ أو يخلفُهُ لاستحالةِ الحاجةِ والفناءِ عليهِ سبحانَهُ {وَلَمْ يُولَدْ} أيْ لمْ يصدُرْ عنْهُ شيءٌ لاستحالةِ نسبةِ العدمِ سابقاً ولاحقاً والتصريحُ بهِ معَ كونِهِم معرفينَ بمضمونِهِ لتقريرِ ما قبلَهُ وتحقيقه بالإشارةِ إلى أنَّهما متلازمانِ إذِ المعهودُ أنَّ ما يلدُ يولدُ ومَا لاَ فَلاَ ومنْ قضيةِ الاعترافِ بأنَّهُ لا يلدُ فهو قريبٌ منْ عطفِ لا يستقدمونَ عَلَى لا يستأخرونَ كمَا مرَّ تحقيقُهُ. {وَلَم يَكُنْ لَّهُ كفوا أَحَدٌ} أيْ لم يكافئهُ أحدٌ ولَمْ يماثلهُ ولَمْ يشاكلهُ من صاحبةٍ وَغيرِهَا ولَهُ صِلةٌ لكفؤٍ قدمتْ عليهِ معَ أنَّ حَقَّهَا التأخرُ عَنْهُ للاهتمامِ بِهَا لأنَّ المقصودَ نفيُ المكافأةِ عنْ ذاتِهِ تعالَى وقدْ جوزَ أنْ يكونَ خبراً لا صلةَ ويكونَ كُفؤاً حالاً من أحدٍ وليسَ بذاكَ وأما تأخيرُ اسمِ كانَ فلمراعاةِ الفواصلِ ووجهُ الوصلِ بـينَ هذهِ الجملِ غنيٌّ عن البـيانِ وقُرِىءَ بضمِّ الكافِ والفاءِ معَ تسهيلِ الهمزةِ وبضمِّ الكافِ وَكسرِهَا معَ سُكُونِ الفاءِ هَذا ولانطواءِ السورةِ الكريمةِ معَ تقاربِ قُطْريها عَلى أشتاتِ المعارفِ الإلهيةِ والردِّ عَلى منْ ألحَدَ فيهَا وردَ في الحديثِ النبويِّ أنَّها تعدلُ ثلثَ القرآنِ فإنَّ مقاصدَهُ منحصرةٌ في بـيانِ العقائدِ والأحكامِ والقصصِ ومَنْ عَدَلَها لكلمةٍ اعتبرَ المقصودَ بالذاتِ منْهُ. رُوِيَ عن النبـيِّ صلى الله عليه وسلم: أنَّهُ قالَ: « حديث : أسستِ السمواتُ السبعُ والأرضونَ السبعُ عَلى قُلْ هُو الله أحدٌ » تفسير : أيْ ما خلقتْ إلا لتكونَ دلائلَ عَلَى توحيدِ الله تعالَى ومعرفةِ صفاتِهِ التي نطقتْ بها هذِه السورةُ. حديث : وعنهُ عليهِ السَّلامُ أنه سمعَ رجلاً يقرأُ قُل هُو الله أحدٌ فقالَ وجبتْ فقيلَ ما وجبتْ يا رسولَ الله قالَ وجبتْ لَهُ الجنةُ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}[1] ليس له كفء ولا مثل.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} [الآية: 1]. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزاز يقول: قال ابن عطاء: قل فى غير هذا الموضع فى القرآن أى: أظهر ما بينا لك وأوحينا إليك بتأليف الحروف التى قرأناها عليك ليهتدى بها أهل الهداية والهاء تنبيه عن معنى ثابت والواو إشارة إلى ما يدريك حقائق نعوته، وصفاته بالحواس، والأحد المتفرد الذى لا نظير له والتوحيد هو الإقرار بالأحدية والوحدانية وهو الانفراد. قال الواسطى رحمه الله فى قوله: {قُلْ هُوَ} قال: "حرف" ليست "هو" باسم، ولا وصف، ولكنه كتابة عن الذات وإشارة إلى الذات، علم الحق من يلحد فى الأسماء والصفات ويفرقون بين الصفة والموصوف فقال: "هو" لا يكون فرقاً بين هويته، و"هو" إذ لم يكن فرقاً بين هويته، و"هو" لم يكن فرقاً بين أسمائه وصفاته. قال أبو سعيد الخراز: إن الله أول ما دعا عباده دعاهم إلى كلمة واحدة فمن فهمها فهم ما ورائها وهو قوله: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} فتم به المراد للخواص ثم زاد بيانًا للخلق فقال: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} فمن فهم معنى الله استغنى به عن غيره. وقال ابن عطاء: {هُوَ}، هو ولا يقدر أحدًا أن يخبر عن هويته إلا هو لا عبارة لأحد عنه، حقيقة الإله عن نفسه فيخبر عن نفسه بحقيقة حقه، والأغيار يخبرونه عنه على حد الأذن فيه، والأمر فأخبر عن نفسه بأنه هو الله أشار من نفسه إلى نفسه إذ لم يستحق أحد أن يشير إليه سواه فمن أشار إليه فإنما أشار إلى إشارته إلى نفسه فمن تحقق إشارته إلى بشارته بالتعظيم والحرمة، كانت إشارته صحيحة على حد الصواب ومن وقعت إشارته على حد الدعوة بطلت إشارته وبعدت عن معادن الحقيقة. قيل للحسين: أهو هو قال: بل هو وراء كل هو، وهو عبارة عن ملك ما لا يثبت له شىء دونه. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم يقول: قال ابن عطاء فى قوله: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} هو المنفرد بإيجاد المفقودات والمتوحد بإظهار الخفيات. قال الحسين: الأحد الكائن عند كل منعوت، وإليه يصير كل مربوب يطمس من ساكنه، ويطرح من تأوله أن أشهدك إياه فإنك وإن غيَّبك عنه رعاك. وقال الحسين: توحيد الأئمة توحيد رضى به لهم فأما الذى يستحقه الحق فلا لأن القائل عنكم سواكم، والمغير عنكم غيركم فسقطتم أنتم، وبقى من لم يزل كما لم يزل. قال بعضهم: توحدتم وحَّد، ولا سبيل إلى ذلك إلا أن يوحد الحق له. قال فارس: أحد فى وحدانيته، واحد فى أحديته ليس يحس بالغير كيف، ولا حس، ولا غير منه الكائن كل منعوت، وإليه يصير كل مربوب. قال الحسين: خلق الله الخلق على علمه، وأظهر الأشياء فيهم بقدرته، ودعاهم إلى توحيده ووحدانيته فى المعرفة الأصلية بلسان الطبائع فقال: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ*ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * ولم يكن له كفواً أحد}. قال القاسم: قوله: {ٱللَّهُ} تعرفهم أن له الأسماء الحسنى فكل مربوط منه بصفة واسم. وقال فى قوله: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} لم تقتصر على اسمه بل عدك بهم إلى أسامى أخر، وأخبر بانحطاط رتبتهم فقال: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} أنى كان يخطر بقلوب العارفين شبهة حتى أخبر بهذه الصفة، ولكن الله تعالى علم ما فى سرائر العوام من الخواطر الفاسدة فأزالها عنهم بقوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} فأهل الحقائق عرفوا الله وواجههم به من اسمه الله. قال الواسطى رحمه الله فى قوله: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}، {قُلْ هُوَ}: جواب لمن زعم أن معه إلهًا، لأن نفى الغيب حيث يستحيل الغيب غيبٌ، فرق بين جواب توهم السرائر، وجواب توثب العقول. وقال الحسين: الواحد فى معناه، والكامل فى ذاته هو الأبدي فى دوام الأوقات الكائن عنه كل منعوت. وقال ابن عطاء: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} إشارة منه إليه، حين قال الكفار: انسب لنا ربك. قال أبو بكر بن عبدوس: {ٱلصَّمَدُ} المستغنى عن كل أحد. قال ابن عطاء: {ٱلصَّمَدُ} الذى لم يتبين عليه أثر فيما أظهره. وقال جعفر: {ٱلصَّمَدُ} الذى لم يعط خلقه من معرفته إلا الاسم، والصفة. قال الجنيد رحمه الله: الصمد؟ الذى لم يجعل لأعدائه سبيلاً إلى معرفته. وسئل بعضهم ما الصمد؟ فقال: إن ما يتسع له اللسان أو يشير إليه البيان من تعظيم أو تفريد أو توحيد أو تجريد فهو مطول، والحقيقة وراء ذلك لا تحبط به العلوم ولا يشرق عليه أحد لأن الصمد به ممتنعة عن جميع ذلك. وقيل: {ٱلصَّمَدُ} الذى لا تدرك حقيقة نعوته، ولا صفاته. قال الواسطى رحمه الله: امتنع الحق بصمديته عن وقوف العقول عليه، وإشارتها إليه، ولا يعرف إلا بألطاف أسدى بها الأرواح، وقال: {ٱلصَّمَدُ} هو قطع التوهم فى العبارة وخفى الألحاظ فى الإشارة لا يجرى عليه جريان ما أجرى علينا مما ذكرها. وقال ابن عطاء: {ٱلصَّمَدُ} المتعالى عن الكون والفساد. وقال جعفر: {ٱلصَّمَدُ} خمس حروف الألف دليل على أحديته، واللام دليل على ألوهيته، وهما مدعمان لا يظهران على اللسان، ويظهران فى الكتابة فدل ذلك على أن أحديته، وألوهيته خفية لا تدرك بالحواس، ولا تقاس بالناس فخفاؤه فى اللفظ دليل على أن العقول لا تدركه، ولا تحيط به علمًا وإظهاره فى الكتابة دليل على أنه يظهر على قلوب العارفين ويبدو لأعين المحبين فى دار السلام والمعاد لأنه صادق فيما وعد فعله صدق وكلامه صدق، ودعا عباده إلى الصدق، والميم: دليل على ملكه فهو الملك على الحقيقة، والدال: علامة دوامه فى أبديته وأزليته وإن كان لا أزل، ولا أبد لأنهما ألفاظ تجرى على العوام عبارة، وقيل: الصمد السيد الذى لا يتناهى سؤدده. قال الواسطى: الصمد الذى لا يستحرق، ولا يستغرق ولا يفترض عليه القواطع والعلل. سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم يقول: قال أبن عطاء: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} ظهر لك منه التوحيد، {ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ} ظهر لك منه المعرفة، {لَمْ يَلِدْ}، ظهر لك منه الإيمان، {وَلَمْ يُولَدْ} ظهر لك منه الإسلام، {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} ظهر لك منه اليقين. وقال الجنيد رحمه الله: الصمد الذى لا تدركه حقيقة نعوته وصفاته كما قال: {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} تفسير : [طه: 110]. قال بعضهم: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} على سبيل أنه معبود بالرسم، وهو وراء الرسم فجلّ عن أن يشار اليه بذكر التأله. وقال بعضهم: {ٱلصَّمَدُ} المصمود إليه فى الحوائج، والذى {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} الذى لا نظير له فى ذات، ولا فعل. سمعت أبا بكر الرازى يقول: سمعت أبا على الروذبارى يقول: وجدنا أنواع الشرك على ثمانية أنواع: التنقص، التقلب، والكثرة، والعدد، والعلة، والمعلول، والأشكال، والأضداد فنفى عز وجل عن صفته نوع الكثرة، والعدد بقوله: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} ونفى التقلب والتنقص بقوله: {ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ} ونفى العلل والمعلول بقوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} ونفى الأشكال والأضداد بقوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}. ويقال سمى سورة الإخلاص لأنه أخلص فيها معانى التوحيد. وقيل: الأحد للعامة، والواحد للفضل. وقيل: {ٱلصَّمَدُ} الذى لا يستغنى عنه فى شىء من الأشياء. وقيل: {ٱلصَّمَدُ} الذى آيست العقول من الاطلاع عليه. وقال الحسين بن الفضل: {ٱلصَّمَدُ} الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء. وقال بعضهم: الصمدية القطع بالإياس عن المطالعة والوقوف على شىء من لطائف الصفات، وقيل: {ٱلصَّمَدُ} الذى لا يؤثر فيه شىء. وقيل: {ٱلصَّمَدُ} الذى لا يتغير بإظهار الكون لأن الحدث لا يحدث لله صفة لم تكن.
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}. لمَّا قال المشركون: أُنسُبْ لنا ربَّكَ: أنزل الله تعالى: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}. فمعنى "هو" أي: الذي سألتُم عنه "هو" الله. ومعنى "أحد" أي: هو أحدٌ. ويقال: "هو" مبتدأ، "والله" خبره و"أحد" خبرٌ ثانٍ كقولهم: هذا حلوٌ حامض. {ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ}. {ٱلصَّمَدُ}: السيِّدُ الذي يُصْمَدُ إليه في الحوائج، ويُقْصَدَ إليه في المطالب. ويقال: الكاملُ في استحقاق صفات المدح. ويرجِّح تحقيقُ قولِ مَنْ قال: إنه الذي لا جوفَ له إلى أنه واحدٌ لا (...) في ذاته. {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}. ليس بوالدٍ ولا مولود. {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}. تقديره لم يكن أحدٌ كفواً له. و "أحد" أصله وَحْدٌ، ووِحَدٌ وواحد بمعنًى، وكونه واحداً: أنه لا قسيمَ له ولا شبيهَ له ولا شريكَ له. ويقال: السورة بعضها تفسيرٌ لبعض؛ مَنْ هو الله؟ هو الله. مَنْ الله؟ الأحد، مَنْ الأحد؟ الصمد، مَنْ الصمد؟ الذي لم يلد ولم يولد، مَنْ الذي لم يلد ولم يولَد؟ الذي لم يكن له كفواً أحد. ويقال: كاشَفَ الأسرارَ بقوله: "هو". وكاشَفَ الأرواحَ بقوله: "الله" وكاشَفَ القلوبَ بقوله: "أحد". وكاشَفَ نفوسَ المؤمنين بباقي السورة. ويقال: كاشَفَ الوالهين بقوله: "هو"، والموحِّدين بقوله: "الله" والعارفين بقوله: "أحد" والعلماء بقوله: "الصمد"، والعقلاء بقوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}.. إلى آخره. ويقال: لمَّا بسطوا لسانَ الذمِّ في الله أمَرَ نبيَّنا بأنْ يَرُدَّ عليهم فقال: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}. أي ذُبَّ عني ما قالوا، فأنت أولى بذلك. وحينما بسطوا لسان الذمِّ في النبيِّ صلى الله عليه وسلم تولَّى الحقُّ الردَّ عليهم. فقال: {أية : نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}تفسير : [القلم:1، 2] وقال: {أية : وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ}تفسير : [النجم:1, 2] أي أنا أذبُّ عنك؛ فأنا أولى بذلك منك. ويقال: خاطَبَ الذين هم خاص الخواص بقوله: "هو" فاستقلوا، ثم زاد لمن نزل عنهم فقال: "الله"، ثم زاد في البيان لمن نزل عنهم. فقال: "أحدٌ" ثم لمن نزل عنهم فقال: "الصمد". ويقال: الصمدُ الذي ليس عند الخَلْقُ منه إلا الاسم والصفة. ويقال: الصمدُ الذي تقدَّس عن إحاطةِ عِلْمِ المخلوقِ به وعن إدراك بَصَرهم له، وعن إشرافِ معارفهم عليه. ويقال: تقدَّسَ بصمديته عن وقوف المعارف عليه. ويقال: تنَزَّه عن وقوف العقول عليه.
البقلي
تفسير : كان الله جل جلاله مستترا بنفسه فى ازل ازله قال كنت كنزا مخفيّا فاجيبت ان اعرف فاذا اوج اعلام ظهور افعاله تعرف نعوته بفعله فلم يعرف احد بالحقيقة اذ الوسايط حجاب فاراد اظهار كنوز ذاته وصفاته فاختار من خلاصة الوجود خاصا خالصا فالبس لسانه فصاحة الربوبية ونور قلبه بنور المعرفة وظهر لعينه عين الحقيقة فامره بتعريفه لعباده العارفين بقوله قل ظاهره سرو باطنه سر حرف نحته بحر من غوامص علوم الربوبية فالقاف اشارة الى قهر عظمته على الحدثان حتى لا يصل الى ذرة من حقيقة العرفان بالوهية الرحمن لان على وجه القدم وقاية الغبرة وهناك فى الازل فلزم الحيرة واللام اشارة الى لاء النفى اى لا يصل الى كنه الالوهية اهل الحدوثية امره بالاشارة الى الاشارة وغوامض سر الذات اذ قال هو وقع قلوب الراسخين فى اوديته الهوية الغيبية فى تين غيب الغيب بنعت الوله والحيرة فلم يصلوا الى هاء الهوية فانصرفوا الى والوصف فعجزوا عن الوصف اذ لم يصلوا الى الموصوف فاحتجبوا بالغيب وبعد بطون الهوية وانصرفوا جبارى سكارى عطاشة والعين غير مدركين اوائل الحقائق فاعترفوا بالعجز عن الادراك وادراك الادراك فلما علم الحق عجزهم عن ادراك سر الهوية اظهر لهم انوار الذات والصفات رحمة ولطفا بهم ليكلا يحرموا عن نصيب عرفانه وايمانه وقال الله اى الذى لم تركوه ولم تدركوه ولم يدركوه بعد طلبكم هذا هو الله الذى بان ينعت الوحدانية والجهال الجلال من قرام الهوية وايضا لما غاصوا فى بحار الهوية بان لهم انوار الالوهية فانصرفوا من صدمات الصمدية ومسطوات الاحدية ووقعوا فى تيه الحبرة ونسوا بان لهم وفروا ----طلبوا فلم يجدوا فاظهر الله ما ظهر لهم فى الغيب فقال ابن ------رايتم هذا هو الله نظهر لهم فى الظاهر كما ظهر لهم فى الباطن فلما راوه عيانا فتوافى فى اول الف الفردانية ثم بقوا فى لام جماله وحابوا من عظم لام جلاله ثم سقطوا فى بحر هوية ايا من بدا واليه يعود الاول باشارة وغيب والأخر اشارة وغيب قال هو الاول والأخر وفى البين بدا وخفا بقوله هو الظاهر والباطن فلما عيانوه سكروا بجماله واتصفوا بجلاله واتخذوا بفردانيته واصروا وحدانية كادوا ان تدعوا الوحدانية فقطعهم الحق عن سر الاحدية.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل هو الله احد} الضمير للشأن كقولك هو زيد منطلق وارتفاعه بالابتدآء وخبره الجملة ولا حاجة الى العائد لانها عين الشان الذى عبر عنه بالضمير اى الله احد هو الشأن هذا او هو أن الله احد والسر فى تصدير الجملة به التنبيه من الاوامر على فخامة مضمونها مع ان فى الابهام ثم التفسير مزيد تقرير او الضمير لما سئل عنه اى الذى سألتم عنه هو الله اذ روى ان المشركين قالوا للنبى عليه السلام صف لنا ربك الذى تدعونا اليه وانسبه اى بين نسبه واذكره فنزلت يعنى بين الله نسبه بتنزيهه عن النسب حيث نفى عنه الوالدية والمولودية والكفاءة فالضمير حينئذ مبتدأ والله خبره واحد بدل منه وابدال النكرة المحضة من المعرفة يجوز عند حصول الفائدة على ما ذهب اليه ابو على وهو المختار والله علم دال على الاله الحق دلالة جامعة لمعانى الاسماء الحسنى كلها وقال القاشانى هو عندنا اسم الذات الالهية من حيث هى هى اى المطلقة الصادق عليها مع جميعها او بضعها ولا مع واحد منها كقوله تعالى قل هو الله احد انتهى عبد الله هو العبد الذى تحلى بجميع اسمائه فلا يكون فى عباده ارفع مقاما واعلى شأنا منه لتحققه بالاسم الاعظم واتصافه بجميع صفاته ولهذا خص نبينا عليه السلام بهذا الاسم فى قوله وانه لما قام عبد الله يدعوه فلم يكن هذا الاسم بالحقيقة الا له وللاقطاب من ورثته بتبعيته وان اطلق على غيره مجازا لاتصاف كل اسم من اسمائه بجميعها بحكم الواحدية واحدية جميع الاسماء والاحد اسم لمن لا يشاركه شئ فى ذاته كما ان الواحد اسم لمن لا يشاركه شئ فى صفاته يعنى ان الاحد هو الذات وحدها بلا اعتبار كثرة فيها فأثبت له الاحدية التى هى الغنى عن كل ما عداه وذلك من حيث عينه وذاته من غير اعبتار امر آخر والواحد هو الذات مع اعتبار كثرة الصفات وهى الحضرة الاسمائية ولذا قال تعالى ان الهكم لواحد ولم يقل لأحد لان الواحدية من اسماء التقييد فبينهما وبين الخلق ارتباط اى من حيث الالهة والمألوهية بخلاف الاحدية اذلا يصح ارتباطها بشئ فقولهم العلم الالهى هو العلم بالحق من حيث الارتباط بينه وبين الخلق وانتشاء العالم منه بقدر الطاقة البشرية اذ منه مالا تفيه الطاقة البشرية وهو ما وقع به الكمل فى ورطة الحيرة واقروا بالعجز عن حق المعرفة ومنه يعلم ان توحيد الذات مختص فى الحقيقة بالله تعالى وعبد الاحد هو وحيد الوقت صاحب الزمان الذى له القطبية الكبرى والقيام بالاحدية الاولى وعبد الواحد هو الذى بلغه الله الحضرة الواحدية وكشف له عن احدية جميع اسمائه فيدرك ما يدرك ويفعل ما يفعل باسمائه ويشاهد وجوه اسمائه الحسنى قال ابن الشيخ فى حواشيه قوله هو الله احد ثلاثة ألفاظ كل واحد منها اشارة الى مقام من مقامات السائرين الى الله تعالى فالمقام الاول مقام المقربين وهم الذين نظروا الى ماهيات الاشياء وحقائقها من حيث هى هى فلا جرم ما رأوا موجودا سوى الله لان الحق هو الذى لذاته يجب وجوده واما ما عداه فممكن والممكن اذا نظر اليه من حيث هو هو كان معدوما فهؤلاء لم يروا موجودا سوى الحق تعالى وكلمة هو وان كانت للاشارة المطلقة مفتقرة فى تعين المراد بها الى سبق الذكر باحد الوجوه او الى ان يعقبها ما يفسرها الا انهم يشيرون بها الى الحق ولا يفتقرون فى تلك الاشارة الا ما يميز المراد بها من غيره لان الافتقار الى المميز انما يحصل حيث وقع الابهام بأن يتعدد ما يصلح لان يشار اليه وقد بينا انهم لا يشاهدون بعيون عقولهم الا الواحد فقط فلهذا السبب كانت لفظة هو كافية فى حصول العرفان التام لهؤلاء والمقام الثانى مقام اصحاب اليمين وهو دون المقام الاول وذلك لانهم شاهدوا الحق موجودا وشاهدوا الخلق ايضا موجودا فحصلت الكثرة فى الموجودات فلا جرم لم تكن لفظة هو كافية فى الاشارة الى الحق بل لا بد هناك من مميز به يتميز الحق من الخلق فهؤلاء مفتقرون الى ان يقرن لفظة الله بلفظة هو فقيل لاجلهم هو الله لان لفظة الله اسم للموجود الذى يفتقر اليه ما عداه ويستغنى هو عن كل ما عداه فتتميز به الذات المراد عما عداه والمقام الثالث مقام اصحاب الشمال وهو أخس المقامات وهم الذين يجوزون ان يكون واجب الوجود اكثر من واحد فقرن لفظة الاحد بما تقدم ردا على هؤلاء وابطالا لمقالهم فقيل قل هو الله احد انتهى كلامه ومنه يعلم صحة ما اعتاده الصوفية من الذكر بالاسم هو وذلك لان اهل البداية منهم وهم المحجوبون تابعون لاهل النهاية منهم وهم المكاشفون فكأنهم كلهم ما شاهدوا فى الوجود الا الله فالله عندهم بهويته المطلقة السارية متعين لا حاجة الى التعيين اصلا فضمير هو راجع اليه لا الى غيره كما ان الضمير فى انزلناه راجع الى القرءآن لتعينه وحضوره فى الذهن فقول الطاعن انه ضمير ليس له مرجع متعين فكيف يكون ذكر الله تعالى مردود على ان الضمائر اسماء وكل الاسماء ذكر لا فرق بينها بالمظهرية والمضمرية فعلى هذا يجوز ان يدخل اللام فىكلمة هو فى اصطلاح الصوفية لانها اشارة الى الهوية ولا مناقشة فى الاصطلاح ثم قوله قل امر من عين الجمع وارد على مظهر التفصيل وفيه اشارة الى سر قوله تعالى شهد الله انه لا اله الا هو والملائكة وأولوا العلم فكأنه يقول انا شهدت بوحدة الهوية فى مقام الجمع فاشهد انت ايضا بتلك الوحدة فى مقام الفرق ليظهر سر الاحدية واللااحدية ويحصل التطابق بينهما جمعا وتفصيلا هكذا لاح بالبال والله اعلم بحقيقة الحال وقرئ هو الله بلا قل وكذا فى المعوذتين لانه توحيد والاخريان تعوذ فيناسب ان يدعو بهما وان يؤمر بتبليغهما وقد سبق فى سورة الاعلى ما يغنى عن تكراره ههنا وقال بعضهم انما اثبت فى المصحف قل والتزم فى التلاوة مع انه ليس من دأب المأمور بقل ان يتلفظ فى مقام الائتمار الا بالمقول لان المأمور ليس المخاطب به فقط بل كل واحد ابتلى بما ابتلى به المأمور فاثبت ليبقى على مر الدهور منا على العباد.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {هو} ضمير الشأن مبتدأ، والجملة بعده خبر، ولا تحتاج إلى رابط, لأنها نفس المبتدأ، فإنها عين الشأن الذي عبّر عنه بالضمير، ورفعه من غير عائد يعود عليه؛ للإيذان بأنه الشُهرة والنباهة بحيث يستحضرة كلُّ أحد، وإليه يُشير كل مُشير, وعليه يعود كل ضمير، كما يُنبىء عنه اسم الشأن, الذي هو القصد. والسر في تصدير الجملة به للتنبيه من أول الأمر على فخامة مضمونها, وجلالة حيزها، مع ما فيه من زيادة تحقيقٍ وتقرير، فإنَّ الضمير لا يُفهم منه من أول الأمر إلاّ شأن مبهم، له خطر جليلٍ، فيبقى الذهن مترقباً لِما أمامه مما يفسره ويزيل إبهامه، فيتمكن عند وروده له فضل تمكُّن. وكل جملة بعد خبره مقرِّره لِما قبلها على ما يأتي. يقول الحق جلّ جلاله مجيباً للمشركين لَمّا قالوا: صِفْ لنا ربك الذي تدعونا إليه، وانسبه؟ فسكت عنهم صلى الله عليه وسلم فنزلت، أو اليهود، لَمّا قالوا: صِفْ لنا ربك وانسبه، فإنه وَصَفَ نفسه في التوراة ونَسَبَها، فارتعد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حتى خَرّ مغشيًّا عليه، فنزل جبريلُ عليه السلام بالسورة. ويمكن أن تنزل مرتين كما تقدّم. فقال جلّ جلاله: {قل هو اللهُ} المعبود بالحق، الواجب الوجود، المستحق للكمالات {أحَدٌ} لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، لا يتبعّض ولا يتجزّأ, ولا يُحد، ولا يُحصَى، أول بلا بداية، وآخر بلا نهاية، ظاهر بالتعريف لكل أحد، باطن في ظهوره عن كل أحد. وأصل {أحد} هنا "وَحَد" فأبدلت الواو همزة، وليست كأحد, الملازم للنفي، فإنَّ همزة أصلية. ووصفه تعالى بالوحدانية له ثلاث معان، الأول: أنه لا ثاني له، فهو نفي للعدد، والآخر: أنه واحد لا نظير له ولا شريك له، كما تقول: فلان واحد عصره، أي: لا نظير له، الثالث: أنه واحد لا ينقسم ولا يتبعّض. والأظهر أن المراد هنا: نفي الشريك، لقصد الرد على المشركين. انظر ابن جزي. {اللهُ الصمدُ} وهو فَعَلٌ بمعنى مفعول، من: صمد إليه: إذا قصده، أي: هو السيّد المصمود إليه في الحوائج، المستغني بذاته عن كل ما سواه، المفتقِر إليه كلُّ ما عداه، افتقاراً ضرورياً في كل لحظة، إذ لا قيام للأشياء إلاّ به. أو الصمد: الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزال، أو: الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، والذي يُطْعِم ولا يُطْعَم ولا يأكل ولا يشرب، أو: الذي لا جوف له، وتعريفه لعلمهم بصمديته، بخلاف أحديته. وتكرير الاسم الجليل، للإشعار بأنَّ مَن لم يتصف بذلك فهو بمعزلٍ عن استحقاق الألوهية، والتلذُّذ بذكره. وتعرية الجملة عن العاطف، لأنها كالنتيجة عن الأولى، بيَّن أولاً ألوهيته عزّ وجل، المستوجبة لجميع نعوت الكمال، ثم أحديته الموجبة لتنزّهه عن شائبة التعدد والتركيب بوجهٍ من الوجوه، وتوهم المشاركة في الحقيقة وخواصها, ثم صمديته المقتضية لاستغنائه الذاتي عما سواه، وافتقار المخلوقات إليه في وجودها وبقائها وسائر أحوالها، تحقيقاً للحق, وإرشاداً إلى التعلُّق بصمديته تعالى. ثم صرّح ببعض أحكام مندرجة تحت الأحكام السابقة، فقال: {لم يلدْ} أي: لم يتولد عن شيء، ردًّا على المشركين، وإبطالاً لاعتقادهم في الملائكة والمسيح، ولذلك ورد النفي على صيغة الماضي، أي: لم يصدر عنه ولد؛ لأنه لا يُجانسه شيء يمكن أن يكون له من جنسه صاحبة ليتوالدا، كما ينطق به قوله تعالى: {أية : أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ} تفسير : [الأنعام:101]، ولا يفتقر إلى ما يُعينه أو يخلفه؛ لاستحالة الحاجة عليه، لصمدانيته وغناه المطلق. {ولم يُولدْ} أي: لم يتولد عن شيءٍ، لا ستحالة نسبة العدم إليه سابقاً ولاحقاً. والتصريح به مع كونهم معترفين بمضمونه لتقرير ما قبله وتحقيقه, وللإشارة إلى أنهما متلازمان، إذ المعهود أنَّ ما يلد يولد، وما لا فلا، ومِن قضية الاعتراف بأنه لم يلد: الاعتراف بأنه لم يُولد، {ولم يكن له كُفُواً أحَدٌ} أي: ولم يكن أحد مماثلاً له ولا مشاكلاً، مِن صاحبة أو غيرها. و(له): متعلق بـ "كُفُواً"، قدمت عليه للاهتمام بها؛ لأنَّ المقصود نفي المكافأة عن ذاته تعالى، وأمّا تأخير اسم كان فلمراعاة الفواصل. ووجه الوصل في هذه الجُمل غَنِي عن البيان. هذا ولانطواء السورة الكريمة، مع تقارب قطريها، على أنواع المعارف الإلهية والأوصاف القدسية، والرد على مَن ألحد فيها، ورد في الحديث النبوي: أنها تعدل ثلث القرآن، فإنّ مقاصده منحصرة في بيان العقائد والأحكام والقصص، وقد استوفت العقائد لمَن أمعن النظر فيها. عن النبي صلى الله عليه وسلم: " حديث : أُسست السموات السبع والأرضون السبع على {قل هو الله أحد} " تفسير : أي: ما خلقت إلاَّ لتكون دلائل توحيده، ومعرفة ذاته، التي نطقت بها هذه السورة الكريمة. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه سمع رجلاً يقرؤها، فقال: حديث : "وجبت" فقيل: وما وجبت؟ فقال: "الجنة"، وشكى إليه رَجُلٌ الفقرَ وضيق المعاش، فقال له صلى الله عليه وسلم: "إذا دخلت بيتك فسَلِّم, إن كان فيه أحد، وإلا فسَلِّم عليّ واقرأ: {قل هو الله أحد}" ففعل الرجل، فأدرّ اللهُ عليه الرزق، حتى أفاض على جيرانهتفسير : ، وخرّج الترمذي: أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : من قرأ {قل هو الله أحد} مائتي مرة في يوم غُفرت له ذنوب خمسين سنة، إلاّ أن يكون عليه دَيْن"تفسير : ، وفي الجامع الصغير أحاديث في فضل السورة تركناه خوف الإطناب. الإشارة: قد اشتملت السورةُ على التوحيد الخاص، أعني: توحيد أهل العيان، وعلى التوحيد العام، أعني: توحيد أهل البرهان، فالتوحيد الخاص له مقامان: مقام الأسرار الجبروتية، ومقام الأنوار الملكوتية، فكلمة (هو) تُشير إلى مقام الأسرار اللطيفة الأصلية الجبروتية. و(الله) يشير إلى مقام الأنوار الكثيفة المتدفقة من بحر الجبروت؛ لأنّ حقيقة المشاهدة: تكثيف اللطيف، وحقيقة المعاينة: تلطيف الكثيف، فالمعاينة أرقّ، فشهود الكون أنواراً كثيفة فاضت من بحر الجبروت مشاهدة، فإذا لَطَّفها حتى اتصلت بالبحر اللطيف المحيط، وانطبق بحر الأحدية على الكل سُميت معاينةً، ووصفه تعالى بالأحدية والصمدية والتنزيه عن الولد والوالد يحتاج إلى استدلال وبرهان، وهو مقام الإيمان، والأول مقام الإحسان, فالآية من باب التدلي. قال القشيري: يقال كاشَفَ تعالى الأسرارَ بقوله (هو) والأرواحَ بقوله: (الله) وكاشف القلوبَ بقوله: (أحد) وكاشف نفوسَ المؤمنين بباقي السورة. ويُقال: كاشف الوالهين بقوله: (هو) والموحِّدين بقوله: (الله) والعارفين بقوله: (أحد) والعلماء بالباقي، ثم قال: ويُقال: خاطب خاصة الخاص بقوله: (هو) فاستقلوا، ثم خاطب الخواص بقوله (الله) فاشتغلوا، ثم زاد في البيان لمَن نزل عنهم، فقال: (أحد)، ثم نزل عنهم بالصمد، وكذلك لمَن دونهم. هـ. وقال في نوادر الأصول: هو اسم لا ضمير، من الهوية، أي: الحقيقة. انظر بقية كلامه. قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمن العارف: والحاصل: أنَّ الإشارة بـ"هو" مختصة بأهل الاستغراق والتحقُّق في الهوية الحقيقة، فلانطباق بحر الأحدية عليهم، وانكشاف الوجود الحقيقي لديهم، فقدوا مَن يشار إليه إلاّ هو، لأنّ المُشار إليه لمّا كان واحداً كانت الإشارة مطلقة لا تكون إلاّ إليه، لفقد ما سواه في شعورهم، لفنائهم عن الرسوم البشرية بالكلية، وغيبتهم عن وجودهم، وعن إحساسهم وأوصافهم الكونية، وذلك غاية في التوحيد والإعظام. منحنا اللهُ ذلك على الدوام، وجعلنا من أهله، ببركة نبيه عليه الصلاة والسلام. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.
الطوسي
تفسير : قرأ ابو عمرو - فى رواية هارون عنه - {أحد الله الصمد} بغير تنوين فى الوصل. وقرأ فى رواية نصر عن أبيه واحمد بن موسى عنه بالتنوين، وجه ترك التنوين أنه ينوى به الوقف، لأنه رأس آية مع انه قد يحذف التنوين لالتقاء الساكنين، والوجه تحريكه، قال الشاعر: شعر : فالفتيه غير مستعتب ولا ذاكر الله إلا قليلا تفسير : وقرأ {كفؤاً} بسكون الفاء - مهموزاً - حمزة ونافع على خلاف عن نافع. الباقون بضم الفاء مهموزاً. وإنما قال فى أوائل هذه السور {قل} وهي أوامر من الله تعالى، لان المعنى قال لي جبرائيل {قل هو الله أحد} فحكى النبي صلى الله عليه وآله ما قيل له. وقيل لسورة الاخلاص وقل يا ايها الكافرون (المقشقشتان) ومعناهما المبرئتان من الكفر والنفاق، كما يقشقش الهناء الجرب. وهذا امر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله ان يقول لجميع المكلفين {هو الله} الذي نحق له العبادة {أحد} ومعناه واحد، فقوله {هو} كناية عن اسم الرب، لانهم قالوا ما ربك؟ قال هو الله احد. وقال الكسائي {هو} عماد، وقوله {الله} ابتداء، وخبره {أحد} وانكر الفراء أن يكون العماد مستأنفاً، واصل {أحد} وحد فقلبت الواو همزة، كما قيل: وناه وأناه، لان الواو مكروهة اولا، وقد جاء وحد على الاصل قال الشاعر: شعر : كأن رجلي وقد زال النهار بنا بذي الجليل على مستأنس وحد تفسير : وحقيقة الوحد شيء لا ينقسم فى نفسه أو معنى صفته، فاذا أطلق احد من غير تقدم موصوف، فهو احد نفسه، فاذا جرى على موصوف، فهو احد فى معنى صفته، فاذا قيل: الجزء الذي لا يتجزأ واحد، فهو واحد فى معنى صفته، وإذا وصف تعالى بأنه احد، فمعناه أنه المختص بصفات لا يشاركه فيها غيره: من كونه قديماً وقادراً لنفسه وعالماً وحياً وموجوداً كذلك، وأنه تحق له العبادة لا تجوز لأحد سواه. ولا يجوز أن يكون {أحد} هذه هي التي تقع فى النفي، لأنها اعم العام على الجملة أحد، والتفصيل، فلا يصلح ذلك في الايجاب، كقولك ما فى الدار احد أي ما فيها واحد فقط ولا اكثر، ويستحيل هذا فى الايجاب، وفى قوله {الله أحد} دليل فساد مذهب المجسمة، لأن الجسم ليس بـ {أحد} إذ هو اجزاء كثيرة، وقد دل الله بهذا القول على أنه احد، فصح انه ليس بجسم. وقوله {الله الصمد} معناه الذي تحق له العبادة هو الموصوف بأنه {الصمد} وقيل: فى معناه قولان: احدهما - قال ابن عباس وشقيق وابو وائل: إنه السيد المعظم، كما قال الاسدي: شعر : الابكر الناعي بخيري بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد تفسير : وقال الزبرقان: شعر : ولا رهينة إلا السيد الصمد تفسير : الثاني - ان معناه الذي يصمد اليه فى الحوائج ليس فوقه أحد، يقال: صمدت اليه أصمد إذا قصدت اليه إلا أن فى الصفة معنى التعظيم كيف تصرفت الحال. ومن قال: الصمد بمعنى المصمت، فقد جهل الله، لأن المصمت هو المتضاغط الاجزاء وهو الذي لا جوف له وهذا تشبيه وكفر بالله تعالى. وقوله {لم يلد} نفي منه تعالى لكونه والد إله ولد. وقوله {ولم يولد} نفي لكونه مولود إله والد، لأن ذلك من صفات الاجسام وفيه ردّ على من قال: إن عزيز والمسيح أبناء الله تعالى، وإن الملائكة بنات الله. وقوله {ولم يكن له كفواً أحد} نفي من الله تعالى أن يكون له مثل أو شبيه او نظير، والكفو والكفاء والكفي واحد، وهو المثل والنظير، قال النابغة: شعر : لا تقذفني بركن لا كفاء له ولو تأثفك الاعداء بالرفد تفسير : و {أحد} مرفوع لأنه اسم (كان) و {كفواً} نصب، لانه نعت نكرة متقدمة، كما تقول: عندي ظريفاً غلام، تريد عندي غلام ظريف، فلما قدمت النعت على المنعوت نصبته على الحال - فى قول البصريين - وعلى الظرف فى قول الكوفيين - والتقدير في الآية ولم يكن له كفواً، وأخص منه ولم يكن أحد كفواً له، وإنما قدم الظرف الملغى مع أن تأخير الملغى أحسن في الكلام لانه أفضل بذكر الأنبه الأعرف، كما يتقدم الظرف الذي هو خبر وموضعه التأخير لهذه العلة في مثل قولهم: لزيد مال وله عبد. ولا حي من الاحياء إلا وله مثل إلا الله تعالى، فلذلك قال {ولم يكن له كفواً أحد} وروي أن النبي صلى الله عليه وآله كان يقف عند آخر كل آية من هذه السورة، وكذلك كان يقرأ ابن مجاهد في الصلاة ابتداء.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} نزلت السّورة حين سأل المشركون رسول الله (ص) فقالوا: انسب لنا ربّك، او حين أتى رجلان منهم فقالا ذلك، او حين جاء اناس من احبار اليهود فسألوه ذلك، او حين انطلق عبد الله بن سلام اليه فسأل ذلك وقد نقل كلّ ذلك فى نزوله، وقرئ احد الله الصّمد بالوصل وتحريك التّنوين بالكسر، وقرئ احد الله الصّمد بالوصل واسقاط التّنوين تشبيهاً للتّنوين بحرف اللّين، وقرئ بالوقف باسقاط التّنوين، وقرئ كفواً مضمومة الفاء وبالواو وقرئ كفؤاً ساكنة الفاء مهموزة، وقرئ كَفواً مضمومة الفاء مهموزة. واعلم، انّ الانبياء (ع) لهم حالات بالنّسبة الى الله والى عالم الغيب وتختلف مناجاتهم لله ومخاطبات الله لهم ومخاطباتهم للخلق بحسب اختلاف احوالهم، فانّه اذا انسلخ النّبىّ (ص) من جميع ما له من نسبة الافعال والاوصاف والذّات ولم يبق فى وجوده الاّ فاعليّة الله تعالى يكون مخاطبات الله له بلسانه الّذى صار لسان الله فيصير كلام الله كلاماً الهيّاً بشريّاً ويسمّى حديثاً قدسيّاً، واذا تنزّل عن ذلك المقام باقياً ببقاء الله متوجّهاً الى كثرات وجوده وهذا التّوجّه والالتفات يسمّى بالنّبوّة او خلافة النّبوّة، او متوجّهاً الى كثرات العالم وهذا التّوجّه يسمّى بالرّسالة او خلافة الرّسالة، فكلّما تلقّى من الله بطريق القذف والالهام وكلّما شاهد فى عالم المثال فى هذه الحال او قبل النّزول الى ذلك المقام وكلّما وجد انموذجة من مدركاته وكلّما القى اليه الملك من العلم والحكم لا بنحو الوساطة من الله كان حديثاً نبويّاً، واذا تنزّل الى مقام البشريّة فكلّما تكلّم به من حيث تدبير الحياة الدّنيويّة من غير اظهار لحاظ الجهة الالهيّة يكون كلاماً بشريّاً، واذا كان خطاب الله فى تلك الاحوال بتوسّط الملك المرسل من الله لتبليغ خطابه كان كلاماً الهيّاً وكتاباً سماويّاً، فان كان النّبىّ (ص) فى مقام الانسلاخ كان الخطاب من مقام الغيب واحديّة الذّات، وان كان فى مقام النّبوّة والرّسالة كان الخطاب من مقام الظّهور والواحديّة وهو مقام الولاية، وكان الكلام فى المقام الاوّل مشتملاً على التّنزيه ونفى النّسب والاضافات، وفى المقام الثّانى مشتملاً على الاضافات واحكام الكثرات: ولذلك سمّيت السّورة بسورة التّوحيد، وسورة الاخلاص، وسورة الولاية، لانّ المخاطب بها خوطب بها حين خلوصه من شوب الكثرات وحصول مقام الوحدة له وظهوره بشأن الولاية، وسمّيت الفاتحة بسورة النّبوّة لانّ المخاطب بها خوطب بها حين ظهوره بشأن النّبوّة فقوله تعالى: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} خطاب من مقام الاحديّة ولذلك أتى باسمه الخالص من شوب الصّفات اوّلاً وهو لفظ هو بخلاف قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ}، و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ}، وامثال هذين. اعراب سورة الاخلاص واعراب السّورة المباركة بحسب الوجوه المحتملة كثيرة: فأقول، لفظ هو ضمير الشّأن او ضمير يشار به الى مقام الغيب لتعيّنه فى الاذهان او ادّعاء تعيّنه او هو عَلَم واسم لمقام الغيب، وعلى الاخيرين فالله بدل منه او عطف بيان او خبر او مبتدءٌ ثانٍ، واحد خبره والجملة خبر هو واكتفى عن العائد بتكرار المبتدء بالمعنى، واحد خبر او خبر بعد خبر والله الصّمد مبتدء وخبر، او صفة وموصوف وخبر بعد خبر او مبتدءٌ وخبره لم يلد، وعلى تقدير كونه مبتدءً فالجملة خبر بعد خبرٍ او حاليّة او مستأنفة جوابٌ لسؤالٍ عن حاله تعالى فى نفسه او عن علّة الحكم ولم يلد خبرٌ او خبرٌ بعد خبرٍ او حال او مستأنفة جوابٌ لسؤالٍ عن حاله تعالى مع غيره او عن علّة الحكم، واذا كان هو ضمير الشّأن فالله احد خبره والله الصّمد مبتدء وخبرٌ وخبر بعد خبر لهو او خبر بعد خبرٍ لله او حال او مستأنفة فى مقام السّؤال عن الحال او عن علّة الحكم او الله الصّمد موصوف وصفةٍ وخبر بعد خبر لله، او مبتدء ولم يلد خبره والجملة خبر بعد خبرٍ لهو او لله او حال او مستأنفة. معنى الاحد واحد يقال بمعنى الواحد سواء جعل مهموزاً فى الاصل او واويّاً ويوم من الايّام، ويقال للامر المتفاقم احدىّ الاحد، ويقال: فلان احد الاحدين وواحد الاحدين وواحد الاحاد واحدىّ الاحد لا مثل له، وقد يستعمل الاحد خاصّاً بالله والوجه انّ فى الاحد مبالغةً فى الوحدة والبالغ فى الوحدة ان لا يكون فيه شوب كثرةٍ بوجهٍ من الوجوه لا كثرة العدد ولا كثرة الاجزاء المقداريّة ولا كثرة الاجزاء الخارجيّة من المادّة والصّورة ولا كثرة الاجزاء العقليّة من الجنس والفصل او من المهيّة والوجود، وبهذا المعنى لا يوصف به الاّ الله، ولهذه المبالغة خصّص الاحد فى اصطلاحهم بمقام الغيب الّذى ليس فيه كثرة ولا لحاظ كثرةٍ وقالوا: الاحد اسم لمقام الغيب الّذى لا اسم له ولا رسم ولا صفة له ولا خبر عنه، والواحد اسم لمقام ظهوره تعالى بأسمائه وصفاته ففى مقام الواحديّة هو متكثّر بكثرة الاسماء والصّفات بحيث لا ينثلم وحدته بها، وفى مقام الاحديّة لا كثرة فيه لا فى الواقع ولا فى العقل ولا فى الاعتبار. معنى الصّمد والصّمد بالتّحريك السّيّد لانّ الصّمد بالسّكون بمعنى القصد والسّيّد من شأنه ان يقصد، والدّائم والرّفيع والمصمت الّذى لا جوف له، والرّجل الّذى لا يعطش ولا يجوع فى الحرب، خاطب الله سبحانه نبيّه (ص) فى مقام انسلاخه عن جميع الكثرات وجميع الاعتبارات بقوله: قل يا محمّد (ص) فى ذلك المقام مشيراً الى الذّات بدون اعتبار صفةٍ من الصّفات. تفسير السّورة هو، فانّ لفظ هو اسم له تعالى مجرّداً عن جميع الاعتبارات حتّى عن اعتبار التّعيّن، الله يعنى انّ الذّات المجرّدة عن اعتبار الصّفات عين الذّات المعتبرة باعتبار جميع الاسماء والصّفات لا مغايرة بينهما الاّ بالاعتبار، فانّ الله اسمٌ للذّات باعتبار جملة الصّفات ولذلك قيل: انّه امام الائمّة وقد مضى بيان لفظ الله فى اوّل الفاتحة، احد يعنى انّه فى عين استجماعه لجملة الصّفات منزّه عن جميع الكثرات لا يشوبه كثرة من كثرة الصّفات، الله الصّمد اى السّيّد المصمود الّذى يصمده كلّ موجودٍ وانتهى سؤدده ومصموديّته فانّه يستفاد الانتهاء فى ذلك من الحصر المستفاد من تعريف المسند، والدّائم الّذى لا يأكل ولا يشرب ولا ينام، والمرتفع الّذى لا رفيع فوقه، والقائم بنفسه الغنىّ عن غيره، لم يلد بانفصال شيءٍ منه سواء كان المنفصل ولداً مماثلاً له او شيئاً غير مماثلٍ له فانّه لا مباين له حتّى يكون منفصلاً منه او غير منفصلٍ، ولم يولد ولم ينفصل هو من شيءٍ من الاشياء فانّه لا شيء غيره حتّى يكون هو منفصلاً منه ومبايناً له، ولم يكن له كفواً احد تقديم الظّرف لشرافته، وتقديم الخبر للاهتمام بنفى الكفاءة ولمراعاة رؤس الاى، وقد ورد فى بعض الاخبار ما يدلّ على اعتبار الحروف فى الاسماء، وما يدلّ على انّ دلالة الاسماء على المسمّيات ليست بمحض المواضعة بل يتعبر المناسبات الذّاتيّة بين الاسماء وحروفها وبين المسمّيات فانّه ورد عن الباقر (ع) انّه قال: قل اى اظهر ما اوحينا اليك ونبّأناك به لتأليف الحروف الّتى قرأناها لك ليهتدى بها من القى السّمع وهو شهيد، وهو اسم مكنّى مشار به الى غائب، فالهاء تنبيهٌ على معنىً ثابتٍ، والواو اشارةٌ الى الغائب عن الحواسّ كما انّ قولك هذا اشارة الى الشّاهد عند الحواسّ وذلك انّ الكفّار نبّهوا عن آلهتهم بحرف اشارة الشّاهد المدرك، فقالوا: هذه آلهتنا المحسوسة المدركة بالابصار فأشر انت يا محمّد (ص) الى الهك الّذى تدعو اليه حتّى نراه وندركه ولا نأَلَهَ فيه، فأنزل الله تبارك وتعالى: قل هو فالهاء تثبيت للثّابت، والواو اشارة الى الغائب عن درك الابصار ولمس الحواسّ وانّه تعالى عن ذلك بل هو مدرك الابصار ومبدع الحواسّ، قال (ع): الله معناه المعبود الّذي أله الخلق عن درك مائيّته والاحاطة بكيفيّته، ويقول العرب: أله الرّجل اذا تحيّر فى الّشيء فلم يحط به علماً، ووله اذا فزع الى شيء ممّا يحذره ويخافه، والاله هو المستور عن حواسّ الخلق، قال (ع): الاحد الفرد المتفرّد، والاحد والواحد بمعنًى واحدٍ وهو المتفرّد الّذى لا نظير له، والتّوحيد الاقرار بالوحدة وهو الانفراد، والواحد المتباين الّذى لا ينبعث من شيءٍ ولا يتّحد بشيءٍ ومن ثمّ قالوا: انّ بناء العدد من الواحد وليس الواحد من العدد لانّ العدد لا يقع على الواحد بل يقع على الاثنين فمعنى قوله: الله احدٌ اى المعبود الّذى يأله الخلق عن ادراكه والاحاطة بكيفيّته فرد بالهيّته متعالٍ عن صفات خلقه، قال (ع): وحدّثنى ابى زين العابدين (ع) عن ابيه الحسين بن علىٍّ (ع) انّه قال: الصّمد الّذى لا جوف له والصّمد الّذى قد انتهى سؤدده، والصّمد الّذى لا يأكل ولا يشرب، والصّمد الّذى لا ينام، والصّمد الدّائم الّذى لم يزل ولا يزال، قال (ع): كان محمّد بن الحنفيّة يقول: الصّمد القائم بنفسه والغنىّ عن غيره، وقال غيره: الصّمد المتعالى عن الكون والفساد، والصّمد الّذى لا يوصف بالتّغاير قال (ع): الصّمد السّيّد المطاع الّذى ليس فوقه آمرٌ ولا ناهٍ، قال (ع): وسئل علىّ بن الحسين (ع) عن الصّمد فقال: الصّمد الّذى لا شريك له ولا يؤده حفظ شيءٍ ولا يعزب عنه شيءٌ، وروى عن زيد بن علىّ (ع) انّه قال: الصّمد الّذى اذا اراد شيئاً قال له: كن فيكون، والصّمد الّذى ابدع الاشياء فخلقها اضداداً واشكالاً وازواجاً، وتفرّد بالوحدة بلا ضدٍّ ولا شكلٍ ولا مثلٍ ولا ندٍّ، وعن الصّادق (ع) عن ابيه (ع) انّ اهل البصرة كتبوا الى الحسين بن علىٍّ (ع) يسألونه عن الصّمد فقال: كتب اليهم بسم الله الرّحمن الرّحيم امّا بعد فلا تخوضوا فى القرآن ولا تجادلوا فيه ولا تتكلّموا فيه بغير علمٍ فقد سمعت جدّى رسول الله (ص) يقول: من قال فى القرآن بغير علمٍ فليتبوّء مقعده من النّار، وانّ الله سبحانه قد فسّر الصّمد فقال الله: قل هو الله احد الله الصّمد ثمّ فسّره فقال: لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً احد، لم يلد يخرج منه شيءٌ كثيفٌ كالولد وسائر الاشياء الكثيفة الّتى تخرج من المخلوقين، ولا شيءٌ لطيف كالنّفس ولا تنشعب منه البدوات كالسّنة والنّوم والخطرة والهمّ والحزن والضّحك والبكاء والخوف والرّجاء والرّغبة والسّأمة والجوع والشّبع، تعالى عن ان يخرج منه شيءٌ وان يتولّد منه شيءٌ كثيف او لطيف، ولم يولد ولم يتولّد من شيءٍ ولم يخرج من شيءٍ كما يخرج الاشياء الكثيفة من عناصرها كالشّيء من الشّيء والدّابّة من الدّابّة والنّبات من الارض والماء من الينابيع والثّمار من الاشجار، ولا كما يخرج الاشياء اللّطيفة من مراكزها كالبصر من العين والسّمع من الاذن، والشّمّ من الانف، والذّوق من الفم، والكلام من اللّسان، والمعرفة والتّميز من القلب، وكالنّار من الحجر، لا بل هو الله الصّمد الّذى لا من شيء ولا فى شيءٍ ولا على شيءٍ مبدء الاشياء وخالقها، ومنشئ الاشياء بقدرته، يتلاشى ما خلق للفناء بمشيّته ويبقى ما خلق للبقاء بعلمه، فذلكم الله الصّمد الّذى لم يلد ولم يولد عالم الغيب والشّهادة الكبير المتعال، ولم يكن له كفواً احد، وعن الصّادق (ع) انّه قدم وفدٌ من فلسطين على الباقر (ع) فسألوه من مسائل، فأجابهم، ثمّ سألوه عن الصّمد فقال: تفسيره فيه، الصّمد خمسة احرف، فالالف دليل على انيّته وهو قوله عزّ وجلّ: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [آل عمران:18] وذلك تنبيه واشارة الى الغائب عن درك الحواسّ، واللاّم دليل على الهيّته بانّه هو الله، والالف واللاّم مدغمان ولا يظهران على اللّسان ولا يقعان فى السّمع ويظهران فى الكتابة دليلان على انّ الهيّته بلطفه خافية لا تدرك بالحواسّ ولا تقع فى لسان واصفٍ ولا اذن سامعٍ لانّ تفسير الاله هو الّذى أله الخلق عن درك مائيّته وكيفيّته بحسٍّ او بوهمٍ لا بل هو مبدع الاوهام وخالق الحواسّ وانّما يظهر ذلك عند الكتابة فهو دليل على انّ الله تعالى اظهر ربوبيّته فى ابداع الخلق وتركيب ارواحهم اللّطيفة فى اجسادهم الكثيفة فاذا نظر عبد الى نفسه لم ير روحه كما انّ لام الصّمد لا يتبيّن ولا يدخل فى حاسّةٍ من حواسّه الخمس فاذا نظر الى الكتابة ظهر له ما خفى ولطف، فمتى تفكّر العبد فى مائيّة البارى وكيفيّته أله فيه وتحيّر ولم تحط فكرته بشيءٍ يتصوّر له لانّه عزّ وجلّ خالق الصّور فاذا نظر الى خلقه ثبت له انّه عزّ وجلّ خالقهم ومركّب ارواحهم فى اجسادهم، وامّا الصّاد فدليل على انّه عزّ وجلّ صادق، وقوله صدق، وكلامه صدق، ودعا عباده الى اتّباعه الصّدق بالصّدق، ووعد بالصّدق دار الصّدق، وامّا الميم فدليل على ملكه وانّه الملك الحقّ لم يزل ولا يزول ملكه، وامّا الدّال فدليل على دوام ملكه وانّه عزّ وجلّ دائم تعالى عن الكون والزّوال بل هو عزّ وجلّ مكوّن الكائنات الّذى كان بتكوينه كلّ كائنٍ ثمّ قال (ع): لو وجدت لعلمى الّذى اتانى الله عزّ وجلّ حمله لنشرت التّوحيد والاسلام والايمان والدّين والشّرائع من الصّمد وكيف لى بذلك ولم يجد جدّى امير المؤمنين (ع) حملةً لعلمه حتّى كان يتنفّس الصّعداء ويقول على المنبر: سلونى قبل ان تفقدونى، فانّ بين الجوانح منّى علماً جمّاً هاه هاه الا لا اجد من يحمله الا وانىّ عليكم من الله الحجّة البالغة {أية : لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُواْ مِنَ ٱلآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْقُبُورِ} تفسير : [الممتحنة:13]، وعن الصّادق (ع) انّه سأل سائل عن التّوحيد فقال: انّ الله عزّ وجلّ علم انّه يكون فى آخر الزّمان اقوام متعمّقون فأنزل الله {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} والآيات من سورة الحديد الى قوله: {أية : عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} تفسير : [الحديد:6] فمن رام وراء ذلك فقد هلك، والمراد بالآيات من سورة الحديد آيات اوّلها الى قوله {أية : عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} تفسير : [الملك: 13] فانّ الله تعالى ادرج فيها دقائق التّوحيد الّذى لا يصل اليها ادراك المتعمّقين فى التّوحيد فكيف بغيرهم!. وسئل الرّضا (ع) عن التّوحيد فقال: كلّ من قرأ قل هو الله احد وآمن بها فقد عرف التّوحيد، قيل: كيف يقرؤها؟ - قال: كما يقرؤها النّاس وزاد فيها كذلك الله ربّى مرّتين، ولمّا كان السّورة مشتملة على توحيده تعالى واضافاته وكان القارى كأنّه يقرأ بلسان الله ويأمر بلسان الله نفسه بالتّوحيد وبكيفيّة اضافاته ورد عنهم بعد تمامه: كذلك الله ربّى، مرّتين، اشارة الى امتثال امره واقراراً بتوحيده واضافاته، ولمّا كان السّورة مشتملة على توحيده واضافاته وسَلوبه روى عن الفضيل بن يسار، انّ ابا جعفر امرنى ان اقرأ قل هو الله احد واقول اذا فرغت منها: كذلك الله ربّى، ثلاثاً، اشارة الى الامتثال بالاقرار بالتّوحيد واضافاته وسلوبه، ولمّا كان العلوم ثلاثة بمضمون ما ورد عن النّبىّ (ص) من قوله: "حديث : انّما العلم ثلاثة؛ آية محكمة، او فريضة عادلة، او سنّة قائمة"تفسير : ، وتمام القرآن لبيان هذه الثّلاثة، وهذه السّورة مشتملة بايجازها على تمام الآيات المحكمات ورد عنهم: انّ من قرأها كان كمن قرء ثلث القرآن، والوجه الآخر فى ذلك انّ السّالك الى الله لا يحصل له السّلوك الاّ بالجذب والانسلاخ من الكثرات وبالتّوجّه الى الكثرات، والتّوجّه الى الكثرات امّا لمرمّة المعاش او تزوّد المعاد، وتمام القرآن لبيان كيفيّة هذه الثّلاثة والسّورة المباركة فى مقام الجذب والانسلاخ، والوجه الآخر انّ القرآن لاثبات الرّبّ وتوحيده واثبات الخلق وتكثيرهم، واثبات الوسائط بين الرّبّ والخلق، والوجه الآخر انّ القرآن لبيان اضافة الحقّ الى الخلق واضافة الخلق الى الرّبّ وبيان الوسائط بين الاضافتين، ولمّا لم يكن يتمّ سلوك السّالك الاّ بطروّ حال الجذب والانسلاخ عليه فانّه لو لم يكن للسّالك حرارة الجذب جملةً ولم يتحرَك الى الله ورد عن الصّادق (ع): من مضى به يوم واحد فصلّى فيه خمس صلوات ولم يقرء فيه بقل هو الله احد قيل له: يا عبد الله لست من المصلّين، وليس المراد بقراءة قل هو الله لقلقة اللّسان فقط فانّها ربّما تصير وبالاً على القارى، بل المراد توفيق الحال للقال حتّى ذاق القارى ووجد فى وجوده انموذج الانسلاخ ولهذا الوجه ورد عنه (ع): من مضت له جمعة ولم يقرء بقل هو الله احد ثمّ مات مات على دين ابى لهبٍ لانّ ابا لهب كان فارغاً من حرارة الجذب الفطرىّ، وقد ورد فى حقّ هذه السّورة فضائل كثيرة عنهم (ع) ولفضلها لا يجوز العدول عنها فى الفريضة الى غيرها اذا شرع المصلّى فيها، واذا صلّى ولم يقرء فى صلاته بقل هو الله احد كان صلاته ناقصة كما فى الاخبار، وقد روى عن النّبىّ (ص) انّه قال: "حديث : من قرأ قل هو الله احد مرّةً بورك عليه، فان قرأها مرّتين بورك عليه وعلى اهله، فان قرأها ثلاث مرّاتٍ بورك عليه وعلى اهله وعلى جميع جيرانه، فان قرأها اثنتى عشرة مرّة بنى له اثنا عشر قصراً فى الجنّة؛ فتقول الحفظة: انطلقوا بنا ننظر الى قصر اخينا! فان قرأها مأة مرّة كفّر عنه ذنوب خمس وعشرين سنة ما خلا الدّماء والاموال، فان قرأها اربعماة كفّر عنه ذنوب اربعمائة سنة، فان قرأها الف مرّةٍ لم يمت حتّى يرى مكانه من الجنّة او يَرى له"تفسير : ، والاخبار فى انّها تعدل ثلث القرآن وانّ من قرأها ثلاث مرّات كان كمن قرأ القرآن كلّه كثيرة، وروى انّه جاء رجل الى النّبىّ (ص) فشكى اليه الفقر وضيق المعاش فقال له رسول الله (ص): "حديث : اذا دخلت بيتك فسلّم ان كان فيه احدٌ وان لم يكن فيه احدٌ فسلّم واقرأ قل هو الله احد مرّةً واحدةً"تفسير : ، ففعل الرّجل فافاض الله عليه رزقاً حتّى افاض على جيرانه، وعن الصّادق (ع) انّه قال: من اصابه مرض او شدّة فلم يقرأ فى مرضه او شدّته بقل هو الله احد ثمّ مات فى مرضه وفى تلك الشّدّة الّتى نزلت به فهو من اهل النّار، وسبب ذلك انّ هذا المبتلى لو كان بقى فطرته الّتى بها ينجذب الى عالم الآخرة والى الله يصير مرضه وشدّته لا محالة سبباً لانسلاخه وتوجّهه الى الله، وهذا الانسلاخ هو قراءة قل هو الله قرأ او لم يقرء، واذا لم ينسلخ علم انّه لم يبق فيه الفطرة فكان من اهل النّار لانّ من لم يبق فيه فطرة الانسانيّة كان مرتدّاً فطريّاً غير مقبول التّوبة، وعنه (ع) انّه قال: من يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع ان يقرأ فى دَبْر الفريضة بقل هو الله احدٌ فانّه من قرأها جمع له خير الدّنيا والآخرة وغفر الله له ولوالديه وما ولد، او وجهه يستنبط ممّا ذكرنا، فانّ الفريضة عبارة عن التّوجّه الى الله والى الآخرة، فاذا كان من صلّى الفريضة كما هو مأمور بها لا بدّ وان تنتهى به الى حالة الانسلاخ والدّخول فى دار القلب الّتى هى دار التّوحيد وفى ذلك الانسلاخ وهذا الدّخول خير الدّنيا والآخرة وغفران الذّنوب له ولمن اتّصل به؛ فجاهدوا اخوانى حتّى يكون صلاتنا باعثة لانسلاخنا من انفسنا واهويتها ومورثة لدخولنا فى دار القلب او توجّهنا اليها، ولا نكون ممّن يصلّى والصّلاة تلعنه، وعن ابى الحسن (ع) انّه يقول: من قدّم قل هو الله احد بينه وبين كلّ جبّارٍ منعه الله منه، يقرأها بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، فاذا فعل ذلك رزقه الله خيره ومنعه شرّه، وسرّ ذلك ما ذكرنا.
فرات الكوفي
تفسير : قال [حدثنا] أبو القاسم قال: حدثنا فرات قال: حدثنا إبراهيم بن بنان قال: حدثنا أحمد بن زفر العنبري قال: حدثنا علي بن عبد المجيد [ب: الحميد] المفسر الواسطي قال: حدثنا حمزة بن بهرام عن حماد عن مقاتل عن الضحاك بن مزاحم. عن ابن عباس رضي الله عنه قال: إن قريشاً سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم جبير بن مطعم وأبو جهل بن هشام ورؤوساً [خ ل: ورؤساء] من قريش: يا محمد أخبرنا عن ربك من أي شيءٍ هو؟ من خشب أم من نحاس أم من حديد؟! وقالت اليهود: إنه قد أنزل نعته في التوراة فأخبرنا عنه؟ فأنزل الله [تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم. ر] {قل هو الله أحد الله الصمد} يعني الصمد الذي لا جوف له. وقال بعضهم: الصمد السيد الذي يسند إليه الأشياء {لم يلد ولم يولد} قال: وذلك أنّ المشركين قالوا: الملائكة بنات الله وقالت اليهود: عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله فأنزل الله {لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد} [يعني. ر. ب: أي] لا مثل له في الالهية ولا ضدّ له ولا ند له ولا شبه له ولا شريك له لا إله إلا الله. قال أبو جعفر! عليه السلام: هي مكية كلها نزلت [ر: فنزلت. ب: فنزل].
الأعقم
تفسير : السبب في نزول السورة قيل: ان المشركين قالوا لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أنسب لنا ربك فنزلت هذه السورة، وعن سعيد بن جبير ان رهطاً من اليهود قالوا: يا محمد هذا الله خلق المخلوقين فمن خلقه؟ فغضب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتى تغير خلقه فجاءه جبريل فسكته وجاءه بالجواب: قل هو الله أحد، وذكر القاضي: "حديث : روي أن عبد الله بن سلام انطلق الى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو بمكة فقال له النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "ما تجدني في التوراة رسول الله؟ فقال انعت لنا ربك، فجاءه جبريل بهذه السورة فقرأها عليه فكان سبب اسلامه لكنه كتمه فلما هاجر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أظهر اسلامه ". تفسير : يعني {قل} يا محمد {هو الله احد} قيل: واحد في الالهيَّة والقدم، وقيل: واحد لا نظير له، وقيل: واحد في صفاته، قديم، باقي، قادر، عالم، حي، لم يزل، ولا يزول، وقيل: واحد في استحقاق العبادة لا تحق لأحد سواه {الله الصمد} السيد المعظم قال الأكثر: الباقي، وقال أسد بن عمرو وابن مسعود بالسيد الصمد وأصله المقصود صمدت اليه أصمد أي قصدت، وقيل: الذي يقصد اليه في الحوائج والمستغاث به عند المصائب، وقيل: الذي لا ينام، وقيل: الذي لا يكافيه أحد من خلقه، وقيل: الذي لا يوصف بصفته أحد، وقيل: المستغني عن كل أحد والمحتاج اليه كل أحد، وقيل: الغالب الذي لا يغلب، وقيل: الذي لا تدركه الأبصار، وقيل: الذي يقضي الحوائج سئِل أم لم يُسأل {لم يلد ولم يولد} أي ليس بصفة الجسميَّة حتى يلد ويولد ردٌ على النصارى واليهود وغيرهم، قيل: لم يلد فيكون بصفة الوالدات ولم يولد فيكون بصفة الأولاد {ولم يكن له كفواً أحد} أي لا مثل له، وقيل: لا صاحبة له، ويدل قوله: {لم يلد ولم يولد} أي ليس بجسم ولا يشبه الأجسام، ويدل قوله: {لم يكن له كفواً أحد} أنه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض وانه ليس بمتحيز ولا في مكان ولا في جهة.
الهواري
تفسير : تفسير سورة الإِخلاص، وهي مكية كلها {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} أي: الواحد قال بعضهم: كان عبد الله بن مسعود يقرأها: قل هو الله الواحد. قال: {اللهُ الصَّمَدُ} أي: الباقي. وتفسير بعضهم: الصمد: الذي قد انتهى في الشرف والسؤدد. وتفسير الكلبي: الذي لا يأكل ولا يشرب. قال تعالى: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} أي: ولم يكن أحد كفؤاً له. وتفسير الكلبي: إن المشركين قالوا للنبي عليه السلام، وقال بعضهم: إنهم اليهود قالوا له: انسب لنا ربك وصفه لنا، فأنزل الله تعالى هذه السورة.
اطفيش
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ} الخ وروي أن المشركين قالوا صف لنا ربك لما ذكر آلهتهم فنزلت السورة وعن ابن عباس أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أتيا النبي صلى الله عليه وسلم وقال عامر إلى ما تدعونا يا محمد قال إلى الله قال صفه لنا أم من ذهب أم من فضة أم حديد أم خشب فنزلت فأهلكه الله بالطاعون وأربد بالصاعقة، وروي أن اليهود لما قالوا ذلك نزلت قالوا يا محمد هذا نسب يمنع من النسب نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك رسوله وعبده فلقيهم أبو جهل لعنه الله فقال لهم قد أثر فيكم كلام محمد فقالوا والله ما هو كلامه وإنه يقرأه علينا ونحن نراه في الجو مكتوبا. *{هُوَ اللهُ} رد على الدهرية الذين أنكروا الله وقالوا لم يكن إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وما يهلكنا إلا الدهر فذلك تحقيق وإثبات للوجود *{أَحَدٌ} رد على الثنوية أن الأشياء تكونت من نور وظلمة والأحد الواحد كما تدل له قراءة ابن مسعود قل هو الله الواحد لا شريك له فعلا ولا صفة ولا قولا ولا ذاتا وقيل أعم من الواحد قال بعضهم الواحد المنفرد لا إله معه والأحد جامع صفات الجلال وهو من وجوب الوجود والقدرة الذاتية والحكمة التامة ولا جسم ولا عرض ولا تحيز ولا شركة ولا يوصف غير الله بالأحد عند بعض والضمير للذي سألوا عنه أي الذي سألتم عنه هو الله ومعنى الله المنزه عما تقولون الجامع لصفات الكمال وعائد لله بعده ايضاحا بعد ابهام وعلى كل فالله خبر واحد خبر ثان أو بدل من الله بناء على جواز ابدال النكرة غير الموصوفة من المعرفة إذا دلت على معنى لم يدل عليه المبدل منه ويجوز كون الله بدلا من هو واحد خبر ويجوز كون هو ضمير الشأن والله مبتدأ واحد خبره والجملة خبر الضمير غير محتاجة للرابط لانها نفسه معنى وعليه ابن هشام قال البزي انما صح حمل احد على قوله الله لان معنى احد منفرد في صفته كوجوبه واستحقاقه العبادة او منفرد في ذاته اي لا تركيب فيه وإذا جعل الله خبرا صح كون احد لمحذوف قال بعض همزة احد عن واو وقرأ ابن مسعود وابي بن كعب وهو الله احد بغير قل. وروي "حديث : ان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ الله احد باسقاط قل هو وانه قال الله احد يعدل القرآن" تفسير : وتلك رواية عن ابن مسعود وهي غير السابقة قل لان هذا توحيد بقوله تارة ويأمر به أخرى بخلاف قل يا أيها الكافرون فإنه موادعة لهم وتبت فإنها معاتبة عمه وهذا ظاهره أنه تارة يقرأه بقل وتارة بتركه في هذه السورة، وقيل إن الأعمش قرأ قل هو الله أحد وكذا عن عمر وهي السابقة عن ابن مسعود وإذا وصلت كسرت التنوين ورققت اللام وإذا وقفت سكنت الدال وفخمت اللام وقرأ بعضهم بإسقاط التنوين وصلا لإلتقاء الساكنين فتفخم اللام وهذا قليل قاله ابن هشام.
اطفيش
تفسير : هو ضمير الشأن يذكر تفخيماً للأَمر على الإجمال والإبهام فيكون الذهن مترقباً لبيانه فيذكر الخبر المفسر له والذهن قد استعد لفهمه فيتمكن من فهمه والجملة خبره وهذا المعنى موجود لو قلنا جرى سؤال ما ربك ومن أى شىءٍ فكان هو الله أحد جوابه إلاَّ أن المتبادر فى مراعاة هذا السؤال أن تقول هو عائد إلى الرب المسئول عنه فخبره مفرد هو لفظ الجلالة وأحد خبر ثان ففى البخارى والترمذى عن أبى بن كعب أن المشركين قالوا للنبى - صلى الله عليه وسلم - انسب لنا ربك فأَنزل الله تعالى قل هو الله احد الخ، وفى الطبرى والطبرانى قال له أعرابى إنسب لنا ربك فنزلت السورة، ويروى أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة قالا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلام تدعونا يا محمد؟ قال إلى الله قال صفة لنا أمن ذهب أو فضة أو حديد أو خشب فنزلت السورة فأَهلك الله تعالى أربد بالصاعقة وعامراً بالطاعون، وعن ابن عباس قال كعب بن الأشرف وحيى بن أحطب وغيرهما من اليهود يا محمد صف لنا ربك الذى بعثك فنزلت السورة والله أعلم على واجب الوجود ويقال علم الله نفسه فوضع لفظاً له بخصوصه هذا مذهبنا وهمزة أحد عن واو وقلب الواو المفتوحة همزة شاذ فاللفظ فصيح استعمالاً شاذ قياساً بخلاف أحد الملازم للنفى غالباً فهمزته أصلية وقيل الهمزة فى أحد فى الآية أصلية والفرق بلزوم النفى وعدمه واللازم للنفى الاستغراق، وقيل أصل أحد فى الآية واحد بألف وكسر الحاءِِ قلبت الواو ألفاً فحذفت إحدى الألفين وفتحت الحاء وفرق ثعلب بأَن أحداً لا يبنى عليه العدد إبتداءً فلا يقال أحد واثنان وثلاثة كما يقال واحد واثنان وثلاثة ولا يقال رجل أحد كما يقال رجل واحد ولذلك اختص به سبحانه وتعالى وفرق بعض بأَن الأَحد فى النفى نص فى العموم بخلاف الواحد فإنه يحتمل العموم وغيره فيقال ما فى الدار أحد فيقال بل اثنان ويقال ما فى الدار واحد بل اثنان، وقيل الأحدية لا تحتمل الجزئية والعددية بحال والواحدية لا تحتملهما يقال مائة واحدة وألف واحد ولا يقال مائة أحد ولا ألف أحد فإن قال لأزواجه والله لا أقرب واحدة منكن صار موليا منهن أَوْ لاَ أقرب إحداكن صار مولياً من واحدة فيدين إلى قصده ونيته وقيل الأحدية لتفرد الذات والواحدية لنفى المشاركة فى الصفات وقيل بالعكس وكلاهما لله فيقال الواحد الأَحد وهما فى حكم اسم واحد وفسر ابن عباس أحد بالواحد كما قرأ الأعمش قل هو الله الواحد فسر بما لا يتجزأ ولا ينقسم فالله متحد فى كل وصف لا يقال جسم ولا عرض ولا جوهر ولا غير ذلك ولا يجمعه وغيره شىء حتى الوجود فوجوده غير وجود غيره فهو واحد من جميع الوجوه ولا يطلق أحد فى غير النفى وغير العدد إلا على الله عز وجل والواحد إما حقيقى بأَن امتنع انقسامه بوجه ما كالبارىء سبحانه وتعالى وأما واحد بالشخص بأَن امتنع حمله على متعدد كزيد وإما واحد بالجنس بأَن لم يمتنع حمله على كثيرين كالحيوان فهو واحد من وجه، كثير من وجه وأما واحد بالنوع بأن كان نفس الماهية المعروضة للكثرة كالإنسانية لزيد وعمرو أما واحد بالفصل بأَن كان جزء ماهية واحدة مميزاً لها كالناطق المتحد فيه زيد وعمرو أما واحد بالعرض وهو قسمان واحد بالمحمول بأن كانت جهة الاتحاد محمولة فيه على متعدد كاتحاد البياض فى حمله على الثلج والقطن وواحد بالموضوع بأَن كانت جهة الاتحاد موضوعة للمتعدد الموضوع كاتحاد الإنسان الضاحك والكاتب وحمله عليه ويسمى الأول واحداً بالمحمول والثانى واحداً بالموضوع ثم الواحد بالشخص إن قبل القسمة إما واحد بالاتصال بأن كانت أقسامه متشابهة بالاسم والحد بأن قبل القسمة لذاته كالمقدار أو لغيره كالجسم البسيط فإنه يقبلها بتوسط المقدار وأما واحد بالاجتماع بأَن كانت أقسامه الحاصلة له بوصف أقسام مختلفة كالبدن المنقسم إلى الأعضاءِ المختلفة ويسمى أيضاً واحداً بالتركيب.
الالوسي
تفسير : {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } المشهور أن {هُوَ} ضمير الشأن ومحله الرفع على الابتداء خبره الجملة بعده ومثلها لا يكون لها رابط لأنها عين المبتدأ في المعنى والسر في تصديرها به التنبيه من أول الأمر على فخامة مضمونها مع ما فيه من زيادة التحقيق والتقرير فإن الضمير لا يفهم منه من أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر جليل فيبقى الذهن مترقباً لما أمامه مما يفسره ويزيل إبهامه فيتمكن عند وروده له فضل تمكن وقول الشيخ عبد القاهر في «دلائل الإعجاز» إن له مع أن حسناً بل لا يصح بدونها غير مسلم. نعم قال الشهاب القاسمي إن هٰهنا إشكالاً لأنه إن جعل الخبر مجموع معنى الجملة المبين في باب القضية أعني مجموع {ٱللَّهُ} ومعنى {أَحَدٌ} والنسبة بينهما ففيه أن الظاهر أن ذلك المجموع ليس هو الشأن وإنما الشأن مضمون الجملة الذي هو مفرد أعني الوحدانية وإن جعل مضمون الجملة الذي هو مفرد فتخصيص عدم الرابط بالجملة المخبر بها عن / ضمير الشأن غير متجه إذ كل جملة كذلك لأن الخبر لا بد من اتحاده بالمبتدأ بحسب الذات ولا يتحد به كذلك إلا مضمون الجملة الذي هو مفرد. وأجيب باختيار الشق الأول كما يرشد إليه تعبيرهم عن هذا الضمير أحياناً بضمير القصة ضرورة أن مضمون الجملة الذي هو مفرد ليس بقصة وإنما القصة معناها المبين في باب القضية وأيضاً هم يعدون مثل قوله صلى الله عليه وسلم حديث : أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجدتفسير : من الجمل التي هي عين المبتدأ في المعنى الغير المحتاجة إلى الضمير لذلك ومن المعلوم أن ما يقال ليس المضمون الذي هو مفرد بل هو الجملة بذلك المعنى ولذا تراهم يوجبون كسر همزة إن بعد القول وكذا تمثيلهم لها بنطقي الله حسبـي وكفى أي منطوقي الذي أنطق به ذلك إذ من الظاهر أن ما نطق به هو الجملة بالمعنى المعروف وقد دل كلام ابن مالك في «التسهيل» على المراد يكون الجملة التي لا تحتاج إلى رابط عين المبتدأ أنها وقعت خبراً عن مفرد مدلوله جملة وهو ظاهر فيما قلنا أيضاً وكون ذلك شأنا أي عظيماً من الأمور باعتبار ما تضمنه، ووَصْفُ الكلام بالعظم ومقابله بهذا الاعتبار شائع ذائع. وقال العلامة أحمد الغنيمي إن أريد أنها عينه بحسب المفهوم فهو مشكل لعدم الفائد وإن أريد عينه بحسب المصدق مع التغاير في المفهوم كما هو شأن سائر الموضوعات مع محمولاتها فقد يقال إنه مشكل أيضاً إذ ما صدق ضمير الشأن أعم من {ٱللَّهُ أَحَدٌ} والخاص لا يحمل على العام في القضايا الكلية ودعوى الجزئية في هذا المقام ينبو عنه تصريحهم بأن ضمير الشأن لا يخلو عن إبهام وبعبارة أخرى وهي أن ما صدق عليه ضمير الشأن مفرد وما صدق الجملة مركب ولا شيء من المفرد بمركب ولذا تراهم يؤولون الجملة الواقعة خبراً بمفرد صادق على المبتدأ ليصح وقوعها خبراً والتزام ذلك في الجملة الواقعة خبراً عن ضمير الشأن ينافيه تصريحهم بأنها غير مؤولة بالمفرد وإن كانت في موقعه. وأجيب بأن معنى قولهم {هُوَ} ضمير الشأن إنه ضمير راجع إليه وموضوع موضعه وإن لم يسبق له ذكر للإيذان بأنه من الشهرة والنباهة بحيث يستحضره كل أحد وإليه يشير كل مشير وعليه يعود كل ضمير. وقولهم في عد الضمائر التي ترجع إلى متأخر لفظاً ورتبة منها ضمير الشأن فإنه راجع إلى الجملة بعده، مسامحة ارتكبوها لأن بيان الشأن وتعيين المراد به بها فما صدق الضمير هو بعينه ما صدق الشأن الذي عاد هو عليه فيختار الشق الثاني فإما أن يراد بالشأن الشأن المعهود ادعاء وتجعل القضية شخصية نظير هذا زيد وإما أن يراد المعنى الكلي وتجعل القضية مهملة وهي في قوة الجزئية كأنه قيل بعض الشأن الله أحد وجاء الإبهام الذي ادعى تصريحهم به من عدم تعين البعض قبل ذكر الجملة وحملها عليه وما صدق عليه الشأن كما يكون مفرداً يكون جملة فليكن هنا كذلك واستمجد الأول واحتمال الكلية مبالغة نحو «كل الصيد في جوف الفرا» كما ترى فليتأمل. وجوزوا أن يكون {هُوَ} ضمير المسؤول عنه أو المطلوب صفته أو نسبته فقد أخرج الإمام أحمد في «مسنده» والبخاري في «تاريخه» والترمذي والبغوي في «معجمه» وابن عاصم في «السنة» والحاكم وصححه وغيرهم عن أبـي بن كعب أن المشركين قالوا للنبـي صلى الله عليه وسلم يا محمد انسب لنا ربك فأنزل الله تعالى: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } السورة وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني في «الأوسط» والبيهقي بسند حسن وآخرون عن جابر قال حديث : جاء أعرابـي إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقال انسب لنا ربك فأنزل الله تعالى: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } الخ وفي «المعالم» عن ابن عباس أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أتيا النبـي صلى الله عليه وسلم فقال عامر إلام تدعونا يا محمد؟ قال إلى الله قالا صفه لنا أمن ذهب هو أم من فضة أو من حديد أو من خشب؟ فنزلت هذه السورة فأهلك الله تعالى أربد بالصاعقة وعامراً بالطاعونتفسير : وأخرج ابن أبـي حاتم والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن ابن عباس أن اليهود جاءت إلى النبـي عليه الصلاة / والسلام منهم كعب بن الأشرف وحيـى بن أخطب فقالوا يا محمد صف لنا ربك الذي بعثك فأنزل الله تعالى السورة. وكون السائلين اليهود مروي عن الضحاك وابن جبير وقتادة ومقاتل وهو ظاهر في أن السورة مدنية وجاز رجوع الضمير إلى ذلك للعلم به من السؤال وجرى ذكره فيه و{هُوَ} عليه مبتدأ والاسم الجليل خبره و{أَحَدٌ} خبر بعد خبر وأجاز الزمخشري أن يكون بدلاً من الاسم الجليل على ما هو المختار من جواز إبدال النكرة من المعرفة وأن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو أحد وأجاز أبو البقاء أن يكون الاسم الأعظم بدلاً من {هُوَ} و{أَحَدٌ} خبره. و{ٱللَّهُ} تعالى وتقدس علم على الذات الواجب الوجود كما ذهب إليه جمهور الأشاعرة وغيرهم خلافاً للمعتزلة حيث قالوا العلم في حقه سبحانه محال لأن أحداً لا يعلم ذاته تعالى المخصوص بخصوصية حتى يوضع له وإنما يعلم بمفهومات كلية منحصرة في فرد فيكون اللفظ موضوعاً لأمثال تلك المفهومات الكلية فلا يكون علماً. ورد بأنه تعالى عالم بخصوصية ذاته فيجوز أن يضع لفظاً بإزائه بخصوصه فيكون علماً وهذا على مذهب القائلين بأن الواضع هو الله تعالى ظاهر إلا أنه يلزم أن يكون ما يفهم من لفظ {ٱللَّهُ} غير ما وضع له إذ لا يعلم غيره تعالى خصوصية ذاته تعالى التي هي الموضوع له على هذا التقدير والقول بأنه يجوز أن يكون المفهوم الكلي آلة للوضع ويكون الموضوع له هو الخصوصية التي يصدق عليها المفهوم الكلي كما قيل في هذا ونظائره يلزم عليه أيضاً أن يكون وضع اللفظ لما لا يفهم منه فإنا لا نفهم من أسمائه تعالى إلا تلك المفهومات الكلية والظاهر أن الملائكة عليهم السلام كذلك لاحتجاب ذاته عز وجل عن غيره سبحانه ومن هنا استظهر بعض الأجلة ما نقل عن حجة الإسلام أن الأشبه أن الاسم الجليل جار في الدلالة على الموجود الحق الجامع لصفات الإلٰهية المنعوت بنعوت الربوبية المنفرد بالوجود الحقيقي مجرى الأعلام أي وليس بعلم وقد مر ما يتعلق بذلك أول الكتاب فارجع إليه. بقي في هذا المقام بحث وهو أن الأعلام الشخصية كزيد إما أن يكون كل منها موضوعاً للشخص المعين كما هو المتبادر المشهور فإذا أخبر أحد بتولد ابن له فسماه زيداً مثلاً من غير أن يبصره يكون ذلك اللفظ اسماً للصورة الخيالية التي حصلت في مخيلته وحينئذ إذا لم يكن المولود بهذه السورة لم يكن إطلاق الاسم عليه بحسب ذلك الوضع ولو قيل بكونه موضوعاً للمفهوم الكلي المنحصر في ذلك الفرد لم يكن عَلَماً كما سبق ثم إذا سمعنا علماً من تلك الأعلام الشخصية ولم نبصر مسماه أصلاً فإنا لا نفهم الخصوصية التي هو عليها بل ربما تخيلناه على غير ما هو عليه من الصور، وإما أن يكون جميع تلك الصور الخالية موضوعاً له فيكون من قبيل الألفاظ المشتركة بين معان غير محصورة، وإما أن يكون الموضوع له هو الخصوصية التي هو عليها فقط فيكون غيرها خارجاً عن الموضوع له فيكون فهم غيرها من الخصوصيات منه غلطاً فإما أن يترك دعوى كون تلك الأعلام جزئيات حقيقية ويقال إنها موضوعات للمفهومات الكلية المنحصرة في الفرد أو يلتزم أحد الاحتمالات الأخر وكلا الوجهين محل تأمل كما ترى فتأمل. و{أَحَدٌ} قالوا همزته مبدلة من الواو وأصله وحد وإبدال الواو المفتوحة همزة قليل ومنه قولهم امرأة أناة يريدون وناة لأنه من الونى وهو الفتور وهذا بخلاف (أحد) الذي يلازم النفي ونحوه. ويراد به العموم كما في قوله تعالى: {أية : فمّاً مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَـٰجِزِينَ}تفسير : [الحاقة: 47] وقوله عليه الصلاة والسلام ((حديث : أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي))تفسير : وقوله تعالى: {أية : هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مّنْ أَحَدٍ }تفسير : [مريم: 98] وقوله سبحانه: {أية : فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً}تفسير : [الجن: 18] وقوله عز وجل: {أية : وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ}تفسير : [التوبة: 6] فإن همزته أصلية وقيل الهمزة فيه أصلية كالهمزة في الآخر والفرق بينهما قال الراغب إن المختص بالنفي منهما لاستغراق جنس الناطقين ويتناول القليل والكثير على طريق الاجتماع والافتراق نحو ما في الدار / أحد أي لا واحد ولا اثنان فصاعداً لا مجتمعين ولا مفترقين ولهذا لم يصح استعماله في الإثبات لأن نفي المتضادين يصح ولا يصح إثباتهما فلو قيل في الدار أحد لكان فيه إثبات واحد منفرد مع إثبات ما فوق الواحد مجتمعين ومفترقين وذلك ظاهر الإحالة ولتناول ذلك ما فوق الواحد يصح أن يقال ما من أحد فاضلين وعليه الآية المذكورة آنفاً والمستعمل في الإثبات على ثلاثة أوجه الأول أن يضم إلى العشرات نحو أحد عشر وأحد وعشرون والثاني أن يستعمل مضافاً أو مضافاً إليه بمعنى الأول كما في قوله تعالى: {أية : أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا }تفسير : [يوسف: 41] وقولهم يوم الأحد أي يوم الأول والثالث أن يستعمل مطلقاً وصفاً وليس ذلك إلا في وصف الله تعالى وهو وإن كان أصله واحداً إلا أن وحداً يستعمل في غيره سبحانه نحو قول النابغة: شعر : كأن رحلي وقد زال النهار بنا بذي الجليل على مستأنس وَحَدِ تفسير : انتهى. وقال مكي أصل (أحد) واحد فأبدلوا الواو همزة فاجتمع ألفان لأن الهمزة تشبه الألف فحذفت إحداهما تخفيفاً وفرق ثعلب بين أحد وواحد بأن أحداً لا يبنى عليه العدد ابتداء فلا يقال أحد واثنان كما يقال واحد واثنان ولا يقال رجل أحد كما يقال رجل واحد ولذلك اختص به سبحانه. وفرق بعضهم بينهما أيضاً بأن الأحد في النفي نص في العموم بخلاف الواحد فإنه محتمل للعموم وغيره فيقال ما في الدار أحد ولا يقال بل اثنان ويجوز أن يقال ما في الدار واحد بل اثنان. ونقل عن بعض الحنفية أنه قال في التفرقة بينهما إن الأحدية لا تحتمل الجزئية والعددية بحال والواحدية تحتملها لأنه يقال مائة واحدة وألف واحد ولا يقال مائة أحد ولا ألف أحد وبنى على ذلك مسألة الإمام محمد بن الحسن التي ذكرها في «الجامع الكبير» إذا كان لرجل أربع نسوة فقال والله لا أقرب واحدة منكن صار مولياً منهن جميعاً ولم يجز أن يقرب واحدة منهن إلا بكفارة ولو قال والله لا أقرب إحداكن لم يصر مولياً إلا من إحداهن والبيان إليه. وفرق الخطابـي بأن الأحدية لتفرد الذات والواحدية لنفي المشاركة في الصفات ونقل عن المحققين التفرقة بعكس ذلك ولما لم ينفك في شأنه تعالى أحد الأمرين من الآخر قيل الواحد الأحد في حكم اسم واحد وفسر الأحد هنا ابن عباس وأبو عبيدة كما قال ابن الجوزي بالواحد وأيد بقراءة الأعمش {قل هو الله الواحد} وفسر بما لا يتجزأ ولا ينقسم. وقال بعض الأجلة إن الواحد مقول على ما تحته بالتشكيك فالمراد به هنا حيث أطلق المتصف بالواحدية التي لا يمكن أن يكون أزيد منها ولا أكمل فهو ما يكون منزه الذات عن أنحاء التركيب والتعدد خارجاً وذهناً وما يستلزم أحدهما كالجسمية والتحيز والمشاركة في الحقيقة وخواصها كوجوب الوجود والقدرة الذاتية والحكمة التامة المقتضية للألوهية وهو مأخوذ من كلام الرئيس أبـي علي بن سينا في «تفسيره السورة الجليلة» حيث قال إن أحداً دال على أنه تعالى واحد من جميع الوجوه وأنه لا كثرة هناك أصلاً لا كثرة معنوية وهي كثرة المقومات والأجناس والفصول وكثرة الأجزاء الخارجية المتمايزة عقلاً كما في المادة والصورة والكثرة الحسية بالقوة أو بالفعل كما في الجسم وذلك يتضمن لكونه سبحانه منزهاً عن الجنس والفصل والمادة والصورة والأعراض والأبعاض والأعضاء والأشكال والألوان وسائر ما يثلم الوحدة الكاملة والبساطة الحقة اللائقة بكرم وجهه عز وجل عن أن يشبهه شيء أو يساويه سبحانه شيء وقال ابن عقيل الحنبلي الذي يصح لنا من القول مع إثبات الصفات أنه تعالى واحد في إلٰهيته لا غير. وقال غيره من السلفيين كالحافظ ابن رجب هو سبحانه الواحد في إلٰهيته / وربوبيته فلا معبود ولا رب سواه عز وجل واختار بعد وصفه تعالى بما ورد له سبحانه من الصفات أن المراد الواحدية الكاملة وذلك على الوجهين كون الضمير للشأن وكونه للمسؤول عنه ولا يصح أن يراد الواحد بالعدد أصلاً إذ يخلو الكلام عليه من الفائدة. وذكر بعضهم أن الاسم الجليل يدل على جميع صفات الكمال وهي الصفات الثبوتية ويقال لها صفات الإكرام أيضاً والأحد يدل على جميع صفات الجلال وهي الصفات السلبية ويتضمن الكلام على كونهما خبرين الإخبار بكون المسؤول عنه متصفاً بجميع الصفات الجلالية والكمالية. وتعقب بأن الإلٰهية جامعة لجميع ذلك بل كل واحد من الأسماء الحسنى كذلك لأن الهوية الإلٰهية لا يمكن التعبير عنها لجلالتها وعظمتها إلا بأنه هو هو، وشرح تلك الهوية بلوازم منها ثبوتية ومنها سلبية واسم الله تعالى متناول لهما جميعاً فهو إشارة إلى هويته تعالى والله سبحانه كالتعريف لها فلذا عقب به. وكلام الرئيس ينادي بذلك وسنشير إليه إن شاء الله تعالى. وقرأ عبد الله وأبـي {هو الله أحد} بغير قل وقد اتفقوا على أنه لا بد منها في {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ }تفسير : [الكافرون: 1] ولا تجوز في {أية : تَبَّتْ}تفسير : [المسد: 1] فقيل لعل ذلك لأن سورة الكافرين مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم أو موادعته عليه الصلاة والسلام لهم ومثل ذلك يناسب أن يكون من الله تعالى لأنه صلى الله عليه وسلم مأمور بالإنذار والجهاد وسورة {تَبَّتْ} معاتبة لأبـي لهب والنبـي عليه الصلاة والسلام على خلق عظيم وأدب جسيم فلو أمر بذلك لزم مواجهته به وهو عمه صلى الله عليه وسلم وهذه السورة توحيد وهو يناسب أن يقول به تارة ويؤمر بأن يدعو إليه أخرى. وقيل في وجه {قُلْ} في سورة الكافرون إن فيها ما لا يصح أن يكون من الله تعالى كـ{أية : لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ}تفسير : [الكافرون: 2] فلا بد فيها من ذكر قل وفيه نظر لأنه لا يلزم ذكره بهذا اللفظ فافهم. وقال الدواني في وجه ترك قل في {تَبَّتْ} لا يبعد أن يقال إن القول بمعاتبة أبـي لهب إذا كان من الله تعالى كان أدخل في زجره وتفضيحه وقيل فيه رمز إلى أنه لكونه على العلات عمه صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن يهينه بمثل هذا الكلام إلا الذي خلقه إذ لا يبعد أن يتأذى مسلم من أقاربه لو سبه أحد غيره عز وجل فقد أخرج ابن أبـي الدنيا وابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه رضي الله تعالى عنهما قال مرت درة ابنة أبـي لهب برجل فقال هذه ابنة عدو الله أبـي لهب فأقبلت عليه فقالت ذكر الله تعالى أبـي بنباهته وشرفه وترك أباك بجهالته ثم ذكرت ذلك للنبـي صلى الله عليه وسلم فخطب فقال((حديث : لا يؤذين مسلم بكافر))تفسير : . ثم إن إثبات {قُلْ} على قراءة الجمهور في المصحف والتزام قراءتها في هذه السورة ونظائرها مع أنه ليس من دأب المأمور بقل أن يتلفظ في مقام الائتمار إلا بالمقول قال الماتريدي في «التأويلات» لأن المأمور ليس المخاطب به فقط بل كل أحد ابتلي بما ابتلي به المأمور فأثبت ليبقى على مر الدهور مَنَّاً على العباد. وقيل يمكن أن يقال المخاطب بقل نفس التالي كأنه تعالى أعلم به أن كل أحد عند مقام هذا المضمون ينبغي أن يأمر نفسه بالقول به وعدم التجاوز عنه فتأمل والله تعالى الموفق.
سيد قطب
تفسير : هذه السورة الصغيرة تعدل ثلث القرآن كما جاء في الروايات الصحيحة. قال البخاري: حدثنا إسماعيل: حدثني مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعد، "حديث : أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ: {قل هو الله أحد} يرددها. فلما أصبح جاء إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فذكر ذلك له ـ وكأن الرجل يتقالها ـ فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن ".. تفسير : وليس في هذا من غرابة. فإن الأحدية التي أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يعلنها: {قل هو الله أحد} هذه الأحدية عقيدة للضمير، وتفسير للوجود، ومنهج للحياة.. وقد تضمنت السورة ـ من ثم ـ أعرض الخطوط الرئيسية في حقيقة الإسلام الكبيرة.. {قل هو الله أحد}.. وهو لفظ أدق من لفظ "واحد".. لأنه يضيف إلى معنى "واحد" أن لا شي ء غيره معه. وأن ليس كمثله شيء. إنها أحدية الوجود.. فليس هناك حقيقة إلا حقيقته. وليس هناك وجود حقيقي إلا وجوده. وكل موجود آخر فإنما يستمد وجوده من ذلك الوجود الحقيقي، ويستمد حقيقته من تلك الحقيقة الذاتية. وهي ـ من ثم ـ أحدية الفاعلية. فليس سواه فاعلاً لشيء، أو فاعلاً في شيء، في هذا أصلاً. وهذه عقيدة في الضمير وتفسير للوجود أيضاً.. فإذا استقر هذا التفسير، ووضح هذا التصور، خلص القلب من كل غاشية ومن كل شائبة، ومن كل تعلق بغير هذه اللذات الواحدة المتفردة بحقيقة الوجود وحقيقة الفاعلية. خلص من التعلق بشيء من أشياء هذا الوجود ـ إن لم يخلص من الشعور بوجود شيء من الأشياء أصلاً! ـ فلا حقيقة لوجود إلا ذلك الوجود الإلهي. ولا حقيقة لفاعلية الإرادة الإلهية. فعلام يتعلق القلب بما لا حقيقة لوجوده ولا لفاعليته! وحين يخلص القلب من الشعور بغير الحقيقة الواحدة، ومن التعلق بغير هذه الحقيقة.. فعندئذ يتحرر من جميع القيود، وينطلق من كل الاوهاق. يتحرر من الرغبة وهي أصل قيود كثيرة، ويتحرر من الرهبة وهي أصل قيود كثيرة. وفيم يرغب وهو لا يفقد شيئاً متى وجد الله؟ ومن ذا يرهب ولا وجود لفاعلية إلا لله؟ ومتى استقر هذا التصور الذي لا يرى في الوجود إلا حقيقة الله، فستصحبه رؤية هذه الحقيقة في كل وجود آخر انبثق عنها - وهذه درجة يرى فيها القلب يد الله في كل شيء يراه. ووراءها الدرجة التي لا يرى فيها شيئاً في الكون إلا الله. لأنه لا حقيقة هناك يراها إلا حقيقة الله. كذلك سيصحبه نفي فاعلية الأسباب. ورد كل شيء وكل حدث وكل حركة إلى السبب الأول الذي منه صدرت، وبه تأثرت.. وهذه هي الحقيقة التي عني القرآن عناية كبيرة بتقريرها في التصور الإيماني. ومن ثم كان ينحي الأسباب الظاهرة دائماً ويصل الأمور مباشرة بمشيئة الله:{أية : وما رميت إذ رميت ولـكن الله رمى}.. {أية : وما النصر إلا من عند الله}.. {أية : وما تشاءون إلا أن يشاء الله}.. تفسير : وغيرها كثير.. وبتنحية الأسباب الظاهرة كلها، ورد الأمر إلى مشيئة الله وحدها، تنسكب في القلب الطمأنينة، ويعرف المتجه الوحيد الذي يطلب عنده ما يرغب، ويتقي عنده ما يرهب، ويسكن تجاه الفواعل والمؤثرات والأسباب الظاهرة التي لا حقيقة لها ولا وجود! وهذه هي مدارج الطريق التي حاولها المتصوفة، فجذبتهم إلى بعيد! ذلك أن الإسلام يريد من الناس أن يسلكوا الطريق إلى هذه الحقيقة وهم يكابدون الحياة الواقعية بكل خصائصها، ويزاولون الحياة البشرية، والخلافة الأرضية بكل مقوّماتها، شاعرين مع هذا أن لا حقيقة إلا الله. وأن لا وجود إلا وجوده. وأن لا فاعلية إلا فاعليته.. ولا يريد طريقاً غير هذا الطريق! من هنا ينبثق منهج كامل للحياة، قائم على ذلك التفسير وما يشيعه في النفس من تصورات ومشاعر واتجاهات: منهج لعبادة الله وحده. الذي لا حقيقة لوجود إلا وجوده، ولا حقيقة لفاعلية إلا فاعليته، ولا أثر لإرادة إلا إرادته. ومنهج للاتجاه إلى الله وحده في الرغبة والرهبة. في السراء والضراء. في النعماء والبأساء. وإلا فما جدوى التوجه إلى غير موجود وجوداً حقيقياً، وإلى غير فاعل في الوجود أصلاً؟! ومنهج للتلقي عن الله وحده. تلقي العقيدة والتصور والقيم والموازين، والشرائع والقوانين والأوضاع والنظم، والآداب والتقاليد. فالتلقي لا يكون إلا عن الوجود الواحد والحقيقة المفردة في الواقع وفي الضمير. ومنهج للتحرك والعمل لله وحده.. ابتغاء القرب من الحقيقة، وتطلعاً إلى الخلاص من الحواجز المعوقة والشوائب المضللة. سواء في قرارة النفس أو فيما حولها من الأشياء والنفوس. ومن بينها حاجز الذات، وقيد الرغبة والرهبة لشيء من أشياء هذا الوجود! ومنهج يربط ـ مع هذا ـ بين القلب البشري وبين كل موجود برباط الحب والأنس والتعاطف والتجاوب. فليس معنى الخلاص من قيودها هو كراهيتها والنفور منها والهروب من مزاولتها.. فكلها خارجة من يد الله؛ وكلها تستمد وجودها من وجوده، وكلها تفيض عليها أنوار هذه الحقيقة. فكلها إذن حبيب، إذ كلها هدية من الحبيب! وهو منهج رفيع طليق.. الأرض فيه صغيرة، والحياة الدنيا قصيرة، ومتاع الحياة الدنيا زهيد، والانطلاق من هذه الحواجز والشوائب غاية وأمنية.. ولكن الانطلاق عند الإسلام ليس معناه الاعتزال ولا الإهمال، ولا الكراهية ولا الهروب.. إنما معناه المحاولة المستمرة، والكفاح الدائم لترقية البشرية كلها، وإطلاق الحياة البشرية جميعها.. ومن ثم فهي الخلافة والقيادة بكل أعبائهما، مع التحرر والانطلاق بكل مقوماتهما. كما أسفلنا. إن الخلاص عن طريق الصومعة سهل يسير. ولكن الإسلام لا يريده. لأن الخلافة في الأرض والقيادة للبشر طرف من المنهج الإلهي للخلاص. إنه طريق أشق، ولكنه هو الذي يحقق إنسانية الإنسان. أي يحقق انتصار النفخة العلوية في كيانه.. وهذا هو الانطلاق. انطلاق الروح إلى مصدرها الإلهي، وتحقيق حقيقتها العلوية. وهي تعمل في الميدان الذي اختاره لها خالقها الحكيم.. من أجل هذا كله كانت الدعوة الأولى قاصرة على تقرير حقيقة التوحيد بصورتها هذه في القلوب، لأن التوحيد في هذه الصورة عقيدة للضمير، وتفسير للوجود، ومنهج للحياة. وليس كلمة تقال باللسان أو حتى صورة تستقر في الضمير. إنما هو الأمر كله، والدين كله؛ وما بعده من تفصيلات وتفريعات لا يعدو أن يكون الثمرة الطبيعية لاستقرار هذه الحقيقة بهذه الصورة في القلوب. والانحرافات التي أصابت أهل الكتاب من قبل، والتي أفسدت عقائدهم وتصوراتهم وحياتهم، نشأت أول ما نشأت عن انطماس صورة التوحيد الخالص. ثم تبع هذا الانطماس ما تبعه من سائر الانحرافات. على أن الذي تمتاز به صورة التوحيد في العقيدة الإسلامية هو تعمقها للحياة كلها، وقيام الحياة على أساسها، واتخاذها قاعدة للمنهج العملي الواقعي في الحياة، تبدو آثاره في التشريع كما تبدو في الاعتقاد سواء. وأول هذه الآثار أن تكون شريعة الله وحدها هي التي تحكم الحياة. فإذا تخلفت هذه الآثار فإن عقيدة التوحيد لا تكون قائمة، فإنها لا تقوم إلا ومعها آثارها محققة في كل ركن من أركان الحياة.. ومعنى أن الله أحد: أنه الصمد. وأنه لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفواً أحد.. ولكن القرآن يذكر هذه التفريعات لزيادة التقرير والإيضاح: {الله الصمد}.. ومعنى الصمد اللغوي: السيد المقصود الذي لا يقضى أمراً إلا بإذنه. والله ـ سبحانه ـ هو السيد الذي لا سيد غيره، فهو أحد في ألوهيته والكل له عبيد. وهو المقصود وحده بالحاجات، المجيب وحده لأصحاب الحاجات. وهو الذي يقضي في كل أمر بإذنه، ولا يقضي أحد معه.. وهذه الصفة متحققة ابتداء من كونه الفرد الأحد. {لم يلد ولم يولد}.. فحقيقة الله ثابتة أبدية أزلية، لا تعتورها حال بعد حال. صفتها الكمال المطلق في جميع الأحوال. والولادة انبثاق وامتداد، ووجود زائد بعد نقص أو عدم، وهو على الله محال. ثم هي تقتضي زوجية. تقوم على التماثل. وهذه كذلك محال. ومن ثم فإن صفة {أحد} تتضمن نفي الوالد والولد.. {ولم يكن له كفواً أحد}.. أي لم يوجد له مماثل أو مكافئ. لا في حقيقة الوجود، ولا في حقيقة الفاعلية، ولا في أية صفة من الصفات الذاتية. وهذا كذلك يتحقق بأنه {أحد} ولكن هذا توكيد وتفصيل.. وهو نفي للعقيدة الثنائية التي تزعم أن الله هو إله الخير وأن للشر إلهاً يعاكس الله ـ بزعمهم ـ ويعكس عليه أعماله الخيرة وينشر الفساد في الأرض. وأشهر العقائد الثنائية كانت عقيدة الفرس في إله النور وإله الظلام، وكانت معروفة في جنوبي الجزيرة العربية حيث للفرس دولة وسلطان!! هذه السورة إثبات وتقرير لعقيدة التوحيد الإسلامية، كما أن سورة "الكافرون" نفي لأي تشابه أو التقاء بين عقيدة التوحيد وعقيدة الشرك.. وكل منهما تعالج حقيقة التوحيد من وجه. وقد كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستفتح يومه ـ في صلاة سنة الفجر ـ بالقراءة بهاتين السورتين.. وكان لهذا الافتتاح معناه ومغزاه..
ابن عاشور
تفسير : افتتاح هذه السورة بالأمر بالقول لإِظهار العناية بما بعد فعل القول كما علمت ذلك عند قوله تعالى: { أية : قل يا أيها الكافرون } تفسير : [الكافرون: 1] ولذلك الأمر في هذه السورة فائدة أخرى، وهي أنها نزلت على سبب قول المشركين: انْسُبْ لنا ربك، فكانت جواباً عن سؤالهم فلذلك قيل له: {قل} كما قال تعالى: { أية : قل الروح من أمر ربي } تفسير : [الإسراء: 85] فكان للأمر بفعل {قل} فائدتان. وضمير {هو} ضمير الشأن لإِفادة الاهتمام بالجملة التي بعده، وإذا سمعه الذين سألوا تطلعوا إلى ما بعده. ويجوز أن يكون {هو} أيضاً عائداً إلى الرب في سؤال المشركين حين قالوا: انسب لنا ربك. ومن العلماء من عَدّ ضمير {هو} في هذه السورة اسماً من أسماء الله تعالى وهي طريقة صوفية درج عليها فخر الدين الرازي في «شرح الأسماء الحسنى» نقله ابن عرفة عنه في «تفسيره» وذكر الفخر ذلك في «مفاتيح الغيب» ولا بد من المزج بين كلاميه. وحاصلهما قوله: {قل هو الله أحد} فيه ثلاثة أسماء لله تعالى تنبيهاً على ثلاثة مقامات. الأول: مقام السابقين المقربين الناظرين إلى حقائق الأشياء من حيث هِيَ هِيَ، فلا جرم ما رأوا موجوداً سوى الله لأنه هو الذي لأجله يجب وجوده فما سوى الله عندهم معدوم، فقوله: {هو} إشارة مطلقة. ولما كان المشار إليه معيناً انصرف ذلك المطلق إلى ذلك المعين فكان قوله: {هو} إشارة من هؤلاء المقربين إلى الله فلم يفتقروا في تلك الإِشارة إلى مميز فكانت لفظة {هو} كافية في حصول العرفان التام لهؤلاء. المقام الثاني: مقام أصحاب اليمين المقتصدين فهم شاهَدُوا الحق موجوداً وشاهدوا الممكنات موجودة فحصلت كثرة في الموجودات فلم تكن لفظة {هو} تامة الإِفادة في حقهم فافتقروا معها إلى مميز فقيل لأجلهم {هو اللَّه}. والمقام الثالث: مقام أصحاب الشمال وهم الذين يجوزون تعدد الإِلٰه فقُرن لفظ {أحد} بقوله: {هو اللَّه} إبطالاً لمقالتهم ا هــــ. فاسمه تعالى العلَم ابتدىء به قبل إجراء الأخبار عليه ليكون ذلك طريق استحضار صفاته كلّها عند التخاطب بين المسلمين وعند المحاجَّة بينهم وبين المشركين، فإن هذا الاسم معروف عند جميع العرب فمسماه لا نزاع في وجوده ولكنهم كانوا يصفونه بصفات تَنَزَّه عنها. أما {أحد} فاسم بمعنى (وَاحِد). وأصل همزته الواو، فيقال: وحَد كما يقال: أحد، قلبت الواو همزة على غير قياس لأنها مفتوحة (بخلاف قلب واو وُجوه) ومعناه منفرد، قال النابغة: شعر : كأنَّ رحلي وقد زال النهارُ بنا بذي الجليلِ على مستأنِسٍ وَحَدِ تفسير : أي كأني وضعتُ الرجل على ثورِ وحْششٍ أحَسَّ بأنسيّ وهو منفردٌ عن قطيعه. وهو صفة مشبهة مثل حَسَن، يقال: وَحُد مثل كرُم، ووَحِدَ مثل فرِح. وصيغة الصفة المشبهة تفيد تمكن الوصف في موصوفها بأنه ذاتيٌّ له، فلذلك أوثر {أحد} هنا على (واحد) لأن (واحد) اسم فاعل لا يفيد التمكن. فــــ (واحد) و{أحد} وصفان مصوغان بالتصريف لمادة متحدة وهي مادة الوحدة يعني التفرد. هذا هو أصل إطلاقه وتفرعت عنه إطلاقات صارت حقائق للفظ (أحد)، أشهرها أنه يستعمل اسماً بمعنى إنسان في خصوص النفي نحو قوله تعالى: { أية : لا نفرق بين أحد من رسله } تفسير : في البقرة (285)، وقوله: { أية : ولا أشرك بربي أحداً } تفسير : في الكهف (38) وكذلك إطلاقه على العدد في الحساب نحو: أحد عشر، وأحد وعشرين، ومؤنثه إحدى، ومن العلماء من خلط بين (واحد) وبين {أحد} فوقع في ارتباك. فوصف الله بأنه {أحد} معناه: أنه منفرد بالحقيقة التي لوحظت في اسمه العلَم وهي الإِلٰهية المعروفة، فإذا قيل: {اللَّه أحد} فالمراد أنه منفرد بالإِلٰهية، وإذا قيل: الله واحد، فالمراد أنه واحد لا متعدد فمَن دونه ليس بإلٰه. ومآل الوصفين إلى معنى نفي الشريك له تعالى في إلٰهيته. فلما أريد في صدر البعثة إثبات الوحدة الكاملة لله تعليماً للناس كلهم، وإبطالاً لعقيدة الشرك وُصف الله في هذه السورة بــــ {أحد} ولم يوصف بـــ (واحد) لأن الصفة المشبهة نهايةُ ما يُمكن به تقريب معنى وحدة الله تعالى إلى عقول أهل اللسان العربي المبين. وقال ابن سينا في تفسير له لهذه السورة: إن {أحد} دالّ على أنه تعالى واحد من جميع الوجوه وأنه لا كثرة هناك أصلاً لا كثرةً معنوية وهي كثرة المقومات والأجناس والفصول، ولا كثرة حسيّة وهي كثرة الأجزاء الخارجية المتمايزة عقلاً كما في المادة والصورة. والكثرة الحسية بالقوة أو بالفعل كما في الجسم، وذلك متضمن لكونه سبحانه منزهاً عن الجنس والفصل، والمادة والصورة، والأعراض والأبعَاض، والأعضاء، والأشكال، والألوان، وسائر ما يُثلم الوحدة الكاملة والبَساطة الحَقَّة اللائقة بكرم وجهه عز وجل عن أن يشبهه شيء أو يساويه سبحانه شيء. وتبيينُه: أما الواحد فمقول على ما تحته بالتشكيك، والذي لا ينقسم بوجه أصلاً أولى بالوحدانيَّة مما ينقسم من بعض الوجوه، والذي لا ينقسم انقساماً عقليّاً أوْلَى بالوحدانية من الذي ينقسم انقساماً بالحسّ بالقوة ثم بالفعل، فـــ {أحد} جامع للدلالة على الوحدانية من جميع الوجوه وأنه لا كثرة في موصوفه اهــــ. قلت: قد فهم المسلمون هذا فقد روي أن بلالاً كان إذا عذب على الإِسلام يقول: أحَد أحد، وكان شعار المسلمين يوم بدر: أحَد أحَد. والذي درج عليه أكثر الباحثين في أسماء الله تعالى أن {أحد} ليس ملحقاً بالأسماء الحسنى لأنه لم يرد ذكره في حديث أبي هريرة عند الترمذي قال: « حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّ لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة »تفسير : . وعدّها ولم يذكر فيها وصف أحد، وذكر وصف واحد وعلى ذلك درج إمام الحرمين في كتاب «الإِرشاد» وكتابِ «اللمع» والغزالي في «شرح الأسماء الحسنى». وقال الفهري في «شرحه على لُمع الأدلة» لإِمام الحرمين عند ذكر اسمه تعالى «الواحد». وقد ورد في بعض الروايات الأحد فلم يجمع بين الاسمين في اسم. ودرح ابن بَرَّجَان الإِشبيلي في «شرح الأسماء» والشيخ مُحمد بن محمد الكومي (بالميم) التونسي، ولُطف الله الأرضرُومي في «معارج النور»، على عدّ (أحد) في عداد الأسماء الحسنى مع اسمه الوَاحد فقالا: الواحد الأحد بحيث هو كالتأكيد له كما يقتضيه عدهم الأسماء تسعة وتسعين، وهذا بناء على أن حديث أبي هريرة لم يقتضِ حصر الأسماء الحسنى في التسعة والتسعين، وإنما هو لبيان فضيلة تلك الأسماء المعدودة فيه. والمعنى: أن الله منفرد بالإِلٰهية لا يشاركه فيها شيء من الموجودات. وهذا إبطال للشرك الذي يدين به أهل الشرك، وللتثليث الذي أحدثه النصارى المَلْكانية وللثانوية عند المجوس، وللعَدَد الذي لا يُحصى عند البراهمة. فقوله: {اللَّه أحد} نظير قوله في الآية الأخرى: { أية : إنما الله إلٰه واحد } تفسير : [النساء: 171]. وهذا هو المعنى الذي يدركه المخاطبون بهذه الآية السائلون عن نسبة الله، أي حقيقته فابتدىء لهم بأنه واحد ليعلموا أن الأصنام ليست من الإِلٰهية في شيء. ثم إن الأحدية تقتضي الوجود لا محالة فبطل قول المعطلة والدُّهريين. وقد اصطلح علماء الكلام من أهل السنة على استخراج الصفات السلبية الربانية من معنى الأحدية لأنه إذا كان منفرداً بالإِلٰهية كان مستغنياً عن المخصِّـص بالإِيجاد لأنه لو افتقر إلى من يُوجده لكان من يوجده إلٰهاً أوَّلَ منه فلذلك كان وجود الله قديماً غير مسبوق بعدم ولا محتاج إلى مخصـص بالوجُود بدَلاً عن العدم، وكان مستعيناً عن الإمداد بالوجود فكان باقياً، وكان غنياً عن غيره، وكان مخالفاً للحوادث وإلا لاحتاج مثلَها إلى المخصـص فكان وصفه تعالى: بــــ {أحد} جامعاً للصفات السلبية. ومثلُ ذلك يُقال في مرادفه وهو وصف وَاحد. واصطلحوا على أن أحدية الله أحدية واجبة كاملة، فالله تعالى واحد من جميع الوجوه، وعلى كل التقادير فليس لكُنْه الله كثرة أصلاً لا كثرة معنوية وهي تعدد المقوّمات من الأجناس والفصول التي تتقوم منها المواهي، ولا كثرةُ الأجزاء في الخارج التي تتقوم منها الأجسام. فأفاد وصف {أحد} أنه منزه عن الجنس والفصل والمادة والصورة، والأعراض والأبعاض، والأعضاء والأشكال والألوان وسائر ما ينافي الوحدة الكاملة كما إشار إليه ابن سينا. قال في «الكشاف»: «وفي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم {اللَّه أحد} بغير {قل هو} اهــــ، ولعله أخذه مما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم حديث : قال من قرأ: {اللَّه أحد} كان بِعَدْل ثلثِ القرآنتفسير : ، كما ذكره بأثر قراءة أبيّ بدون {قل} كما تأوله الطيبي إذ قال: وهذا استشهاد على هذه القراءة. وعندي إن صح ما روي من القراءة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد بها التلاوة وإنما قصد الامتثال لما أمر بأن يقوله، وهذا كما كان يُكثر أن يقول: « حديث : سبحان ربي العظيم وبحمده اللهم اغفر لي » تفسير : يَتأول قوله تعالى: { أية : فسبِّح بحمد ربك واستغفره } تفسير : [النصر: 3].
الشنقيطي
تفسير : الأحد: قال القرطبي: أي الواحد الوتر، الذي لا شبيه له ولا نظير، ولا صاحبة، ولا ولد، ولا شريك. 1هـ. ومعلوم أن كل هذه المعاني صحيحة، في حقه تعالى. وأصل أحد: وحد: قلبت الواو همزة. ومنه قول النابغة: شعر : كأن رحلي وقد زال النهار بنا بذي الجليل على مستأنس وحد تفسير : وقال الفخر الرازي في أحد وجهان: أحدهما: أنه بمعنى واحد. قال الخليل: يجوز أن يقال: أحد اثنان ثلاثة، ثم ذكر أصلها وحد، وقلبت الواو همزة للتخفيف. والثاني: أن الواحد والأحد ليسا اسمين مترادفين. قال الأزهري: لا يوصف شيء بالأحدية غير الله تعالى، لا يقال: رجل أحد ولا درهم أحد، كما يقال: رجل واحد أي فرد به، بل أحد صفة من صفات الله تعالى استأثر بها فلا يشركه فيها شيء. ثم قال: ذكروا في الفرق بين الواحد والأحد وجوهاً: أحدهما: أن الواحد يدخل في الأحد، والأحد لا يدخل فيه. وثانيها: أنك لو قلت: فلان لا يقاومه واحد، جاز أن يقال: لكنه يقاومه اثنان بخلاف الأحد. فإنك لو قلت: فلان لا يقاومه أحد، لا يجوز أن يقال: لكنه يقاومه اثنان. وثالثها: أن الواحد، يستعمل في الإثبات، والأحد يستعمل في النفي. تقول في الإثبات رأيت رجلاً واحداً. وتقول في النفي: ما رأيت أحداً، فيفيد العموم. أما ما نقله عن الخليل، وقد حكاه صاحب القاموس فقال: ورجل وحد وأحد، أي خلافاً لما قاله الأزهري. وأما قوله: إن أحداً تستعمل في النفي فقد جاء استعمالها في الإثبات أيضاً. كقوله: {أية : أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ ٱلْغَائِطِ} تفسير : [المائدة: 6]. فتكون أغلبية في استعمالها ودلالتها في العموم واضحة. وقال في معجم مقاييس اللغة في باب الهمزة والحاء وما بعدها: أحد، إنها فرع والأصل الواو وحد. وقد ذكر في الواو وفي مادة وحد. قال: الواو والحاء والدال أصل واحد يدل على الانفراد من ذلك الوحدة بفتح الواو وهو واحد قبيلته، إذا لم يكن فيهم مثله. قال: شعر : يا واحد العرب الذي ما في الأنام له نظير تفسير : وقيل: إن هذا البيت لبشار يمدح عقبة بن مسلم، أو إلى ابن المولى يزيد بن حاتم، نقلاً عن الأغاني. فيكون بهذا ثبت أن الأصل بالواو والهمزة فرع عنه. وتقدم أن دلالتها على العموم أوضح أي أحد. وقد دلت الآية الكريمة، على أن الله سبحانه وتعالى أحد، أي في ذاته وصفاته لا شبيه ولا شريك، ولا نظير ولا ند له، سبحانه وتعالى. وقد فسره ضمنا قوله: {أية : وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 4]. وقوله: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11]، أما المعنى العام فإن القرآن كله، والرسالة المحمدية كلها، بل وجميع الرسالات، إنما جاءت لتقرير هذا المعنى، بأن الله سبحانه واحد أحد. بل كل ما في الوجود شاهد على ذلك. كما قيل: شعر : وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد تفسير : أما نصوص القرآن على ذلك فهي أكثر من أن تحصى، لأنها بمعنى لا إله إلا الله. وتقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، إشارة إلى ذلك في أول الصافات وفي غيرها، وفي البقرة {أية : وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [البقرة: 163]. وفي التوبة: {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [التوبة: 31]، فجاء مقروناً بلا إله إلاَّ الله. وفي صۤ قوله: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ} تفسير : [ص: 65]. وكما قدمنا أن الرسالة كلها جاءت لتقرير هذا المعنى، كما في قوله: {أية : هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} تفسير : [إبراهيم: 52]، سبحانه جل جلاله وتقدست أسماؤه وتنزهت صفاته، فهو واحد أحد في ذاته وفي أسمائه وفي صفاته وفي أفعاله. وقد جاء القرآن بتقرير هذا المعنى عقلاً كما قرره نقلاً، وذلك في قوله تعالى: {أية : قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً} تفسير : [الإسراء: 42-43]. وقوله: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} تفسير : [الأنبياء: 22]. فدل على عدم فسادهما بعدم تعددهما، وجمع العقل والنقل في قوله: {أية : مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} تفسير : [المؤمنون: 91].
الواحدي
تفسير : روي أنَّ قوماً من المشركين قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربَّك، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: {قل هو الله أحد} أَيْ: الذي سألتم نسبته هو الله أحدٌ. {الله الصمد} السَّيِّد الذي قد انتهى إليه السُّؤدد. وقيل: الصَّمد: الذي لا جوف لَه، ولا يأكل ولا يشرب. وقيل: هو المقصود إليه في الرَّغائب. {لم يلد ولم يولد}. {ولم يكن له كفواً أحد} لم يكن أحدٌ مثلاً له.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- قل - يا محمد - لمن قالوا مستهزئين: صف لنا ربك: هو الله أحد لا سواه، ولا شريك له. 2- الله المقصود - وحده - فى الحوائج والمطالب. 3، 4- لم يتخذ ولدا، ولم يولد من أب أو أم، ولم يكن له أحد شبيها أو نظيرا، وليس كمثله شئ. &
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: قل هو الله أحد: أي قل لمن سألك يا نبينا عن ربك هو الله أحد. الله الصمد: أي الله الذي لا تنبغي العبادة إلا له، الصمد: السيد الذي يصمد إليه. في الحوائج. فهو المقصود في قضاء الحوائج على الدوام. لم يلد: أي لا يفنى إذ لا شيء يلد إلا وهو فانٍ بائدٌ لا مَحالة. ولم يولد: أي ليس بمحدث بأن لم يكن فكان فهو كائن أولا وأبدا. ولم يكن له كفوا أحد: أي لم يكن أحد شبيه له أو مثيل إذ ليس كمثله شيء. معنى الآيات: قوله تعالى {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} الآيات الأربع المباركات نزلت جوابا لمن قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم من المشركين انسب لنا ربك أو صفه لنا فقال تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم قل أي لمن سألوك ذلك هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد أي ربي هو الله أي الإِله الذي لا تنبغي الألوهية إلا له، ولا تصلح العبادة إلا له أحد في ذاته وصفاته وأفعاله فليس له نظير ولا مثيل في ذلك إذ هو خالق الكل ومالك الجميع فلن تكون المحدثات المخلوقات كخالقها ومحدثها الله أي المعبود الذي لا معبود بحق إلا هو، الصمد أي السيد المقصود في قضاء الحوائج الذي استغنى عن كل خلقه وافتقر الكل إليه لم يلد أي لم يكن له ولد لانتفاء من يجانسه إذ الولد يجانس والده، والمجانسة منفية عنه تعالى إذ ليس كمثله شيء ولم يولد لانتفاء الحدوث عنه تعالى. {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} أي ولم يكن أحد كفواً له ولا مثيلاً ولا نظيراً ولا شبيهاً إذ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فلذا هو يعرف بالأحدية والصمدية فالأحدية هو أنه واحد في ذاته وصفاته وأفعاله لم يكن له كفو ولا شبيه ولا نظير والصمدية هي أنه المستغني عن كل ما سواه والمفتقر إليه في وجوده وبقائه كل ما عداه كما يعرف بأسمائه وصفاته وآياته. من هداية الآيات: 1- معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته. 2- تقرير التوحيد والنبوة. 3- بطلان نسبه الولد إلى الله تعالى. 4- وجوب عبادته تعالى وحده لا شريك له فيها، إذ هو الله ذو الألوهية على خلقه دون سواه.
القطان
تفسير : أحد: واحد. الصمد: المقصود في الحاجات. الكفء: النظير. قل يا محمدُ لِمَن سألوك عن صِفة ربك: اللهُ هو الواحدُ، لا شريكَ له ولا شبيه. {ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ} الله هو المقصود، يتوجّه اليه العِبادُ في جميع مطالبهم وحوائجهم، لا واسطةَ بينه وبين عبادِه. {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} لم يتَّخِذ ولداً ولا زوجة، ولم يولَد من أبٍ ولا أُم.. فهو قَديمٌ ليس بحادِثٍ، ولو كان مولُودا لكان حادِثا. إنه ليس له بدايةٌ ولا نهاية. {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} وليس له نِدٌّ ولا مماثِل، ولا شَبيه. {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11]. فهذه السورةُ الكريمة إثباتٌ وتقريرٌ لعقيدة التوحيد الإسلامية، كما أن سورةَ "الكافرون" نفيٌ لأيّ تشابُهٍ او التقاء بين عقيدةِ التوحيد وعقيدةِ الشِرك. وقد سُئل أعرابي ماذا يحفظ من القرآن فقال: أحفَظ هِجاءَ أبي لَهَبٍ {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ...} تفسير : [المسد: 1] وصِفَةَ الربّ {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}. تعالى الله عما يقولُ الظالمون علوّا كبيرا.
د. أسعد حومد
تفسير : (1) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِمَنْ سَأَلَكَ مُسْتَهْزِئاً: صِفْ لَنَا رَبَّكَ: إِنَّ رَبِّي هُوَ الوَاحِدُ الأَحَدُ، المُنَزَّهُ عَنِ التَّعَدُّدِ، وَعَنِ الزَّوْجَةِ وَالصَّاحِبَةِ وَالوَالِدِ وَالوَلَدِ.
الثعلبي
تفسير : {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} أخبرنا الشيخ أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق المزكى قال: أخبرنا الإمام أبو بدر محمد بن إسحاق بن خزيمة قال: حدثنا أحمد بن منيع ومحمود بن خداش قالا: حدثنا أبو سعد الصغاني قال: حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أُبي بن كعب أن المشركين قالوا لرسول الله (عليه السلام): انسب لنا ربك، فأنزل الله سبحانه {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} الى آخر السورة. وروى أبو ضبيان وأبو صالح عن ابن عباس حديث : أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عامر: الى ما تدعونا يا محمد؟ قال: "الى الله سبحانه" فقالا: صفه لنا، أذهب هو أم فضة أم حديد أم من خشب؟ فنزلت هذه السورة، فأرسل الله سبحانه الصاعقة إلى أربد فأحرقته وطعن عامر في خنصره فمات، تفسير : وقد ذكرت قصتهما في سورة الرعد. وقال الضحاك وقتادة ومقاتل: حديث : جاء ناس من أحبار اليهود الى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد صف لنا ربّك لعلنا نؤمن بك فإن الله أنزل نعته في التوراة فأخبرنا به من أي شيء هو من أي جنس أمن ذهب هو أو نحاس أم صفر أم حديد أم فضة؟ وهل يأكل ويشرب؟ وممّن ورث الدنيا؟ ومن يورثها؟ فأنزل الله سبحانه هذه السورة تفسير : وهي نسبة الله خاصة. وأخبرني عقيل أن أبا فرج البغدادي أخبرهم عن أبي جعفر الطرفي قال: حدّثنا ابن حميد قال: حدّثنا سلمة قال: حدّثني ابن إسحاق عن محمد بن سعيد قال: حديث : أتى رهط من اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا محمد هذا الله خلق الخلق فمن خلقه؟ فغضب النبي حتى أمتقع لونه ثم ساورهم غضباً لربه، فجاءه جبرائيل فسكّنه وقال: أخفض عليك جناحك يا محمد، وجاءه من الله سبحانه بجواب ما سألوه {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} السورة، فلما تلا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم قالوا له: صف لنا ربك كيف خلق وكيف عضده وذراعه؟ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم أشد من غضبه الأوّل وساورهم، فأتاه جبرائيل فقال: له مثل مقالته وأتاه بجواب ما سألوه {وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [الزمر: 67] . تفسير : وقال الضحاك عن ابن عباس: حديث : إنَّ وفد نجران قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة أساقفة من بني الحرث بن كعب فيهم السيد والعاقب، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم صف لنا ربك من أي شيء هو؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم "إنَّ ربي ليس من شيء وهو بائن من الأشياء" فأنزل الله سبحانه {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} أي واحد . تفسير : ولا فرق بين الواحد والأحد عند أكثر أصحابنا يدل عليه قراءة عبد الله {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} [.......]. وفرق قوم بينهما فقال بعضهم: الواحد للفصل والأحد للغاية، وقيل: واحد بصفاته أحد بذاته، وقيل: إنَّ الواحد يدلّ على أزليته وأوّليته، لأنَّ الواحد في الأعداد ركنها وأصلها وميدانها، والأحد يدل على بينونته من خلقه في جميع الصفات، ونفي أبواب الشرك عنه، فالأحد بني لنفي ما يذكر معه من العدد، والواحد أسم لمفتتح العدد، فأحد صلح في الكلام في موضع الجحود، والواحد في موضع الإثبات تقول: لم يأتني منهم أحد وجاءني منهم واحد، فالمعنى أنه لم يأتني أثنان، وقال ابن الأنباري: أجد في الأصل واحد كما قالوا للمرأة أناة والأصل ونأة من الوني وهو الفتور قال الشاعر: شعر : رمته أناة من ربيعة عامر نؤوم الضحى في مأتم أي مأتم تفسير : وقال النابغة في الواحد: شعر : كأن رحلي وقد زال النهار بنا بذي الجليل على مستأنس وحد تفسير : سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزاز يقول: سمعت ابن عطاء يقول في قوله سبحانه {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}: هو المنفرد بإيجاد المفقودات والمتحّد بأظهار الخفيّات. وقراءة العامة {أَحَدٌ} بالتنوين، وقرأ الحسن ونصر بن عاصم وابن إسحاق وأبان بن عثمان وهارون بن عيسى {أَحَدٌ * ٱللَّهُ} بلا تنوين طلباً للخفة وفراراً من التقاء الساكنين كقراءة من قرأ {أية : عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 30] بغير تنوين. وأما قوله: {ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ} فاختلفوا فيه فقال ابن عباس ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير: الذي لا جوف له، وأما سعيد بن المسيب: الذي لا حشو له، الشعبي: الذي لا يأكل ولا يشرب، وإليه ذهب الفرضي، وقيل: يفتره ما بعده. أخبرنا محمد بن الفضل قال: أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة قال: حدثنا أحمد بن منبع ومحمود بن خراش قال: حدّثنا أبو سعد الصعالي قال: حدّثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية عن أبيّ بن كعب قال: الصمد الذي لم يلد ولم يولد، لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت وليس يرث إلا سيورث وأن الله لا يموت ولا يورث. وقال أبو وائل شفيق بن سلمة: وهو السيّد الذي قد أنتهى سؤدده، وهي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هو السيد الذي قد كمل في جميع أنواع الشرف والسؤدد. غيره: هو السيد المقصود في الحوائج، يقول العرب: صمّدت فلاناً أصمده وأصمُده صمْداً بسكون الميم إذا قصدته، والمصمود صمد كالقبض والنفض، ويقال: بيت مصمود ومصمّد إذا قصده الناس في حوائجهم قال طرفة: شعر : وأن يلتقي الحي الجميع تلاقني الى ذروة البيت الرفيع المصمد تفسير : وأنشد الأئمة في الصمد: شعر : ألا بكر الناعي بخيري بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد تفسير : وقال قتادة: الصمد: الباقي بعد خلقه، عاصم ومعمر: هو الدائم، علي بن موسى الرضا: هو الذي أيست العقول عن الإطلاع على كيفيته، محمد بن علي الترمذي: هو الأزلي بلا عدد، والباقي بلا أمد، والقائم بلا عمد، الحسين بن الفضل: هو الأزلي بلا أبتداء، وقيل: هو الذي جلّ عن شبه المصورين وقيل: هو بمعنى نفي التجزؤ والتأليف عن ذاته، ميسرة: المصمت، ابن مسعود: الذي ليست له أحشاء، أبو إسحاق الكوفي عن عكرمة: الصمد الذي ليس فوقه أحد، وهو قول علي عليه السلام. السدي: هو المقصود إليه في الرغائب المستغاث به عند المصائب، يمان: الذي لاينام، كعب الأحبار: الذي لا يكافئه من خلقه أحد. ابن كيسان: الذي لا يوصف بصفته أحد، مقاتل ابن حيان: الذي لا عيب فيه، ربيع: الذي لا تعتريه الآفات، سعيد بن جبير أيضاً: الكامل في جميع صفاته وأفعاله، الصادق: وهو الغالب الذي لا يغلب، أبو هريرة: المستغني عن كل أحد والمحتاج إليه كل أحد، مرّة الهمداني: الذي لا يبلى ولا يغنى، الحسين بن الفضل أيضاً: هو الذي يحكم ما يريد ويفعل ما يشاء لا معقّب لحكمه ولا راد لقضائه. محمد بن علي: الصمد: الذي لا تدركه الأبصار ولا تحويه الأفكار ولا تبلغه الأقطار وكل شي عنده بمقدار. ابن عطاء: الصمد: الذي لم يتبّين عليه أثر فيما أظهر، جعفر: الذي لم يعط لخلقه من معرفته الا الاسم والصفة، جنيد: الذي لم يجعل لأعدائه سبيلا الى معرفته، وقيل: هو الذي لا يدرك حقيقة نعوته وصفاته فلا يتسع له اللسان ولا يشير إليه البيان، ابن عطاء: هو المتعالي عن الكون والفساد، وقال الواسطي: الذي لا يسحر ولا يستغرق ولا تعترض عليه القواطع والغلل. وقال جعفر أيضاً: الصمد خمس حروف: فالألف دليل على أحديّته، واللام دليل على الهيته وهما مدغمان لا يظهران على اللسان ويظهران في الكتابة، فدلّ على أحديته والهيّته خفية لا يدرك بالحواس، وأنّه لا يقاس بالناس فخفاءه في اللفظ دليل على أن العقول لا تدركه ولا تحيط به علماً، وأظهاره في الكتابة دليل على أنه يظهر على قلوب العارفين، ويبدو لأعين المحبين في دار السلام، والصاد دليل على صدقه، فوعده صدق وقوله صدق وفعله صدق ودعا عباده الى الصدق، والميم دليل على ملكه فهو الملك على الحقيقة، والدال علامة دوامه في أبديته وأزليته. {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} اختلف القراء فيه، فقرأ حمزة ويعقوب ساكنة الفاء مهموزة ومثله روى العباس عن أبي عمرو وإسماعيل عن نافع، وقرأ شيبة مشبعة غير مهموزة ومثله روى حفص عن عاصم، وقرأ الآخرون مثقلاً مهموزاً وكلّها لغات صحيحة فصيحة ومعناه المثل. {أَحَدٌ} أي هو واحد، وقيل: على التقديم والتأخير مجازه: "وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ أَحَدٌ كُفُواً". وقال عبد خير: سأل رجل علي بن أبي طالب عليه السلام عن تفسير هذه السورة قال: قل هو الله أحد بلا تأويل عدد، الله الصمد لا يتبعض بدد، لم يلد فيكون هالكاً، ولم يولد فيكون إلهاً مُشارَكاً، ولم يكن له من خلقه كفؤاً أحد. وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي بقراءتي قال: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا علي الروذباري يقول: وجدنا أنواع الشرك ثمانية: النقص والتقلّب والكثرة والعدد وكونه علّة أو معلولاً، والأشكال والأضداد، فنفى الله تعالى عن صفته نوع الكثرة والعدد بقوله: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} ونفى التنقّص والتقلّب بقوله: {ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ} ونفى العلل والمعلول بقوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} ونفى الأشكال والأضداد بقول: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} فحصلت الوحدانية البحت لذلك سمّيت سورة الإخلاص.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {ٱلصَّمَدُ} السيد المقصود في قضاء الحاجات قال الشاعر: شعر : ألا بكَّر الناعي بخير بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد تفسير : {كُفُواً} الكُفُوءُ: النظير والشبيه قال أبو عبيدة: يقال: كفُو، وكفء، وكفاء كلها بمعنى واحد وهو المِثْل والنظير. سَبَبُ النّزول: روي أن بعض المشركين جاءوا إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد صف لنا ربَّك، أمن ذهبٍ هو، أم من فضة، أم من زبرجد، أم من ياقوت؟! فنزلت {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ..} السورة. التفسِير: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين المستهزئين: إِن ربي الذي أعبده، والذي أدعوكم لعبادته هو واحد أحد لا شريك له، ولا شبيه له ولا نظير، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فهو جل وعلا واحد أحد، ليس كما يعتقد النصارى بالتثليث "الآب، والابن، وروح القدس" ولا كما يعتقد المشركون بتعدد الآلهة قال في التسهيل: واعلم أن وصف الله تعالى بالواحد له ثلاثة معانٍ، كلها صحيحة في حقه تعالى: الأول: أنه واحد لا ثاني معه فهو نفيٌ للعدد، والثاني: أنه واحد لا نظير ولا شريك له، كما تقول: فلان واحد في عصره أي لا نظير له والثالث: أنه واحد لا ينقسم ولا يتبعض، والمراد بالسورة نفي الشريك رداً على المشركين، وقد أقام الله في القرآن براهين قاطعة على وحدانيته تعالى، وذلك كثير جداً، وأوضحها أربعة براهين: الأول؛ قوله تعالى {أية : أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ}تفسير : [النحل: 17] - وهذا دليل الخلق والإِيجاد - فإِذا ثبت أن الله تعالى خالق لجميع الموجودات، لم يصح أن يكون واحد منها شريكاً له والثاني: قوله تعالى {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا}تفسير : [الأنبياء: 22] - وهو دليل الإِحكام والإِبداع - الثالث: قوله تعالى {أية : لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً}تفسير : [الإِسراء: 42] - وهو دليل القهر والغلبة - الرابع: قوله تعالى {أية : مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}تفسير : [المؤمنون: 91] - وهو دليل التنازع والاستعلاء ثم أكد تعالى وحدانيته واستغناءه عن الخلق فقال {ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ} أي هو جل وعلا المقصود في الحوائج على الدوام، يحتاج إِليه الخلق وهو مستغنٍ عن العالمين قال الألوسي: الصَّمد السيدُ الذي ليس فوقه أحد، الذي يصمدُ إِليه - أي يلجأ إِليه - الناسُ في حوائجهم وأمورهم {لَمْ يَلِدْ} أي لم يتخذ ولداً، وليس له أبناء وبنات، فكما هو متصف بالكمالات، منزَّه عن النقائص قال المفسرون: في الآية ردٌّ على كل من جعل لله ولداً، كاليهود في قولهم {أية : عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 30] والنصارى في قولهم {أية : ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 30] وكمشركي العرب في زعمهم أن (الملائكة بنات الله) فردَّ الله تعالى على الجميع في أنه ليس له ولد، لأن الولد لا بدَّ أن يكون من جنس والده، والله تعالى أزلي قديم، ليس كمثله شيء، فلا يمكن أن يكون له ولد،ولأن الولد لا يكون إلا لمن له زوجة، والله تعالى ليس له زوجة وإِليه الإِشارة بقوله تعالى {أية : بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ}تفسير : [الأنعام: 101]؟! {وَلَمْ يُولَدْ} أي ولم يولد من أبٍ ولا أُمٍ، لأن كل مولود حادث، والله تعالى قديم أزلي، فلا يصح أن يكون مولوداً ولا أن يكون له والد، وقد نفت الآية عنه تعالى إِحاطة النسب من جميع الجهات، فهو الأول الذي لا ابتداء لوجوده، القديم الذي كان ولم يكن معه شيء غيره {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} أي وليس له جل وعلا مثيلٌ، ولا نظير، ولا شبيه أحدٌ من خلقه، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ}تفسير : [الشورى: 11] قال ابن كثير: هو مالك كل شيء وخالقه، فكيف يكون له من خلقه نظيرٌ يساميه، أو قريب يدانيه؟ تعالى وتقدَّس وتنزَّه، وفي الحديث القدسي "حديث : يقول الله عز وجل: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إِياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليَّ من إِعادته، وأما شتمه إِياي فقوله: اتخذ الله ولداً، وأنا الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد ". تفسير : البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البديع والبيان نوجزها فيما يلي: 1- ذكر الاسم الجليل بضمير الشأن {قُلْ هُوَ} للتعظيم والتفخيم. 2- تعريف الطرفين {ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ} لإِفادة التخصيص. 3- الجناس الناقص {لَمْ يَلِدْ} {وَلَمْ يُولَدْ} لتغير الشكل وبعض الحروف. 4- التجريد فإِن قوله تعالى {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} يقتضي نفي الكفء والولد، وقوله {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} هو تخصيص الشيء بالذكر بعد دخوله في العموم وذلك زيادة في الايضاح والبيان. 5- السجع المرصَّع وهو من المحسنات البديعية {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ}. لطيفَة: هذه السورة الكريمة مؤلفة من أربع آيات، وقد جاءت في غاية الإِيجاز والإِعجاز، وأوضحت صفات الجلال والكمال، ونزهت الله جل وعلا عن صفات العجز والنقص، فقد أثبتت الآية الأولى الوحدانية، ونفت التعدد {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} وأثبتت الثانية كماله تعالى، ونفت النقص والعجز {ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ} وأثبتت الثالثة أزليته وبقاءه ونفت الذرية والتناسل {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} وأثبتت الرابعة عظمته وجلاله ونفت الأنداد والأضداد {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} فالسورة إِثبات لصفات الجلال والكمال، وتنزيه للرب بأسمى صور التنزيه عن النقائص. فَائِدَة: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : من قرأ {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} فكأنما قرأ بثلث القرآن" تفسير : قال العلماء: وذلك لما تضمنته من المعاني والعلوم والمعارف، فإِن علوم القرآن ثلاثة: "توحيد، وأحكام وقصص" وقد اشتملت هذه السورة على التوحيد، فهي ثلث القرآن بهذا الاعتبار، وقيل: إِن ذلك في الثواب أي لمن قرأها من الأجر مثل أجر من قرأ ثلث القرآن، والله أعلم.
زيد بن علي
تفسير : قولهِ تعالى: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} معناه واحدٌ {ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ}، فالصَّمدُ: هو السَّيدُ الذي لَيسَ فَوقَهُ أحدٌ. ولا يُدانيهِ أحدٌ. المَرغوبُ إليه عِندَ الرّغائبِ. المَفزوعُ إليهِ في النَّوائبِ. والصَّمدُ: الباقي الدَائمُ. ويقال: هو الله أحدٌ: ليسَ مَعهُ شَريكٌ. الصَّمدُ: يقال هو المَصمودُ إليهِ بالحَوائجِ {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} معناه لَيسَ بوَالدٍ ولا مَولودٍ {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} معناه شِبهٌ. ويقال لَم يَلدْ: لم يَتولدْ منهُ شَيءٌ. ولم يَتولدْ هو مِن شَيءٍ. ولم يَكنْ لَهُ كُفُواً أَحدٌ: ليسَ لَهُ شِبهٌ ولاَ نَظيرٌ ولَيسَ كَمثلهِ شَيءٌ.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} الآية، هذه السورة مكية ولما تقدم فيما قبلها عداوة أقرب الناس إليه وهو عمه أبو لهب وما كان يقاسي من عباد الأصنام الذين اتخذوا مع الله آلهة جاءت هذه السورة مصرحة بالتوحيد رادّة على عباد الأوثان والقائلين بالثنوية وبالتثليث وبغير ذلك من المذاهب المخالفة للتوحيد. وعن ابن عباس أن اليهود قالوا: يا محمد صف لنا ربك وانسبه فنزل: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}. {ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ} مبتدأ وخبر "والصمد" فعل بمعنى مفعول كالقبض بمعنى المقبوض من صمد إليه إذا قصده وهو السيد المصمود إليه في الحوائج، قال الشاعر: شعر : الا خبر الناعي بحير بني أسد بعمرو بن مسعود بالسيد الصمد تفسير : قال الزمخشري: لم يلد لأنه لا يجانس حتى يكون له من جنسه صاحبة فيتوالدا وقد دل على هذا المعنى بقوله تعالى: {أية : أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَٰحِبَةٌ}تفسير : [الأنعام: 101]. {وَلَمْ يُولَدْ} لأن كل مولود محدث وجسم والله تعالى قديم لا أول لوجوده وليس بجسم ولم يكافئه فيه أحد أي لم يماثله ولم يشاكله ويجوز أن تكون من الكفاءة في النكاح نفياً للصاحبة "انتهى". {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} يقال كفو بضم الكاف وفتحها وكسرها مع سكون الفاء وقال الزمخشري: فإِن قلت الكلام العربي الفصيح أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم وقد نص سيبويه على ذلك في كتابه فما باله مقدماً في أفصح الكلام وأعربه. قلت: هذا الكلام إنما سيق لنعي المكافأة عن ذات الباري سبحانه وتعالى وهذا المعنى مصبه ومركزه هو هذا الظرف فكان لذلك أهم شىء وأعناه وأحقه بالتقديم وأحراه. "انتهى". وهذه الجملة ليست من هذا الباب وذلك أن قوله ولم يكن له كفواً أحد ليس الجار والمجرور فيه تاماً إنما هو ناقص لا يصلح أن يكون خبراً الكان بل هو متعلق بكفواً وقدم عليه فالتقدير {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} أي مكافئه فهو في معنى المفعول متعلق بكفواً وتقدم على كفواً للاهتمام به إذ فيه ضمير الباري تعالى وتوسط الخبر وإن كان الأصل التأخير لأن تأخير الاسم هو فاصلة فحسن ذلك وعلى هذا الذي قررناه يبطل إعراب مكي وغيره إن له الخبر وكفواً حال من أحد لأنه ظرف ناقص لا يصلح أن يكون خبراً وبذلك يبطل سؤال الزمخشري وجوابه وسيبويه إنما تكلم في الظرف الذي يصلح أن يكون خبراً ويصلح أن يكون غير خبر قال سيبويه: وتقول ما كان فيها أحد خير منك وما كان أحد مثلك فيها وليس أحد فيها خير منك إذا جعلت فيها مستقراً ولم تجعله على قولك فيها زيد قائم أجريت الصفة على الإِثم فإِن جعلته على فيها زيد قائم نصبت فتقول ما كان فيها أحد خيراً منك وما كان أحد خيراً منك إذا أردت الإِلغاء فكلما أخرت المعنى كان أحسن وإذا أردت أن يكون مستقراً فكلما قدمت كان أحسن والتقديم والتأخير والإِلغاء والاستقرار عربي جيد كثير قال تعالى: {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}.
الجيلاني
تفسير : {قُلْ} يا أكمل الرسل لمن سأل عنك بقوله: صف لنا ربك ألذي تدعونا إلى الإيمان به وعبادته: {هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} [الإِخلاص: 1] أي: هو الذات المتصف بالألوهية الغيبية والشهادة، المتعالية عن كليهما بحسب ذاته المتصفة بالألوهية والربوبية، المستجمعة لجميع شرائط الكمال حسب الأسماء والصفات الكاملة، الكامنة في تلك الذات المتصفة بالأحدية المطلقة المنزهة عن التعدد والكثرة مطلقاً، المستقل في الوجود والحياة والقيومية المستلزمة للديمومية والبقاء الأزلي الأبدي السرمدي، الذي كان لا يكال بقاؤه ودوامه بمطلق الموازين والمقادير، ولا يحيط به وبقيوميته مطل التدابير والتقادير. فكيف كان سبحانه محلاً للتقدير؛ إذ هو {ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ} [الإِخلاص: 2] أي: السيد السند الذي يقصد نحوه ويرجع إليه عموم ما ظهر وبطن من الكوائن والفواسد الكائنة في نشأتي الغيب والشهادة، والأولى والأخرى، وهو في ذاته مستغن عن جميعها مطلقاً. وكيف لا يكون مستغنياً؛ إذ هو الله الذي {لَمْ يَلِدْ} إذ الإيلاد إنما هو للأخلاف وخوف الانعدام والانقضاء، وهو سبحانه بمقتضى قيوميته ووجوب وجوده ودوام بقائه لا يطرأ عليه أمثال هذه النقائص المستلزمة لضبط العاقبة والمآل؛ إذ لا يجر عليه انقضاء وانتقال {وَ} كذا {لَمْ يُولَدْ} [الإِخلاص: 3] لذلك؛ إذ كل ما ظهر وبطن، أزلاً وأبداً إنما هو منه وبه وله وفيه، وكل ما فُرض من الموجود أزلاً وأبداً ما هو خارج عن حيطة أظلال أسمائه وعكوس صفاته، فكيف يتصور أن يسبقه شيء هو غيره مع أنه لا غير في الوجود مطلقاً حتى يلده. {وَ} باجملة: هو سبحانه منفرد في توحده، متوحد في انفراده، ومستقل في استقلاقه، بحيث {لَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} [الإِخلاص: 4] لا قبله ولا بعده، بل لا إله سواه، ولا موجود غيره. خاتمة السورة عليك أيها الموحد المحمدي المنكشف بالتوحيد الذاتي - مكنك الله في مقر عزك وتمكينك - أن تصرف عنان عزمك وهمتك بعدما كوشفت بتوحيده الذاتي وكمالات أسمائه وصفاته نحو سوابغ آلائه ونعمائه الفائضة منه سبحانه حسب رقائق أسمائه الحسنى وأوصافه العظمة، وتشاهد آثار قدرته الغالبة التي تتحير منه العقول والآراء. وإياك إياك أن تغفل عن الله طرفة، فإنها تورثك حسرة طويلة؛ إذ كل نفس من النفسات الإلهية التي جرت عليك في أوقات حياتك مشتملة على عجائب صنع الله وبدائع حكمته المتقنة البالغة، بحيث ما مضى مثلها أزلاً ولا سيأتي شبهها أبداً، فعليك أن تغتنم الفرصة وتتعرض للنفحات الإلهية، ولا يشغلك شيء منها. جعلنا الله من المتعرضين بنفحات الحقن المستنشقين من نسمات روحه وراحته بمنِّه وجوده.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : يا طالب الوحدانية وسرها في عالم الخفى، {قُلْ} [الإخلاص: 1] بلسانك للطيفتك الخفية في عالم الخفى: {هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] إشارة إلى الله؛ لأن اللطيفة الخفية في عالمها؛ وهي محجوبة عن غيب الغيوب الذي هو عالم الحق؛ لأن الله {أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] في ذاته، {ٱلصَّمَدُ} [الإخلاص: 2]؛ أي: الصمد في صفاته ليس لذاته مثل ولا لصفاته شبه، ولا له ضد، ولا له ند. {لَمْ يَلِدْ} [الإخلاص: 3] لأنه صمدي الصفات، {وَلَمْ يُولَدْ} [الإِخلاص: 3]؛ لأنه أحدي الذات، أول كل شيء وآخره، موجد كل شيء ومعدمه، مبقي الحقوق المفردة ومغني الحظوظ المركبة، ومهلك المفردات عند تجلي صفة وتريته. {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} [الإخلاص: 4] في ملكه وملكوته، واللطيفة الأنانية المستحقة المرائية يقول: سبحان الله الواحد الأحد، الفرد الوتر الصمد، الذي {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} [الإخلاص: 3-4] سبحانه ما أعظم شأنه. وإذا كانت في اللطيفة بقية من القوى الحميدة اللطيفة القالبية أو النفسية يقول: "سبحاني ما أعظم شأني"، وأنا الحق"؛ فإذا أفاق من غلبة حالتها يقول: شعر : أقتلوني يا ثِقاتي إِنَّ في قَتلي حَياتي وَمَماتي في حَياتي وَحَياتي في مَماتي تفسير : وهذه منزلة عظيمة مشكلة ينبغي للسالك أن يكون في بدرقة حماية شيخة ووليه وتقليد نبيه صلى الله عليه وسلم؛ ليخلصه من هذه الورطة في عالم [سيره]، ويصله إلى لطيفة الخفية في غيب الغيوب، ويعرض هذا الغلط على لطيفة الخفية عند تجلي اللطيفة الخفية على اللطيفة الأنانية، والنصارى لأجل هذا أثبتوا الأبوة والأمومة والبنونة وقالوا: {أية : ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ}تفسير : [المائدة: 73]، وتحزبوا في مذهب الاتحاد أحزاباً كثيرة، مثل اليعاقبة والملكية، والنسطورية، فكلهم قالوا بالاتحاد. ولكن اليعاقبة يزعمون أن الاتحاد كان بالناسوت واللاهوت من حيث الامتزاج والاختلاف، بحيث صار الله تعالى حصلت عظمته، والبصري المأخوذ من مريم جوهراً واحداً، شخصاً واحداً، إلهاً وحداً، يكفرون الملكية والنسطورية، ويتسحلون دمهما. والملكية يزعمون أن الاتحاد كان بالناسوت لا باللاهوت، اتحاد للجارة بحيث صار الله عز وجل كما يقول الظالمون الكافرون الجاهلون والإنسان المولد من مريم، بل هو جوهرين ناسوتي ولاهوتي شخصاً واحداً إلهاً واحداً، ومن لم يعتقدهم يحكمون بكفره واستباحة دمه. والنسطورية يزعمون أن الاتحاد كان بالشبه والرضاء بحيث صار الله تعالى عما يصفه المشركون الجاحدون علواً كبيراً، والمولود من مريم يسمونه بلغتهم (عمّايزيل) ومعناها بالعربي: لنا جوهران أزلي وزمني، وأقنوماني ناسوتي ولاهوتي ابناً واحداً مسيحيّاً واحداً إلهاً حقاً من إله حق ابن جوهر أبيه، ومن لم يذهب مذهبهم فلا يدخلون القداس، ويقرون بكفرهم وقتلهم وكلهم صدقوا بتكفيرهم وأمرهم بقتلهم، علا الله تعالى وتقدست صفاته بالأقانيم الثلاثة بالاتفاق بعضهم يفسرون الأقانيم الثلاثة؛ أي: الأشخاص بالأب والابن وروح القدس، وبعضهم يقولون: إن ذات البارئ تعالى الله عن ذلك {أية : عُلُوّاً كَبِيراً}تفسير : [الإسراء: 43] الأب والمسيح الابن، والكلمة هي الجابلة المصورة المفصلة للمعاني المبسوطة، التي بها يكون التعقل هي {أية : رُوحُ ٱلْقُدُسِ}تفسير : [النحل: 102]، وبعضهم يزعمون أن الأب هو القدم والابن هو الحكمة، وروح القدس هي الحياة. وكلهم غلطوا في النقطات الخارجية عن بحر الجبروت وقت المد، وهي النقطة العلمية التي هي منيع عالم الخفاء، والنقطة الإرادية التي هي منبع عالم الروح، والنقطة القدرية التي هي منبع عالم السر، وظنوا بالنقطة العلمية أنها ذات البارئ، وبالنقطة الإرادية أنها ابن البارئ، وبالنقطة القدرية أنها هي الكلمة، وبعبارة بعضهم هي روح القدس، فكفروا بالله تعالى، واشركوا به في عين اعتقادهم بالاتحاد؛ لأن سنة الله تعالى جرت على إثبات الوسائط كما نشاهدها في عالم الشهادة، إن الولد لا يحصل إلا بازدواج الذكر والأنثى، فعلى هذا الترتيب أثبتوا الوسائط في عالم الغيب بالنطقة الفاعلة؛ وهي النقة القابلة، وهي للنقطة القدرية لظهور نقطة الإرادة وهي النتيجة، فحسبوا أن ليس وراء العبادات قربة، وأثبتوا رقائق الدقائق الملكية وحقوق ثلاثة، وما وفقوا السير إلى عالم الجبروت ليشاهدوا دقائقها المتصلة إلى حقائق اللاهوتي، ويعاينوا بالذوق الصرف استهلاك الحقائق في ذات الحق الأعظم أحدي الذات وأحدي الصفات، الذي هو فرد بين الخلق وتر بعد الخلق، ولا يمكن الوصول إلى هذا المقام إلا بمتابعة المحبوب؛ لأنه اللطيفة الخفية وينزل ويقتدي بالمهدي الذي يكون من أمة الحبيب وولد من أولاده؛ ليطَّلع على اللطيفة الخفية ويستغفر عن رؤية لطفية روح القدس في نفسه، ويدعو أمته إلى الدين الحنفي ليدخلوا في الحنيفية السمحة السهلة، ويكسروا صليبهم، ويهرقوا خمرهم، ويقتلوا خنزيرهم، ويقولوا كلمتي الشهادة ويشهدوا بأن لا إله إلا الله حقاً، وأن محمداً رسول الله صدقاً. فاجتهد أيها العابر على اللطائف القالبية، والنفسية والقلبية، والسرية والروحية، والواصل إلى لطيفتك الخفية، ألاَّ تعجب بنفسك ولا تظن بأنك وصلت وكملت بتجلي لطيفة أنانيتك على لطيفة خفيك، وتلوذ بأذيال سنن الحبيب المطلق وتعتصم بحبل الله المتين؛ وهو القرآن المبين الذي أنزل على حبيبه الأمين، حتى تصل جذبة الحق من عالم اللطيفة الحقيقية، ويجذبك من اللطائف كلها ويوصلك إلى اللطيفة الخفية، ويجعلك محرماً لأسرار ذاته وحكمته التي كانت له في إيجاده الموجودات وإفناء المركبات وإهلاك المفردات، وإبقاء اللطائف المستكلمة أبد الآباد إما متنعماً وإما متألماً، فسير عيسى عليه السلام كان سير الحبيب من الأنبياء المتقدمة؛ ولأجل هذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الأنبياء أبناء علات إلا أنا وعيسى"،تفسير : وأما سير إبراهيم عليه السلام كان مستقيماً إلى أن وصل إلى فاطر السماوات والأرض، وتوجه إليه {أية : مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً}تفسير : [آل عمران: 67]؛ لأنهم أثبتوا اللطيفة السرية بالنبوة في عالم السر، إذا وجدوها غير حاصلة من امتزاج الروح والقلب، وقالوا: إن عزير ابن الله {أية : وَلاَ نَصْرَانِيّاً}تفسير : [آل عمران: 67]؛ لأنهم غلطوا في الخفى؛ لأن اللطيفة الخفية أعظم قدراً من اللطيفة السرية، وأعلى مرتبة من اللطيفة الروحية، وأثبتوا الأبوة والأمومية والبنوة كما ذكرنا، {أية : وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً}تفسير : [آل عمران: 67] بسيره المستقيم إلى عالم القلب، {أية : وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [آل عمران: 67] فيما رأى من الآيات الملكوتية المودعة في نفسه في ظلمة ليل القالب بقوله: {أية : هَـٰذَا رَبِّي}تفسير : [الأنعام: 76]؛ لأنه وصل إلى فاطر السماوات والأرض في عالم القلب، تبرأ من الأفلاك وتوجه بالكلية إلى فاطر الأرضين والسماوات، وقال في نهاية معراجه: {أية : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [الأنعام: 79]. وأمر الله تعالى حبيبه المصطفى بأن يبتدي به في بداية معراجه ويزيد عليه بقوله: {أية : قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ}تفسير : [الأنعام: 162-163]، وقال الله تعالى: {أية : إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ}تفسير : [آل عمران: 68]، ومن على أمته في كل يوم خمس أوقات بالصلاة، التي هي معراج أمته بقوله تعالى: {أية : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [الأنعام: 79]، {أية : إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ}تفسير : [الأنعام: 162-163]، وذكرت حقيقة الصلاة التي كانت معراجاً في مدارج المعارج، فلا أكررها فإن كنت تشتهي مطالعتها فاطلبه وطالعه وأدِ حقه؛ لتصل إلى حظك المخفي الخفي المودع فيه. اللهم اجعلنا موحدين قائمين بالقسط غير راغبين إلى الباطل، الثابتين على الحق بمحمد حبيبك المطلق صلى الله عليه وسلم، وصحبه وسلم والتابعين لهم بإحسان إلى اليوم الدين.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي { قُلْ } قولا جازمًا به، معتقدًا له، عارفًا بمعناه، { هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } أي: قد انحصرت فيه الأحدية، فهو الأحد المنفرد بالكمال، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العليا، والأفعال المقدسة، الذي لا نظير له ولا مثيل. { اللَّهُ الصَّمَدُ } أي: المقصود في جميع الحوائج. فأهل العالم العلوي والسفلي مفتقرون إليه غاية الافتقار، يسألونه حوائجهم، ويرغبون إليه في مهماتهم، لأنه الكامل في أوصافه، العليم الذي قد كمل في علمه، الحليم الذي قد كمل في حلمه، الرحيم الذي [كمل في رحمته الذي] وسعت رحمته كل شيء، وهكذا سائر أوصافه، ومن كماله أنه { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } لكمال غناه { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } لا في أسمائه ولا في أوصافه، ولا في أفعاله، تبارك وتعالى. فهذه السورة مشتملة على توحيد الأسماء والصفات.
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} [1] 735- أنا قتيبة بن سعيد، عن مالك والحارث بن مسكين، قراءة عليه عن ابن القاسم، قال: حدثني مالك، عن عبيد الله بن عبد الرحمن، عن عُبيد بن حُنَين، قال: سمعت أبا هريرة يقول: حديث : أقبلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع رجلا يقرأ {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَجَبَت"، قلت: ما وَجَبت؟ قال: "الجنة ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):